قوة المنطق في مواجهة منطق القوة

رد على إدعاءات وزارة الخارجية الأمريكية

الطاهر المعز

ملاحظة من “كنعان”:

نشرنا في العدد 1866 من “كنعان” الالكترونية، بتاريخ 18 ابريل 2009 مقالا للزميل الطاهر المعز بعنوان:“ميبي: مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي”.

وقبل أيام، اي بعد مرور ما يقارب العام والنصف على نشر المقالة، وردنا تعليق من “فريق التواصل الألكتروني” في وزارة الخارجية الأمريكية. ولآهمية القضية المثارة، فاننا نقدم في نشرة اليوم :

(1) التعليق الوارد من “فريق التواصل الألكتروني” في وزارة الخارجية الأمريكية الى موقعنا.

(2) رد الزميل الطاهر المعز على هذا التعليق.

(3) كما نعيد نشر مقالة الطاهر المعز التي يدور حولها هذا النقاش: :”ميبي: مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي”، كنعان 18 ابريل 2009 (الرابط في موقع “كنعان”:

https://kanaanonline.org/?p=986#comment-4596.

ويهمنا في هذا الصدد ان نؤكد اننا في فريق تحرير “كنعان” نشارك الزميل الطاهر موقفه ونؤيد ما جاء في مقالته الاصلية وفي رده على تعليق الخارجية الاميركية.

* * *

(1)

ميبي والاصلاح في الشرق الاوسط

بقلم فهد
فريق التواصل الألكتروني
وزارة الخارجية الأمريكية

يؤمن الامريكيون ومنذ تأسيس وطنهم بان رغبة الفرد في العيش في سلام و حرية و كرامة هي رغبة متأصلة في جميع البشر ولذلك فأن تلك الرغبة هي طموح يتواجد في جميع انحاء العالم. مثلها مثل ضرورة المشاركة في عملية صنع القرار السياسي. و تلك الحقيقة هي السبب الاساسي الذي يجعل من الطبيعي ان تؤيد الولايات المتحدة اي أناس يريدون – او حتى يطالبون – حماية و احترام تلك الحزمة من الحقوق الاساسية غير القابلة للتصرف.

ففي مراحل مختلفة من عملية تأسيس و انماء دولة ديمقراطية، بذلت الولايات المتحدة كل ما في وسعها في مساندة كل من يسعى للعيش في مجتمع حر و منفتح و متسامح. و هذا هو الواقع في الشرق الاوسط و غيرها من المناطق. و قد كانت ولا تزال مبادرة الشراكة الشرق الاوسطية (ميبي) جزءا كبيرا من هذا المجهود.

يدعي بعض منتقدي الولايات المتحدة أن التزامها بدعم الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط ليس إلا من قبيل الخطب الرنانة. و في الوقت نفسه، يتهم اخرون – مثل السيد الطاهر المعز على سبيل المثال- الولايات المتحدة بأنها تستغل قضية الاصلاح و تستخدمها كذريعة تبرر من خلالها (التدخل) في الشؤون الداخلية في دول المنطقة، لانها تود فرض مؤسساتها وقيمها على شعوب البلاد الذين لم يستجيبوا لتلك المحاولة. ولكن الحقيقة تشير الى واقع اخر.

الواقع هو ان الولايات المتحدة تدرك تماما ان قضية دعم الاصلاحات هي قضية دقيقة و من ثم فانها خاضت تلك المسيرة بحذر ، آخذة في الاعتبار ألادعاءات المتناقضة التي تصدر عن النقاد من طرفي الطيف السياسي.

الجهود الأمريكية متعددة ولا تقتصر فقط على مطالبة المسئولين الأمريكيين للزعماء العرب – سواء في السر أو العلن – باتخاذ خطوات فعالة تجاه الإصلاحات الضرورية كجزء من مجهود أكبر لتوسيع نطاق المشاركة السياسية وتوفير الفرص لمواطني المنطقة ليحققوا وجودهم ويبرزوا قدراتهم الكامنة. فبالإضافة إلى ذلك تقدم الولايات المتحدة الدعم للمنظمات والحركات الديمقراطية الناشئة في المنطقة، والتي تلتزم بمساندة أوطانها في عملية الانتقال إلى مجتمعات أكثر انفتاحا وتعددية.

و لكن في نفس القدر من الاهمية، لا ترغب الولايات المتحدة في فرض قيمها ولا زرع مؤسساتها في الشرق الأوسط ولا في أي منطقة أخرى. و لطالما أقر المسئؤلون الأمريكيون بأنه يتوجب على الولايات المتحدة وعلى المجتمع الدولي أن يبذلا مجهوداً أكبر تجاه دعم الديمقراطيات الفتية والتي تمر عادة بمراحل حرجة وطويلة في طريقها إلي حكم ديمقراطي مستقر. يبقى التحدي في مدى وطبيعة ذلك الدعم.

نظرا الى ان الامريكيين كانوا على دراية بتجارب دول ديمقراطية اقدم و حيث انهم تابعوا عملية انتقال الانظمة الديمقراطية الفتية التي تاسست بعد الولايات المتحدة ، تدرك الولايات المتحدة ان الديمقراطية هي ليست خطوة واحدة و انما هي عملية طويلة مليئة بالتجربة والخطأ وان مسيرتها تختلف من دولة الى دولة. و بالرغم من ان هنالك كتلة من المبادئ الاساسية التي بدونها لا يمكن اعتبار نظام ما على انه ديمقراطية حقيقية، الا ان للديمقراطية عدة نماذج.

فخلافا للادعاءات التي وجهها السيد طاهر المعز ضد الولايات المتحدة، الحقيقة هي ان الولايات المتحدة ليست في خضم خطة جهنمية و التي تتمحور حول تجنيد (نخب) من الشباب العرب لكي ينفذوا مساعيها “الامبريالية” و التي تهدف الى (خلق تيار بديل) لقيم المنطقة التقليدية و استبدالها بقيم (الاحتلال) و )الهيمنة) لكي تتمكن من اضعاف و قهر شعوب المنطقة.

هدف الولايات من مبادرات مثل “ميبي” هو تقديم دعم تقني ومشاركة للخبرات مع المنظمات التي بدأت فعلا في تأسيس قاعدة من التأييد الشعبي لها من ضمن شرائح المجتمع ، وبخاصة تلك التي تعمل بجد لرفع الوعي السياسي اللازم لتأهيل مجتمعاتهم للقيام بإصلاحات شاملة يعتبرونها ضرورية.. فالولايات المتحدة تستند إلى خبرتها في تأسيس و تنمية نظام ديمقراطي مستقر و حيوي لتقديم النصيحة والمشورة لمجتمعات في خضم تجربة الإصلاح و الانتقال و التطور. . مقدرة لخصوصيات كل مجتمع ، فالولايات المتحدة تقدم برامج فريدة من نوعها تتماشى مع تقاليد و قيم المجتمع المضيف، ليس عكس ذلك، كما ادعى السيد المعز اعلاه.

فبمشاركة حلفائها من الدول الديمقراطية الأخرى و الأهم من ذلك مشاركة المنظمات المحلية و مؤسسات المجتمع المدني و المؤسسات الاقتصادية و في العديد من الأحيان بالتعاون مع سلطات محلية ، تدعم الولايات المتحدة الديمقراطية من خلال دفع المبادرات الإصلاحية الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية في المنطقة إلى الأمام. وهنا تعتبر (ميبي) على انها تجسيد لروح الشراكة و التعاون و المساندة.

فهد
فريق التواصل الألكتروني
وزارة الخارجية الأمريكية

( *** )

(2)

رد الزميل الطاهر المعز:

قوة المنطق في مواجهة منطق القوة

اتسم رد وزارة الخارجية الأمريكية بالمراوغة والديماغوجيا، ولم يرد على أي من الحجج والإستشهادات الواردة في مقالي بعنوان “ميبي: مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي”، بل اكتفى بالجمل الممجوجة التي طالما رددتها الدعاية الرسمية للحكومات الأمريكية المتعاقبة، ذات الأغلبية الجمهورية أو الديمقراطية…

لقد تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على جماجم السكان الأصليين للبلاد، الذين وقعت تصفيتهم بالملايين (ما بين 70 مليون و 110 ملايين، حسب المصادر)، بدعوى أنهم “أجساد بلا أرواح”، في مرتبة الحيوان… ونما وازدهر اقتصادها بفضل ملايين الأفارقة السود الذين استعبدهم أصحاب المزارع الأروبيون، الأنغلوسكسونيون، بعدما افتكوا أراضي السكان الأصليين، واستحوذوا عليها بقوة السلاح، وسمح استغلال العبيد بتراكم هائل لرأس المال البدائي، الذي أفضى إلى الإستثمار في التصنيع… لذا فإن الأمريكيين لم يؤسسوا وطنا بل أسسوا دولة على جماجم السكان الأصليين والعبيد، فالوطن لا يؤسس (كما جاء في الجملة الأولى للرد) وإنما يورث عن الأجداد، وأجداد الأمريكيين موجودون في أوروبا، ولما هاجروا إلى “العالم الجديد” فتكوا بسكانه الأصليين، وكذا فعلوا في كندا وأستراليا… وهذا أحد أوجه التشابه مع الكيان الصهيوني، حيث جاء الصهاينة الأشكناز من أوروبا، ليحتلوا فلسطين، ويطردوا سكانها الأصليين، عندما لم يتمكنوا من إبادتهم…

إن دولة تأسست بهذا الشكل ولها هذا الباع وهذا التاريخ العريق في فنون الإبادة، لا يمكن لها أن تكون ديمقراطية، وهي ليست مؤهلة لتلقين دروس في الديمقراطية، أو احترام الحقوق الفردية أو الجماعية للبشر…

عن الديمقراطية، داخل حدود الولايات المتحدة الأمريكية

أصدرت “لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري” تقريرا سنة 2008، عددت فيه أنواع التمييز العنصري “المقونن” الذي تمارسه الحكومة الأمريكية ومختلف إداراتها ومكاتبها وأجهزتها ضد العرب وغيرهم ، خاصة منذ 11/09/2001، ونقدت ممارسات الشرطة والمحاكم والإدارات الأمريكية، تجاه العرب ومن يعتقد أنهم مسلمون…وتتجلى الممارسات العنصرية ضد العرب والمسلمين والسود في مجالات الحياة الإجتماعية، والتعليم والسكن والصحة والشغل، وتعامل الشرطة وجهاز القضاء تجاههم…(تقارير للأمم المتحدة، لسنتي 2007 و 2008)، وتضرر العرب والمسلمون من القوانين التي تم إقرارها بعد 11/01/2001، مثل “باتريوت آكت” وقانون التنصت ومراقبة المراسلات والمكالمات، وتعميم اللجوء إلى المحاكم العسكرية، وتجنيد حوالي 11 مليون مواطنا للوشاية بالجيران وزملاء العمل والأصدقاء الخ…

أما منظمة العفو الدولية فقد نشرت عدة تقارير تندد بالطابع الإستعجالي للمحاكمات، وعدم الإعتراف بالخطأ، وبإعدام المختلين عقليا والقاصرين… كما تبين بالبرهان والدليل القاطع، الطابع العنصري لجهازي الشرطة والقضاء، من ذلك أن المواطنين السود لا يمثلون سوى

12 % من السكان، ولكنهم يمثلون 41 % ممن ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في “أروقة الموت” و 34 % ممن وقع إعدامهم فعلا، خلال ثلاثين سنة ( 320 من جملة 960)، وحسب أحد تقارير الأمم المتحدة فإن العنصرية تتجلى في تركيبة المحلفين والأصل الطبقي للمتهم ولون بشرته ودينه المفترض ولون الضحية وأصلها الطبقي… وتتصدر الولايات المتحدة الإحصائيات الدولية بخصوص نسبة الإعتقال، حيث أن 1 % من السكان الذين تتيح سنهم اعتقالهم، موجودون بالسجن في يناير 2010، أي 2,3 مليون سجين، وتتجلى العنصرية في عدد المساجين السود ونسبتهم فهناك 3000 سجين من كل 100 ألف مواطن أسود، بينما بلغت هذه النسبة في جنوب أفريقيا، زمن التمييز العنصري، 723 سجينا أسود من كل 100 ألف مواطن…ويفسر ارتفاع عدد نزلاء السجون بتشديد الإجراءات القمعية ضد الأقليات، وكذلك بالمصالح الإقتصادية، إذ يشكل السجناء يدا عاملة رخيصة، فهم يعملون بأجور زهيدة، تتراوح بين 17 سنتا و 1,25 دولارا مقابل ساعة عمل، في السجون الحكومية أو الخاصة، وينتج السجناء 100% من احتياجات الجيش من الخوذ والأحزمة والستر الواقية والخيم والثياب… وينتج السجناء الأمريكيون 92 بالمائة من الأفران التي تباع في الولايات المتحدة و36 % من الصناعات المنزلية و 30 % من سماعات الأذن و21 % من أثاث المكاتب… وأغلقت بعض الشركات الأمريكية فروعها في البلدان الفقيرة، للإستثمار في السجون، مما ضاعف أرباحها بنسبة 300 %… ومن يرفض العمل من المساجين، يوضع في زنزانة إنفرادية ويعزل عن باقي السجناء، ويحرم من عدد من البرامج والأنشطة… بعد أكثر من قرنين على إعلان “الإتحاد”، لا تبلغ نسبة الأساتذة السود في التعليم العالي 1 %، وخلال 2700 عملية انتخابية، منذ مائتي سنة، لم يدخل مجلس الشيوخ سوى خمسة نواب سود…

أما عن الإنتخابات فإن النظام الأمريكي نظام رئاسي، ولكن المواطنين لا ينتخبون الرئيس مباشرة، بل ينتخبون نوابا، أعلنوا أنهم مع مرشح، ضد آخر… لذلك فإن عدد الأصوات أقل أهمية من عدد النواب، وهذا ما حصل أثناء انتخاب جورج بوش الإبن، حيث حصل على أصوات أقل من خصمه، لكنه “فاز” بالرئاسة… ويشارك في الإنتخابات الأمريكية أقل من ثلث الراشدين، إذ يحرم الملايين من حقوقهم المدنية، ولا يقع ترسيم آخرين في القائمات الإنتخابية، إضافة إلى المساجين ( وعددهم حوالي 2,3 ملايين) والمهمشين والفقراء الذين، يعتقدون بان الإنتخابات لن تحسن وضعهم الخ…

من مظاهر “الديمقراطية” في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا، بيع الأسلحة النارية، كأي بضاعة أخرى، والدفاع عن حملها، بدعوى الحرية، فبلغ عدد الأسلحة المرخص بحملها سنة 2008، 200 مليونا، تسببت في قتل 30 ألف مواطن سنويا، أي حوالي 83 يوميا، منها الإنتحارات والإغتيالات والقتل على وجه الخطأ الخ… وحطمت الولايات المتحدة كل أرقام القتل بالسلاح، وقتل النساء من قبل الزوج أو الخليل، والأطفال، والسطو المسلح، بمعدل يفوق 12 مرة دول أوروبا، التي يفوق عدد سكانها 400 مليون نسمة، بينما لا يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة 300 مليونا…

هل يمكن لأقوى دولة في العالم أن تتبجح بالديمقراطية بينما يعاني 14,3 % من مواطنيها من الفقر المدقع (43,6 مليون مواطن أو 1 من كل سبعة مواطنين) ويعاني 17 مليون طفل من الخصاصة و”انعدام الأمن الغذائي” (3 % من الأطفال البيض و 43 % من الأطفال السود) ويضطر 41 مليون مواطن إلى الإكتفاء ب”قصاصات الغذاء” التي توزعها وزارة الفلاحة، ولا يتجاوز دخل 6 ملايين منهم 133 دولارا شهريا، ولا يتمتع 17 % من المواطنين بالتغطية الصحية (حوالي 51 مليون مواطن)… أما عدد العاطلين عن العمل، فيتجاوز 15 مليونا، حسب الأرقام الرسمية، و 25 مليونا يعملون بدوام جزئي مفروض عليهم، وحوالي 25 مليونا آخرين لا تشملهم الإحصاءات، بدعوى انقطاعهم عن البحث عن عمل… ماذا يمكن أن تعني الديمقراطية الأمريكية بالنسبة لكل هؤلاء الفقراء والمهمشين والمساجين والسود والعرب الملاحقين والمضطهدين والمستغلين، وذوي ضحايا الأسلحة التي تباع “بحرية” في الأسواق…؟

هذه بعض من الحقائق المنشورة في وسائل الإعلام وفي نشرات المنظمات المحلية والدولية، وهي تبرز بعض الجوانب التي تخفيها الدعاية الرسمية لوزارة الخارجية وفريقها “للتواصل الإلكتروني”، وهو ما لا تبرزه قناة “سو”ا الإذاعية ومحطة “الحرة” التلفزية الخ…

السياسة الخارجية الأمريكية

حطمت الولايات المتحدة الرقم القياسي في استعمال حق النقض (الفيتو)، داخل مجلس الأمن، لمنع أي قرار يدين الكيان الصهيوني (مهما كان القرار رمزيا وناعما وغير ملزم)، واستعملت منظمة الأمم المتحدة للوصول إلى غاياتها، و احتلال البلدان، تحت غطاء قرار دولي أو “تحالف دولي” (العراق، أفغانستان، الصومال، يوغسلافيا…)، والتنصل حتى من دفع ديونها نحو الأمم المتحدة، فبلغت ديونها المتأخرة 1,2 مليار دولارا عام 2010، مما عمق عجز موازنة ما سمي “عمليات حفظ السلام” إلى 3,2 مليار دولار، وبلغ عجز موازنة الأمم المتحدة ككل 4,1 مليار دولارا… وساءت حال كل البلدان التي احتلتها الولايات المتحدة (بغطاء دولي أو بدونه)، ففي أفغانستان ارتفع إنتاج الأفيون منذ الإحتلال إلى 3 آلاف طن سنويا، بقيمة 5,5 مليار دولار، لا تعود منها سوى 5 % للأفغانيين بمحتلف مشاربهم (مزارعين وتجار وحركات مسلحة وطالبان) والبقية تبقى في جيوب تجار الموت الأمريكيين (عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة حزيران 2010)، وحطمت أفغانستان كل الأرقام (منذ الإحتلال الأمريكي) في وفيات الأمهات والأطفال الرضع، بينما ادعى الجيش الأمريكي أنه احتل أفغانستان لتحرير المرأة من براثن “طالبان” الأشرار… وفي ميدان تجارة الموت تتصدر الولايات المتحدة قائمة حلفائها في مجلس الأمن ومجموعة الثمانية وغيرها… لقد أوهمت الولايات المتحدة مواطنيها ومواطني العالم بأن تسلحها كان لدرء خطر “الشيوعية” والإتحاد السوفياتي، وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي ارتفعت نفقات التسلح في العالم من 834 مليار دولار سنة 1998، إلى 1464 مليار دولار سنة 2008، أو 2,4 % من المنتوج الداخلي الخام العالمي (حوالي 217 دولارا لكل نسمة في العالم)، بزيادة 47 % خلال عشر سنوات، مما يؤدي إلى قتل حوالي 300 ألف إنسان سنويا في الدول التي يستهدفها التدخل الإمبريالي… وتبلغ نفقات الأسلحة الأمريكية 45 % من نفقات الأسلحة العالمية سنة 2009، ب688 مليار دولار، وتمثل مبيعات الأسلحة الأمريكية 68,4 % أو ثلثي السوق العالمي للسلاح، بقيمة 25,4 مليار دولار سنة 2007 و 37,8 مليار دولار سنة 2008، بزيادة سنوية تقدر ب 4,7 % (عن الكنغرس الأمريكي، “كنغرسيونال ريزرش سرفيس”)… ولكي يباع هذا السلاح فلا بد من خلق أو تشجيع الحروب الأهلية والحروب بين البلدان المتجاورة، إضافة إلى التدخل العسكري الأمريكي المباشر في كافة أصقاع الدنيا، بذرائع واهية مختلفة… فمنذ سقوط جدار برلين (1989) ونهاية الحرب الباردة وحتى عام 2003، قامت الولايات المتحدة بقصف 18 دولة، وتدخلت فيها عسكريا… أما عدد الحروب التي شنتها الولايات المتحدة (خلال تاريخها القصير) ضد البلدان الأخرى فلا تحصى ولا تعد، ونذكر فقط بأنها استولت على 55 % من أراضي المكسيك سنة 1846 ، وشنت حروبا على طرابلس وتونس والجزائر بين سنتي 1801 و 1815، وتدخلت عسكريا في غرب افريقيا، دفاعا عن حرية استجلاب العبيد، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية تدخلت عسكريا في إيطاليا واليونان وفرنسا، لتنصيب قوى يمينية، منها المافيا، ومنع وصول الشيوعيين إلى الحكم، وهم الذين تصدوا للقوى الغازية النازية، وانتصروا عليها بالمقاومة المسلحة، ودفعوا آلاف الشهداء ثمنا لحرية أوطانهم… كما تدخلت الولايات المتحدة، مباشرة، لقلب أنظمة حكم منتخبة ديمقراطيا في إيران عام 1953، ضد حكومة محمد مصدق، وفي الشيلي سنة 1973، ضد حكومة الرئيس سلفادور أليندي… وتدخلت في كوبا (التي لا زال الحصار مفروضا عليها منذ 1961) وفي أندونيسيا سنتي 1958 و 1965، وفي لبنان سنة 1958، لمنع الرئيس فؤاد شهاب من تسلم السلطة، وخلافة منافسه كميل شمعون، وسنة 1983، لإدامة الإحتلال الصهيوني للبنان، ولا ننسى قصف دول عربية مثل ليبيا في مناسبتين والسودان، والعراق التي تعاني منذ 1990 ولا زالت محتلة، الخ… باختصار، تدخلت الولايات المتحدة عسكريا في كافة مناطق العالم، أثناء عمرها القصير، وساندت الدكتاتوريات… وهي الدولة الوحيدة التي استعملت القنبلة الذرية في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وقصفت الفيتناميين بالقنابل الحارقة “النابالم”، والعراقيين باليورانيوم المنضب الخ… أما عن المساندة المطلقة للكيان الصهيوني، إلى درجة التطابق، فحدث ولا حرج…

ماذا ينتظر منا “فريق التواصل الإلكتروني” لوزارة الخارجية الأمريكية؟ أيريد أن نصفق لهم ونقول هل من مزيد؟ أم أن نطالب باحتلال المزيد من أراضينا وأوطاننا باسم الديمقراطية والاصلاح وحقوق المرأة أو باسم محاربة الإرهاب وغير ذلك من الحجج الواهية؟..

إن مصلحتنا كعرب وكبشر ووطنيين وأمميين، تقتضي محاربة المشاريع الأمريكية بكل ما أوتينا من قوة، وبمختلف الأساليب الممكنة والمتاحة، وخلق أساليب أخرى غير متاحة اليوم… فلا الوضع الداخلي في أمريكا يرشحها لتلقين العالم دروسا في الديمقراطية، ولا صلفها وعنجهيتها على الصعيد العالمي، وتاريخها المظلم، وحنكتها في ارتكاب المجازر، تخولها ادعاء الدفاع عن الديمقراطية وحرية الأفراد أو الشعوب….

عندما يدافع “فريق التواصل الإلكتروني” لوزارة الخارجية الأمريكية عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين (الذين صدر لصالحهم قرار أممي)، وعن الحقوق الجماعية وحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، قد نبدأ آنذاك بإعارة بعض الإهتمام لما يقولون ويكتبون… أما الآن فلا نرى إلا احتلالا أمريكيا، في أكثر من مكان من العالم، واعتداء على الشعوب والدول، وإنكارا لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتمويلا للإحتلال الصهيوني ودفاعا مستميتا عنه، وتبريرا لكل ما يقوم به، واستعانة بخبراته في ميدان التقتيل والقمع، لإرهاب الشعوب…

ماهية “ميبي”

إنه برنامج يتسم بالخبث الشديد والمكر والخداع، والتستر وراء شعارات براقة، وخطورته الأكبر تتمثل في أنه يستهدف الشباب والنساء والطلبة والصحافيين ومن يسميهم المشروع ب”المرشحين لقيادة حركة المجتمع”… فهو “استثمار سياسي” وإيديولوجي، على مدى متوسط أو بعيد، يستهدف العقول ونمط التفكير، ويغري شبانا يعانون من القمع والكبت، بتأشيرات وبمنح دراسية ورحلات وسفريات الخ… ومن جملة البرامج التي نفذها مسؤولو “ميبي”: كيفية تكوين الأحزاب والجمعيات، التدريب على إلقاء الخطب أمام الجمهور، والتحدث إلى جمع من الناس “المشاكسين”، كما قام بتدريب أيمة شبان على نشر “الإسلام المعتدل”، والحرية الدينية (التي لا تدافع عنها أمريكا في القدس، وبيت لحم والخليل…)، وفي كل برنامج هناك أبواب قارة لنشر “قيم” منظمة التجارة العالمية والعولمة واللبرالية الخ…

إن برنامج “ميبي” نسخة منقحة من الثورات المضادة الملونة التي قامت بها المخابرات الأمريكية في أوكرانيا وجورجيا، ومحاولاتها في كوبا وفي الصين، وفنزويلا وغيرها، لكنها تحاول استخلاص التجارب والدروس من الماضي، وتستقطب بعض قوى اليسار أو المحسوبة على اليسار… فإلى جانب الدور التخريبي الذي تقوم به “المنظمات غير الحكومية” داخل مجتمعاتنا، تتنوع برامج القوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للتدخل المباشر والسافر، بواسطة قنصلياتها ومراكزها “الثقافية” وجواسيسها المتنكرين تحت عباءة العمل الخيري والإنساني…

هذا غيض من فيض، عن الوجه الحقيقي للإمبريالية الأمريكية، التي ما تركت مكانا إلا ولوثته بقنابلها وإيديولوجيتها… وإذا رغب “فريق التواصل الإلكتروني” في مواصلة الجدل، نقول له: “إن عادت العقرب عدنا لها بالنعال”…

الطاهر المعز – أكتوبر 2010

(3)

ميبي: مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي

الطّاهر المعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1866، بتاريخ 18 أبريل 2009)

ميبي (MEPI) هي الأحرف الأولى ل”ميدل إيست بارتنرشيب إنيشيتيف”، أي “مبادرة الشراكة للشرق الأوسط”، ويعنى بالشرق الأوسط ، الدول العربية إضافة للكيان الصٌهيوني، وما أسماه المشروع “الأراضي الفلسطينية”، أي الأراضي المحتلٌة عام 1967.

ميبي، هو مكتب ظهر للوجود عام 2002، صلب إدارة شؤون الشرق الأوسط، بوزارة الخارجية الأمريكية، وله مكتبان إقليميان(منذ 2004)، أحدهما في تونس والثاني في أبي ضبي (الإمارات)، وله مكاتب فرعية في كل سفارة أمريكية في البلدان المستهدفة. يغطٌي مكتب تونس المغرب العربي ومصر ولبنان وفلسطين المحتلٌة، أما مكتب أبو ضبي فيغطٌي الخليج وبقية بلدان المشرق، وميزانية كل منهما حوالي 2 مليون دولار سنويٌا، تحتسب ضمن “المساعدات الإقتصادية الثنائية التي تقدمها الولايات المتحدة سنويا لدول المنطقة، “لدعم البرامج والمشاريع التي تساعد على بناء التغيير الديمقراطي”.

يعرٌف الموقع الرٌسمي ل”ميبي”، هذا المشروع كما يلي: ” هي مبادرة رئاسية،.تمثٌل تفاعل حكومة الولايات المتحدة مع أصوات التغيير في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. يموٌلها الكنغرس، لتوفير الموارد والخبرات، بهدف تعزيز الإصلاح في جميع أنحاء المنطقة. بشراكة مع منظمات غير حكومية، دولية ومحلية، ومؤسسات اقتصادية، وجامعات ومعاهد عليا، وأحيانا حكومات.” وورد في مكان آخر من الموقع : “هو حلقة لتطوير ودعم مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبقيٌة البرامج الإصلاحية. وهو جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، للتعامل المباشر مع الإصلاحيين ونشطاء المجتمع المدني، وشركاء المبادرة، والمشاركين في برامجها، واعتماد الإرشادات والمعلومات الصٌادرة عنهم. يساهم (ميبي) في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين الداعمة للإصلاح. بواسطة مجموعة من المنظمات غير الربحية، التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية”.

أما الأهداف المعلنة فهي أربعة:

أولا: دعم الديمقراطية (تدعيم الأحزاب والإصلاح البرلماني، تعليم أسس القيادة والإصلاح.)،

ثانيا: الإصلاح الإقتصادي وتطبيق التزامات اتفاقية التجارة الحرة (تقوية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التسويق، التعريف بمبادئ منظمة التجارة العالمية)،

ثالثا: إصلاح التعليم (تعليم الإنكليزية، الإصلاح الرقمي، الشراكة مع الجامعات الأمريكية)،

رابعا: تمكين المرأة، وتدريبها على القيادة (خصوصا المقاولات وربات العمل)، تكوين القيادات النسائية الشابة في الأحزاب والمنظمات، التعريف بفرص التعليم في أمريكا، وحرية المرأة.

وكل محور من هذه المحاور الأربعة يتضمن بدوره بابا خاصٌا ب”تمكين المرأة”. من جملة العناوين التي تم تناولها (وتمويلها) عام 2008، نجد: تدريب باعثي المشاريع، قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات، قواعد تكوين الأحزاب السياسية، التدريب على مخاطبة الجمهور.

من أهم البرامج أيضا “المركز الدولي للمشروعات الخاصة” (أي القطاع الخاص)، ومهمته تمويل مشروعات لحاملي الأسهم، وتطوير وتنفيذ السياسات الإقتصادية “الحرة” (اللبرالية)، ودعم التجارة الحرة، حسب شروط منظمة التجارة العالمية، التي تحضى بحيٌز كبير في برامج تكوين النساء، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسٌطة، وهناك دعاية متكرٌرة ل”منتدى المستقبل”، الذي يروج لللبرالية والتطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، والذي ينعقد في البلدان العربية، بحضور أثرياء العالم، دولا ومؤسسات.

أوردنا هذه المقتطفات الطويلة من الموقع الإلكتروني الرسمي، حتى يتجلٌى بكل وضوح الهدف الحقيقي، المعلن لهذا البرنامج الأمريكي الذي يدعو له عديد المعارضين اللبراليين العرب، وعدد من قادة المنظمات والجمعيات العربية، منها الفلسطينية في غزة ونابلس ورام الله. وحتى بعض المحسوبين على اليسار العربي، الذين لا يرون حرجا في التعاطي مع البرامج الحكومية الأمريكية (والأروبية) والمشاركة النشيطة بها والدعاية لها، مقابل بعض التمويل، وبعض السٌفريات.أمٌا المنظمات “غير الرٌبحية” التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية، لتنفيذ هذه البرامج، فنجد من ضمنها: مكتب الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط وأيركس وفريدوم هاوس وجامعة نيويورك والمركز الدولي للمشروعات الخاصٌة، ومؤسٌسة ييستر ويو آس آد، وهذه الأخيرة هي مؤسٌسة رسمية، حكومية أمريكية.

كلمة حق يراد بها باطل

تنطلق الإمبريالية الأمريكية من الغياب الفعلي للديمقراطية، ومن قمع واضطهاد المرأة، وانعدام الشفافية في الوطن العربي (وغيره) لتجعل منها ثغرة تستغلها للتدخل باسم حقوق الإنسان، وباسم الدفاع عن الديمقراطية والمرأة الخ. لكن الأنظمة القائمة تحضى جلٌها (وربما جميعها) بمساندة الولايات المتحدة، فجميعها مطبٌع علاقاته مع الكيان الصهيوني، سرٌا أو علنا، وكلها معادية لأي نفس مقاوم للإحتلال في فلسطين أو العراق، وصفٌقت للإعتداء الصهيوني على لبنان عام 2006، ولم تحرٌك ساكنا خلال القصف المكثٌف على غزٌة، كما لا يسمح نظام عربي واحد بالإحتجاجات الجماهيرية ضد العدوان والمجازر.

إن اهتمام أمريكا منصبٌ على خلق تيٌار مساند لها، في اوساط المقاولين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة، وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية. لخلق جيل من الأنتليجنسيا المشبعة بالقيم الإيديولوجية اللبرالية السائدة في الولايات المتحدة، وخلق تيٌار بديل للقيم الشعبية السٌائدة في الوطن العربي، وبديل لمعاداة الصٌهيونية والحلف الأطلسي والإمبريالية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، وقلب الموازنة تدريجيا لتأسيس تيٌار يدافع عن القطاع الخاص، واللبرالية والسياسات الإمبريالية والإحتلال، لدى الشباب والنسوة والمثقفين والصحفيين.

وتعلم الولايات المتحدة، علم اليقين أن الأنظمة العربية غير شعبية، ولذلك تظهر للرأي العام المحلٌي أنها غير راضية على وضعية حقوق الإنسان (من خلال التقرير السنوي لوزارة الخارجية وكذلك تقرير هيومن رايتس واتش)، ويلتقي سفراء وممثلو الحكومة الأمريكية بأطراف المعارضة، بما فيها الإخوان المسلمون وبعض قوى اليسار، للإستماع إليهم والإستفادة من نقدهم للسلطة، كي يعدٌلوا برامجهم، ويعدوا العدٌة، “لتجاوز التحديات في مجال نشر الديمقراطية والإزدهار الإقتصادي وتحسين جودة التعليم ودعم مشاركة المرأة في المجتمع”، ويقول “ستيفن فورد”، السفير الأمريكي السابق في الجزائر (قبل انتقاله إلى بغداد في حزيران 2008):” من واجب السفراء أن يكونوا على اتصال مع مواطني البلد المضيف، وهذا ما فعلته، نحن بحاجة للحديث مع الأحزاب السياسية، مع رجال الأعمال ورجال الثقافة، لنتفهٌم حاجيات الجزائريين. وهدفنا من كل هذا هو مساعدة السلطات الجزائرية على تحضير الجزائر والشباب الجزائري للإندماج في الإقتصاد العالمي والحصول على مرتبات عالية”. لقد ركٌز البرنامج كثيرا على الجزائر (وفلسطين)، خاصٌة أثناء محاولات امريكا تركيز قواعد عسكرية لإيواء “أفريكوم”، ورفضت الجزائر ذلك، رغم مشاركتها في بقية برامج الحلف الأطلسي، في المتوسط.

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عام 2008، دعم برنامج “ميبي” (وقنصلية أمريكا بالقدس)، ماديا وسياسيا، منظمة “غير حكومية” في غزة، اسمها “صوت المجتمع”، لتنظيم ورشات عمل وحلقات تكوينية، لتثقيف الناس، وتكوين ناشطات شابات حول “تعزيز امكانات المراة للمشاركة في المسار الديمقراطي. وخلق آليات عمل لتحريم العنف ضد النساء وجرائم الشرف والإلتزام بالمعاهدات الدولية. رغم الجو المشحون بالعدائية والعنف الذي يسيطر على غزة” (من موقع ميبي).كأن الإحتلال غير موجود ولا يمنع الغذاء والدواء ودخول وخروج المرضى والعمٌال والطٌلبة. وكأن العنف ليس نتيجة للإحتلال وإنما يبدو أنه من شيم الفلسطيني.والمشكل الوحيد لنساء غزة (ورجالها) هو تطبيق “المعاهدات الدولية” في مجال الحريات الفردية، وكأن الحصول على الغذاء والدواء والعمل ليس من الحقوق الأساسية للبشر (هذا لا ينفي أهمية النضال الإجتماعي والمساواة بين الجنسين، في مرحلة التحرر الوطني)، وكأن الفلسطينيين تحرٌروا، واستعادوا أرضهم وتخلصوا من المشاكل الناجمة عن الإحتلال.

أما مدير “صوت المجتمع” فقد انبرى يكيل المدائح لقنصلية أمريكا بالقدس ولبرنامج “ميبي”، وكأن أمريكا بريئة من جرائم الإحتلال الصهيوني، وليست مسؤولة عن إدامة الإحتلال، ومساندة الكيان الصهيوني ايديولوجيا وماليا وعسكريا ودبلوماسيا.

في نابلس خصٌص برنامج ميبي جائزة لمنظمة حقوقية، تأسست ب”فرمان”(مرسوم سلطاني في العهد العثماني) من ياسر عرفات، مباشرة بعد أوسلو، ولا زالت تحظى بمساندة سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وقدمت على أنها “منظمة حقوقية غير حكومية”، وهللت مديرتها لهذا الإعتراف العظيم من قبل الأسياد الأمريكان فبالغت في المديح والدعوات الصٌالحة ورجت دوام النعمة والجاه، ونابلس كانت معقلا لمقاومة الإحتلال، قبل انفلات “قوات الأمن الفلسطينية” المممولة والمسلٌحة والمدرٌبة أمريكيا، لاعتقال والتنكيل بكل من يشتبه بمقاومته للإحتلال. كما حصل شاب فلسطيني آخر على جائزة الصحفي الشاب، مما يمكٌنه من منحة دراسية في الولايات المتحدة، نتمنى أن تثير فيه الرغبة لمقارنة ما فعله الأروبيون البيض بالسٌكان الأصليين في أمريكا، بما فعله الصهاينة في فلسطين.

تحت عنوان “قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات”، نظٌم برنامج “ميبي”، من 9 إلى 11 يونيو/حزيران 2008، لقاء في الأردن جمع 250 من رجال (ونساء) الأعمال ومحامين وقادة “المجتمع المدني”، بهدف “توسيع شبكة علاقاتهم الشخصية والمهنية، واكتساب خبرات أكبر”، بإشراف خبراء، استدعتهم وزارة الخارجية الأمريكية، ، كما شاركت نساء شابات، تعملن في مجال الأعمال، والقانون، في برنامج تدريبي بأمريكا، على قيادة قطاع الأعمال والمجتمع المدني. وشارك في البرنامجين شبان وشابات من الجزائر والمغرب وتونس والبحرين ومصر والعراق المحتل والأردن والكويت ولبنان وعمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن و”الأراضي الفلسطينية”، إلى جانب صهاينة جاؤوا من فلسطين المحتلة.

في إطار “تمكين النساء” و”التدريب على الديمقراطية”، خصٌص البرنامج منحة ل44 “قائدة سياسيٌة” من مختلف البلدان العربية، لمتابعة الحملة الإنتخابية الرئاسية، لمدة أسبوعين، في النصف الثاني من اكتوبر 2008 ، وناقشن مع الرئيس بوش ” أهمٌية دعم الديمقراطية والإصلاحات لمجابهة التحدٌيات تجاه الشرق الأوسط” (أمٌا الإحتلال والهيمنة الإمبريالية والحكومات الكمبرادورية، فليست من التحديات الجديرة بالإهتمام). وقال لهن “جيمس غلاسمان”، وكيل وزارة الخارجية “. ستشهدن التاريخ أثناء صياغته، وستتاح لكن فرصة مراقبة الديمقراطية، وهي في عنفوان نشاطها، عندما يمارس الأمريكيون حقوقهم.” ولم تشارك نساء الكيان الصٌهيوني في هذه التظاهرة، لأنهن لسن بحاجة “للتدريب على الديمقراطية”، فالصهيونية، حسب المفهوم الإستعماري، هي مشروع حضاري في قلب المشرق العربي المتعجرف.

خاتمة، معركة على الجبهة الإيديولوجية؟

دأبت الإدارات الأمريكية المختلفة على تكوين لجان للبحث والتفكير، في مواضيع ذات أهمية استراتيجية (أو تكتيكية)، بالنسبة لعلاقات أمريكا بمختلف مناطق العالم، ومصالحها الإستراتيجية.وقد تبقى نتائج أعمال تلك اللجان في الرٌفوف، أو لا تستغلها مصالح الدولة أو الإحتكارات، في الحين، بل تلجأ إلى تلك البحوث والدراسات عندما تنضج الظروف وتقتضي مصالحها أو مخطٌطاتها ذلك، مع تعديلها عند الضرورة، حسب مقتضيات المرحلة، أو ميزان القوى، أو المتغيٌرات على الساحة الخ. برنامج “ميبي”، هو عبارة عن فرع من “مشروع الشرق الأوسط الكبير” (كما جاء حرفيٌا في موقعه الإلكتروني)، يعنى بالجانب الإيديولوجي، وتخريب المجتمعات العربية من الداخل، وتكوين “نخب” (خصوصا من الشباب)، تتدرب على قيادة المؤسسات والأحزاب والمنظمات “غير الحكومية”، ووسائل الإعلام، متسلٌحة بأفكار تتنكٌر للتراث التقدٌمي للإنسانية، وللجوانب النٌيٌرة من حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا.فتجعل من التطبيع قيمة حضارية، وتحول السلام إلى رضوخ لإرادة الإستعمار، وتتشبٌه بالمحتل والمستعمر والمهيمن، وتجعله مثلها الأعلى، وتساند تدخٌلاته، حتى العسكرية منها، أي الإيمان بعدم قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والقناعة بأن الإمبريالية هي الوحيدة القادرة على تقرير مصيرنا، وأن مثلها وقيمها الإستعمارية هي أرقى ما وصلت له الإنسانية، أي الإقرار بالعجز وبالهزيمة، دون محاولة النهوض لمقاومة الإحتلال والإستغلال والإضطهاد.

إن من أهم الإنجازات التي حقٌقتها الإمبريالية، نجاحها في إنتاج خطاب يفصل بينها وبين الأنظمة العربية القائمة، ويقدم الإمبريالية كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحليف للشعوب المضطهَدَة.

وبعد احتلال العراق، ظهرت في مصر وسوريا وتونس وفلسطين وغيرها، أشكال من التحالفات السياسية للمعارضة، تهلٌل للتٌدخٌل الإمبريالي في البلاد العربية، بدعوى استحالة التغيير، بالإعتماد على قدرات الفئات الشعبية والكادحة، واستنجدت بسفراء أمريكا وأروبا، ووزراء خارجيتها لمحاولة الوصول إلى الحكم، وامتدح العديد من “معارضينا”، حتى بعض من كانوا محسوبين على اليسار، ما حصل في أوكرانيا وجورجيا، من “ثورات” برتقالية ملوٌنة، من إعداد المخابرات الأمريكية. فالخلفيٌة الإيديولوجية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي “ميبي”، هي تلك النظرية التي بناها “فرنسيس فوكوياما” قبل حوالي 20 سنة، ومفادها ان الديمقراطية البرجوازية (اللبرالية)، هي قمٌة ما يمكن أن يبلغه العقل الإنساني، في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية، ولذا وجب فرضها على باقي الشعوب، بدهاء ولين، إن أمكن، وبقوٌة السٌلاح إن وجدت مقاومة وممانعة. وهاهي أمريكا تجرٌب الحلٌين معا، في مختلف المناطق.

* كل الإستشهادات الواردة بين معقٌفين ” ” مأخوذة من الموقع الرسمي ل ميبي:

mepi.state.gov

أو من النشرة الإلكترونية لوزارة الخارجية الأمريكية:

Usinfo.state.gov