أثر التكنولوجيا على علاقاتنا الاجتماعية

ايمان زيادة

 

أن النمو الاقتصادي والتفاؤل بسعادة مادية بدأ ينمو ويظهر مع الثورة الفرنسية، حيث ولدت هذه الأخيرة من الحركة الاقتصادية والاجتماعية، ونشرت الافكار العالمية والانسانية. أن الدورة الثورية ترتسم في الدورة الاقتصادية، لأن الثانية تكفي لتفسير الأولى، بل أنها تحمل التوترات الاجتماعية والسياسية.

بدأ التقدم التقني البطئ منذ الثورة الفرنسية سواء أكان التقدم في بدايات استخراج الفحم أم في الاستيراد المتزايد للطرائق الانجليزية في الصناعات النسيجية فقد استولى على الطبقة النبيلة روح القرن أنذاك والميل إلى المال، ان روح الرأسمالية، وصاحب المشروع الرأسمالي هما اللذان ينظمان عادات الناس، ذكر كارل ماركس أن الافكار السائدة في كل عصر هي افكار الطبقة السائدة. إلى اين يوصل عقل القرن هذا؟ هل ادى التطور الذي شهدته الأنسانية خلال الثورة الفرنسية وما بعدها إلى اضعاف الروابط الاجتماعية؟ وهل تغير التكنولوجيا الرقمية عقولنا البشرية؟ إنه يتقدم، وبالطبع عبر الافراد، والبدع، واشكال الذكاء، والموهبة والحساسية الشديدة النوع منذ افلاطون، ومونتسكيو إلى روسو وماركيز كوندورسيه.

لقد انحصرت عبارة التغريب والتحديث في الثورة الصناعية حيث تضمنت المعلومات، والاتصالات واستكملت الثورة الصناعية مع بداية القرن التاسع عشر بالثورة المعلوماتية عند نهاية القرن العشرين. وقد ادرك المبدعون أمثال: فلوبير، وزولا، وجويس، وفيرجينيا وولف في القرن التاسع عشر مدى تأثير التكنولوجيا الحديثة على وعي الانسان وسلوكياته، فاستعانوا بهذا التراكم التكنولوجي والمعرفي للتعبير عن رؤية جديدة للعالم.

هل حقًّا أن ثورة الاتصالات لها تأثير على مشاعر البشر وتعاملاتهم؟

وهل صحيح أنَّ الوسائل التكنولوجيَّة من رسائل الجوال والبريد الإلكتروني هي السبب في التباعد الإنساني فيما بيننا؟

وما هي آثارُها الإيجابية والسلبية على علاقاتنا الاجتماعية؟

وكيف اصبح الإنسان في غير حاجة للتواصل الجسدي والحوار المباشر مع غيره، لا يذهب الى السينما او المسرح أو الندوات، يصله كل شيىء إلى البيت اصبحت الماكينات والرقميات مجتمعه، هل هذا يقلل التفاعل الطبقي النقدي ضد راس المال؟

تمثل العالمية بشكل ما ثورة في الاتصالات وثورة في نقل الرسائل ظهور الكهرباء منذ العام 1890 ثم انتشارها بشكل الكتروني منذ العام 1960، ثورة في انتقال البشر بالطائرة منذ العام 1900 وبخاصة منذ الدخول في عصر الطيران النفاث عام 1960، هذين التحولين ساهما بشكل عريض في العولمة الحالية.

منذ سقوط جدار برلين او انتهاء ما يعرف (بالستار الحديدي) حيث ولد هذا الحدث تفكيك المجموعتين الايديولوجيتين الأكبر اللتين تنازعتا الكرة الأرضية، وانحلال المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة، فالأمر ببساطة ان ستالين أراد أن يكون القوى العظمى، إلا أن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق السيطرة على العالم.

شكلت العولمة الاقتصادية لحقبة التسعينات مرحلة جديدة عملية بدأت في القرن السادس عشر، عندما جرى الاستحواذ الأوروبي على أمريكا، سبقها استعمار العالم من قبل الغرب الأوروبي، بعدما عرف بصفة استعمار، وقع هو نفسه تحت الهيمنة التقنية الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.

اتخذت العولمة التي يعيشها العالم في الوقت الراهن من التكنولوجيا أهم الادوات المنفذة لها، وساهم البث التلفزيوني في ارجاء العالم في الوقت الحالي، إلى جانب الانترنت بظهور انتشار عالمي وفوري للرسالات، والصور. فالمذياع وشبكة المعلومات الدولية (الانترنت) ودور السينما والهواتف الخلوية، والمسجلات الرقمية عملاقة الذاكرة (آيبود) تتنافس جميعا للاستحواذ على اهتمامنا لتزييف الوعي، والتلاعب بالعقول لصالح افكار الطبقة المهيمنة السائدة. وهل صحيحٌ أنَّ رسائل الجوَّال والرسائل الإلكترونيَّة أصبحت جزءًا حيويًّا من أبجديَّات علاقتنا وتواصُلنا مع مَن حولنا؟ وهل قضت هذه الرَّسائل على روح التواصل والصِّلات الحميمة والعلاقات الدافئة؟

اختلفت طرق السيطرة على البشر في الوقت الحالي نظرا لتراجع العلاقات الدولية المتركزة على القوة العسكرية لصالح القوة الكولونيالية الجديدة (الاستعمار الجديد) عبر الافكار، وثورة المعلومات، وشبكات التواصل الاجتماعي. حيث ذكر الصحفي الاسترالي جون بيلجر ان الهيمنة الأمريكية على العالم (أمركة العالم) تمتلك نصف ثروات العالم بينما يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة 6% من سكان العالم. أن ما يقارب 358 مليارديرا في العالم يمتلكون معاً ثروة تضاهي ما يملكه 215 مليار من سكان المعمورة، أي انها تضاهي مجموع ما يملكه نصف سكان العالم.

لقد اثبت نموذج الحضارة الذي ابتكرته أوروبا والولايات المتحدة أن هذا النموذج لم يعد صالحا لبناء المستقبل، ولم يعودوا قادرين على التحكم في التفاوت الاجتماعي المتزايد، ولعل السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو: هل هناك من يفكر في توزيع عادل للثروة في العالم الثالث؟ وذلك لأن هناك ما يقارب 20% من دول العالم هي أكثر الدول ثراء وتستحوذ على 84.7 بالمائة من الناتج الاجمالي للعالم. يجب إعادة توزيع الثروة على اساس ملكية أدوات الانتاج، واذا لم يحدث هذا فإن التقدم التقني سوف يحرم الإنسان من الخبز، ويقود إلى جوع الناس على مرأى من الخيرات المكدسة.

لقد رفع صموئيل هنتغتون شعار (صدام الحضارات) بينما أكد فوكوياما على (نهاية التاريخ) حيث امتدح هذا الأخير فضائل العولمة، لكن تفكيره يهمل النتائج المدمرة للظاهرة لأنها في دول العالم الثالث تقوي الفروق بين المستفدين منها وبين ضحاياها. أن العالم الذي يسكنه فوكوياما ليس له من واقع أكثر من صورة رومانسية جميلة على بطاقة بريد، لأنه لا يعكس، بأي حال من الأحوال الوضع الذي يعيشه ملايين الناس. يعتقد البعض ان مقولة صدام الحضارات (لهنتغتون) تصطدم بمقولة نهاية التاريخ في حين ان هدف المقولتين واحد وهو التفوق والانتصار للحضارة الغربية وسبل الوصول إلى التفوق والانتصار هو التقدم العلمي والتكنولوجي على اساس علاقة عدائية بين المركز والاطراف في الخطاب الاستعماري الغربي، أي بين الأنا الذات الغربية والاخر دول العالم الثالث.

حيث ذكر كارل ماركس أن الدول المتقدمة في ميدان الصناعة ترسم الطريق وصورة المستقبل للدول الأقل تقدما. ان الوضع الراهن في العالم المتقدم اقتصاديا هو نتيجة الثورة الصناعية والاثار التي ترتب عليها في علاقات اوروبا الخارجية، وتتبلور ظاهرة الإمبريالية في ارتباطها بتطور النظام الرأسمالي. لكن من ناحية عملية، لم يحصل ما توقعه ماركس، بل إن الدول المتقدمة احتجزت تطور المحيط.

أن العولمة تقنياتها وثوراتها وتحولاتها ادت إلى تشكيل فاعل جديد على المسرح، ممثله نموذج الانسان الرقمي، بدأ يتصدر الواجهة، لكي يسهم في صنع العالم وتغيير الواقع.

لقد ادى الاعلام التلفزيوني إلى تحويل العالم إلى قرية صغيرة يتشارك مواطنوها في الصوت والصورة وفي الأحداث المهمة، والسؤال الذي تتحدد معالم إجابته بسرعة مذهلة هو: هل تسود قيم الأقوى، و الأكثر تمتعاً بتقنيات العصر؟ أم تسود أفكار جديدة تتلائم مع مجتمع  القرية العالمية؟ وهل يتكون مجتمع يسود فيه منطلق الحق للقوي(المركز) أن يعمل ما يشاء وليس ملزما بالنظر إلى الضعيف(المحيط) لأن العالم في ظل العولمة لا مكان فيه للضعفاء؟ القرية العالمية مجرد إيديواوجيا رأسمالية، بل هي تكريس استقطاب. بقي المحيط محيطا والمركز مركزا.

لا توجد دراسات تتمحور حول تأثير استخدام التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الرقمية على حياتنا الاجتماعية! ولعل التساؤل: ما هي الكلفة الاقتصادية التي ندفعها ثمنا لذلك؟ أن من أبرز آثار التكنولوجيا على حياتنا هو فقدان ملكية عقلية استخدامها يفيد في تطوير ملكات آخرى. حيث أصبح الجيل الجديد(جيل التكنولوجيا) يختصر العلاقات البشرية في بطاقات، وصور جامدة، وأجهزة تختصر المسافات وتختصر العلاقات في آن واحد. أن عالم افتراضي متناقض يصل الناس في بعضهم ويسيطر عليهم ويبعدهم عن التواصل البشري. لقد أصبح العالم اليوم يستخدم الصور الالكترونية التي يمكنها دوماً استثارة استجابات عاطفية دون الحاجة إلى تفكير تأملي. لقد فقدت سوق الأفكار في صورة الكلمة المطبوعة جدواها. أن تفريغ سوق الأفكار كما عرفناه في الماضي هو المسؤول عن تلك الغرابة.

وقد نشر الكاتب البريطاني جورج مونبيوت في الجارديان مقاله الشهير “عصر الوحدة يقتلنا” في14/10/2014 منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول، ولامس في هذا المقال الانهيار الاجتماعي الذي يصيب المجتمعات الرأسمالية نظرا لهيمنة قيم التنافسية والفردية في المجتمعات الرأسمالية التي ادت إلى انهيار اجتماعي والشعور بالوحدة حيث وصفها مونبيوت حرب الجميع ضد الجميع كما ذكر توماس هوبز.

نشرت الأستاذة في جامعة أوكسفورد، سوزان جرينفيلد كتابها الجديد المعنونتغير العقل: كيف تترك التكنولوجيا الرقمية تأثيراتها على عقولنا؟،حيث تدخل “جرينفيلد” بهذا الكتاب مجالاً جديداً هو تأثير التكنولوجيا على التفكير. وعلى الرغم من أن الإحصاءات والمعلومات المتضمنة في الكتاب المشار إليه تعكس مخاوف وقلق بالغ لدى “جرينفيلد” إزاء آثار التكنولوجيا الرقمية على النفس البشرية، وعلى سلوكياتنا الاجتماعية فإن الكتاب لم يشر إلى أي محاولات لمواجهة هذه المخاطر والتهديدات حتى الآن!

 لا بد لعلماء السياسة والاجتماع والاقتصاد من إجراء الدراسات الجارية والمبنية على الطرق الاحصائية في رصد التغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية، والسياسية، الاقتصادية نتيجة لانتشار التطبيقات التكنولوجية الحديثة، وخاصة تأثيراتها على العائلة، وعلى سلوكياتنا السياسية، والاجتماعية وثقافتنا؟

ان العولمة تشير إلى تغيير بنيوي كبير في النظام الدولي الحالي الذي ظهر ما بعد الحرب الباردة. لماذا بعد كل شيء، هذا الشعور الذي يزداد لدينا، بأننا نعيش داخل فخ العولمة وتحت رايتها وبفعل ادواتها عملاقة الذاكرة القوية (الايفون، الايبود) هل وسائل الاتصال هذه تعزز العزلة والتنافر وتدمير قيم المجتمعات المستهلكة(المحيط) لصالح قيم المجتمعات المنتجة(المركز)؟