العروبة والإسلام: نقاش في جدلية العلاقة[1]

 مسعد عربيد

 

مدخل

العروبة والإسلام: لماذا الجدل؟ وفيما؟

 

لماذا كل هذا الجدل حول العروبة والإسلام؟ ولماذا يستمر لكل هذه العقود، بل ويزداد حدّةً؟

هل من تناقض بين العروبة والإسلام؟ وإن كان، فأين؟

هل هو بين القومية العربية من جهة، والدين الذي تدين به الأغلبية السكانية في الوطن العربي من جهة أخرى؟

ولماذا لا يوجد هذا التناقض، بالأحرى لماذا لا نسمع أحداً يثير هذا السؤال بين الإسلام وغير العرب من الأمم الإسلامية؟ فعلى سبيل المثال، هل من تناقض بين الاندونيسي في هويته القومية وكونه مسلماً في هويته الدينية؟

بل وهل من تناقض بين العربي في هويته القومية وكونه مسيحياً في معتقده الديني؟

وحتى بعيدا عن العرب والمسلمين، لماذا لا تتناقض الدولة القومية مع دينها في مجتمعات اوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؟

فلماذا يبقى سؤال العروبة والإسلام؟

ومَنْ له مصلحة في ابقاء الجدل محتداً؟

أي مَنْ له مصلحة في اشعال الصراع الدائم بين أبناء الأمة الواحدة: صراع حول الهوية وخلق الخلاف والتشتت والضياع؟

● ● ●

 

ضبط المصطلحات والمفاهيم

يحسن بنا في البداية، أن نضبط بعض المفردات والمفاهيم والتي كثيراً ما نرددها على الرغم مما يشوبها من ضبابية وغموض، والأخطر احتمالات التأويل والتفسير كل على هواه. وفيما يلي أقدم بعض المفاهيم المفتاحية لحديثنا، والتي تبقى مفتوحة للنقد والنقاش والتعديل، فهي ليست سوى حصيلة جهد واجتهاد فردي لمسائل وقضايا ليس بمقدور اي منا ايفاؤها حقها لوحده بل تستلزم عملاً جمعياً ومشتركاً.

 

نشوء الدين وحاجة الإنسان للإيمان: جاء الإيمان ونشوء الأديان في سياق الوجود الاجتماعي للإنسان وتجمعه في جماعات بشرية تطورت عبر مسيرة تاريخية طويلة الى مجتمعات. يتبع هذا الاستنتاج بأن الإنسان كان في البدء، وأن الجماعات البشرية تشكلت قبل أن تنشأ فكرة الدين والعبادة. وعليه، فالوجود الإنساني والاجتماعي والقومي وجود مادي موضوعي تاريخي سابق لوجود الأديان. كما أن الدين والعبادة بدون الإنسان والوجود بشري يبقى فكرة مجردة يفتقر لمادتها وحاملها ومكونها البشري أي الإنسان.

نصل الى الخلاصة، في سياق موضوعنا، وهي أن العروبة القديمة جاءت قبل الإسلام وهي التي هيأت لعروبة ما بعد الإسلام.

 

الأديان وليس الإسلام وحده: أعتقد أن استخدام مفردة الدين بدل الإسلام او المسيحية أكثر دقةً وموضوعيةً وعلميةً، لا هروباً من الواقع، بل للإشارة الى أن العديد من المسائل المطروحة ليست حكراً على الإسلام لوحده، مع الإقرار بان للإسلام خصوصياته وسماته التي سنعود اليها.

الدين والإيمان: الإيمان هو علاقة بين الإنسان وخالقه، وهو علاقة بينه وبين الجماعة التي يشاركها هذا الإيمان من خلال طقوس التعبد أي أتباع الدين الواحد أو المذهب الواحد. أما الدين،فهو مجموعة معتقدات لها قوانين فقهية وأنظمة ومؤسسة ذات أجهزة ورؤساء ومدراء وموظفون.

 

ظاهرة التدين: لا يتسنى، في مجتمعات مثل مجتمعات العالم الثالث، وخصوصا المجتمعات العربية والإسلامية، تحليل الواقع وقراءته، ناهيك عن الدعوة الى تغييره، دون (1) فهم ظاهرة الدين من حيث كونها ظاهرة مجتمعية و(2) ظاهرة التدين الشعبي في مجتمعاتنا التي تشكل أحد معطيات الواقع الاجتماعي ذات الحضور القوي في مجتمعاتنا. فالظاهرة الدينية، بما فيها اليدن والتدين، ترتبط بالوعي والثقافة الشعبية وبالتراث وبالموروت الثقافي والحضاري إضافة الى الديني. ولعل الأهم، أنها تعبير عن المشترك الشعبي إن جاز التعبير. وعلى الرغم من هذه الظاهرة (الدين والتدين) موجودة في كافة المجتمعات، فان هذا يطرح السؤال مرة أخرى، لماذا هذه الإشكالية في بلادنا فقط، ولماذا بهذه الحدة؟

ولعل أهم ما يعنينا في هذه الظاهرة، من منظور النضال الوطني والاجتماعي والطبقي، هو دورها وأهميتها في العمل بين الجماهير ومعها وهو ما يقتضي احترامها واحترام تقاليدها وقيمها ــ والتي هي في الجوهر قيم إنسانية ــ وحقها في ممارسة شعائر التدين والتعبد بحرية تامة، وهو حق فردي وإنساني بامتياز.[2]

الدين كظاهرة اجتماعية[3]في مناقشة الدين لا بد لنا ان نفصل بين فضائين:

1 ــ التدين، وهو الفضاء الروحي للفرد وحرية التعبد والإيمان الذي يعبر فيها الفرد عن علاقته بالله او الخالق.

2 ــ والفضاء الاجتماعي والسياسي، وهو ما يعنينا، والذي يتناول الدين كظاهرة اجتماعية والدور او الوظيفة الاجتماعية والسياسية للدين.

 

الوظيفة الاجتماعية للدين: للدين دور اجتماعي وسياسي، أي وظيفة اجتماعية وسياسية ويجب فهم هذه الوظيفة في سياق وإطار لحظة تاريخية معينة، وفي ظل ظروف وشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة. وهذا هو السبب وراء استخدامنا لمصطلح الدين السياسي لا الإسلام السياسي وحسب، إذ أن هذه الوظيفة ليست حكراً على الإسلام لوحده بل استخدمتها اليهودية والمسيحية وغيرهما عبر التاريخ وما زالت حتى يومنا هذا تستخدمها في أبشع اشكالها.

الدلالات السياسية والاجتماعية لمأسسة الدين: مقابل الدور الاحتجاجي والتغييري المبكر للدين، نجد الكثير من الامثلة والحالات المناقضة حيت يتم توظيف الدين والمؤسسة الدينية في خدمة السلطة والسياسة والمصالح الاقتصادية (الطبقية) وحيث شكّلت المؤسسة الدينية، في مراحل تاريخية مختلفة، قوةً معيقةً للتقدم ومضادة للتغيير وعملت في خدمة الطبقة الحاكمة ومصالحها. ويعود هذا الى عدة أسباب أهمها:

1) ان الطبقات الحاكمة وقواها السياسية قادرة على التلاعب وتسخير الدين لخدمة أهدافها.[4]

2) ان مأسسة الدين يؤدي الى ترسيخ دور المؤسسة الدينية ومصالحها التي ما تلبث أن تتلاقى مع مصالح السلطة السائدة/الطبقة الحاكمة.

3) تتزامن عملية مأسسة الأديان مع ازدياد عدد أعضائها ونموها التنظيمي ونفوذها الاجتماعي. وعبر هذه العملية الاجتماعية والتاريخية تتعاظم هيمنة المؤسسة الدينية على الفرد والمجتمع ويفقد الفرد قدرته على اتخاذ القرار المستقل والتمييز بين الوسائل والغايات.

4) تتعزز العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية بفضل تلاقي المصالح بينهما: (1) فالأولى توفر للسلطة وسياساتها الشرعنة والذريعة (الشرعية والاخلاقية) وبذلك تضمن قبول الشعب بهذه السياسات وإلتفافه حولها مما يساهم في تحقيق مصالح الطبقة الحاكمة وتسويغ إمتيازاتها في السلطة والثراء، (2) في مقابل ذلك، تحظى المؤسسات الدينية فيما يشبه التبادل والصفقة التجارية، بتعزيز دورها الاجتماعي فتنمو وتزداد سطوةً وثراءً.

التوظيف السياسي للدين: هكذا نفهم أن السياسة تستغل الدين لا حباَ به ولا بالمؤمنين بل تستخدمه كمظلة ومتراس لمحاربة النضال من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي وقمع الثورة على الأوضاع الظالمة من استغلال وفقر وبطالة. وتعود قوى الدين السياسي في كل مرة لتصوير الصراع على أنه ضد الدين والله من أجل الخداع والتعمية والتضليل. وهنا يصبح الدين العباءة التي تحول دون تفكير الفقراء في الاستغلال والفقر وهذا ما يخدم إيديولوجيا السوق وسياسات الأنظمة العربية الحاكمة والغرب الرأسمالي في بلادنا وهو ما نراه جلياً في الراهن العربي. كما يفسر تفشي ظاهرة الجهادية بين الفقراء والمهمشين والجهلة في البلاد العربية والإسلامية.

الدين السياسي ومعاداة العروبة: يشكل الدين أحد المكونات الثقافية الهامة للهوية ولكنه لا ينفي أو يحل محل أو يتعارض مع الهوية القومية. وعليه، فدور الدين في صنع الهوية يظل في الفضاء الثقافي للفرد وللجماعة. غير أن الدين السياسي لا يرى “هوية” سوى الهوية الدينية وهوية الطائفة والمذهب والمله مما يثير التحارب بين هؤلاء. والملفت للنظر انه احتراب الفقراء وليس برجوازية المذاهب والطوائف.

هذا الفهم يعيننا على تفسير عداء الدين السياسي لفكرة القومية وهويتها وللهوية الإنسانية على وجه العموم. ومن هنا نفهم ايضاً معاداة حركات وقوى الدين السياسي للعروبة وتلاقي مصالحها مع قوى الغرب الرأسمالي واستقواءها بالاجنبي ودعوته الى تدمير بلادنا، وهو ما شهدناه عبر العقود الأخيرة من تاريخ هذه الحركات والدور الذي تلعبه خلال الحراكات الشعبية العربية الراهنة.

كيف اصبحنا أدوات للدين السياسي وللوهابية والداعشية؟ 

 

حين تُحكم المؤسسة الدينية سيطرتها على وعي أتباعها وتفكيرهم، وحين ينشغل العباد بشؤون التدين وطقوسه وشعائره، سواء في المساجد أو الكنائس، وحين تترسخ النزعات الطائفية التي تقوم على رفض الآخر وتكفيره لمجرد كون مختلفاً أو مغايراً في الدين أو المذهب، حينها يضحى الآخر مستهدفاً للإبادة وهدر دمه. وحينها يسهل التوظيف السياسي للدين، أي دين، ونصبح، شئنا أم أبينا، أدركنا أم لم ندرك، راعين لتكفير الأخر وللقتل والوحشية وأدوات للوهابية والداعشية. وعندها أيضاً تتهمش وتضيع قضايا المجتمع والوطن والإنسان، وهو ما نشاهد بام أعيننا اليوم.

● ● ●

 

خصوصيات العلاقة بين العروبة بالإسلام

 

أولاً: بعض خصوصيات العروبة

□ العروبة قبل الإسلام: لقد بقيت العروبة وحضارتها العربية عبر كافة الحقبات التاريخية مترسخة ومتجذرة في الأرض العربية وبين الأمم، وشكلت محوراً تاريخياً لعب دوراً هاماً في بناء الحضارة الإنسانية قبل الإسلام وبعده. ولا ضرورة هنا للعودة الى التاريخ السحيق للتدليل على ما نقول. فالمراجع التاريخية تُجمع على أن العرب أقاموا، قبل الإسلام بقرون عديدة، دولاً وممالك وأنظمة حكم ونظم سياسية في كافة أنحاء شبه الجزيرة العربية واليمن وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وغيرها.

وعليه، ليس صحيحاً أن العربي كان قبل الإسلام جاهلياً بل كان صاحب إرث حضاري ريادي ومساهماً أساسياً في بناء الحضارة الإنسانية. ومن أجل الحفاظ على هويته وتراثه واجه المؤامرات والمواجهات مع الاحتلال الحبشي والفارسي والرومي وغيرهما.

ليس المقصود بهذا الكلام، الوقوف على أطلال الى الماضي أو الحنين الى استرداده، بل الإقرار العلمي والموضوعي بوجود أمة عربية (دول وحكومات وأنظمة حكم وسلطة وقوانين) قبل الإسلام وليس مجرد مخلفات ثقافية (أدب وشعر عربيين) أو مجدرد موروث حضاري. وليس أدل على ذلك، من نزول القرآن باللغة العربية. وهو ما يثير سؤال: تُرى، لماذا لا نرى أحداً يشكك بالأمة الصينية أو الهندية أو حتى اليونانية التي أتت بعدنا واقامت نهضتها في ارضينا؟

□ حضارة إسلامية عربية أم عربية إسلامية؟ القول بالحضارة الإسلامية العربية لا العربية الإسلامية هو قلب لوقائع التاريخ والتنكر لها حتى من الناحية الكرونولوجية، والأخطر أن المقصود انه لا حضارة قبل مجيء الإسلام.[5]

بالاضافة، علينا ان نحذر مما يروجه أصحاب الدين السياسي من تعظيم لدور الدين (أي دين) في صنع الأمة والقومية مقابل التقليل من العوامل الأخرى: وحدة التاريخ واللغة والأرض والمصالح المشتركة. والخطورة هنا تكمن في الغاء الآخر أي الذي لا يعتنق الدين نفسه كالعربي المسيحي على سبيل المثال.

□ الصراع قومي وليس دينيا: عبر مراحل التاريخ، كان الصراع في بلادنا وعليها قومياً ولم يكن دينياً. فقد كان الانتماء القومي هو الذي دفع العربي المسيحي لمحاربة البيزنطيين (أي المسيحيين) بجاب العربي المسلم. وقد شكل انتصار العرب على البيزنطيين احدى المقدمات الضرورية لنجاح الفتح الإسلامي لاحقاً في العراق والشام ومصر وبلاد المغرب.

□ من المفاهيم الشائعة والخاطئة هو أن العروبة تقوم على الانتساب الى الجزيرة العربية والبداوة. وهذا غير صحيح، فقد بنى العرب أنظمة ودولاً وممالك مدنية قبل الإسلام.

□ القومية العربية تقدمية وليست شوفينية لانها تسعى الى تحرير شعوب مغلوبة ومستغلة من الاستعمار والاستغلال الرأسمالي الغربي. وهنا يجب التمييز بين القومية العربية بمفهوم الشعوب، عن الطروحات القومية الني ترددها الأنظمة العربية الحاكمة والتي استخدمتها في الرطانة السياسية والخطاب المخادع والتلاعب بمشاعر الشعوب.

 

ثانياً: بعض خصوصيات الإسلام

 

يشترك الإسلام مع غيره من الأديان التوحيدية (المسيحية واليهودية) في الإعتقاد بان مبادئها صالحة لكل زمان ومكان وكذلك الحلول التي تقدمها لمشاكل الانسان. إلا ان الإسلام يتميز في مستويين أساسيين:

الأول، هو أن الإسلام دنيا ودين؛

والثاني، والذي ينبثق من الأول، هو أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.

□ الإسلام دنيا ودين، يعني أنه دنيا وأخرة ودين ودولة. لذا وضع الإسلام مبادئ عامة وأحكام للتعامل بين الناس وللتعامل مع الكون وهي أحكام يرى الإسلام انها تتفق مع المنطق والفطرة البشرية. لقد كان النبي محمد رسولا، وفي الوقت ذاته كان رئيس دولة وقائد جيش مما أدى إلى تبلور الإسلام كدين شمولي: عقائد وعبادات وأخلاق وقوانين تنظم حياة المجتمع في مختلف جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولكن عندما إنتشر الإسلام في مجتمعات مختلفة وجد النص الديني نفسه امام تحديات واستحقاقات معقدة ناتجة عن إختلاف البئية والظروف التاريخية والإجتماعية والسياسية والثقافية في تلك المجتمعات. وقد أدت هذه التحديات الى تعدد الإجتهادات وتغيير الآراء في بعض الإحيان في تطبيق الشريعة في البيئات المتعددة والمختلفة. هنا لا بد من الإشارة إلى حكمة الإمام علي بن ابي طالب وذكائه حين قال: “الدين حمَّال أوجه” . لم يقل هذا عبثاً بل كان يقصد وجوب المرونة في فهم الدين. وهو أول من طبق على نفسه هذا. فقد اشترطت عليه فاطمة الزهراء أن لا يتزوج امرأة ثانية في حياتها وقبل بذلك.

□ هنا أيضاً يكمن سبب الصراع حول تلك القوانين وخاصة حول مسألة الخلافة، وهو صراع ما لبث أن انطلق وتشعب بين المسلمين بعد موت النبي الكريم، وتركز في جوهره حول العناصر التالية:

1) أسس الفقه والتشريع وإختلاف الطوائف على تطبيقها حسب المصالح المتضاربة والمتصارعة.

2) مسألة التأويل والتفسير حيث تعددت المذاهب والملل في الإسلام وتنوعت لتتلاءم، إلى هذا الحد أو ذاك، مع الظروف المتباينة التي دخلت الإسلام. ربما نستطيع هنا التقاط التناقض لدى انظمة وقوى الدين السياسي: فطبقا للرسول، يجب ان يكون الخليفة من قريش. اي عربياً ومن قريش. فكيف ارتضى هؤلاء ان يكون الخليفة، ولقرون طويلة، غير عربي؟ تركي مثلا!

● ● ●

 

ماذا قدمت العروبة للإسلام؟

 

□ لقد ارتبط الإسلام بالعرب منذ بدايته ومنذ القرون الأولى للدعوة الإسلامية، وشكل هذا الارتباط أساس الحكم العربي حتى بداية العصر العباسي.

□ تنفرد العروبة بأنها منحت الإسلام انطلاقته وشكلت له التربة والمحتوى:

فاللغة جاءت من رحم العروبة، والرسالة السماوية منها، والنبي الكريم كان عربياً. وهذه حقائق كثيراً ما ننساها.

□ لقد احتضنت العروبة الإسلام، وكان العرب مادته الخامة. فالتاريخ يحدثنا كيف استقبل أهل الشام والعراق ومصر الفاتحين العرب كمحررين وقاتلوا معهم في معارك عديدة لا بسبب العقيدة الدينية بل بسبب الانتماء القومي.

 

ماذا قدم الإسلام للعروبة؟

□ في حين كانت العروبة وعاء الإسلام والعرب مادته، شكل الإسلام منعطفاً تقدمياً في التاريخ العربي، رغم أنه لم يدم طويلاً.

□ الإسلام منح العرب رسالة وحركة ودفعة تاريخية انطلق بعدها العرب الى العالم باسره.

□ منح الإسلام الوعي العربي وضوحاً في المعنى والحركة والاتجاه. فالحركة كانت في الأصل حركة عربية، فجاء الإسلام لجعل منها رسالة إنسانية ودافعاً للثورة والتغيير والبناء (ما يطلق عليه بعض المؤرخين اسم المعجزة العربية أي انجازا المئة سنة الأولى).

□ من المفيد هنا أن نتناول الإسلام كمفهوم تحرري في سياق التطور التاريخي والسياسي للعرب، حيث جاء الإسلام في سياق حروب العرب ومواجهاتهم مع الفرس والروم لصد هجمات واحتلال الأخيرين، فخلق الاطار السياسي والحضاري الموحد، وبهذا المعنى شكل الإسلام رافعة للمشروع الحضاري العربي.

□ استبدل الإسلام العصبيات القبلية التي كانت سائدة بسلطة مركزية واحدة، لأن النبي العربي أمسك بوظيفتين: (1) الرسول، صاحب الرسالة والعقيدة والمصلح، و(2) والحاكم السياسي. وما زلنا منذ وفاته ونحن نعيش تبعات هذه الإشكالية، إشكالية الدين والحكم.

بيت القصيد في العلاقة بين العروبة والإسلام: إن العطاء بين العروبة والإسلام متبادل. العروبة هي الهوية القومية الجامعة للمسلم والمسيحي.، للسني والشيعي والزيدي، أما الإسلام فهو دين الأغلبية الساحقة من العرب وأحد المكونات الثقافية والحضارية للقومية العربية.

● ● ●

 

أهداف العداء للعروبة والإسلام

ما هو الهدف من تشوية الإسلام ومعاداة العروبة: ما الرابط وما العلاقة؟

ماذا يعني تفسير الإسلام على أساس ما نراه اليوم من الوحشية الوهابية والداعشية؟

وماذا يصيب الإسلام حين يفصلونه عن العروبة؟

كيف نفهم الدعوة الى شطب الإرث العربي قبل الإسلام وبعده، والتنكر لقرون طويلة من التعايش والتآخي والذوبان بين الأديان والإثنيات والشعوب في بوتقة العروبة؟

ما هو الهدف من استهداف العروبة ومعاداتها من بين كل القوميات والشعوب المسلمة الأخرى (ايران، باكستان، اندونيسيا، تركيا، ماليزيا..)؟

الجواب:

تأتي كل هذه الحملات في سياق المشروع الإمبريالي الغربي في معاداة للعروبة والقومية العربية من أجل تفكيك البلدان والمجتمعات العربية وصولاً الى بسط الهيمنة على شعوبنا ومستقبلها ونهب ثرواتنا. فتجريم العروبة وتشويها وربط الإرهاب بالعربي والمسلم، هو شرط لاخضاع العرب للاستعمار والهيمنة عليهم باسم الإسلام. وهو بالتحديد ما يفعله الغرب الرأسمالي اليوم مستخدماً الإسلام.

ولا يقتصر هذا المشروع على معاداة العروبة، بل يهدف الى تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب مما يؤدي الى تدمير الإسلام ذاته، وهو ما يجري الآن حيث يتم تصنيع الإسلام وقوى الدين السياسي في الغرب وإعادة تصديرها إلى بلادنا على شكل منظمات إرهابية مسلحة، وهو، بكلمات أخرى، صياغة إسلام جديد يخدم الأهداف والمصالح الإمبريالية للغرب الرأسمالي في الهيمنة على بلادنا.

بالطبع ليس المقصود هو نفي مسؤولية الأنظمة العربية وفسادها واستبدادها ولا التقليل من دور الظروف الاجتماعية والاقتصادية (الفقر والبطاله وانعدام العدالة والمساواة الاجتماعية وغيرها) كسبب وعامل رئيسي في تفشي الفكر الجهادي وتجنيد عشرات الآلاف من الشبان والشابات في الحركات الإرهابية. فالأنظمة الرجعية المعادية للقومية فهي جزء من الثورة المضادة والتحالف المعادي للأمة العربية. وهذا هو ما يفسر ما نشاهده اليوم:

– تيارات عديدة تحجب العلاقة مع الإرث الحضاري العربي

– دور المستشرقين في المشروع الاستعماري في طمس الإرث الحضاري وسرقته بهدف ضرب الهوية العربية الجامعة للإثنيات والأديان في بلادنا.

– مشروع الغرب الرأسمالي في تفكيك وتدمير المجتمعات العربية.

مَنْ المستفيد؟

 

المستفيدون هم كل مَن يعادي العروبة وينكرها ويستخف بها.

من نافل القول أن الغرب الرأسمالي والإمبريالية والصهيونية، هم ألد أعداء العروبة وأول المستفيدين من محاربتها. غير أن القائمة لا تتوقف عند هذا الحد، بل نجد ان قوى أخرى شاركت في هذا العداء، وإن تفاوتت الأدوار وحدّة الصراع، نذكر منها:

– المركزانية الأوروبية كثقافة عنصرية واستعلائية حيال الشعوب العربية وغيرها من الشعوب غير الأوروبية وغير البيضاء؛

– الشيوعية العربية التقليدية التي ارتكزت على الستالينية التي روجت بان العرب أمة لم يكتمل تطورها بل ما زالت في طور التكون؛

– الإسلاميون الذين ينفون العروبة قبل الإسلام وبعده، ويدعون لأمة إسلامية لا أمة عربية.

– كثيرون من اليساريين، العرب والغربيين، بشتى تلوناتهم (شيوعية، ستالينية، تروتسكية، يسار جديد … الخ.)

● ● ●

 

ملاحظات ختامية

دعوني أختم ببعض الملاحظات الاستنتاجية:

□ في الحقيقة أن سؤال العروبة والإسلام مفتعل، فليس هناك من تناقض بينهما ولا صراع. كما أنه ليس هناك تناقضاً بين كون الإسباني مسيحياً أو الصيني بوذياً. ومن يفتعل هذا السؤال هم قوى وحركات الدين السياسي التي تستغل الدين في مواجهة النزعة الإنسانية الطبيعية في الانتماء القومي والشعبي والوطني أي حاجة الإنسان الطبيعية في الانتماء الى الجماعه. وهو ما يؤكد ان إشعال الاشتباك بين العروبة والدين هو مشروع استعماري من جهة، وطبقي مصلحي للحكام والطامحين للحكم باسم الدين من جهة ثانية.

□ العروبة لا تصارع الإسلام، والإسلام لا يتناقض مع العروبة، كما أن الهويات الأخرى في البلدان المسلمة لا تصارع الإسلام. على النقيض من ذلك العروبة كانت الحاضنة للإسلام والمسلمين كما كانت الحاضنة لغير المسلمين.

□ القومية العربية لا تلغي الدين وتحترم الإسلام والمسيحية وكافة الأديان ولا تتدخل في العقيدة الدينية في حياة الإنسان والجماعات. القومية تطالب الفرد بالعمل، مستخدماً عقله وعلمه ومعرفته، من أجل تقدم المجتمع والارتقاء به وتنميته، وهذا لا يمس الدين على الاطلاق.

□ وهنا تبرز أهمية التمييز بين الإسلام العربي أي الإسلام الأصيل والأساسي، وبين محاولات تشوية الإسلام في أشكال وهابية تكفيرية وإرهابية تُصنّع في الغرب بالتحالف مع أنظمة السعودية والخليج (ايديولوجياً ولوجستياً وتمويلاً) ثم تعود الى أوطاننا لتدميرها.

□ المسالة إذن محسومة: فالعروبة حقيقة تاريخية تكونت عبر مسيرة تاريخية طويلة وفي ظل قوانين التطور الاجتماعية، وهي هوية العرب القومية والثقافية. وهي فوق هذا حاملة الإسلام الذي تدين به الأغلبية السكانية في الوطن العربي.

أما استمرار الجدل وتسعير الخلافات فهدفه تقويض الهوية القومية لحساب الهوية الدينية، وهي محاولة لا تضر بالقومية العرب وحسب، بل تضر بالإسلام وتحاول تشويهه والتخلص منه وصياغة إسلام جديد يمثل مصالح الغرب ويخدمها قبل التخلص من العروبة.

□ بكلمات أخرى، فان فك الارتباط بين العروبة والإسلام يهدف الى

افراغ الإسلام من محتواه العربي، وهذا يتم في سياق العداء للعروبة ومشروع الغرب الرأسمالي لتفكيك بلادنا واخضاع مجتمعاتنا والهيمنة عليها، وهو ما يجسده المشهد الراهن.

□ عملية التوفيق بين العروبة والإسلام كانت منجزة عبر التاريخ واكتملت عبر جدلية الاجتماعية وتاريخية طويلة، لذا فهي ليست ممكنة فحسب، بل وضرورية. وهذا لن يتسنى الا في الدولة المدنية العلمانية التي تفصل بين السلطة والدين، دولة المواطنة والمساواة بين كافة المواطنين أمام الدولة والقانون دون أي اعتبار للدين أو المذهب أو الطائفة، ولا تتحقق إلا في مجتمع يلغي أي دورٍ للمؤسسة الدينية في الحكم والسلطة، ويرفض النزعات العصبية بين شتى الأديان والطوائف والمذاهب ويحول دون احترابها بل بعمل على توطيد أواصر الاخاء والتعايش فيما بينها.

□ هذا يشترط أن نبقى بعيدين عن الجوانب الإيمانية والروحية للإسلام ونتركها للفرد وعقيدته، وأن نُبقي البوصلة موجهة بدقة نحو مصالح الأغلبية من الفئات والطبقات الشعبية العربية التي تعتنق الإسلام وتتمسك بمعتقداته في تعبدها وتدينها. وهذا ما حصل طوال تاريخ الأمة العربية باستشناء الحقبة السوداء التي نعيشها اليوم.

□ بناءً على ما تقدم، لم يعد من الممكن ولا من الجائز فكرياً واجتماعياً وإنسانياً وأخلاقياً تحاشي التوظيف السياسي للدين في بلادنا واستغلاله من قبل قوى الدين السياسي وباسم الإسلام. ولن يتسنى لنا الحوار والمساهمة في تحديد هويتنا وبناء مستقبل شعوبنا وأوطاننا دون فهم هذا الخطاب والتصدي له. فهذا الخطاب بتلوناته المتعددة يطرح ويمثل مأزق العلاقة بين العروبة والاسلام أي بين القومية العربية والنضال من أجل الوحدة العربية من جهة، وبين قوى وحركات الدين السياسي والخطاب الديني والسلفي من جهة أخرى.

□ المطلوب هو بلورة وعي عربي وإنساني وأممي بصياغة مفهوم علمي وموضوعي دقيق للعروبة، مفهوم يقوم على أسس قومية وثقافية تتشابك فيه عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة، كما يقوم على وحدة مصالح الشعوب العربية وأقصد تحديداً طبقاتها الشعبية والفقيرة التي تشكل الأغلبية السكانية الساحقة وتمكين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للعرب، ويؤخذ بالحسبان وحدة المصير والتحديات ومحاولات التفكيك والتدمير التي يواجهها العرب ككل جمعي.