ياعرب العالم اتحدوا فالإستعماريون متحدون ضدنا

الطاهر المعز

في باريس التي تصبح شبه فارغة (إلا من السائحين الأجانب) تنظم بلدية باريس منذ كان “ترتران دولانويه” الذي ورث الفكر والممارسة الإستعمارية من والدية (مستوطنون في تونس، جاؤوا مع الجيش الفرنسي) وهو من أقطاب الحزب الإشتراكي، رئيس بلديتها، كل صائفة، شاطئا اصطناعيا على ضفاف أجزاء من نهر “السين”، وهو نشاط مكلف جدا، ودعت رئيسة البلدية (من الحزب الإشتراكي أيضا) مدينة تل أبيب “ضيف شرف”، وهي أول مرة تستدعى فيها مدينة أو دولة “كضيف شرف”، ولم تستشر أعضاء المجلس البلدي واتخذت القرار بمفردها (بمعية أعضاء حزبها بالتأكيد) ورغم الإحتجاجات أصر الحزب الإشتراكي (أي رئيس الحكومة  ووزراؤه ورئيس مجلس النواب وأعضاء المجلس البلدي لباريس من نفس الحزب) على المضي قدما في تنفيذ هذا المخطط الإشهاري لصالح العدو الصهيوني، في الذكرى الأولى لعدوان صائفة 2014 على فلسطينيي غزة، وقرر رئيس الحكومة ووزير الداخلية تجنيد 300 ثم 500 شرطي إضافي لحراسة المكان يوم الخميس 13 آب/أغسطس 2015، ونصبوا عددا من “المحاسيم” (محسوم = حاجز، أو “تشك بونت”) مع تفتيش دقيق لمن يشتبه بعروبته أو يساريته، ومع ذلك فقد نظمت جمعية الفلسطينيين بمنطقة باريس ومجموعات المقاطعة وبعض المساندين (جزئيا أو كليا) لحقوق الشعب الفلسطيني، تظاهرات مضادة حضرها بشكل مستمر حوالي 100 مشارك (دامت التظاهرة نحو عشر ساعات، لذلك تجدد الجمهور عدة مرات) ورفعت خلالها الأعلام الفلسطينية ويافطات وقمصان تدعو إلى مقاطعة الكيان الصهيوني، ورقص الشباب الفلسطيني الدبكة (التي تعلمها بعض الشباب الفرنسي)، ولاحظ المشاركون غياب النقابات والمنظمات السياسية (كهياكل) رغم وجود بعض مناضليها كأفراد، وجمعيات “حقوق الإنسان” وغيرها من المنظمات، إما لأسباب سياسية وعقائدية أو بسبب قضية التمويل، إذ تعتاش وتتمول عديد المنظمات (بما فيها الموصوفة ب”الحقوقية”) من بلدية باريس ومن الحكومة ومؤسساتها، ويمكن أن تؤدي مشاركتها في تظاهرة معارضة لسياسة حكومة وبلدية “اليسار” إلى خفض أو قطع التمويل

لاحظ المشاركون وجودا مكثفا لعناصر “رابطة الدفاع اليهودية” مع الشرطة، وهي منظمة فاشية أعضاؤها معروفون، مارسوا العنف الشديد عدة مرات في باريس وأفلتوا كل مرة من العقاب (هذا إذا قبلت المحكمة شكوى الضحايا) “بفضل” تآمر القضاء الفرنسي (المستقل جدا) ويقول ضباط الشرطة ان لديهم أوامر بعدم إزعاج هؤلاء الفاشيين (في عهد كافة الحكومات التي تتالت على فرنسا) وهي منظمة ممنوعة في الكيان الصهيوني وفي الولايات المتحدة، ولكن وزراء الداخلية المتعاقبون رفضوا طلب حظر نشاطها من قبل القضاء، ويقوم عناصر هذه المنظمة الفاشية بعملية تفتيش دقيق للقادمين إلى التظاهرة المساندة للشعب الفلسطيني، ويسجلون بالصوت والصورة وقائع مثل هذه التظاهرات…

صدرت تصريحات عنيفة جدا عن رئيسة بلدية باريس “آن هيدالغو” ورئيس البرلمان “كلود بارتلون” (الذي ادعى مرة ان الجدار في فلسطين هو حل سلمي لحقن دماء الأبرياء) ورئيس الحكومة، وغيرهم من أعضاء الحكومة وزعماء الحزب الإشتراكي، هاجموا من خلالها من يتحدث عن حقوق الشعب الفلسطيني، مهما كانت عباراته “حضارية ومسالمة ومتفهمة لمخاوف شعب الله المختار) ويصر محتوى هذه التصريحات على اعتبار تكريم “تل أبيب” هي مساهمة (تاريخية؟) في إحلال السلام والأمن، لأن مدينة “تل أبيب” عاصمة مفتوحة ومنفتحة على كل الثقافات والفنون (واللوطيين والسحجاقيات، وهو ما ذكره بعضهم كدليل انفتاح عظيم) وكرر جميعهم المعزوفة الممجوجة “اسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”…

بودي أن أعرف ماذا يدور بخلد آل سعود أو عبدالفتاح السيسي أو عبدالعزيز بوتفليقة، عندما يستقبلون رئيس فرنسا السابق (نيكولا ساركوزي) أو الحالي (فرانسوا هولاند) بكل حفاوة (مبالغ فيها) ويعقدون معه صفقات السلاح مقابل النفط أو مقابل ديون (مصر)… ألا يذكرون اسعمار الجزائر والبطش الذي مارسته حكومة “غي مولليه” (اشتراكي) أو العدوان الثلاثي (فرنسا وبريطانيا والكيان الصهيوني) والمساندة المطلقة للحركة الصهيونية منذ انطلاقها (أو حتى قبل ذلك مثل “نابليون” الذي طرح فكرة دولة لليهود في فلسطين)… لكن بما أن الحكومات العربية طبعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني جهرا أو نصف جهر، وبما ان قيادة منظمة التحرير (منذ ياسر عرفات) قادت الشعب الفلسطيني إلى مأزق وتلعب دور “خفير” الجيش الصهيوني وتصر على مواصلة “التنسيق الأمني” في كل الحالات، فإننا نلوم أنفسنا قبل لوم الآخرين، وما قامت به رئيسة بلدية باريس اليوم هو حلقة في سلسلة مواقف وممارسات استعمارية، ميزت الإمبريالية الفرنسية، وما الحركة الصهيونية (ودولتها الإستيطانية) سوى جزء لا يتجزأ من المنظومة الإمبريالية العالمية

أعداؤنا معروفون وبرامجهم معلنة، بقي لنا أن نصوب اتجاه البوصلة نحوهم ونوضح مطالبنا ونعلنها دون كلل “فلسطين، من البحر إلى النهر هي القضية المركزية” ووجب توفير الوسائل والشروط لتحريرها كاملة، ونعادي كل من يعرقل ذلك أكان عربيا أم أعجميا، مؤمنا أم ملحدا…