التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن،  21 آب 2015

المقدمة

        الاتفاق النووي الايراني لا يزال يتربع على صدارة المشهد السياسي والفكري الاميركي، كما تبينه تغطية مراكز الابحاث المختلفة.

        سيتناول قسم التحليل ابرز مرشحيْن في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، وما يتمتعان به من خصوصيات وميزات وكذلك بما يحمله كل منهما من اعباء قد تهدد مستقبل فوز اي الحزبين في الانتخابات الرئاسية.

        سجل دخول دونالد ترمب السباق الرئاسي ارتياحا لدى قطاعات شعبية واسعة، لمخاطبته العواطف والطموحات بمفردات سياسية غير مقيدة بتقاليد الكياسة الديبلوماسية، وتأييده “مرحليا” كونه يشكل ترجمة صريحة لبرنامج الحزب الجمهوري المتشدد ويعزز العنصرية ضد الاخرين.

        هيلاري كلينتون هي الاقوى انتخابيا، بيد انها دخلت في صراع احادي الجانب مع خصوم اشداء في الحزب الجمهوري تجمعهم غريزة الانتقام والثأر من شخصها وسجلها السياسي؛ وبدأت تتعثر في حملتها واحتمال دخول نائب الرئيس جو بايدن السباق في حال قرر قادة الحزب ان حظوظها اضحت مقيدة في افضل الاحتمالات.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

ايران:

        حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية معارضي الاتفاق النووي، في الحزبين، الالتفات الى “وضع الاتفاق حيز التنفيذ عوضا عن حشد الجهود للتغلب على قرار الفيتو او الانقسام الحزبي الراهن الذي لا يحقق شيئا للمصالح الاميركية.” وطالب الطرفين النظر الى “حجم الضرر الذي سيلحق بمصداقيتهما وتعميق الشرخ الشعبي لاعتبارات حزبية صرفة على حساب المصالح القومية.” ونبه الطرفين ان دخول الاتفاقية حيز التنفيذ سيؤدي الى “ابلاغ ايران انه لا يتوفر خيارات افضل منها .. وان الولايات المتحدة عازمة الوقوف الى جانب حلفائها.”

        زعمت مؤسسة هاريتاج ان الاتفاق النووي مع ايران “سيعزز فرص نشوب حرب في المنطقة .. ولا يؤدي وقف ايران جهودها للحصول على سلاح نووي.” واضافت ان التحدي على المستوى الاقليمي “لا يمكنه ان يكون اشد وضوحا .. فايران ماضية لبلوغ المرتبة النووية، ان ليس قريبا، بل خلال 15 عاما على الاقل.” وحذرت صناع القرار من ان حلفاء اميركا في “السعودية وتركيا لن تقفا مكتوفتي اليدين .. وما هي الا مسالة وقت حتى يتم تطوير قدرات نووية ذاتية لكل منهما، مما سيفاقم التوترات الاقليمية الى ابعد مدى.”

        اعتبر معهد المشروع الاميركي الاتفاق النووي بانه يمهد “لتطوير العلاقات العسكرية الاميركية السعودية،” ولا ينبغي تفسير توجهها لعقد صفقات تسليحية مع كل من فرنسا وروسيا الى ابعد من كونها “جهود ديبلوماسية لتنمية فرص الشراكة معهما كرسالة عدم رضى عن سياسة ادارة الرئيس اوباما في الاقليم .. رغم ان توجهات الرياض نحو موسكو لا تدل على تحول هام في اعادة اصطفاف سياسي معتبر.” وذكرت المؤسسة بان حصة السلاح الاميركي تبلغ 80% من السوق السعودية، والتطورات الاقليمية “تشير الى زيادة الانفاق السعودي على السلاح، على الارجح، والتي ستذهب في معظمها الى شركات الاسلحة الاميركية.”

        زعم المجلس الاميركي للسياسات الخارجية ان الاتفاق النووي لن يقفل كافة الابواب امام ايران للتسلح النووي، بل “سيبقي الباب مشرعا على مسار سري – انتفع من برنامج كوريا الشمالية .. واللتين ترتبطان بمساعي تطوير صواريخ مشتركة منذ عام 1985 لانتاج صواريخ سكود-ب التي يبلغ مداها 300 كلم.” ومضى بالقول ان ترسانة كوريا الشمالية الصاروخية والنووية “تشكل الهاما لكافة النشاطات الايرانية في مجال الصواريخ الباليستية، والتي انتجت بفضلها صواريخ شهاب 3 و 4، التي دخلت الخدمة الميدانية، ونماذجها المتطورة الاخرى من الجيلين الخامس والسادس قيد التجربة.” واردف مؤكدا ان البلدين “يعتقد بسعيهما المشترك لانتاج صاروخ عابر للقارات يحمل رؤوسا نووية متفجرة.”

المغرب:

        اعرب معهد كاتو عن اعتقاده بتنامي وتجذر حركة الحقوق المدنية في المغرب والتي “استطاعت تسجيل بعض الانتصارات التكتيكية الهامة في السنوات الاخيرة .. كنتاج لحملة الليبرالية السياسية التي شرع بها العاهل السابق الحسن الثاني.” واوضح ان الحكومة المغربية “تمارس قدرا اقل من التحكم” بشؤون المواطنين “ووفرت فضاء اوسع للنشاط الاجتماعي وحرية التعبير.” ومضى بالقول ان “ظهور صحافة مستقلة اسهم في اعلاء الاصوات الليبرالية .. بيد انها مطالبة بتوحيد الجهود، والانخراط في نشاطات السوق والاتصالات.” واوضح ان الحركة الشابة “ينبغي عليها اجراء تفاوض مع النظام الملكي عوضا عن الصدام معه، بغية اقناعه تدريجيا على زيادة مساحة الحريات الفردية عبر انتهاج تفسير ليبرالي للاسلام.”

تركيا:

        لفت معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى الانظار الى حالة الترقب والانتظار وعدم التيقن من مستقبل السياسة التركية، في ظل احجام حزب العدالة والتنمية عن تشكيل حكومة ائتلافية مع خصومه من الاحزاب الاخرى. واوضح المفارقات الشديدة بين مواقف الحزب الحاكم والاحزاب الاخرى فيما يتعلق “بسورية ومحاربة داعش .. اذ تتمثل اولوية العدالة والتنمية في الاطاحة (بنظام الرئيس) الاسد، وستبقى حائرة ومشتتة التركيز في محاربة الدولة الاسلامية في ظل حكومات مقبلة تحت سيطرتها.” واضاف انه بالمقابل فان “حزب الشعب الجمهوري قد يتوصل الى صيغة تعايش مع نظام (الرئيس) الاسد ..” بينما تعتبر الاحزاب الاخرى اولوياتها في مكان آخر مثل مستقبل التركمان في سورية، واوضاع الكرد في سورية ايضا.

افغانستان:

        اعتبر معهد الدراسات الحربية ان مهام بسط الأمن تزداد تعقيدا في اعقاب اعلان “وفاة الملا عمر وصعود نجم الدولة الاسلامية .. بل سيكون من الصعب على القوات الدولية الحفاظ على المستويات الراهنة من الاستقرار.” واضاف ان التحديات التي تواجه تلك القوات تتمثل في “بروز عدد من القوى المسلحة، التي تشكل التهديد الاكبر لقدرة الحكومة الافغانية بسط سيطرتها وتحقيق الأمن في المستقبل القريب.” واوضح ان الانشقاقات داخل حركة طالبان “تؤدي الى تحقيق الدولة الاسلامية انجازات في ميادين دولية اضافة للساحة الافغانية .. كما ان حالة الاحباط بين المقاتلين الراهنة قد تؤدي الى انشقاقهم باتجاه الانضمام للدولة الاسلامية وادامة النشاط مع الخلافة العالمية للدولة الاسلامية.” واعرب عن عميق قلقه من قدرة “الدولة الاسلامية استيعاب تلك المجموعات القتالية التي اعطت ولاءها للملا عمر خارج الساحة الافغانية، وتقف على عتبة زيادة الحضور العالمي لها.”

 

التحليل

كلينتون وترمب يتصدران المنافسة الرئاسية

لكن الطريق معبد بالاشواك

رئاسة حبيسة اثارة المخاوف

        اوجز الرئيس الاسبق جيمي كارتر جذر مأساة الحياة السياسية الراهنة في اميركا باعتبارها تحولت الى “ثمة رشاوى سياسية،” 28 تموز/يوليو 2015، محملا المسؤولية لقادة الحزبين و”كبار المتبرعين .. الذين ظفروا بتخريب النظام السياسي بأكمله.”

ربما لم يأتِ اقرار الرئيس كارتر بجديد، بيد ان اهميته تنبع من محورية مركزه واطلاعه على كل ما يدور في كواليس الاحزاب “وكبار المستثمرين،” لا سيما اعتراضه القاطع على تركيبة المحكمة العليا الراهنة واصطفافها في محاباة كبار رؤوس الاموال.

في المشهد الانتخابي العام، برز كل من دونالد ترمب وهيلاري كلينتون في صدارة الحزبين، الجمهوري والديموقراطي تباعا، وكليهما يئن من اعباء سياسية ومسلكية تتراكم تصاعديا وتنذر بالنيل من وجهة السباق ومستقبليهما معا.

درج الحزب الجمهوري على حشد قواعده الانتخابية باثارة مخاوفها وحساسياتها “ضد الآخرين،” وكذلك الحزب الديموقراطي بشكل عام، وان اختلفت السبل والتكتيكات وفق ما تقتضيه الظروف واعتبارات التنفيذ. الواقع الثابت ان المشهد السياسي الاميركي عادة يتم “حشده وشحنه بمشاعر الخوف والكراهية” ضد القوى المهمشة اقتصاديا واجتماعيا والاقليات بشكل عام؛ بل لم يعرف نهاية “للخشية من جنون الارتياب والاضطراب.”

واثبتت الجارب التاريخية فعالية لا تنضب للحزبين لاعتمادهما عامل الخوف كاستراتيجية استعطاف واستمالة عامة الشعب “وتسخيرها لاثارة مشاعر الوطنية السطحية” بينها وثم استثمارها في البازار السياسي.

رعونة ترمب تفضح فاشية الحزب الجمهوري

        مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب لا ترف له جفن او وخزة ضمير لتوصيفات باتت ملازمة له في ترحاله: قاسي القلب، وقح، عنصري، مهرج،يكشف مكنوناته الفكرية والعقائدية دون حرج .. الخ، وربما مرادفات اخرى تنطبق عليه اشد تطرفا مما ورد. حقيقة الأمر ان تصرفات ومسلك الملياردير “تجسد” خصائص ومباديء ومنطلقات السياسة الاميركية منذ ولادة كيانها السياسي المستند الى العنف والبطش اولا. بل يلقى آذانا صاغية ونفوسا صاغرة للتقرب منه كناية عن التزامها الفكري والعقائدي بل والغريزي ايضا.

        يشار الى ان ما يسمى “الاباء المؤسسون” للكيان السياسي الاميركي يشاطرون ترمب في جملة سلوكيات وخصائص، لا سيما وانهم بالمجمل “تفاخروا بتعصبهم العنصري والثراء الفاحش والغطرسة وممارسة الرق،” فضلا عن اعتقادهم بدونية المرأة، اتساقا مع تصريحات وسلوكيات ترمب.

        الحرج والاحراج التي يتسبب بها ترمب باطلاقه تصريحات “رعناء،” في نظر بعض النخب، لم تمنعه من تصدر المشهد السياسي برمته بخلاف كافة التصورات والتوقعات السابقة. الآلة الاعلامية للحزب الجمهوري، ممثلة بقناة فوكس نيوز، استضافت ترامب برفقة معظم المرشحين الآخرين في حلقة جدالية طمعا في احراجه واخراجه عن المألوف، كما يعتقد، تنتهي بتسديد ضربة قاسية لحملته تعزله مبكرا.

غرور وغطرسة ترمب ساهمتا بعكس ذلك، وشكلتا حرجا لخصومه في الحزب الجمهوري. وقد يذهب المرء للقول ان الآلة الاعلامية برمتها تعمل على “تقليص” حجم الخسارة بعد “صمود” ترمب امام جهود التوريط.

في هذا الصدد، اوضح الرئيس الاسبق لمجلس النواب عن الحزب الجمهوري، نيوت غينغريتش، ان ترامب يحدد بمفرده قوانين اللعبة الانتخابية فهو “ليس مدين لأحد كونه ينفق من ثروته الخاصة وليس بحاجة الى تبرعات انتخابية.” واضاف ان ترمب  يعد “افضل محاور اعلامي، ربما على طول عمر التاريخ السياسي الاميركي.”

ترمب جاهر باستغلاله ثروته المالية الضخمة “لشراء ولاء ونفوذ” شخصيات سياسية نافذة للحفاظ على مصالحه المتشعبة، ليس اقلها معاداته تشكيل نقابات عمالية في الفنادق والكازينوات التي يمتلكها في مدينة الملاهي لاس فيغاس. بل “تفاخر” ترمب بتأييده حملة المرشحة هيلاري كلينتون للرئاسة ماليا عام 2008، فضلا عن دعم مرشحين آخرين عن الحزب الديموقراطي.

        حذر الرئيس الاسبق جيمي كارتر، في المقابلة المذكورة، من تركيز السلطة بايدي قلة من الميسورين قائلا ان النظام السياسي “اضحى مجرد اوليغاركية (قلة سياسية)، تتمتع برشى سياسية لا تنضب تتحكم بالترشيحات للمناصب (المحورية) كمنصب الرئيس او انتخابه.” “الاوليغاركية” في ترجمة الحزب الجمهوري ومرشحه دونالد ترمب تقود الى تسلط كبرى الشركات بالمفاصل الاساسية، الأمر “الذي يتنامى في معظم المشهد السياسي العالمي.”

في الطرف المقابل، تتصدر هيلاري كلينتون قائمة مشرحي الحزب الديموقراطي، وقد يسفر الأمر عن منافسة بينها وبين الملياردير ترمب؛ ويتفوق عليها راهنا في عدد محدود من الولايات “المحورية للانتخابات،” فلوريدا مثالا، التي يطمعان للفوز بها ان كان سيكتب لأي منهما النجاح.

المشهد الانتخابي راهنا

        استعد المرشحون باكرا لتمويل حملاتهم الانتخابية بمبالغ وفيرة، غير مسبوقة، اذ استطاعت المرشحة كلينتون تكديس تبرعات مالية بلغت حتى اللحظة ما ينوف على 47 مليون دولار، جلها من كبار الاثرياء المؤيدين. المرشح جيب بوش، من جانبه، راكم تبرعات اعلى بلغت 114 مليون دولار، من قطاع كبار الاثرياء وشركات النفط. ترمب يستند الى ثروة شخصية تبلغ نحو 9 مليار دولار على الاقل، فضلا عن تأييد ذات الشريحة من كبار الاثرياء في المجتمع الاميركي.

        احدث استطلاعات الرأي التي اجرتها شبكة (سي ان ان) للتلفزة تشير الى تفوق كلينتون على ترمب بما لا يزيد عن 6 نقاط مئوية، والمساحة تضيق باضطراد. ارتفعت شعبية ترمب، عقب المناظرة المتلفزة المشار اليها، من 67% الى 79% بين صفوف الناخبين الجمهوريين والمستقلين الذين يميلون لانتخاب مرشح جمهوري، منذ نهاية شهر تموز الماضي. الملفت ايضا ان شعبيته، وفق نتائج الاستطلاعات، سجلت ارتفاعا بينا بين صفوف قطاع المرأة، من 50% الى 55%، خاصة بعد المشادة السياسية بينه وبين مقدمة البرامج في قناة فوكس نيوز، ميغان كيلي.

        واوضح استطلاع (سي ان ان) سالف الذكر ان ترامب يتقدم ثلاثة مرشحين اخرين من الحزب الجمهوري كفريق شبه نهائي في مقابل كلينتون، التي تتقدم على كافة المرشحين الاربعة في الاستطلاعات الجارية على الرغم من تقلص الفجوة بينها وبين خصومها. اللافت ان كلينتون تتفوق على المرشح جيب بوش بنحو 9 نقاط مئوية، وعلى ترامب 6 نقاط.

        القضايا “والعقبات” السياسية التي تثار امام السيدة كلينتون، بتصميم واصرار يقارب حالة الانتقام والثأر منها من قبل قادة الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس، لم تسجل تراجعاً بيناً في شعبيتها. لكن هذا لا يعني ان السباق سيستمر دون عثرات بعضها قوية تنال كلا من كلينتون ودونالد ترمب، كل لاسبابه الخاصة.

ترمب يعرّي ويحرج حزبه

        احدى القضايا المحورية التي تعد “قاتلة” للحزب الجمهوري هي سياسته المناهضة للهجرة، لا سيما من دول اميركا اللاتينية والمكسيك بشكل خاص، ويعتبرها “هجرة غير مرخصة او قانونية” ينبغي تقييدها والحد منها.

        ترامب ذهب ابعد من ذلك بتوجيهه اتهامات عنصرية ضد المهاجرين، لا سيما من المكسيك، مدركا ان القضية تستقطب الاهتمام الاعلامي وهو ما احرزه منذ اعلانه دخول السباق الرئاسي. المرشحين الاخرين عن الحزب الجمهوري سعوا لاستيعاب المسألة بخجل حتى لا تنقلب وبالا عليهم، بينما مضى ترمب في هجومه وتصريحاته الفجة والاقصائية كافأه جمهوره الانتخابي بتعزيز تأييده له كونه “يعبر عن خلجات افكارهم واهتماماتهم بصدق.”

        سجل احدث استطلاع اجراه معهد راسموسن المرموق تأييد نحو 80% من مجموع الناخبين الاميركيين لسياسة ترحيل كافة المهاجرين فاقدي الوثائق الرسمية، مقابل 11% من المعارضين. ايضا اعرب نحو 34% منهم عن تأييده سياسة الرئيس اوباما لمنح المهاجرين حماية قانونية ضد الترحيل القسري، والذين يصل تعدادهم نحو 5 مليون فرد.

        مستقبل ترمب السياسي، بالرغم من نجوميته الصاعدة، ليس مضمون في ظل الالة السياسية للحزب الجمهوري التي تبحث عن مرشح يعبر عن مصالحها بشكل ادق، وبدء شحذ سيوف الهجوم عليه من زاوية خروجه على “المثل والقيم المشتركة للمحافظين؛” خاصة من خصوم متوغلين في المحافظية مثل سكوت ووكر، وبدرجة اقل، راند بول وتيد كروز.

        نقلت شبكة فوكس نيوز لقطاع الاعمال توجهات اعلامية لدى المرشحين الآخرين للبدء بحملة اعلامية متلفزة ضد ترمب، في الاسابيع القليلة القادمة، والنيل من مواقفه حول مسألة مستقبل المهاجرين الى جانب سجله واسلوبه كرجل اعمال يقتنص الفرص لتدمير خصومه.

        حملة اقطاب الحزب الجمهوري لاقصاء ترمب غير مضمونة النتائج، سيما وان القاعدة الانتخابية لا زالت تتجاوب مع التصريحات السهلة لترمب. في حال بقي ترمب مرشحا للحملة الانتخابية، وهو الاقوى من بين المرشحين الآخرين، سيضطر الحزب الجمهوري التأقلم معه والاقرار ضمنا بخسارته الانتخابات الرئاسية، وخوضها بأقوى مرشح في جعبته، كما يعتقد.

        يشار في هذا الصدد الى الحملة الرئاسية السابقة، عام 2012، التي شهدت تفوق مرشحي الحزب الجمهوري على الرئيس اوباما لبضعة اسابيع متواصلة، ومن ثم سقط الرهان عن المرشح “الافضل” لاعتقاد غالبية القواعد الانتخابية انه كان ضعيفا امام الرئيس اوباما.

عبء هيلاري كلينتون

في بداية مشوارها السياسي، عقد الستينيات من القرن الماضي، كانت هيلاري كلينتون من مؤيدي وناشطي الحزب الجمهوري، واصطفت الى دعم حملة ريتشارد نيكسون آنذاك ضد جون كنيدي؛ كما اوضحت في مذكراتها لاحقا. نقطة التحول كانت عام 1968 الذي شهد اغتيال كل من مارتن لوثر كينغ والمرشح الرئاسي روبرت كنيدي، وتحولت ببطء ملحوظ لنصرة حركة الحقوق المدنية ومعاداة الحرب الاميركية على فيتنام.

مجرد ذكر هيلاري كلينتون يثير اشمئزاز الحزب الجمهوري، لقناعات مسبقة تتعلق بسجلها المهني والسياسي. للتعرف على كنه “حقد” الحزب الجمهوري بقياداته وقواعده لهيلاري وعقلية الثأر منها تنبغي الاشارة الى الدور الموكل اليها، كانون الاول / ديسمبر1973، من قبل لجان الكونغرس بأغلبية ديموقراطية “للتحضير وادانة الرئيس ريتشارد نيكسون.” واستنفذت بضع شهور متواصلة تستمع فيها الى تسجيلات الرئيس نيكسون الصوتية التي اضطر لتسليمها للكونغرس بعد انكشاف امر وجودها. تضمنت مسؤوليتها ايضا انجاز “هيكل اداري تنظيمي” لطواقم البيت الابيض خلال ولاية نيكسون، لتحديد مسؤولية كافة الضالعين بقضية “ووترغيت.”

في السنوات الاخيرة حققت كلينتون شبه اجماع داخل الحزب الديموقراطي بأهليتها الانتخابية منذ نهاية عهد زوجها الرئيس بيل كلينتون قبل 15 عاما، واستمر نجمها في الـتألق عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2008، توجتها بتسلم حقيبة وزارة الخارجية الاميركية. تلقت هيلاري سلسلة هزات وعقبات منذ توليها وزارة الخارجية ادت الى بعض التراجع في زخم التأييد لها داخل اوساط الحزب الديموقراطي.

         اتخذت قرارها للتحضير للسباق الرئاسي مبكرا، استنادا الى عناصر استراتيجية بلورتها بعناية سوية مع زوجها مفادها انه يتعين على الحزب الديموقراطي ابداء تفهما اكبر لمصالح الشركات الكبرى وانتهاج سياسات “نيو ليبرالية” محورها تبادلات السوق دون قيود او كوابح، والتي تم ارساءها في عهد الرئيس بيل كلينتون باستحداث “مجلس قيادة الحزب الديموقراطي،” باشراف الرئيس كلينتون ونائبه آل غور.

ونقل عنها اعدادها لتولي حقيبة وزارة الخارجية لمدة اربع سنوات، 2008-2012، تستقيل بعدها لتتفرغ لجهود الاعداد للحملة الرئاسية بعد انجازها خبرة فريدة في مجال السياسة الخارجية تميزها بشدة عن معظم المرشحين المحتملين في الطرف المقابل، وتنال ترشيح حزبها بسلاسة افضل.

        تعثر مسيرة هيلاري السياسية لها ابعاد موضوعية، ابرزها افتقادها للمهارات السياسية العالية المشهودة لزوجها بيل كلينتون، وظهورها الاعلامي “المتشنج” احيانا مما يحرمها من حرارة التعامل برفق مع جمهورها، وميلها للسرية. انعكس ذلك بوضوح على تدني عدد الحضور لمحطاتها الانتخابية التي لم يتعدى عدده بضع مئات مقابل الآلاف لسماع خصمها عن الحزب الديموقراطي، بيرني ساندرز.

        نجاح المسيرة السياسية ايضا يولد بعض الامتعاض وعدم الحماس داخل طواقم الحملة الانتخابية، وهو ما خبره الثنائي كلينتون خلال مسيرتهما الطويلة. بيد ان هيلاري باتت تعاني من عدم وفاء بعض افراد طواقمها مبكرا، وحرمها من نصائح وارشادات اساسية موكلة لاعضاء الفريق، لا سيما كشف احد اهم مساعديها عن وجود خادم بريد الكتروني خاص تحتفظ به اثناء توليها منصب وزيرة الخارجية ولا يخضع لمواصفات السرية المطلوبة، كدليل يستخدم ضدها لانتهاكها القوانين المعمول بها – كما يقال.   استغل الحزب الجمهوري الأمر الى ابعد مدى طمعا في تحقيق اختراق سياسي يؤدي الى ابعادها عن الحلبة السياسية.

        على الرغم من مشاعر الابتهاج داخل اوساط معارضي كلينتون، والترويج لامكانية تصرفها باستقلالية عن متطلبات مهامها في وزارة الخارجية، الا انها لا تزال تتمتع بتأييد اغلبية الناخبين. واوضح احد استطلاعات الرأي الحديثة ان حجم تأييدها بلغ نحو 56%، بارتفاع طفيف عما سجله في شهر آذار الماضي. الاتهامات لا زالت تلاحقها، كما اسلفنا، وادت الى تخلي بعض القاعدة الديموقراطية عن دعمها من نسبة 71% في شهر آذار الماضي الى 63% في الوقت الراهن. اما في اوساط الناخبين المستقلين فقد حافظت كلينتون على معدلات تأييدها البالغة 37%.

        روج خصوم كلينتون ايضا الى ان مكتب التحقيقات الفيدرالي “ينوي” اجراء تحقيق بطابع جنائي فيما يخص المراسلات الالكترونية وخادم البريد الالكتروني الخاص بها، بغية التيقن من “عدم انتهاكها للقوانين السائدة او قيامها بتضليل متعمد للاجهزة المختصة،” وتعميق ازمة الثقة مع الناخبين.

        الجدل الدائر يخدم ايضا خصمها المرشح عن الحزب الديموقراطي، بيرني ساندرز، الذي شهد تأييدا مضاعفا لحملته بين القواعد الانتخابية وتقلص حجم الفجوة مع هيلاري الى 18 نقطة مئوية، في احدث استطلاع للرأي اجرته شبكة (سي ان ان) للتلفزة منتصف الاسبوع الجاري.

        تعثر حملة كلينتون يشكل قلقا بالغا لبعض قادة الحزب الديموقراطي وخشيتهم من تحولها الى عبء يثقل كاهل الحزب ويقوض سمعته وقدرته الانتخابية، مما دعاهم للنظر باحتمال انضمام نائب الرئيس جو بايدن الى الحملة الانتخابية، كحل استباقي لتعثر حظوظها، بينما يتوفر اجماع حول تفوق بايدن على دونالد ترمب في ولاية فلوريدا المركزية التي تراجعت فيها كلينتون بعض الشيء. البعض الآخر يزعم انه يستمزج اراء نائب الرئيس الاسبق آل غور لدخول حلبة السباق الرئاسي ان تطلب الأمر.

        امام تعثر هيلاري وميلها للتعميم والسرية والتقدم الحذر من كافة القضايا الهامة يبقى دونالد ترمب يوجه اتهاماته يمينا ويسارا غير عابيء بالتداعيات، كاحد اهم العوامل المميزة للمرشح الساعي للتفاعل مع تطلعات وتوقعات الناخبين التحلي بالصراحة والوضوح.

        تعكف الماكنة السياسية للحزب الديموقراطي، قادة ومؤثرين، على دراسة افضل الخيارات التي تضمن خروج الحزب من شرنقته الراهنة، بوجود هيلاري او عدمه.

خلاصة المشهد

        من غير المتوقع ان نشهد تغيرا على مسار ووجهة السياسة الخارجية للحزبين، كما يدل عليها الوضع الراهن. في جانب الحزب الجمهوري ومرشحه ترمب، حال فوزه، سيمضي في تنفيذ سياسات تهدد وتستفز الخصوم والمؤيدين معا كونها تأتي من جوهر برنامج الحزب عينه مع الفارق انه لن يخضع “للفلترة او تخفيف اللهجة” او العناية باعتبارات وحسابات الآخرين.

        كلينتون، ان استمرت في السباق الرئاسي، ستطبق سياسات متشددة ايضا، مع فارق في التكتيك وسلاسة الخطاب السياسي، واعلاء كلمة اقطاب الحرب داخل السلطة السياسية.

        غني عن القول ان كليهما، ان بقيا لنهاية الحملة، يتمتع بمزايا وخصائص تصب في خانته صالحه؛ ويحمل تناقضات واعباء متباينة قد تطيح بهما معا قبل او اثناء انعقاد مؤتمري الحزبين العام المقبل.

        فيما يخص كلينتون فان مركز قوتها يكمن في ضعف الحزب الديموقراطي، ليس في البعد البنيوي فحسب، بل في قدرته على بلورة وصياغة سياسات خاصة به تعيد اليه ألقه التاريخي السابق بالاصطفاف الى جانب مطالب الطبقة الوسطى وتاييد الشرائح المهمشة بتطوير برامج رعاية اجتماعية تنهي قبضة اليمين في الحزبين.

        على صعيد المنافسين المحتملين من الحزب، لا تعاني كلينتون من منافسة انتخابية حقيقية، سيما وانها المرأة المؤهلة في مواجهة رجال ثلاثة (ساندرز غور وبايدن) الذين يعانون مسبقا من كسب تأييد القاعدة الانتخابية، بل قد يؤدي ترشيح اي منهم الى عزوف الناخبين الديموقراطيين عن الادلاء باصواتهم باعداد كبيرة.

        في المدى المنظور، ان تحققت كوابيس هيلاري وقوضت حملتها الانتخابية فان ذلك سينسحب تلقائيا على مصير الحزب الديموقراطي برمته. في الطرف المقابل، تتوفر للحزب الجمهوري عدة خيارات بديلة عن دونالد ترمب قد تستطيع الهاب حماس القاعدة الانتخابية.

        في ظل تلك اللوحة تتضح ميزة الحزب الجمهوري في استبدال ترمب والحفاظ على قدر معقول من حظوظ الفوز بالانتخابات الرئاسية؛ بينما تتلاشى تلك الميزة من امام الحزب الديموقراطي ومواجهة حملة منافسات قاسية.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com