عين الحلوة الاسلامي.. والفلسطيني

ثريا عاصي

أُكْمِلُ في هذه المقالة مداورة ما يجري في مخيم اللاجئيين الفلسطينيين في عين الحلوة في ضاحية مدينة صيدا في جنوب لبنان. يحسن التذكير بأني لمَحت في الجزء الأول إلى أن المخيم إذا صار دائماً انطمست هوية سكانه الوطنية فضلاً عن صفتهم كلاجئيين. ينجم عنه أن الموضوع الذي نحن بصدده يتعلق بأناس التجأ أجدادهم في سنة 1948 أي منذ حوالى السبعين عاماً، إلى المخيم، هرباً من المجازر التي ارتكبها المستعمرون الإسرائيليون عبرةً. كتب المؤرخ إيلان بابيه «الخطيئة الأصلية لإسرائيل هي قيامها على أساس التطهير العرقي الذي وقعت أثناءه أربعون مجزرة تقريبا».. لهذه المجازر أسماء كانت تتلى في فضاءات الذاكرة الفلسطينية التي كانت المخيمات قبل 1967 تحفظ جزءاً كبيراً منها.
مجمل القول انه يوجد في مخيم عين الحلوة تجمع سكاني عشوائي يضم حوالي مئة ألف شخص، أصلهم من فلسطين. أكاد أن أقول ان الوطن لا يعني لهم شيئاً، لأنهم لم يعرفوه. يستتبع ذلك أنهم في غالبيتهم كما أظن، لا يرفضون الهجرة إلى أي بلاد تتبناهم وتمنحهم صفة المواطنة. استناداً إليه، يمكننا أن ننظر إلى الناس في مخيم عين الحلوة بما هم عينة تمثل بحسب رأيي إلى حد كبير، تجمعات سكانية في بلاد العرب من مشرقها إلى مغربها، غشيَ الظلام مفهومها للوطن.
أكتفي بهذا الاستطراد عن المأزق الوطني، فهو ليس موضوع البحث هنا، لأعود إلى مسألة الاقتتال بين سكان مخيم الحلوة، الذي يدور استناداً إلى ما تناهى إلى العلم، بين الإسلاميين من جهــة وبين الفصائل التابعة لسلطة رام الله من جــهة ثانية. بمعنى آخر، إن ما يشــهده مخيم عين الحلوة يشبه « الثورات « العربية، أو «الربيع العربي»، الذي عصف بالبلاد العربية باستثناء دول الخليج وعلى رأسها مملكة آل سعود التي تضطلع بريادة «الثورة» العربية وتمولّها لحساب الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا.
ينبني عليه، إن المنطق يجعلنا نتوقع انتصار الإسلاميين في عين الحلوة، مثلما نجحوا في قطاع غزة في تأسيس سلطتهم، ومثلما حدث في تونس ومصر، حيث تمت عملية انتقال السلطة من أعوان الولايات المتحدة الأميركية (السيدان زين العابدين بن علي وحسني مبارك) إلى الإخوان المسلمين حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في تقويض أسس بعض الدول العربية. وما يرجح كفة هذه التوقعات هو إعلان السيد محمود عباس عن عزمه الاستقالة أو التنحي من رئاسة منظمة التحرير! وسط أخبار عن متغيرات في مؤسسات السلطة في رام الله.
يحق لنا بانتظار اتضاح الصورة، أن نفترض أن انتصار الإسلاميين في مخيم عين الحلوة محتمل جداً، إذا تأكد ذلك، فإنه سيكون نتج من مساعدة خليجية وتحديداً من آل سعود. ينجم عنه أنه سيكون للأخيرين نفوذ عسكري كبير، إلى جانب نفوذهم السياسي القوي في صيدا، المدينــة الجنوبية اللبنانية، التي كانت معقلا للنــاصرية وللعروبة!
ما يهم من هذا كله هو معرفة كيفية استخدام الإسلاميين للسلطة في مخيم عين الحلوة. هل سيفرغون المخيم من سكانه، استكمالاً لمحو المخيمات إرضاء للمستعمرين ولآل سعود. يقول «السعوديون اللبنانيون» ان الصراع مع حزب الله لم ينته. أي موقف ستتخذه السلطة الإسلامية في عين الحلوة من هذا الصراع؟
لقد نجح الإسلاميون في انتزاع السلطة مؤقتاً، في مصر وتونس، برضى الأميركيين. ولولا الغزو الأميركي ـ الأوروبي للعراق وليبيا بالإضافة إلى سذاجة حكــام هذين البلدين وانخداعهم بوعود المستعمرين، لما تمكن الإســلاميون منهما، فأراقوا الدمـاء وهدموا العمران وبددوا الثروات!
أعتقد ان الأوضاع والظروف والمفاهيم تختلف في سوريا ولبنان، حيث تعترض الإسلاميين صعوبات كبيرة، رغم ان الدعم الذي يصلهم من الإمبريالية الأميركية ـ الاوروبية غير محدود. إذ يبدو أن القيادة السورية صارت بفعل التجربة والمعاناة، أكثر تصميماً اليوم من ذي قبل على التصدي للعدوان حفاظاً على البلاد التي خضبت تربتَها دماء أبنائها هذا من ناحية، أما من ناحية اخرى، فمن نافل القول ان قيادة المقاومة في لبنان لا تقدم على أي خطوة إرضاء للولايات المتحدة الأميركية!.

:::::

“الديار”