قوى الدين السياسي

عادل سمارة

شكرا ل د. خزعل الماجدي والسيد غسان الشامي: شاهدت قبل بضعة أيام برنامج اجراس المشرق تحدث فيه د. خزعل الماجدي عن الأديان القديمة وبشكل معمق ومقنع. لقت نظري انه يستخدم مصطلح (الدين السياسي) بدل الإسلام السياسي. لا أدري إن كان نحته أو أخذه عن كتابي “ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة” الصادر 2012 عن دار فضائات في عمان. المهم ان هذا هو المصطلح الدقيق. وتعريفي له ادناه من الملحق الثاني للكتاب:

1- قوى الدين السياسي

ليست هذه مغامرة في تجريد الدين من التعاطي السياسي، فالتاريخ يؤكد ذلك. لكنها محاولة لتحرير الدين من احتكارية التفسير وحتى الاستخدام ومن حصرية القول به. ربما كان الدين أكثر من أيّة نظرية أخرى مشاعا للبشرية جمعاء بما هو مبدأ أخلاقي أساساً مما يجعل لمختلف الطبقات وفي مختلف التشكيلات منه نصيباً.

حضرتني رغبة في هذه المعالجة بعد أن استخدمت كغيري مصطلح الإسلام السياسي بما هو حصر التعاطي السياسي في تيارات وقوى سياسية إسلامية. وهو أمر حاصل من قوى من مختلف الأديان.

ما تقوم به قوى الدين السياسي هو: توظيف غير عِبادي/إيماني للدين لأن المسألة الإيمانية فردية تماماً، لا سيما في العصر الحالي حيث الناس جميعاً لا تقرأ وتكتب وحسب بل لديها تسهيلات الوصول إلى المعلومة وإلى التفسيرات والقراءات المتعددة للدين وللنظريات الفلسفية والقوانين…الخ. فليس من حاجة لمن يقوم بدور المعلم دينياً للناس. وهذا لا يمنع التفسير والقراءات ولكن ليس من أجل وبهدف فرضها على الناس. أما أن تقتنع جماعة بتفسير ما فهذا شأنها إنما ليس كي تفرضه على الآخرين من أجل هدف سياسي.

فتحميل المعنى الديني محمولا سياسياً لا بد أنْ يقود إلى تسخيره لخدمة قوة سياسية معينة. وكل قوة سياسية هي في التحليل الأخير طبقية أو مهيمَن عليها من طبقة معينة، وأقصد بمهيمن عليها من طبقة أن طبقة معينة يمكنها استخدام الدين للهيمنة على طبقة مختلفة بل متناقضة معها طبقياً، أي معيشياً ووضعا وعملا وتفكيراً ومع ذلك تخضع المهيمَن عليها للمهيمِن عليها. وعليه، فهذه الهيمنة تقود إلى استسلام طبقي حياتي معيشي مما يُديم التبعية والاستغلال بدل الصراع الطبقي الذي هو جوهر التاريخ البشري. ولعل هذا أخطر توظيف للدين.

ربما مثَّلت تجربة حروب الفرنجة “الصليبية” أعنف استخدام أو توظيف تجنيدي للدين بينما جوهرياً كانت حرباً طبقية شنها فائض أمراء الإقطاع الأوروبيين، أو الأمراء المهزومين/المحرومين من السيطرة على إمارات لهم. هي حرب طبقية على صعيد عالمي، حرب معولمة قبل أن يُنحت المعنى الحديث للعولمة على أرضية عولمة رأس المال.

قبل هذه الغزوات وبعدها وحتى اللحظة طالما تم استخدام الدين من خلال المؤسسة الدينية لصالح الطبقات الحاكمة أو طبقات تنافس وتصارع على الحكم. وفي الحالتين يتم الاعتماد على الإيمان ورهبة المؤمن من الله طالما اعتقد أن حامل لواء الدين هو ممثل لإرادة الله، وهي حالة لا يكون فيها في العادة نقاشٌ فما بالك بجدال ورفض؟

من هنا جرى إنتاج نظريات “ظل الله في الأرض” و “وحق الملك الإلهي” ومختلف هذه التسميات هي من صنع الطبقات/الأنظمة الحاكمة أو تصنيع مثقفيها العضويين، وعليها جرى بناء مزاعم الانتماء إلى الأشراف …الخ. ففي كل بلد عربي وإسلامي نجد من يزعمون أنهم من سلالة الرسول ولكنهم يستخدمون ذلك في تبرير وصولهم ومن ثم تمسكهم بالحكم!

وكما أشرت أعلاه، فاستخدام الدين لم يُحصر في الدين الإسلامي. لعل أهم ما حصل في المسيحية كان في رسملة الدين بمعنى توظيف رجال الكنيسة كجزء من المثقفين العضويين لسلطة رأس المال. ومن أبرز محطات هذا التوظيف دعوة مارتن لوثر (1483-1546- المنشق/المصلح) لليهود بالاستيطان في فلسطين واللافت مجيء هذه الدعوة بالتوازي مع صعود الرأسمالية التجارية في هولندا أي التأسيس للنظام الرأسمالي العالمي وقبيل سقوط القسطنطينة بقليل.

وقد يكون أحد أبرز الأمثلة على هذا قيام الكنيسة الكاثوليكية في وقت الأزمات الاقتصادية بنصح المرأة أن تبقى في البيت لتربية الأطفال كي تثبت أنها مسيحية حقيقية!

أما المحافظية الجديدة Neo-conservatism وتحديداً في فترة حكم جورج بوش الصغير فتشكل محطة بارزة في الاستخدام السياسي للدين في محاولة من “فرنجة رأس المال” لاستكمال ما هُزمت فيه فرنجة الإقطاع. لذا، لم يكن مجرد سهوٍ قول بوش هذا، حينما غزا العراق بـ”إنها حرب صليبية”. واللافت أن أكثر المتضررين من عدوان الغرب الرأسمالي على العراق هم العرب المسيحيون هناك حيث اضطر أكثر من نصفهم للهجرة والتشتت في مختلف أصقاع العالم.

ورغم مزاعم الحركة الصهيونية بأنها حركة علمانية، إلا أنها الأكثر استخداماً للدين في العصر الحديث. فالكيان هو أول دولة في العصر الحديث تسمي نفسها باسم الدين وتحصر سكانها في اليهود كدين وتحاول توليد أمة من الدين رغم أن مستوطنيها مستجلبون من عشرات القوميات. ويكفي مثلاً أن نشير إلى أن الجندي الصهيوني حينما يذهب في مهمة عسكرية يقوم قبيل ذلك باستشارة حاخام طائفته. هذا ناهيك عن الزعم المعروف بأن “اليهود شعب الله المختار” وتعليمات التلمود لليهود تجاه الأغيار.

لا يحتاج الاعتقاد بالعنف لدى قوى الدين السياسي لإثبات وخاصة في العقود الأخيرة. ولعل اللافت أن هذا العنف المغطى بالدين يأتي في فترة يصخب ويضج فيها الغرب باللغط في حقوق الإنسان والمجتمع المدني والدمقرطة…الخ وبالطبع قيام الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية باستخدام الشعارات نفسها. وقد يكون منطقياً الإشارة إلى أن توسع ظاهرة الدين السياسي أو تسييس الدين متلازمة مع الأزمات الاقتصادية على صعيد عالمي لا سيما منذ بداية أزمة تدني معدل الربح في المركز الرأسمالي منذ ستينات القرن الماضي، وهو الأمر الذي شكل أزمة ممتدة حتى الأزمة الجارية.

هناك ثلاث فئات هي التي تشكل أساس تيار أو قوى الدين السياسي وهي:

• الأزمة الاقتصادية التي تولد الفقراء الذين يبحثون عن عمل أو دور.

• رجال الدين سواء الذين في المؤسسة الرسمية كما هو في السعودية أو المنتمون إلى تنظيمات سياسية تشغل قياداتها مواقع طبقية رأسمالية مالية بشكل خاص، حالة الإخوان المسلمين.

• الأنظمة السياسية التي هي السبب في الفقر والأزمة الاقتصادية من جهة والمتحالفة (علانية أو لا مباشرة) مع قوى الدين السياسي.

بعد الطبقة أو المصلحة الطبقية لقوى الدين السياسي في تجنيد الفقراء للقتال باسم الدين، بينما هم حقيقة يقتلون ويُقتلون في خدمة الطبقات الغنية ومثقفيها العضويين من رجال المؤسسة الدينية، فإن هذه القوى من الأديان الثلاثة تقف موقفاً مُهيناً للمرأة.

أما وقوى الدين السياسي تستغل الطبقات الشعبية حتى الموت وتعتبر المرأة مجرد ملحق وضيع للرجل، فما الذي يتبقى من المجتمع غير المستفيدين، بدرجات ومراتب، من هذه القوى؟