ثريا عاصي
أعجبُ من دعاة الحرب على سورية، الذين يموهون دعوتهم برداء الثورة من أجل الحرية والديموقراطية والذين استقر بعضهم في اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية أو نزلوا ضيوفاً على السلطان أردوغان، كيف لا ينظرون في الأوضاع السائدة في تركيا التي تفضح كذبهم وتكشف خديعتهم.
فما يجري في تركيا لا يختلف كثيراً عما تتعرض له سورية والسوريون، إلى حد أننا نستطيع القول ان الحكومة التركية التي يهيمن عليها العثمانيون الجدد بزعامة السيد رجب طيب أردوغان تخوض حرباً في سورية وفي المناطق التركية الجنوبية الشرقية في آن.
لا استند في تبني هذه الخلاصة الى تصريحات نائب الرئيس الأميركي عن الدعم الذي تتلقاه داعش من تركيا والدول الخليجية فقط ولكن الى معلومات تتناقلها وسائل الإعلام أيضاً التي تتصف من وجهة نظري طبعاً بالمهنية والجدية.
وفي هذا السياق تعتقد أوساط كردية أن علاقة تربط بين داعش من جهة وبين حكومة أردوغان من جهة ثانية وحجتهم على ذلك في السلوك الذي اتبعته هذه الأخيرة أثناء المعارك التي دارت في البلدة السورية عين العرب ـ كوباني حيث لم يتوقف وصول الإمدادات إلى «داعش» عبر الحدود التركية فضلاً عن مرور شاحنات النفط من سورية إلى تركيا لحساب «داعش». تحسن الإشارة هنا إلى أن صحافيين أتراك سجنوا بسبب نشر شريط مصور يوثق قيام المخابرات التركية بتسليم كميات من السلاح إلى منظمات جهادية في سورية.
من المحتمل، في إطار هذه المقارنة بين «الحرب الداعشية» في سورية، إذا جاز التعبير وبين «الحرب العثمانية» في تركيا، أن تكون الحكومة العثمانية قد أحيت عصابات من نوعية فرق الموت التي استخدمتها الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية، تحت مسمى «الذئاب الغُيُر». علماً أن هذه العصابات كانت في التسعينيات الأداة التي نـُفـذت بواسطتها في تسعينيات القرن الماضي، المجازر والاغتيالات إرهاباً في المناطق التركية ـ الكردية ! بمعنى آخر أن الجرائم البشعة التي تقع في الراهن في سورية، على يد «داعش» ومن هم على شاكلتها، يحدث مثلها في المناطق التركية الجنوبية الشرقية، حيث توجد بلدات محاصرة وأحياء مدمرة بالمدافع الثقيلة والدبابات، كتلك التي أعطيت لداعش وجبهة النصرة، القاعدة. أو أنزلت عليهم من السماء، ودماء تسفك بغير حق (وهل يُسفك دم بحق ؟) وأناس متشردون.
من منا ينسى العربدة التي صدرت في السنوات الست الماضية، في مناسبات عديدة عن السلطان العثماني وعن وزيره أوغلو، تحديداً في المسألة الكردية وفي موضوع شمال سورية فضلاً عن ضريح سليمان شاه، قرب حلب، «مسمار جحا»، ملكية تركية بموجب اتفاقية أنقرة (1921) بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي.
اتضح الآن، ان الأميركيين عندما يساعدون الأكراد في سورية، هم يدعمون أيضاً تطلعات الزعيم الكردي في شمال العراق، إنما يحرضون العثمانيين الجدد على التدخل في شؤون سورية والعراق . بتعبير أدق هم يقدمون مبرراً للعثمانيين الجدد الذين يتحرقون إلى التوسع أملاً باستعادة أمجاد السلطنة الماضية . وبالتالي يحق لنا أن نفترض أنه على الأرجح تمثلت ردة فعل العثمانيين الجدد بخلق «داعش» أو بتشجيع ولادتها، وإمدادها بالعديد والعتاد، بقصد إعلان حرب هي في ظاهر الأمر فقط، ضد حركة انفصالية كردية تهدد الأمن القومي التركي، ولكن في الحقيقة هي حرب ضد الدولة السورية، ضد الكيان الوطني السوري، تندرج ضمن خطة استعمارية تشمل المنطقة المحيطة بفلسطين.
مجمل القول وخلاصته ان معالم الصورة باتت ظاهرة. عندما نسمع مسؤولاً أوروبياً أو اميركياً أو إسرائيلياً، أو الوزير السعودي – الببغاء، أو تركيا، يخيل إليك أن هؤلاء يمثلون دولاً أرسلت جيوشها إلى سورية استجابة لنداء وافق عليه السوريون في استفتاء ديموقراطي لا تشوبه شائبة! من يجهل أن السعوديين يضربون أعناق المعارضين وأن السلطان العثماني يدك في موازاة جرائم «داعش» في سورية، ديار بكر، سيزر، سيلوبي، ويقتل مئات المدنيين وسط صمت أميركي ـ أوروبي. أمِن هؤلاء تنتظرون الأمان والديموقراطية والحرية والهداية؟!
:::::
“الديار” اللبنانية
