محمد العبد الله
جاء انعقاد مؤتمر هرتسليا الذي يقيمه المركز متعدد التخصصات، هذا العام، في سياق الخطة السنوية التي أقرها الطاقم العسكري السياسي الذي يصوغ أهم التقارير الاستراتيجية في كيان العدو الصهيوني، التي تعتمد عليها النخبة الحاكمة لرسم سياساتها المحلية والإقليمية والدولية.وإذا كان عنوان أول دورة للمؤتمر قد حملت “مؤتمر هرتسليا للمناعة القومية” فإن الدورات اللاحقة مازالت مسكونة، للآن، بتحديد شروط تلك المناعة.
مستوطنة “هرتسليا” الواقعة على شواطىء البحر المتوسط شمال مستعمرة “تل أبيب”، تشهد سنوياً، منذ عام 2000 انعقاد جلسات المؤتمر- الذي يعود الفضل في إطلاقه للبروفسور/ الجنرال”عوزي آراد” الضابط السابق في جهاز الموساد المجرم، ورئيس مجلس الأمن القومي السابق، وأحد كبار المستشارين السياسيين لنتنياهو، وصاحب الرؤيا العنصرية الفاشية تجاه الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية- بحضور لافت لقادة عسكريين وسياسيين”رئيس الكيان، رئيس الوزراء، قائد الجيش والأركان،وقادة الأجهزة الأمنية والمخابرات وقادة أحزاب وكتل ائتلافية ، وعدد من المرشحين الرئيسين للمناصب السياسية القيادية”. كما يشارك به عدد ممن تقاعد عن قيادة العمل الأمني/العسكري، وتفرغ في مراكز دراسات وأبحاث تعمل على وضع الخطط النظرية لتقديمها لصناع القرار، في الحكومة والمنظمات اليهيودية/الصهيونية داخل الكيان وخارجه. هذه الخطط التي تناقش أفضل الطرق وأنجعها للحفاظ على “أمن الكيان” من الأخطار التي تتهدده، داخلياً وخارجياً. يعتبر هذا المؤتمر من أهم المؤتمرات التي تُقام ،لكونه،معنياً بالدرجة الأولى بالشؤون الاستراتيجية التي تشكل أسس السياسة التي تنتهجها حكومات العدو . كما تبرز استثنائية دوره ، من خلال المشاركة النشطة لبعض وزراء خارجية عدد من الدول، بالإضافة لصناع الرأي في أجهزة الإعلام والمنظمات غير الحكومية. وقد ظهرت في مؤتمر 2003 أول مشاركة عربية ( من داخل الجزء المحتل عام 1948 ) . لكن مؤتمر عام 2004 شهد حضور قيادات من الصف الأول للسلطة والمنظمة “ياسر عبد ربه” أمين سر اللجنة التنفيذية السابق. أما مؤتمر 2007 فقد شارك “سلام فياض” رئيس وزراء السلطة، لتكر سبحة الحضور في المؤتمرات اللاحقة من عدد من الأقطار العربية المطبعة مع العدو وبعض الفلسطينيين. في المؤتمر الذي عقد مؤخراً تحت شعار(أمل”اسرائيل”رؤيا أم حلم)في مقر رئيس كيان الغزاة “رؤبين ريفلين” مابين 14-16 حزيران/يونيو2016. هذا الشعار كان تعبيراً عن “رؤيا” ريفلين في مؤتمر عام 2015 عندما شدد على ضرورة التأسيس لـ( هوية “اسرائيلية” جديدة في دولة “إسرائيل” اليهودية والديمقراطية)؟!.
الرؤيا… هذيان أم كابوس
كانت تلك الرؤيا حاضرة في جلسة الافتتاح،خاصة في الكلمة التي ألقاها رئيس كيان العدو من خلال ماتم طرحه عن تلك الهوية الجامعة، المرتكزة على الأسس “القبائل الأربعة، كما سماها ريفلين” التي تستند على “الحريديم والعرب والعلمانيين والصهيونية الدينية” المكونة لذلك التجمع. لهذا، لم تكن تلك التوليفة قادرة على الاستمرار، حسب رأي صاحبها، بدون بناء الهوية المشتركة تحت سقف “الدولة” مع الحفاظ على الهويات الإثنية، انطلاقاً مما يراه(ضرورة أن يتحمل العرب والحريديم المسؤولية في تقاسم العبء القومي للدولة وضمان المساواة في”اسرائيل” اليهودية والديمقراطية).
العديد من الكلمات التي طرحت في المؤتمر أشارت إلى حزمة الأخطار التي تعصف بالفكرة الوجودية للكيان، خاصة مايتعلق بالتطوير الهائل في قدرات المقاومة “حزب الله في لبنان” والنقص/الثغرات الكبيرة في استعدادات الوضع الداخلي لامتصاص رشقات الصواريخ الأولى التي ستضرب تجمعات العدو، والاجتياح شبه المؤكد لأراضي الجليل المحتلة.كما أن بعض المتحدثين رأى فيحالة الانفراج/ التطبيع التي تتم سراً وعلانية مابين بعض العواصم الرسمية العربية ” السنية!” وحكومة العدو، إشارة ذات دلالة بالغة عن دور الأسرة الحاكمة في “الرياض” وتوابعها في عدة أقطار عربية لحرف بوصلة الصراع إلى جهة أخرى تخدم المخططات الإمبريالية والصهيونية.
كلمة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “هاليفي” سلطت الضوء على وضع الكيان (من جانب الوضع تحسن. فنحن أقوى من الجهات المحيطة بنا، ومع ذلك فإننا نعيش في بيئة معقدة، ويمكن القول إنها معقدة، وبكلمة واحدة الوضع تحسقد، أي تحسن لكنه تعقد. حزب الله قوي ولكنه لن يجازف بمعركة جديدة) .أما كلمة أبرز الضيوف”هنري كيسنجر” فقد حملت شحنة كبيرة من التشاؤم(أنا مذعور إزاء مستقبل “إسرائيل” واليهود… في المدى المنظور “إسرائيل” هي الأقوى في المنطقة، لكنها ستواجه تحديات كبيرة على المدى البعيد، إلى جانب وجود فرص جديدة مع بعض الدول العربية التي تتعاون حاليا معها في بعض الجوانب الخاصة). واللافت في المؤتمر،كلمات وحضوراً،دور الأجهزة العسكرية والأمنية للعدو في العمل المباشر داخل منظومة القوى المسلحة التي تخوض معارك واسعة مع الجيش العربي السوري، وهذا ماتأكد بحضور “عصام زيتون” كممثل عن الفصائل المسلحة العاملة في جبهة الجنوب السوري.
مشاركة العبيد …شهود الزور
جاءت مشاركة العرب واضحة من خلال حضور سفراء” مصر والأردن”، وأعضاء كنيست العدو ومدير مركز أبحاث في الدوحة و…”أحمد مجدلاني” عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، ووزير العمل في حكومة سابقة للسلطة، وأمين عام أحد جناحي “جبهة النضال الشعبي الفلسطيني” الذي تبوأ المنصب بعد وفاة الدكتور “سمير غوشة” في شهر آب/أغسطس 2009 . الكلمة التي ألقاها، مجدلاني، جاءت”ركيكة وضعيفة”كما وصفتها صحافة العدو ، بل كانت التعبير الأوضح عن ” دونية ” المُستَعمَرْ تجاه المُستَعمِر _ كما يقول فرانز فانون_. وهذا مانلاحظه في الفقرة التالية(عندما تلقيت الدعوة للمشاركة بأعمال مؤتمر هرتسيليا السادس عشر والمنعقد ما بين 14-16 من شهر حزيران الحالي، لم أتردد للحظة عن المشاركة لإلقاء كلمة أخاطب فيها هذا الجمع من أكاديميين وساسة ومفكرين، انطلاقاً من قناعتي بأن من يبحث عن السلام العادل والشامل يجب أن يذهب إليه ولو كان في آخر العالم )… هكذا لافُض فوه، لم يخاطبهم _مع التأكيد على رفض المشاركة حتى لو تضمنت الكلمة أكثر المواقف وطنية وثورية_ كغزاة وفاشيين يحتلون أرض الوطن، بل كتجمعات للسلام مازالت تعيش على وهم فكرة التأسيس والوجود!. جاء يبحث عن السلام مع قتلة أبناء شعبه، ودماء مئات الشهداء خلال الأشهر الأخيرة وعذابات الجرحى والأسرى والعائلات التي تحرق وتُهدم بيوتها وتُدمر أشجار زيتونها، لم تمر بذاكرته. في ذات الوقت الذي تسعى العديد من القوى المناضلة في العالم لتشديد المقاطعة على الكيان، يحضر العبيد وليمة السادة، كخدم وكضرورات للمشهد الذي يؤكد دونيتهم.
خاتمة
ليست المرة الأولى التي يشارك بها أعضاء من اللجنة التفيذية “فاقدة الشرعية القانونية” لمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر هرتسليا . لكن السؤال الذي يجب أن يطرح : هل هذه هي منظمة التحرير؟؟ ماذا بقي من ميثاقها؟وما علاقة هذا الإطار الشكلي الذي يُستدعى “ختما ً” لتمهر فيه كل اتفاقيات الاستسلام والذل؟ماذا تبقى من شعار تأسيس المنظمة “وحدة وطنية،تعبئة قومية، تحرير” ؟ هل للفصائل المشاركة بهذا الهيكل/الإطار الشكلي،المُستخدم من سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، لتمرير التنازلات وارتكاب الخطايا ، أن نسمع إجابتها ؟؟
تغيرت الوجوه الفلسطينية التي حضرت عدداً من مؤتمرات هرتسليا، لكن،مهما اختلفت الأسماء، فنهج الاستسلام، والتنسيق الأمني المقدس والتبعية لجبهة الأعداء، هو آلة التفريخ لكل ذلك العار.
:::::
موقع “قاسيون”
“الأخبار” اللبنانية
