فلسطين والعروبة: أشرف قضية انتعلتها/قمتها نخبتها المهزومة
عادل سمارة
مصطلح التطبيع مع الأعداء وخاصة الصهيوني موضع جدال بل اجتهادات وضيعة تطابق الهبوط المادي والنفسي والأخلاقي لأمة مهزومة بقبول ووعي. لذا اسميت ذلك منذ عشرين عاما “استدخال الهزيمة”. والاستدخال هنا بمحمول لغوي وذهني واضحين، فهو أن يتصرف ويقول وحتى يفكر المرء كمهزوم ويتعمق غطسه في برميل الغائط هذا إلى درجة اعتقاده بانه إنما يقوم بعمل يدعوه للافتخار.
لذا، تتسابق في الوطن العربي نخبتان على استدخال الهزيمة مدعية أو معتقدة كلتيهما أنهما تقومان بعمل/فعلِ قوة ما، وهي في الحقيقة تتورط في “الاستقواء بالضعف”.
وإذا كان لنا ان نستدعي ابتكار شيوعي سجين لخدمة ما يجري اليوم في الوطن العربي، فإن الأفضل هو أنطونيو غرامشي مبدع قيام الطبقة الحاكمة، ويقصد في حينه البرجوازية، بالتحكم بالمجتمع وخاصة بالطبقات الشعبية عبر مستويين:
· السيطرةأي فرض سياسات السلطة بالقوة العارية على المجتمع بأسره
· ثم انتقالها للهيمنة أي التهام الطبقات الشعبية لسياسات السلطة، وتمثّلها ذهنيا ونفسيا وممارسة مما يُريح السلطة من عناء فرض ما تريد، حيث تطبق الطبقات الشعبية ما تريده السلطة مغتبطة مستلقية في حضنها عارية من أية مقاومة.
ويكون خلاص الطبقات الشعبية ومعها الأمة عامة بطريق واحد فقط هو صراع الهيمنتين. أي نضال الطبقات الشعبية حاملة مشروع هيمنتها لصد وهزيمة هيمنة الطبقة البرجوازية، أو السلطة، سلطة اية طبقة.
ولعل أهم لغم يتم زجه في حديث كثيرين من العرب عن ما يسمى “المجتمع المدني” هو تغييب هذه المسألة ، أي هيمنة الطبقات الشعبية أي مشروع هيمنة هذه الطبقات بما هو المشروع العروبي الوحيد، لنجد القارىء امام طرح مستلب، أمام إجهاض ضخم ، أمام قول يحوي نصف قانون التناقض والصراع أو التناقض التناحري ويغيب النصف الآخر أي النقيض. إنه ديالكتيك الهزيمة.
ولا شك أنك تشعر بالإهانة والمهانة لأمة حين ترى على فضائية كبيرة متحدث باسم السعودية وهو يقول بأن في المملكة مجتمع مدني، وأن زيارة جنرال متقاعد سعودي للكيان الصهيوني الإشكنازي هي ضمن نشاطات المجتمع المدني السعودي التي لا تتدخل السلطة في ما تقوم به!!
بينما السعودية ليست كبقية القطريات العربية (باستثناء نسبي لسوريا ولبنان والجزائر) حيث نصف المجتمع يمتطي ويحتل نصفه الآخر، أي الرجال يحتلون النساء، بل هي بلد يحتل الرجال أي الأقلية، النساء المحليات والجواري المستجلبات والغلمان وربما بعض البالغين لبعض! ولا يتسع المجال لاستدعاء توافق هذا مع أفلاطون واليوم ميشيل فوكو حيث مشاع البغاء الذكوري للإناث ناهيك عن أبي نواس.
أما وقد اكتمل قمر الهزيمة اليوم وصار “بدراً صهيونياَ” ، فإننا نشهد سباقا عربيا وفي عمقه فلسطينيا ً لاستدخال الهزيمة والسقوط في حضن الكيان الصهيوني. وذلك طبعا بعد سيرورة هبوطية هابطة ضد العروبة بدأت مع هزيمة 1967، وتركزت مع العدوان الأمريكي المعولم على العراق 1991 وفي أذياله عساكر أنظمة عربية وصولا إلى استباحة كل العراق فليبيا فسوريا فاليمن…الخ. بل تدمير كل هذه القطريات نيابة عن الإمبريالية بوضوح وافتخار. أما اليوم فالاستباحة تغزو فلسطين لصالح الكيان الصهيوني الإشكنازي. لقد وصل انتصار الثورة المضادة من الرحم إلى العظم بينما الكل الشعبي ينشطر إلى طرفين:
· طرف انظمة وقوى الدين السياسي الذي يحمل الكفر فيقتل كل من في راسه فكرة متسلحاً من قادة مخافر الخليج: بالوهابية والمال والبارود.
· وطرف اوسع ، الأكثرية الشعبية،أي الحاضنة والمولِّد للطرف الأول وهي مثابة نيام تنشغل بين الشاشات وبين الجماع وتخيُّل الجماع وبين الأكل وبين النوم وبين الصلاة وتتجشَّؤ شاعرة بالامتلاء والرضى.
هذا الرنوخ في الهزيمة وتمثُّلها يشترط لخروج ٍما منها وعليها صدمة كرامة قبل صدمة وعي، أو كي الوعي.
وهنا استدعي قولا ل كارل ماركس شديد الانطباق على حالنا حيث يقول بعد هزيمة ألمانيا،
وهو بالمناسبة هنا يتحدث كقومي ألماني من الطبقات الشعبية وليس كشيوعي منفلت من التزامه اليومي أو كيهودي كما يصفه نقيق ضفادع الفكر والتكفير.
“… المطلوب ان لا يُمنح الألمان لحظة واحدة من الوهم والخنوع والاستسلام، انما يجب جعل الاضطهاد الواقع اشدوطأة بأن نضيف اليه وعي الاضطهاد. يجب ان نجعل العار اشد شبنا وقبحا بنشره على الملأ. يجب ان نصور كل قطاع من المجتمع الألماتي على انه “الجزء المخزي ” من هذا المجتمع . يجب ارغام هذه الظروف المتحجرة على الرقص،ـ بأن نغني لها لحنها ذاته، يجب ان نُعلِّم الشعب الذعر من نفسه كي نعطيه الشجاعة. ذلك سيكون إرواء حاجة ضرورية ملحة للشعب الألمانبي وحاجات الشعوب هي في حد ذاتها علة اروائها الأخيرة…” (نقد فلسفة الحق عند هيجل نقلا عن “حول الدين” ، دار الطليعة بيروت 1974 ص 35. من كتاب ياسين الحافظ ، الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة، دار الطليعة بيروت 1076، ص 299).
يهدف استدخال الهزيمة حربا على جبهتين:
· الجبهة الصغيرة فلسطين
· والجبهة الأساسية القومية العربية، المشروع العروبي للطبقات الشعبية.
فما من مشروع عروبي سوى مشروع الطبقات الشعبية الغائبة المغيبة حتى العيب. وما من فلسطين بلا مشروع الطبقات الشعبية العربية ابداً.
فما من استدخال الهزيمة رسميا وثقافيا في فلسطين لولا الهلاك من المحيط إلى الخليج.
والاستدخال هذا قائم على حاملين أساسيين:
· الحامل الرسمي الحاكم في معظم الوطن العربي بما فيه كل فلسطين المحتلة.
· والحامل الثقافي مجسداً في الطابور السادس الثقافي الذي تمور سقطاته الفكرية والأخلاقية كالهيضة التي ضربت مصر ايام طه حسين.
بقول أوضح، فقد وصل الحاملان هذين إلى لحظة الهجمة التقويضية للقومية العربية مدركة بوعي وضيع ومشبوه بأن المشروع القومي وحده الذي ينقذ الأمة ويحرر فلسطين، ولذا يجب الإجهاز عليه.
واحتوى الإجهاز على تعميق القطرية والطائفية والعشائرية والدين السياسي وهو ما يتجلى في وطن كبير مقتتل بمختلف المستويات والأدوات، متهالك لا يقوى على الوقوف حتى على قبر نفسه لرثاء نفسه.
فالأمة العربية وحدها التي تتحدث عن نفسها بألف لسان وعن عدوها بلسان واحد: يا سيدي أنا تحت نعليك.
هل هذا التقوُّل قاسٍ؟ كلا، بل هو الأشد نعومة وتأدباً.
ففي المستوى الحاكم المتحكم في الوطن العربي، هناك :
· المعترف بالكيان منذ 1918 (آل سعود وآل رشيد)
· والمعترف بالكيان منذ 1948 (فريق الأممية السوفييتية) إلى جانب تقديس عضوية الكنيست الصهيوني، ناهيك عن التروتسك.
· ثم اعتراف أنظمة الكمبرادور التبعية من مصر إلى الحكم الذاتي إلى الأردن اعترافا تاما ومطلقا حتى آخر لحظات الشهوة والاشتهاء.
· واعتراف قطر والإمارات والمغرب عمليا والتخفي شكلانياً.
· وهناك المعترف من تحت الطاولة او من تحت الملابس الداخلية كالعراق ونصف لبنان وثورة تونس
· وهناك من هب للاعتراف اليوم كالسعودية معتذرة عن إخفاء عشقها العتيق ليظهره حامل نفس الإسم “عشقي”.
· وهناك من لم يعترف ولكنه لم يرفض تماما المبادرة العربية سوريا والجزائر.
· وهناك البنى والأحزاب والمؤتمرات (القومي العربي، والقومي الإسلامي وأضرابهما) التي تزعم عدم التطبيع والعروبة والإسلام بينما تحتضن أكثر المطبعين وقاحة (اصحاب “صرخة من الأعماق” صرخة لصالح إقامة دولة مع المستوطنين في فلسطين!
· وهناك الفصائل الفلسطينية التي في معظمها تزعم التحرير ولكنها تتعامل مع سلطة التطبيع في رام الله وكأنها سلطة تحرير ناهيك عن المشاركة في انتخابات (رئاسة ومجلس الحكم الذاتي) وهي ليست سوى نتاج التطبيع مع الكيان.
· وهناك الطابور السادس الثقافي في كل الوطن العربي والذي يشتغل على تفكيك القومية العربية باسم العروبة وعلى تتويج الوهابية باسم الإسلام، وعلى سحق حتى حرية الجماع الشرعي في البيت باسم الديمقراطية، وعلى بيع ثروات الأمة باسم التنمية.
ماذا يعني هذا بمنظور غرامشي؟
إنه يعني باختصار انتصار وسيطرة الثورة المضادة على العروبة بلا غباش ولا وسطية رمادية:
فقد نضجت البنية الإهلاكية بمكونيْها:
· السلطات الحاكمة في الوطن العربي أي الطبقة الكمبرادورية الرجعية العميلة بفخر ورقص بالسيف مجسدة على شكل السيطرة
· ومثقفيها العضويين من المرتدين قوميا وشيوعيا ويساريا ودينيا المروجين للهيمنة.
هي إذن هيمنة أوغاد المرحلة التي تكاد تكون مرحلة الأوغاد أو هي كذلك.
ولا يخدعنك نقيق هذا الفصيل أو ذاك، بانه ضد التطبيع، وضد الاعتراف، ومع العروبة ومع التحرير، وهو ينام ويصحو في أحضان سلطات عربية متعددة بين طائفي وعميل وبغي ولص وفاسد ومموِّل بالطبع.
ولكي لا يأخذنا الشعر أو شبيه الشعر، نلخص الصورة والمشهد بأن كل ما يدور هو:
· تجويف الوعي العروبي والطبقي وحتى الإنساني
· لأجل تجريف الثروة في معظمها للسيد الغربي والصهيوني.
فالعامل المادي وراء كل شيء ، هذا وإن اكتسى قشرة سياسية ثقافية دينية نفسية جنسية ما.
وعليه، فلا تبكي وطنك الكبير الذي كل قرية فيه أمة /قومية/طائفة/زمرة وتخال نفسها عالم قائم بذاته يأكل ويشرب ويتناسل أميبياً. ولا تصغي لاعتذاريات الساسة الخصيان في القمة الرسمية ولا للمثقفين الغلمان في البلاطات (مستوحى من اعتذاريات النابغة للنعمان بن المنذر) فهم أساطين كذب ومنفخة.
من استدخال الهزيمة إلى الاستعادة
ملامح الخلاص لا تخفى، هي استعادة الطبقات الشعبية من ايدي اوغاد المرحلة، قوى وأنظمة الدين السياسي والصهينة ومجموعها الثورة المضادة.
لست قويا بما يكفي لا باس، أو انت ضعيف نسبيا لا باس، ولكن هذا كله أو معظمه من تقصيرك أو قصورك. هي المقاومة إذن الطريق الأوحد إلى الكتلة الكبرى التي فقدتها. الكتلة التي تسلحت للانتحار بالبندقية والجهل، فلامخرج سوى أن تطل عليها بالوعي العروبي والبندقية.
