أمريكا: مرور عام على رئاسة “دونالد ترامب”، الطاهر المعز

تقديم:

تُمثل هذه الفقرات بعضًا من المادة التي ستُنْشَرُ في أعداد نشرة الإقتصاد السياسي (موقع “كنعان” كل يوم سبت)

تشير جميع الدراسات والتقارير الأمريكية والأوروبية أن الإمبريالية الأمريكية تمتلك أضخم ترسانة عسكرية في العالم وتستغل التقدم العلمي والتكنولوجي لتطوير أسلحة “دمار شامل”، مما يجعلها نموذجًا للدولة الإمبريالية القادرة على فرض زعامتها وقيادتها للعالم، رغم تَبَرُّم الحُلفاء والخُصُوم، بالإضافة إلى استخدام سلاح الإعلام والتقارير الكاذبة التي تُعِدُّها مُؤسسات ومنظمات مُمَوّلَة لهذا الغرض، بهدف تقويض أُسُس الدول التي تعتبرها أمريكا مُناوِئة أو “مارقة”، وتُعْتَبَرُ جميع هذه المواصفات جُزْءًا من سياسة الإمبريالية الأمريكية، مهما كان الرئيس أو الحزب الحائز على أغلبية المجلس (الكونغرس)، وفي الجانب الذي يعنينا مباشرة، كعرب، نورد بعض البيانات والتصريحات التي قد تُوقظ “من كان بِهِ صَمَمٌ”، فقد صرّح الرئيس الأمريكي السابق باراك أومابا: “إن الروابط القوية بين أمريكا وإسرائيل معروفة جيدا، وهي غير قابلة للنقض، لأنها قائمة على روابط ثقافية وتاريخية، والاعتراف بطموحات اليهود  بوطن لهم متجذرة في تراجيديا التاريخ، وهذا أمر غير قابل للرفض… نحن نشترط أن لا تضر عملية السلام بمصالح إسرائيل وحلفائها، وأن تخدم التحالف الاستراتيجي ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل…” (عن صحيفة غارديان 04/06/2009- ترجمة تقريبية لمضمون التصريح). أما الرئيس الحالي دونالد ترامب فقد صرح “إن أمريكا ليست جمعية خيرية، لكي ترسل إلى الفلسطينيين أو غيرهم مساعدات مجانية، من باب التضامن الإنساني… إن المساعدات الأمريكية مرتبطة بعلاقة مباشرة بالمشاريع والمخططات السياسية الأمريكية وفي مقدمتها حماية مصالح حليفنا الأول إسرائيل… إن استمرار تمويل السلطة الفلسطينية يجب أن يخدم هذه الأهداف وأن لا يتناقض مع أمن إسرائيل” ( من تصريحات دونالد ترامب خلال لقائه مع رئيس وزراء العدو، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي -“دافوس” 25/01/2018)… إن الإمبريالية مُنْسَجِمَة تمامًا مع مبادئها الرأسمالية، ف”المساعدات” المالية استثمار مادي وسياسي، وهي عملية تتلخص في تحَمُّل “المجتمع الدولي” (أي رُعاة الكيان الصهيوني) ثمن الإحتلال، وتتم هذه العملية تحت رقابة وإشراف أدوات الهيمنة الإمبريالية مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وبموافقة سُلُطات الإحتلال، ويشترط الدعم انخراط سلطة أوسلو في التصدي لمحاولات مقاومة الإحتلال، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، ومن البديهي ألاّ تُمول الإمبريالية منظمات تُناضل من أجل تحرير فلسطين ومن أجل عودة الفلسطينيين اللاجئين إلى وَطَنِهِمْ…   

الدولار، أداة هيمنة أمريكية: لم يتوقّع خُبَراء الإقتصاد الرّأسمالي حدوث أزمة 2008-2009 بتلك السُّرْعة وبتلك الحِدّة، ويصعب اعتبار الإقتصاد السياسي “عِلْمًا”، رغم اعتماده لقواعد وبيانات، ولكن العوامل الخارجية أو غير المُتَوَقَّعَة -مثل الإضرابات ومُقاومة ضحايا رأس المال لسياسات ولقرارات الحكومات أو الشركات الكُبْرَى- قد تُعَرْقل مُخَطّطات رأس المال أو تُطيح بها، من ذلك ان الخبراء كانوا يتوقعون أن تُؤدِّي خطة “الإصلاح الضريبي” للرئيس دونالد ترامب (أي خفض ضرائب الشركات الكبرى) إلى ارتفاع معدل التضخم، إلى درجة تجعل الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة، ولكن ذلك لم يَحْصُل، ولم تجتذب الأسهم الأميركية المُستثمرين، كما لم تجتذب سندات الخزينة الأميركية المُسْتثمرين رغم ارتفاع العائدات، بل على العكس تعرضت لموجات بيع مكثفة خلال الشهر الأول من سنة 2018… من جهة أخرى، انخفض سعر الدولار، لأدنى مُستوى، بنحو 9,5% مقابل العملات الرئيسية الأخرى (الدولار الكَنَدِي واليورو والين والجنيه الإسترليني واليوان والفرنك السويسري) في آخر أيام سنة 2017 مسجلا أكبر هبوط سنوي منذ 2003، وذلك بفعل الشكوك بشأن استمرارية انتعاش نمو الاقتصاد الأميركي، عقب قانون الضرائب الذي صدر خلال الأسبوع قبل الأخير من نهاية سنة 2017، بينما بلغت العُملة الأوروبية المُوَحَّدَة (اليورو) أعلى مستوى في ثلاثة أشهر عند 1,2028 دولار، بزيادة 14,2% خلال سنة 2017، وتواصَلَ انخفاض الدولار خلال الشهر الأول من سنة 2018، ويتوقع خبراء اقتصاديون ومحللون ماليون استمرار هبوط سعر صرف الدولار الأميركي رغم كل المؤشرات التي يفترض أن تدعم سعره صعودا وذلك لأسباب مختلفة، مما يؤثر في الحياة اليومية للمليارات من سُكّان العالم، ومن أسباب هبوط سعر الدولار تَطْبِيق المصارف المركزية لاقتصاد الدول الرأسمالية المتطورة خططا لتشديد سياستها النقدية وتخفيض أو وقف شراء السندات (فيما يسمى بالتيسير النقدي) والتي بدأت أثناء أزمة 2008-2009 وهي سياسة تأميم خسائر المصارف والشركات وخصخصة الأرباح، وأدّى خفض المصرف المركزي الأوروبي حجم شراء السندات من 60 مليار يورو إلى 30 مليار يورو (وطَبّقت مصارف مركزية أخرى نفس الخطط) إلى انتقال رؤوس الأموال من الولايات المتحدة إلى أوروبا وآسيا سعيا وراء عائدات أفضل على الاستثمارات، لأن “الوطن” الوحيد لرأسمال هو المكان الذي يُمكّنُهُ من تحقيق أعلى قدر من الرّبح، وأعلن الدوائر النافذة ومستشارو البيت الأبيض “إن انخفاض سعر صرف الدولار مفيد للاقتصاد الأميركي، ويجعل الصادرات الأمريكية أكثر تنافسية”، لكن الفائدة الأساسية التي يجنيها الإقتصاد الرأسمالي المُهَيْمن على العالم (بواسطة الدولار وبواسطة القوة العسكرية) تتمثل في خفض قيمة الدين الخارجي الأميركي المستحق لبقية دول العالم، والمُقَوّم بالدولار، وبالتالي فإن انخفاض سعر صرف الدولار يُخفض قيمة الدّين وقيمة خدمة الدين، أما من هم خارج الولايات المتحدة فيتأثرون سَلْبًا بانخفاض سعر صرف الدولار، وفق درجة ارتباط العملات المَحلية بالدولار، وتستفيد الدول المصدرة للمواد الخام (من الناحية النّظَرِيّة فقط) من هبوط سعر الدولار، لأن قيمة السلع المقومة به (كالذهب والنفط…) ترتفع في الأسواق، ولكن هذا الإرتفاع هو افتراضي حيث تبقى القيمة هي نفسها أو ربما تنخفض، كما تنخفض قيمة تحويلات مئات الملايين من العمال المهاجرين في العالم، وخصوصًا تلك التحويلات المتجهة نحو بلدان تُقَوّم عملتها بالدولار…

ائتلاف طبقي هجومي، ضد العُمال والشعوب المُضْطَهَدَة:

يُمثِّلُ الرئيس أو رئيس الحكومة في كافة بلدان العالم طبقة أو ائتلافًا طبقِيًّا، وتشكل الولايات المتحدة نموذجًا للرأسمالية في مرحلة الإمبريالية، بقوتها الإقتصادية والعسكرية، وبالتالي السياسية والدبلوماسية، ويُمثل مُجَمّع الصناعات العسكرية والشركات العابرة للقارات (أمريكية المنشأ) في قطاعات التجارة (وولمارت وأمازون) والصناعات الغذائية (كوكاكولا أو ماكدونالدز) والتكنولوجية (أبل أو مايكروسوفت) ووسائل الإعلام والإتصالات وغيرها مراكز قرار قد تتنافس وقد تتفق على دعم مُرَشّحٍ لرئاسة القوة الإمبريالية الأكبر في العالم، ولا يشذ باراك أوباما أو بوش (الأب أو الإبن) أو كلينتون أو دونالد ترامب عن هذه القاعدة، وكان برنامج “دونالد ترامب” يدعو إلى إعادة هيكلية العلاقات التجارية الأمريكية لصالح العمال والمنتجين الأمريكيين، وليس الشركات الدولية الحريصة على تفريغ موظفيها المحليين المكلفين والانتقال إلى الخارج، وإغلاق الحدود أمام السلع الأجنبية وأمام العمال المهاجرين، ويرمز بناء الجدار على الحدود المكسيكية (بأموال المكسيك) إلى هذه السياسة، وتعتمد الولايات المتحدة على القوة العسكرية (قوة أمريكا وقوة حلف شمال الأطلسي)، وعلى هيمنتها على المعاملات المصرفية والتجارية (عبر الدولار) لِفَرْضِ سياستها وأولوياتها على العالم، وفرض العقوبات على خُصُومها ومنافسيها، مثل روسيا وكوبا وكوريا الشمالية وإيران… أظْهَرت تعيينات كبار الموظفين في البيت الأبيض شكل ونوع الإئتلاف الطبقي الحاكم في أمريكا (وهي “إدارة” للمصالح كما يُسَمُّونها) ويمثل هؤلاء قطاع التجارة الخارجية (رئيس المجلس الاقتصادي القومي “غاري كوهن” ووزير الخزانة “ستيفن منوشين” ورئيس أركان البيت الأبيض “جون كيلي” ومستشار الأمن القومي “هربرت مكماستر” ووزير التجارة ويلبر روس…)، وهم من المدافعين عن المصارف والشركات الكبرى، ويدعون ليس إلى وقف الهجرة (لأن الهجرة تُمَكِّنُ الشركات الأمريكية من خفض الرواتب وخفض الإنفاق وتكلفة السِّلع) بل إلى زيادة هجرة العقول ودوي المواهب والكفاءات من دول “العالم الثالث” نحو أمريكا خصوصًا في قطاع العلوم والهندسة والرياضيات والتكنولوجيا المتطورة وتكنولوجيا المعلومات، حيث يتطلب ازدهار الشركات الإحتكارية الأمريكية استيراد مواهب أجنبية أكثر من أي وقت مضى… يتعايش هؤلاء في الإدارة الأمريكية مع مدافعين آخرين عن الهيمنة الأمريكية بأشكال أخرى، ومنها مجموعة المستشارين والخُبراء الذين يدافعون عن منطق “الحمائية” الذي  يلوّح بحرب تجارية، عبر التصدي للاتحاد الأوروبي بشأن “السياسة التجارية غير العادلة” كما ورد في كلمة دونالد ترامب في منتدى “دافوس” والتهديد بوضع قيود على دخول السلع الأوروبية إلى الولايات المتحدة، لأن أمريكا “تجد صعوبة في تصريف منتجاتها في الاتحاد الأوروبي”، وارتفعت حدة الخطاب الرسمي الأمريكي تجاه ألمانيا (قاطرة الإقتصاد الأوروبي) والصين، وفرضت الولايات المتحدة رسومًا جديدة على دخول عدد من السلع ومنها ألواح الطاقة الشمسية المستوردة من الصين وأيضاً الغسالات الكبيرة المصنّعة في الصين وفي كوريا الجنوبية والمكسيك وتايلاند وفيتنام، وتهَدِّدُ بفرض مزيد من الرسوم الجمركية على سلع أجنبية أخرى بهدف “تقليص عجز الموازنة التجارية الأميركية، خصوصًا مع الصِّين”، فيما يُنَبِّهِ قسم من الخبراء الأمريكيين إلى “التأثير غير المباشر للتدخل التجاري على تدفق رأس المال الاجنبي”، فقد تؤثر التدفقات النقدية على التجارة الثنائية بصورة غير مباشرة، إذ تستوعب أمريكا  نصف المدخرات المالية العالمية الزائدة عن الحاجة الآنِيّة، فتُشَكِّلُ رأسملاً منخفض التكلفة للشركات الأمريكية…

أعلن ناطق باسم مجموعة “آبل” لصناعة الإلكترونيات (أكبر شركة في العالم) عن تحقيق مبيعات بقيمة 230 مليار دولار أمريكي وأرباح بأكثر من 48 مليار دولار أمريكي خلال 12 شهرا انتهت في 30 أيلول/سبتمبر 2017، وتواجه الشركة اتهامات أوروبية بالتهرب الضريبي فيما تتهمها السلطات الأمريكية بتهريب أرباحها إلى الخارج، للتهرب من تسديد الضرائب في أمريكا (ونسبتها الحقيقية منخفضة ولا تتجاوز 12,5% من الأرباح للشركات الكبرى، رغم إعلان نسبة 35% وهي نسبة لا تُسَدّدُها الشركات في أمريكا سوى بشكل استثنائي)، وطالبت شركة “أبل” في السّابق إلى تبسيط القواعد الضريبية الأمريكية، وسط انتقادات من قبل السلطات الضريبية الأمريكية لحيازتها النقدية الكبيرة في الخارج، وبعد مُفاوضات (سرّية) مع السلطات، أعلن ناطق باسم الشركة اعتزامها تسديد ضرائب بقيمة 38 مليار دولار عن حيازاتها النقدية بالخارج التي تبلغ 250 مليار دولار، وذلك بعد خفض الضرائب على الشركات في أمريكا من 35% إلى 21% من الأرباح)، وأعلن أن الشركة تخطط لإنفاق أكثر من 350 مليار دولارا في الإقتصاد الأمريكي خلال خمس سنوات، وتخطط أيضًا لبناء مجمع جديد في الولايات المتحدة، سيُوَفِّرُ عشرين ألف وظيفة، وتوظف “أبل” حاليًّا حوالي 84 ألف شخص في الولايات المتحدة، وتتوقع أن تشتري سنة 2018 سلعا أمريكية بقيمة 55 مليار دولار، وهي تملك مراكز بيانات في سبع ولايات أمريكية، وتعتزم إنفاق أكثر من 10 مليار دولار على مراكز بيانات على مدى خمس سنوات، كجزء من خطة إنفاق رأسمالية بقيمة 30 مليار دولار، وتتحايل الشركات على هذه القوانين التي تترك ثغرات تنفذ منها الشركات الكبرى (وهي الحاكم الفِعْلِي للدول الرأسمالية) لاستخدام الجزء الأكبر من الأموال -التي يتم توفيرها من الضرائب- في إعادة شراء الأسهم وزيادة الأرباح، وتُدْرِجُ ذلك في باب “الإستثمار”، ويتوقع أن تشتري مجموعة “أبل” نحو 10% من أسهمها على مدى 12 إلى 18 شهرا القادمة، وكانت قد أنفقت مبلغ 166 مليار دولار بالفعل لإعادة شراء أسهم في إطار خطة لإعادة 300 مليار دولار للمساهمين بحلول شهر أذار/مارس 2019 (تعريف: يتمثّلُ “الإنفاق الرأسمالي” في تخصيص قيمة، أو رأس مال محدد في فترة محددة للاستحواذ أو تعزيز أصول طويلة الأجل، مثل إنشاء مصانع أو شراء معدات جديدة…)

في جبهة العمال، يُطالب عُمّال الشركات الكبرى الأمريكية (ماكدونالدز وكوكاكولا وولمارت…) منذ حوالي ثلاث سنوات برفع الأجر الأدنى لساعة العمل من 7,25 دولارا إلى 15 دولارا، وكانت بعض الشركات وبعض حكام الولايات يَرَوْنَ في ذلك دفْعًا لقدرة هؤلاء الملايين من العُمال على الإستهلاك، وإنعاش الإقتصاد، خصوصًا خلال فترات الرّكود، ويعمل هؤلاء العمال بعقود هشّة (وقتِية) وبدوام جُزْئي وظروف عمل سيئة جدا، وتدعم الحكومة الإتحادية أرباب العمل عبر تقديم قسائم غذاء لهؤلاء العُمال الفقراء (بعد تقديم ملف شائك في دوائر العمل الإجتماعي)، لكي يتمكنوا من تجْدِيد قُوَاهم، والعمل من جديد (لأن الراتب لا يكفي)، وبدأت بعض الشركات منذ سنة 2016 برفع الأجر الأدنى من 7,25 إلى عشرة دولارات، تدريجيا، وقررت 18 ولاية  رفع الحد الأدنى لرواتب حوالي 4,5 ملايين عامل، بقيمة إجمالية قدرها خمسة مليارات دولارا سنويا، اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير 2018، وتتراوح الزيادات من 0,35 دولارا في ولاية “ميشيغان” (شمال البلاد) إلى دولار واحد في الساعة في ماين (شمال شرق أمريكا)، ليتراوح أجر الساعة الواحدة بين عشرة دولارات في معظم الولايات و15 دولارا في بعضها (منها واشنطن)، ورغم هذه الزيادات يبقى الراتب الإتحادي (الفدرالي) الأدنى بدون تغيير منذ 2009، بقيمة 7,25 دولارات في الساعة، وتسجل نحو 29 ولاية بالاضافة الى العاصمة الفدرالية واشنطن حدا أدنى أعلى من هذا المستوى، وبقي العاملون في 21 ولاية  يتقاضون رواتب أقل بكثير من زملائهم منذ جيل كامل، في أغنى وأقوى دولة في العالم… 

أمريكا – “صفر شفافية“؟

صنَّفَت شبكة العدالة الضريبية دولة سويسرا كأول دولة تمارس الغموض بشأن الأموال المُودَعَة في مصارفها (السّرِّية المَصْرِفِيّة)، فيما قَفَز ترتيب الولايات المتحدة من المركز السادس سنة 2013 إلى المركز الثالث سنة 2015 وأصبحت بنهاية 2017 تحتل المرتبة الثانية في التصنيف العالمي للسرية المصرفية التي غالبا ما ترتبط بغسل الأموال والفساد والتهرب الضريبي، واستغلت أمريكا قوتها الإقتصادية (والعسكرية، بالمناسبة) لاجتذاب رؤوس الأموال (“المُسْتَثْمِرِين”) الأجانب من خلال ضمان السرية المصرفية التي تمكنهم من التهرب الضريبي في أوطانهم الأصلية، وكثفت الولايات المتحدة منذ الأزمة المالية (2008-2009) حملاتها ضد الملاذات الضريبية (الأخرى) وضد سويسرا ومصارفها، وابتزّتْها قضائيا عبر غرامات باهضة، مع مطالبة الشركات بالتصريح بالمالكين الحقيقيين لها، واضطرت المصارف السويسرية الى دفع مليارات الدولارات من الغرامات وإعداد قوائم بآلاف الحسابات المصرفية الخاصة بالاميركيين الذين يسعون الى التهرب من الضرائب، لتفتح مصلحة الضرائب الأمريكية محادثات مع هؤلاء الأثرياء الأمريكيين، وتسمح لهم بإيداع أموالهم في أمريكا بشروط تفضيلية، ولكن من يستطيع التفكير في محاسبة القوة الإقتصادية الأولى والقوة العسكرية الأعظم في العالم، ومن يستطيع كشف استراتيجيات الإمبريالية الأمريكية في الإشراف على التهرب الضريبي، عبر اجتذاب “التدفقات المالية غير المشروعة”، وفق بعض المنظمات القليلة التي تتجرأ على خوض هذا الموضوع، الذي خلّف آثارًا سلبية على الإقتصاد العالمي بِأَسْرِهِ… صَنّف مؤشر الشفافية 112 دولة في جميع أنحاء العالم،ولا تزال سويسرا هي البلد الأقل شفافية مالية في العالم، تليها الولايات المتحدة ثم جزر كايمان في المركز الثالث، ف”هونغ كونغ” و”سنغافورة” و”لوكسمبورغ” و”ألمانيا” و”تايوان” وبلجيكا…

سياسة توسعية:

وجّهت الصين وكوريا الجنوبية انتقادات إلى الولايات المتحدة التي رفعت الرسوم الجمركية بشكل غير مسبوق على دخول غسالات الملابس المستوردة ومعدات الطاقة الشمسية، منذ يوم الإثنين 22/01/2018، ودافع وزير التجارة الأمريكي عن سياسة “أمريكا أولا” التي تضمّنت تعريفات جمركية جديدة على دخول السلع والخدمات إلى أمريكا، اتخذت صبغة العقوبات ضد العديد من الدول، ومنها “الصديقة” مثل كوريا الجنوبية واليابان ودول الإتحاد الأوروبي، وبَرَّرَ الوزير ذلك خلال مؤتمر صحفي في المنتدى الإقتصادي العالمي في “دافوس” (سويسرا)  بخوض أمريكا حربًا تجارية عالمية تدور رحاها كل يوم، ووجب أن تتحرك القوات الأمريكية في هذه الحرب التجارية، واعتبر الوزير إن هذه الإجراءات “ما هي سوى رد على انتهاكات أطراف أخرى لقواعد التجارة العالمية”، أما وزير الخزانة الأمريكي فَتَوَعَّد العالم أجمع بفرض المزيد من الإجراءات الحِمَائِيّة، بما فيها قطاع الصّلب، وفي ذلك تهديد ل”حليف” آخر هو ألمانيا التي تُؤْوي أكبر قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا، وتتّهمها أمريكا “بدعم قطاع الصلب بشكل غير عادل” (ما هو تعريف “الدّعم العادل”؟)، وكانت أمريكا قد أعلنت الإنسحاب من جميع الإتفاقيات الإقتصادية والتجارية متعددة الأطراف، لأنها تفرض عليها بعض التنازلات، وتُفَضِّلُ الإتفاقيات الثنائية التي تكون أمريكا الطرف القَوِي فيها، وفي هذا السِّياق،أعلنت الحكومة اليابانية أن الدول الإحدى عشر المتبقية من الموقعين على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (بعد انسحاب الولايات المتحدة، الدولة الثانية عشر) اتفقت على توقيع اتفاقية جديد للتجارة الحرة، يوم الثامن من آذار/مارس 2018، تحت إسم “وذلك بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، وهي أستراليا وبروناي وتشيلي وكندا واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام، وكان رئيس الوزراء الكندي “جاستن ترودو” قد وصف الإتفاق الجديد ب”المُناسِب”، وبإمكانه “تحقيق النمو والرخاء والوظائف الجيدة للطبقة المتوسطة على المدى الطويل” (أما العمال والفلاحون والفُقَراء فلا مكان لهم؟)، وسبق أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حال تنصيبه رئيسا في كانون الثاني/يناير 2017 انسحاب دَوْلَتِهِ من الاتفاقية، تنفيذاً لتعهداته الانتخابية، وبَدأت المفاوضات بشأن اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادئ” منذ سنة 2009، وكانت تستهدف عَزْل الصين عن محيطها الآسيوي، وسبق أن وَصَفَها الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” بأنها “اتفاقية تجارية جديدة من نوعها تستهدف تحسين معايير العمل وفتح الأسواق أمام السلع الأمريكية ومواجهة سيطرة الصين على المنطقة”.

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.