Abdullah Ocalan Book Review
Understanding Abdullah Ocalan
ما يلي مراجعة لكتاب عبد الله أوجلان وعنوانه: “كردستان، ثورة النساء والكنفدرالية الديمقراطية، منشورات بلوتو برس 2017، مراجعة كريس سلي، المراجعة منشورة في
Links International Journal of Socialist Renewal posted on November 19, 2017
The Political Thought of Abdullah Ocalan: Kurdistan, Woman’s Revolution and Democratic Confederalism
Pluto Press 2017
Reviewed by Chris Slee
غالباً، لا فارق بين بضاعة انتهى تاريخها وأخرى لا شُراة لها أو لم يأت زمانها.
في هذه القراءة للمقالة، وليس للكتاب ،فهو غير متوفر لدي، لن اتناول الجزء منها المتحدث عن تاريخ حزب العمال الكردستاني، واعتقال أوجلان وحياته/حصاره في السجن وتاريخ النضال الكردي في وضد سوريا والعراق وإيران…الخ كما ورد في مراجعة كريس سلي لكتاب أوجلان.
وهنا أود الإشارة إلى أن الحالة الكردية مختلفة عن حالة القوميات الأخرى المحيطة بها. فكما يطرح سمير أمين:
“… في عصر القومية في القرن 19 لم تكن هناك قومية كردية…. القوميات البلقانية والسورية العربية….. القومية العربية والبلقانية لم يفهمن انهن يدعمن القوى الإمبريالية ضد الباب العالي”
http://monthlyreview.org/2016/10/01/the-kurdish-question-then-and-now/.
قدَّم أمين في هذه المقالة أفكاراً جديدة اضاءت على تطورات المسألة الكردية حيث ابانت تفارقا كبيرا بين أهداف وتوجهات كل تجمع كردي في كل من العراق وإيران وسوريا وتركيا. وربما ابرز ما اشار إليه أن “… حزب العمال الكردستاني يريد دولة ثنائية القومية واشتراكية وديمقراطية”.
وهذا ما يفسر علاقة هذا الحزب لسنوات طويلة مع المقاومة الفلسطينية وتلقي مقاتليه التدريب في قواعد المنظمات الفلسطينية في لبنان، ويفسر ايضا احتضان سوريا لزعيمه عبد الله أوجلان بمعنى ان الكرد السوريين لم يعتبرهم حزب العمال هذا جمهوره بالمعنى القومي، ولو اعتبرهم كذلك لما احتضنته سوريا وربما لما احتضنته المقاومة الفلسطينية. وإضافة إلى عدم وجود حالة قومية واحدة للكرد، فإن الذي قسَّم الكرد، إن لم يكونوا مقسمين اصلا، على الدول في المنطقة هي الإمبريالية كما جزئت الوطن العربي. وفقط مع استشناء خاص هو إن الكرد السوريين في أغلبهم ليسوا من سوريا والأرض التي يعيشون عليها سورية استضافتهم سوريا بعد أن استخدمتهم في مذبحة الأرمن ثم ذبحتهم [1]، بل سأعالج الأفكار التي طرحها الرجل، ومدى تأثيرها على الكرد السوريين، وخاصة بعد الضربات التي تلقوها من العدوان التركي. بل ورغم محاولاتهم الانفصال، وتعاونهم/تعاملهم لصالح العدو الأمريكي فإن الدولة السورية قد ساعدتهم عسكريا، وأبدت استعدادها لحمايتهم في عفرين طالما وصلوا لحظة الصراخ والفهم الجزئي للحقيقة. لن أعالج المسألة السياسية بل سأحصر نقاشي في أفكار الكاتب.
تمت محاكمة أوجلان وحكم عليه بالإعدام في البداية، ولكن تم تخفيف ذلك إلى السجن مدى الحياة نتيجة للضغط الدولي.
إنتقادات أوجلان لحزب العمال الكردستاني:
يقول كريس سلي: حصل اختطاف أوجلان في وقت بدأ فيه حزب العمال الكردستاني “بمراجعة توجهاته إيديولوجيا وسياسيا” فهل كان الاختطاف صدفة حيث سنحت الفرصة أم استباقاً لأي طرح مرن من قبل أوجلان لن تركيا مثل الكيان الصهيوني لا تعطي/تتنازل/تتراج إلا بالعنف.. (ص 17) … فقد تحول أوجلان إلى ناقد للحزب الذي قاده، وكان يعمل على تطوير أفكار من أجل نهج جديد. ويعرض الكتاب انتقادات أوجلان لحزب العمال الكردستاني… حيث تمثلت إحدى المشاكل في هيكل الحزب .
مثلاً يقول أوجلان:
“… لقد تم بناء حزب العمال الكردستاني كحزب ذي هيكلية هرمية شبيهة بالأحزاب الأخرى. هذا الهيكل يضعه في تناقض بشكل جدلي مع مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة: وهو تناقض من حيث المبدأ مع مبدأ يتعلق بمختلف الأحزاب مهما كانت فلسفتها. وعلى الرغم من أن حزب العمال الكردستاني تبنى حرية التعبير عن وجهات النظر، فإننا لم نحرر انفسنا من التفكير بطريقة التراتب الهرمي. ص 17 …وهناك مشكلة أخرى هي أن الحرب جرت رمنستها كأداة استراتيجية”. (ص 17) ثم يقول أوجلان الآن: “لا يمكن تبرير استخدام القوة المسلحة إلا لغرض الدفاع عن النفس”. (ص 18).
ومع أن هذه النقطة غير واضح إن كان توصل لها أوجلان قبل اعتقاله أم خلال السجن، إلا ان وصف الرومانسية او نعت الحرب بالرومانسية ربما لا يستقيم مع وضع الكرد في تركيا لأنهم دوما في حالة دفاع عن النفس، ولأن وجود الحزب كان لهذا الغرض، ولا يبدو أن الأمر تغير على الأقل من الجانب التركي. وهذا يجعل نقد أوجلان في غير محله لأن النظام الإخواني التركي يتشدد أكثر تجاه الكرد. اما استخدام القوة المسلحة فقط للدفاع عن النفس، فهذا يعتمد على: متى يمكن وصف حالة ما بأنها تتطلب الدفاع عن النفس، وهل هذا حال كرد تركيا!
رؤى جديدة:
ثم يعرض أوجلان الاستراتيجية والفلسفة والمداخل السياسية لحزب العمال الكردي (ص18) فيقول:
لقد غادر الحزب هدف إقامة دولة قومية كردية. وبديلا لها يعمل على “إقامة ديمقراطيات قاعدية، لا تبحث عن حدود سياسية جديدة” (ص 19)
هنا نقطة التحول الكبرى في تفكير أوجلان. والسؤال هنا: هل حقاً غادر الحزب هذا الهدف؟ وهل هذا السبب وراء إعلان الهدنة من طرف واحد مع السلطة التركية؟ هذا طبعاً دون أن نناقش على ماذا اعتمد أو باي وعد قوبل الحزب من السلطة التركية؟ فقد ووجه بقمع اشد طال حتى قيادة الكرد من البرلمانيين والذين ليسوا أعضاء في حزب العمال الكردستاني.
والسؤال الأهم المتعلق هو: صحيح أن الديمقراطيات القاعدية مطلب متقدم، كونها لا تقاتل من أجل حدود سياسية جديدة، أي انفصال جغرافي. لكن؟ إذا كان الكفاح المسلح لم يعد الطريق لتحقيق ذلك، وبالطبع ولا رومانسية الحرب، فهل ستقوم السلطة التركية بتغيير دورها هكذا!
إلى أن يقول أوجلان: فلا بد للدول القائمة حاليا من أن تتمقرط:
“فاللبدان الموجودة حاليا بحاجة إلى إصلاحات ديمقراطية تتعمق لما هو ابعد من التعاطي الشكلي مع الديمقراطية. فهي غير حقيقية، ولذا، يجب أن تذهب إلى الإلغاء المباشر للدولة. وهذا لا يعني أن علينا ان نأخذها (أي الدولة) كما تبدو. إن البنية الكلاسيكية للدولة بموقفها الطغياني فيما يخص السلطة غير مقبول. تحتاج الدولة المؤسساتية لإجراء تغييرات ديمقراطية عليها” (ص 19).
هنا يأخذ أوجلان موقفاً طرحه ماركس باكراً “ذبول الدولة” ولكن الفارق أن ماركس طرح الأمر في سياق عملية ثورية شرطها انتصار الاشتراكية ذهابا إلى ذبول الدولة عبر النضال الاشتراكي وطبعاً ارتكازاً على ديكتاتورية البروليتاريا، بل في مرحلة متقدمة من هذا الانتصار. وربط ذبول الدولة عند ماركس بالتحول الاشتراكي، أي ليس الذبول أو الإلغاء المباشر بل المشروط بتحولات هو نقطة الافتراق بينه وبين الأنارخية.
وحتى لو قصد أوجلان، إلغاء الدولة بمعنى لاحق، لكن الواقع الذي يتحدث عنه في المنطقة شديد البعد عن تحقيق هذا الهدف. لذا يعود في نهاية الفقرة للحديث عن “إجراء تغييرات ديمقراطية”. وحتى هذه التغييرات، تشترط أداة ليست الدولة/السلطة هي تلك الأداة. (انظر مقالة عادل سمارة عن ذبول الدولة في الحالة الكوبية[2].
لكن إصلاح الدولة القائمة ليس كافياً. فلا بد من إقامة مؤسسات غير دولانية:حيث يقول:
” تعمل حركة التحرر الكردية من اجل تنظيم-ذاتي ديمقراطي في كردستان بسمات كونفدرالية. فالكونفدرالية الديمقراطية تُفهم على أنها تنظيم وطني ديمقراطي غير دولاني. إنه يقدم إطاراً يتضمن… أقليات، تجمعات دينية، مجموعات ثقافية، مجموعات محددة كجندر، ومجموعات اجتماعية اخرى يمكن أن تنتظم بشكل ذاتي….ويجب ان ينخرط الشعب مباشرة في عملية المأسسة، والحكم والإشراف على تشكيلاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. هذا المشروع قائم على حكومة ذاتية للتجمعات المحلية ومنظم على شكل مجالس مفتوحة، مجالس بلدات، برلمانات محلية ومؤتمرات أوسع (ص ص 19-20).
هنا يعود اوجلان إلى معالجة أمر الدولة بشكل تدريجي وعلى اسس الانخراط الشعبي. وهنا اعتقد أن طرحه هذا يقترب من أطروحتي في “التنمية بالحماية الشعبية” وليست التنمية الدولانية أي تمردا على نسق العمل السياسي الاجتماعي للدولة وعملا على لُحاق الدولة بهذا النهج وليس ربط هذا النهج بالدولة (أنظر ردي على سمير أمين)[3].
مطلوب نظام اقتصادي جديد:
يقول أوجلان: لم يدمر الاقتصاد القائم على الربح المجتمع وحسب، بل والبيئة… فالإنسانية لم تعد قادرة على تحمل البقاء مع هذه السياسة الاقتصادية. وعليه، فهذا هو التحدي الأكبر للسياسات الإشتراكية: الانتقال التقدمي من مجتمع موجه – سلعيا إلى مجتمع ينتج القيمة الاستعمالية، من إنتاج قائم على الربح إلى إنتاج يقوم على التشارك (ص 23)
ليس لنا خلافاً مع هذا الطرح، ولكن يبقى السؤال هل حزب أوجلان مؤهلا لتبني هذا المشروع؟ أي هل بنية الحزب هي بنية خُلقت من أسفل إلى اعلى وعليها طوعا ان تعود للقاعدة في كل من:
- ما يجب ان تعملة
- وتقديم تقرير عما عملته؟
يقول كريس سلي: يستنتج اوجلان في الفصل الأول بأنه أجمل بعض الشروط المسبقة من أجل السلام في تركيا. وهذه تتضمن الاعتراف بالهوية الكردية، والحقوق اللغوية والثقافية، وحرية التعبير والتنظيم والانتخابات الديمقراطية.
كونفدرالية ديمقراطية:
يقدم اوجلان في الفصل الثاني نقداً للدولة القومية بماهي مؤسسة قمع موروثة تحاول قمع التنوع:
” …فهي تحاول خلق ثقافة قومية واحدة، وهوية قومية واحدة وجماعة دينية واحدة ومتحدة. وهكذا فهي تقوي المواطنة المنسجمة المتطابقة…وعلى العموم فإن هذه الأهداف تم تطبيقها بالقوة أو بالحوافز المالية، وغالباً ما تنتهي إلى عملية إهلاك نمطي للأقليات وللثقافات واللغات، أو إرغامها على التماهي. (ص ص 34-35).
لست ادري إن كان أوجلان قد ذكر مسألة أكثر أهمية وهي أن القومية مرحلة تمر بها الأمم، وهي رغم مرحليتها إلا أنها هامة في سياق التطور الإنساني. هذا من جهة ومن جهة ثانية، ليس شرطا أن تكون الدولة القومية شيطانا إلى الحد الذي يصفها به أوجلان. فهناك دول قومية فيها اكثر من قومية أو دين ومع ذلك إمكانية التعايش موجودة. ولكن ما كان يجدر الإشارة إليه هو متى تكون الدولة القومية ضرورية في حياة أمة ما؟ وتحديداً في بلدان المحيط التي هي مستعمرات بدرجات مختلفة، ربما التبادل اللامتكافىء أقلها فظاظة.
وبغض النظر عن مختلف الإشكالات في القومية الكردية إلا أنها ضرورية في المرحلة الراهنة للكرد أنفسهم للحفاظ على هويتهم. وهذا ما يثير التساؤل حول الآتي في طرح أوجلان:
ويجادل اوجلان بأن “…إن الأساس القائم على دولة قومية كردية-منفصلة لا معنى له بالنسبة للأكراد”. (ص 38). وهذا يعني فقط “خلق لا عدالة إضافية.”.
أي أكراد؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن قيادات كرد العراق وسوريا يعملون على الانفصال وبرعاية صهيو-امريكية. وهنا يصبح أوجلان غريباً عن هذه القيادات سواء من حيث يساريته أو من حيث تجاوزه لمسألة دولة كردية. هنا لا بد من الفصل بين إمكانية إقامة دولة كردية في تركيا وبين حق الكرد في ذلك من جهة، وبين فرصة توفر مناخ ديمقراطي لكونفدرالية ديمقراطية من جهة ثانية وبين قبولهم لطرح أوجلان من جهة ثالثة. هل طرح أوجلان ناجم عن قناعة أم لأنه وصل إلى هذا الاستنتاج لأنه تأكد من أن الانتصار على تركيا ليس قيد الإمكان؟
لسنا ضد الكونفدرالية الديمقراطية إذا كان هناك إجماعا عليها من الطرفين التركي والكردي. وهي لا شك خطوة إلى الأمام. لكن التوصل إلى ذلك عبر قناعة وإعادة تثقيف قاعدي أمر والاضطرار للتوصل إلى تلك القناعة نظراً للعجز عن تحقيق دولة كردية مستقلة هو امر آخر.
وهنا كبديل لذلك يقدم مفهومه للكونفدرالية الديمقراطية:
“… وتقوم الكونفدرالية الديمقراطية على المشاركة الشعبية. وتكمن عمليات صنع القرار في المجتمعات المحلية. ولا تؤدي المستويات العليا إلا تنسيق وتنفيذ إرادة المجتمعات التي ترسل مندوبيها إلى الجمعيات العامة. ويعملون لمدة عام واحد كناطقين باسمها ومسؤولين تنفيذيين. ومع ذلك، فإن السلطة الأساسية لصنع القرار تقع على عاتق المؤسسات الشعبية المحلية. (ص 47(
وهذا أمر جميل، كمشروع للغد ولكن ليس للراهن. هنا يمكن الدخول إلى المسألة العراقية والسورية. أو إلى البرزانية من جهة وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا من جهة ثانية. على العموم، فإن قيادات الكرد سواء العراقيين أو السوريين هم باتجاه الانفصال وليس فقط الكونفدرالية. وهذا ما حاوله كرد العراق بقيادة مسعود برازاني عام 2017 وفشل وحاولته قيادة كرد سوريا مؤخراً، ولم تغادره حقيقة بعد..
لكن واقع سوريا مختلف، فمعظم سكان المناطق التي يسيطر عليها الكرد حاليا هم عرب اي من غير الكرد، كما أشرت أعلاه. كما أن الكرد السوريين هم لاجئون اساساً ومنذ مئة عام واقل. وعليه، إذا صح مطلب الكونفدرالية في العراق وتركيا لا يصح في سوريا.
يبدو أن فكرة الكونفدرالية التي جاء بها أوجلان لم تجد لها مكانا لا في تركيا ولا في العراق رغم وجود ارض خاصه بالكرد هناك ورغم ان الكرد حصلوا على شبه استقلال منذ فترة الرئيس صدام حسين ولاحقا في فترة الاحتلال الأمريكي الذي وضع دستور طائفي للعراق، ولكن التورط في استفتاء 2017 أعادهم خطوات إلى الوراء لصالح الدولة المركزية. ، ومع ذلك تحاول قيادة كرد سوريا انتزاع كونفدرالية في سوريا! ومن أجل ذلك يرهنون انفسهم للولايات المتحدة ، الأمر الذي يضعهم في مواجهة مع الدولة السورية ويشق صفوفهم نظراً لوجود تيارات في اوساطهم تعتبر امريكا سلطة احتلال، هذا ناهيك أن اكثرية سكان المناطق التي يحاول الكرد السوريون انتزاعها ، بغض النظر على شكل حكم ذاتي، كونفدرالية أو انفصال، هم من العرب وعموما من غير الكرد؟.
حتى كتابة هذه المقالة، هناك تراجع في مطالب كرد سوريا بعد ان خذلتهم الإمبريالية الأمريكية في تمسكها بعلاقة تركيا بها. ومع ذلك، فإن اللحظة هي زلقة جدا، ويمكن للتحالفات أن تتغير سريعاً، ولكن ربما الثابت هو أن الكرد سوف يبقون أداة للآخرين إن لم يحسموا سوريتهم. وسيخسرون أكثر إذا ما لوحت لهم امريكا بدعم ما، مما يضعهم في صدام مع الدولة السورية مجددا.
ثورة النساء
يعالج الفصل الثالث من كتاب أوجلان تاريخ قمع النساء ، والحاجة إلى ” ثورة نسائية جذرية.”(ص 89)، يقول أوجلان:
“إن الحلول لمختلف المشاكل في الشرق الأوسط يجب أن تأخذ موقف المرأة بالاعتباركنقطة تركيز عليها… فبدون مساواة الجندر، لا معنى لمطالبة بمساواة وديمقراطية” (ص 90). وهو يدعو:
“…إلى حركة لحرية المرأة، والمساواة والديمقراطية قائمة على علم المرأة وتسمى بالكردية “جنيولوجي).
ويقول أوجلان بأن تحرير المرأة هو : ” …أكثر أهمية من التحرر الطبقي والقومي” (ص 94)، وبأن “…دور الطبقة العاملة حينما يتفعل لا بد أن يؤخذ بأخوة مع النساء” ( ص90).
يبدو لي أن أوجلان هنا يقع في فصل تعسفي عبر فرز او فصل مسالة المرأة عن النضالين القومي والطبقي، سواء بوصف تحررها أكثر أهمية أم اقل. فهو يمضي هنا باتجاه النسويات الراديكاليات اللواتي أُخذن بالجنوسة، باعتبار الجنسين نقيضين لبعضهما وهذا يُقوِّض إمكانية النضال الجذري القومي وخاصة الطبقي الذي هو نضال مشترك والطريق الطبيعي لتحرر المرأة.
ألأمة الديمقراطية:
يواصل اوجلان في الفصل الرابع من كتابه في نقد الدولة –القومية، ويضع مفهومه الذي هو أمة ديمقراطية ليست مقيدة بحدود سياسية صارمة ولا بلغة واحدة ،أو ثقافة واحدة أو دين واحد ، أوتفسير واحد للتاريخ. (ص 108)
إنه يربط الدولة القومية بالنظام الاقتصادي الرأسمالي: فيقول: ” الدولة القومية هي أكثر مرحلة في التاريخ ممتطاة بالأزمة. فالدولة القومية بما هي المرحلة الأكثر ابتلاء بالأزمة، هي المنظمة الأكثر تطويرا للعنف في التاريخ الاجتماعي. إنها مجتمع محاصر بعنف السلطة، إنها أداة فُرضت بالقوة للتحكم بالمجتمع، والبيئة معا بعد ان تم تفكيكهما على يد التصنيع والقانون الراسمالي الباحث عن اقصى الربح” (ص 102)
هنا ايضاً يتجاوز أوجلان عن مسألة هامة وهي أن هذه المرحلة ، اي المرحلة القومية هي مرحلة من التاريخ شئنا أم ابينا، وبأنها في نظر ماركس، ضرورية كمقدمة للاشتراكية حيث يركز في البيان الشيوعي على أن الدولة القومية القوية توفر اساسا قويا للاشتراكية. وربما تؤكد ذلك المقولة التنموية بأن “الدولة الصغيرة سواء راسمالية أو اشتراكية هي تابعة”.
وفي هذا الصدد، إذا صح التقييم والتحليل بأن الصين لم ترتد إلى الراسمالية، وبأن روسيا كما يتوقع سمير أمين ذاهبة إلى الإشتراكية، فإن هذا يؤكد مقولة الدولة القومية القوية.
في سنواته المبكرة هدف حزب العمال إلى خلق دولة كردية مستقلة. وكما يقول اوجلان: ” لقد تمترس وراء الدولانية-القومية” لكنه توصل إلى وجهة نظر بأن “الاشتراكية لا يمكن بناؤها من خلال الدولة، وخاصة الدولة القومية”(ص 98)
لعل السؤال هنا هو: هل تأثر أوجلان بتروتسكي ومن ثم تمفصلات تروتسكي في موقفهم الأعمى ضد القومية؟ بل وبموقفهم المنادي بالاشتراكية بعيدا عن “البلد الواحد”. وهو الطرح الذي له بريق شكلاني بينما يخلو من معنى تطبيقي.
من جهتي أعتقد أن المشكلة هي في طبقية الدولة/السلطة بمعنى أن الدولة هي تشريع للاستغلال الطبقي وبالطبع بالنسبة للدول الإمبريالية تتم محاولات تغطية الاستغلال المحلي بتعميقه خارج النطاق القومي. ولذا أعتقد أن الاشتراكية لا تحققها الدولة، سواء قومية أو تزعم انها اشتراكية، بل تحققها التنمية بالحماية الشعبية، أي فرز الطبقات الشعبية لحزب يصل إلى السلطة بدعمها وبتنفيذه لمشروعها ومصالحها (انظر الرد اعلاه على سمير امين).
ثم يدعو أوجلان الحزب اليوم إلى تبني ” حكم ذاتي ديمقراطي” وليس إلى دولة كردية، ولكن حكم ذاتي ديمقراطي يتخذ أشكالا متعددة حيث يقول: “… فالحكم الذاتي الديمقراطي يمكن تطبيقه بطريقتين:
الأولى: تستند إلى التوصل لمساومة مع الدولة-القومية. وتجد تعبيرها المحدد في الحل الدستوري الديمقراطي. إنها تحترم الثقافات و التراث الاجتماعي-التاريخي للشعوب. وتعتبر حرية التعبير والتنظيم لهذه التراثات حقوقا دائمة دستورية اساسية لا تراجع عنها.
إن المسار الثاني لإيجاد حل ديمقراطي للحكم الذاتي – وهو حل لا يعتمد على إيجاد حل وسط مع الدول القومية – هو تنفيذ مشروعها من جانب واحد … وغني عن البيان أن الصراعات في هذه الحالة ستكثَّف مع تلك الدول القومية ذات السيادة التي لم تقبل الطريق الأول وأن يتم العمل من جانب واحد ليصبحوا أمة ديمقراطية . إذا حدث ذلك، لن يكون أمام الأكراد خيار آخر سوى تبني موقف تعبئة وحرب شاملين من أجل حماية وجودهم … ضد الهجمات الفردية أو المشتركة من الدول القومية (إيران وسوريا وتركيا). إنهم لن يتراجعوا عن أن يصبحوا أمة ديمقراطية بكل أبعادها، وأن يطوروا ويطمحوا إلى تحقيق تطلعاتهم من خلال جهودهم الخاصة حتى يصلوا إلى حل توفيقي أو يحققون الاستقلال في ظل الحرب. (ص 114-116)
في الحقيقة، كنت أتوقع أن يصل أوجلان إلى التمسك بالطريق الأول لكل أمم أو دول المنطقة. وحتى في الطريق الثاني، ورغم أنه بدا مسدودا أمام الكرد، كما اتضح في تجربة الانفصال الرجعي لكرد العراق، أو بالنسية للكرد السوريين، أن يصر أوجلان على أن تكون رسالة الكرد هي النضال لتطبيق الطريق الأول لجميع دول المنطقة. وبغير هذا، يكون أوجلان الناقد للقومية قد ارتد ليكون قوميا “جداً”.
يقول كريس سلي: “حاول حزب العمال الكردستاني التفاوض مع الحكومة التركية عديد المرات، ولكن حتى الان بلا نتيجة. وفي سوريا فإن حزب الاتحاد الديمقراطي قد عرض التفاوض مع نظام بشار الأسد ومرة أخرى بلا نتيجة”.
من اللافت ان كريس حين يتحدث عن تركيا يقول تركيا، بينما عن سوريا يقول نظام الأسد مما يكشف أنه ككاتب ذو نظرة عدوانية عنصرية ضد سوريا! هذا إلى جانب أن محاولات الاتحاد الديمقراطي التفاوض مع سوريا، اتت خلال العدوان المعولم على سوريا ناهيك عن ان المفاوضات كانت بهدف انفصالي بينما تركيا لم تكن في مأزق!
من التشاؤم إلى الإيحاء:
يقول كريس سلي: كتبت ناجدي العلي تقديماً لكتاب أوجلان، حيث ذكرت فيه بعض الشكوك التي خالطت موقفها سابقا من اوجلان، فتقول:
“…وكي نكون صريحين تماماً، كنت لوقت طويل شديدة التشاؤم مما فهمته بأنه ، أي اوجلان، يتموضع بشكل متعالي و بطريركي وذكوري حيث يصدمك وجود صورته في كل مكان، وإن كان هناك اي شيء ضئيل استعيده فهو عبادة شخصه ووضعه. ولكن التشاؤم الذي دفعني بقوة للرد قد أُستبدل بشعور كبير من التقدير ، والاحترام والاندهاش. وعليه اصبحت انظر إلى عبد الله اوجلان ليس كقائد سياسي فقط الذي طالما مارس النقد الذاتي وتغيير مواقفه جذريا، ولكن أيضا كفيلسوف سياسي ورمزا من رموز الإيحاء بالحقوق المدنية (ص 10) .
وهكذا، فإن العلي أعادت تقديس أوجلان، وإن من مدخل الاندهاش!
يقول كريس، بأن لدى ال-علي، بعض التحفظات على مفهوم أوجلان للجندر . اي بأنه ليس على إطلاع بالنظرية النسوية الحديثة. حيث تُسائل العلي فكرة (الأختوية- من أخت ، ع.س) قائلة في هذا الصدد : “…فاعتمادا على الطبقة، الإثنية، العرق، الدين …الخ، يمكن للنساء بأن تتورط بل وتدخل مباشرة في التهميش والقمع ضد نساء ورجال آخرين (ص 16)
وهنا، أود رد القارىء إلى كتابي: “تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء” حيث ناقشت هذا الأمر وتوصلت إلى ما اسميته “النس/ذكورية”، اي الوضعية التي ترفع بها الراسمالية الذكورية بعض النساء إلى مرتبة في السلطة بحيث تخدم في النهاية النظام الذكوري وليس المرأة.
ومع ذلك فإن ال-علي تعترف بأن تركيز اوجلان بقوة على النضال لتحرر المرأة له تأثير إيجابي جدا: حيث تقول:
“… وحتى لو ان مفهوم الجندر لم يحتو على تاريخ تنوع وثراء الفكر والنشاط النسويين، فإنه يلعب بوضوح دوراً هاما في النضال السياسي الفعلي لنشاط المرأة الكردية التي توظفه استراتيجياً، على شكل إنتاج معرفي في سياق معايير محافظة وأبوية التي لا تزال سائدة.(ص 16).
يحضرني في هذا السياق استخدام الكرد السوريين المرأة إعلامياً حيث يقدومنها كمسلحة، أو قارئة بياناً سياساً، الأمر الذي:
- من جهة فيه تقليد للاستخدام الشكلاني الصهيوني والغربي الراسمالي للمرأة
- ومن جهة ثانية، يرتكز عليه “يسار” ألماني ومعظم التروتسكيين يدعم انفصال الكرد السوريين بزعم ثوريتهم وتحريرهم للمرأة، في عملية تعويض عجز كل هؤلاء عن أي تحويل ثوري في بلدانهم بالذهاب إلى كولونيالية يسارية.
لكن العلي، حتى هنا لم تُشر إلى حقيقة هامة وهي أن الحركة النسوية عموما على الصعيد العالمي في تدهور، وهذا مؤشر على أن الجنوسة والجندر ليستا المدخل الحقيقي لتحرر المرأة بقدر ما هو النضال الطبقي القائم على الفهم المادي التاريخي للصراع والتطور.
ثم تضيف العلي: ” ليس من العدل لوم أوجلان الذي هو معزول عن العالم الخارجي في سجن جزيرة إمرالي وعلى عبادة تابعيه لشخصه”. وهذا غير صحيح، لأن اضطهاد المرأة يرتد إلى ما بعد مراحل المشاعيات في التاريخ القديم.
“… وحينما تتوفر إمكانية الدخول بشكل مفتوح في بناء نقد لبعض أفكار أوجلان دون إطراحها جانبا كما فعل بعض من لم يفهم، بأنها ليست ثورية بما يكفي، بل والأسوأ من يتهمه بالخيانة؟ … فهذه الأسئلة هامة، ولكن يمكن عمليا فقط أن يسأل ويدخل في ذلك حالما يحصل أوجلان على حريته. وهذه الأسئلة ليست مرتبطة إلى حد كبير بأوجلان نفسه بل بالحركة السياسية التي تحاول تطبيق والانخراط في افكاره ” ( ص 16). وهذا صحيح.
وتختتم أل-علي بملاحظة إيجابية:
في حين أن المرء قد لا يتفق مع كل فكرة وبيان واحد في كتابات أوجلان، وبينما يمكن للمرء أن يكشف التوترات والتناقضات والمشاكل داخل الحركة السياسية الكردية، يجب أن يصبح واضحا للقارئ من هذا الكتاب أن هناك شيئا منعشاً بناءً وإيجابيًا بشكل لا يصدق في أفكار ومقترحات أوجلان”.(ص – 18).
ختاماً:
ورد في مراجعة كريس للكتاب:
“…ولكن بعد خروجه من سوريا رفضت استقباله كل من روسيا وايطاليا حيث اختطف فى فبراير 1999 بينما كان فى كينيا واقتيد الى تركيا. وقد تم الاختطاف بالتعاون مع السلطات الكينية ووكالة المخابرات المركزية والموساد ومنظمة المخابرات الوطنية التركية”.
لقد اهتممت بهذه الفقرة لأنها تضيىء على التطورات الجارية في المسألة الكردية في تركيا وسوريا والعراق من جهة، وتحالف كثير من القيادات الكردية في هذه البلدان مع الإمبريالية والصهيونية.
لم يوضح كريس، من هم الأكراد الذين يتحدث عنهم أوجلان؟ هل هم جميع الكرد أم كرد تركيا هدف نضال حزبه.وهنا من المهم الاطلاع على ما كتبه سمير أمين في المرجع المشار إليه أعلاه.
هذا إضافة إلى مسألة هامة وهي أن أطروحات أوجلان في الديمقراطية والمرأة…الخ لا تجد لها مكانا قط في الحالة الكردية العراقية حيث القيادة إقطاعية قبائلية تابعة للخارج وخاصة لتركيا ومتواطئة مع داعش وتقيم علاقات عمالة مع امريكا والكيان الصهيوني اللتين ساهمتا في اختطاف أوجلان من كينيا!
تصبح إشكالية طرح أوجلان، أو تبني طرحه، إن شئت، مع حالة كرد سوريا “حزب الاتحاد..الديمقراطي”. الذي تلقى الدعم التسليحي من الإمبريالية الألمانية والدعم الإيديولوجي من اليسار الألماني ومن الحركة التروتسكية (ربما معظمها) ومن الإمبريالية الأمريكية /الولايات المتحدة وكل هذا باسم اليسار. لقد حاول هذا الحزب بل وكثير من قيادات الكرد السوريين الانفصال عن بلدهم الأم مأخوذين بالنزعة الدولانية القومية التي تخلى عنها أوجلان نفسه. ورهنوا أنفسهم للإمبريالية بشكل واضح، وهذا اشد الابتعاد عن الديمقرطية القاعدية.
وإذا صحت الأخبار اثناء كتابة هذه المقالة، فإن الكرد السوريين يستغيثون بالدولة السورية ويخفضون سقف مطالبهم إلى حد كبير. ولا أعتقد ان هذا التخفيض هو تجاوب مع أطروحات أوجلان بقدر ما هو الاضطرار للاقتراب من تلك الأطروحات.
يبقى السؤال عن حدود تبني حزب أوجلان لأطروحاته من جهة، وحدود قبول تركيا بها.
إنما بالعموم، يمكن القول بأن أطروحات أوجلان هي تقدمية، ومرنة، وغير ذكورية، ولكن لا البنى الكردية ولا التركية جاهزة لها. وهذا بالطبع لا يقلل من قيمتها.
_________
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.
[1] أنظر موقع أورهاي
[2]
https://kanaanonline.org/en/2018/01/23/cubas-state-withering-still-too-early-by-adel-samara/
[3] Amin Bets on the State for Development: Great Goal but Blunt Tool, by Adel Samara
https://kanaanonline.org/en/2017/08/14/amin-bets-on-the-state-for-development-great-goal-but-blunt-tool-by-adel-samara/
