قراءة موجزة في كتاب تفصيلي
كتاب: “الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن العشرين”
تأليف عبد القادر ياسين
منشورات مركز دراسات الوحدة العربية 2022.
د. عادل سماره
ليست هذه قراءة شاملة لمجلد ضخم بالصفحات (767 صفحة قطع كبير وبُنط صغير) وأكثر ضخامة بالأحداث وتتالي السنون. لذا ساتناول أموراً وجدت من المناسب تناولها سواء بالعرض أو التوضيح أو الإضافة أو النقد .
بداية، الكتاب جهد هام جداً بُذل فيه جهد كبير ومميَّز ويُفضَّل ان يكون كتاباً تعليميا سواء في المدارس أو المدارس الحزبية الوطنية والثورية للغد المُقبل لمسيرة نضالية لشعب تعرض ولا يزال لعدوان استيطاني إقتلاعي من الكيان الصهيوني بل من النظام الراسمالي العالمي مما يؤكد أن القضية الفلسطينية جزء من الصراع المعولم.
صحيح أن هذا الكتاب من نمط العرض السهل، ولكنه من فئة التحليل الممتنع لتعدد ما يجب القول فيه فتفصيل القول يقود إلى تأليف كتاب آخر!
إن بذل جهد في البحث والغربلة والتنقيح والاقتطاف…الخ على هذا الامتداد الزمني والكم الهائل من المصادر يحتاج حقاً لشخص دؤوب صبور، لا ازعم ان لديَّ الصبر هكذا.
ومع ذلك ليست هذه القراءة مجرد عرض في صفحة أقل أو اكثر لمرتكزات الكتاب الأساسية لأن هناك قضايا من الإشكال إختزالها .
في عمق التناقض وهذا الصراع العالمي في فلسطين وعليها تقف الحالة العربية منقسمة إلى فريقين:
· العرب كامة بل كعروبة اي كل أهل الوطن الكبير.
· وأنظمة/حكام هذا الوطن كإدارات حُكمية سياسية هي والطبقات التي تحملها وتتحالف معها.
أو لنقل الشعبي والرسمي وحالة التناقض بينهما على مدار قرن وأكثر حيث تموضعت معظم الأنظمة في المعسكر المضاد للثورة أي بالنتيجة مضاد للوطن وهو تضاد تم ويتم تكثيفه في الحالة الفلسطينية. أما الأنظمة قومية التوجه فكانت عرضة للتقويض والتصفية شأنها شأن الشعب الفلسطيني قيد الدراسة هنا، بل والأمة، العروبة باسرها.
وقد لا يكون من قبيل التعدي على الكاتب إذا قلنا بأن مجمل الكتاب يشي بأدب بالقول:صار لا بد من خطوة أعلى من طلاق الشعبي للرسمي بل إن وعي الشعبي لم يصل وجوب إسقاط الرسمي بأي شكل ومنهج.
لعله ظلم للكاتب إن نأخذ المرحلة قيد البحث ومقارنتها بما يجري اليوم لأن الكتاب تأريخي أكثر مما هو تأليفي بمعنى إنه مخصص لتحليل ونقد والخروج بأطروحة جديدة هذا وإن كان الكاتب قد أظهر تلميحاً أو بدفعك للاستنتاج ووصول قناعات في هذا الأمر أو ذاك، إنما بقي الكتاب تأريخي تسجيلي بالدرجة الأولى ، ولذا ليس لنا محاسبة أو مناقشة أو التضاد مع الكاتب في أحداث لم يصنعها هو بل حاول حتى كمؤرِّخ أن يكون محايداً تجاهها. هذا مع العلم بأن الزمن الذي غطاه الكتاب لصيق بالزمن القصير الجاري.
في النص:
وصلني الكتاب مع صديقي المحامي مهند كراجة والذي مع المحامي ظافر صعايدة توليا الدفاع عني في قضية مناهضة التطبيع وموقفي الرافض لحل دولة مع المستوطنين! محاكمة امتدت لثماني سنوات، حيث ارسل لي الكتاب الرفيق عبد الله حمودة من عمان مع مهند. وعبد الله كان أول مسؤول تنظيمي عني في حركة القوميين العرب حينما كنت في المرحلة الثانوية.في بداية ستينات القرن العشرين.
يدحض الكاتب (ص ص 36-37)ثلاثة مرتكزات أساسية في تبرير الصهيونية لنفسها أو لنقل ما نجحت في دحشه في الإعلام والوعي العالمي بأنها:
· حركة قومية، وذلك لعدم وجود أمة يهودية حتى تصنيعها أصبح مكشوفا كتصنيع سياسي.
· الزعم بأنها حركة إشتراكية بمعنى الاختلاف الكبير بين “الشكل الديكوري” للحركة الكيبوتصية الصهيونية وبين الاشتراكية العلمية.
· وزعم الصهيونية أنها تمثل الدين اليهودي بينما أسستها مجموعة علمانية وملحدة.
ولكن الحركة الصهيونية لم تعدم فرصة استغلال الدين لتبرير مشروعها حيث لعبت لعبة الدين السياسي وأخضعت الدين للمشروع السياسي،ولذا ترافق الدين السياسي مع الحركة العدوانية الاستيطانية مما ينفي العلمانية الحقيقية عن الصهيونية. ويكفي أن نؤكد هنا على أن اي علماني أو إشتراكي لا يمكنه إقناع الناس بأن الله أعطى اليهود أرض غيرهم هكذا ببساطة فخالق الأرض يمكن أن يخلق لهم أرضاً أفضل منها إن كان قد إختارهم! ومن ناحية ربانية، لماذا يظلم الله شعباً لصالح آخر. وحتى إذا كان هناك من غضب رباني على العرب الكنعانيين فبوسع الخالق معاقبتهم بغير ما تزعمه التوراة! أو تبديل الكنعانيين أرضاً أخرى. ومن هنا تسقط الرواية التوراتية لصالح الرواية التاريخية من جهة ومن جهة ثانية يتأكد أن التوراة تصنيعا لا تنزيلاً.
لقد أوضحت الصراعات الحالية داخل الكيان الصهيوني أنه:
· إنتقل من مرحلة الصهيونية الدينيةفي القرن العشرين
· إلى الدينية الصهيونية في القرن الواحد والعشرين حيث تقوده في اللحظة سلطة تدفعه للتحول إلى دولة دينية. وحتى لو حصل هذا فهي دولة استيطانية.
وعليه، فإن ما يبقى هو القراءة العلمية للصراع اي أن الكيان الصهيوني هو مشروع راسمالي إمبريالي غربي في الوطن العربي لاحتجاز تطوره وتسهيل نزيف ثرواته والحيلولة دون وحدته.
القيادات الفلسطينية:
كما يوضح الكتاب، لم تكن القيادات الفلسطينية لا في مستوى الصراع ولا في مستوى جاهزية الشعب للنضال، وللأسف لم يختلف الأمر حتى حينه.
يظهر الفارق بين الفدائيين الفلسطينيين وبين القيادات التابعة الموالية لبريطانيا قبيل نكبة 1948. يمكن للقارىء ملاحظة ان استخدام مفردة فدائي غابت تقريبا عن الخطاب الفلسطيني بعد هزيمة 1948.
كانت قيادات فلسطين مهادنة للعدو الاستعماري البريطاني وعلى راسها الحاج امين الحسيني ضد الكفاح المسلح بل حتى رفض الحسيني طلب الشيخ عز الدين القسام ان يكون واعظا (ص 151).
وعلى الرغم من معرفة الحاج امين الحسيني ما هي أسس تكوين نظام إمارة شرقي الأردن إلا أنه حافظ على علاقة قوية مع ذلك النظام ، مع الأمير ثم نفسه الملك عبد الله مثلاً ( ص 303 ). ومن يتابع صفحات الكتاب يجد أن قيادات م.ت.ف حافظت على النهج نفسه بل حتى مع مختلف الأنظمة العربية.
واستكمالاً لضعف القيادة الفلسطينية وعجزها عن رؤية السياق العالمي للقضية والصراع فقد قاطعت الممثل السوفييتي في الأمم المتحدة وخاصة عشية التصويت على قراراتها تجاه فلسطين (ص 286) . وهذا لا يعني صحة الموقف السوفييتي، ولكن ايضاً كان الموقف الغربي أخطر واسوأ بما لا يُقاس تجاه فلسطين.
بالمقابل، يمكن مقارنة وعي قيادة الحركة الصهيونية لطبيعة الصراع، أنظر (ص 200 ) وحرص بن غوريون على نقل علاقة وتبعية الكيان من أمه الرؤوم بريطانيا إلى القوة الصاعدة الولايات المتحدة.
واليوم تقوم قيادة الكيان ببناء علاقة قوية مع الصين والهند وتحافظ على ما ورثته روسيا من علاقة الاتحاد السوفييتي مع الكيان، بينما لم تتوقف القيادات العربية والفلسطينية عن العلاقة بالمركز الإمبريالي المعادي وضوحاً.
النهب الإمبريالي لصالح المستوطنين وتهافت الإعلام:
السمة الأساس للاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي هو اغتصاب الأرض مجاناً واعتصار دخل الفلاحين لصالح المستوطنين وهذا أكثر ما تجلى ضد الفلسطينيين.
في (ص 73) يتناول الكاتب هذه المسألة بما هي الأهم وهي دور الاستعمار البريطاني في نهب الفلاحين الفلسطينيين لصالح المستوطنين الذين يرعاهم (انظرص 102 مسألة الضرائب…و … الضرائب ص 157) ، ونهب الفلاحين بالضرائب على الأرض والأملاك والإغنام والمصارف.. ص 194).
وبالطبع فإن إهلاك الفلاحين بما هم الأكثرية المجتمعية والمنتجة فهذا يعني تقويض المجتمع الفلسطيني. وهنا يصبح موقف الشيوعيين في اية علاقة مع “شيوعيين صهاينة” مساهمة في احتجاز ثورة الفلاحين في مجتمع زراعي. اي بكلام آخر، إبتعاد الشيوعيين عن القوة الأكثر مصلحة في الثورة. وربما يمكننا القول بأن هذ الابتعاد هو جهل لقراءة البنية الطبقية ونمط الإنتاج السائد والعلاقات الاجتماعية الطبقية في البلد.لعله جهل يُخرج أصحابه من الصف الوطني.
من اللافت في (ص 75 ) يقع الكاتب في فخ لا يجوز نصبه في الحالة الفلسطينية وهو الكلام العام بعدم التفريق بين يهودي وصهيوني، وهذا الأمر جائز في اي مكان أما في فلسطين فكل يهودي جاء أو جُلب إلى فلسطين هو مستوطن حتى لو لا يؤمن بالصهيونية. إن عدم التفريق بين يهودي وصهيوني، في الحالة الفلسطينية ،لم يكن خللاً في الوعي الجمعي الفلسطيني بل كانت الرؤية الحقيقية والطبيعية والبسيطة.
ولكن بالمقابل لمس الكاتب في (ص 76 ) تخلف صحافة فلسطينية التي تنهى عن رفض ونقد بريطانيا!. وهذا بالطبع نموذج مبكر على تبعية المثقف حتى لعدو الشعب! ولعل ما يؤكده ما ورد في (ص 77) حيث يشير الكاتب إلى دور هربرت صموئيل اليهودي الذي عُين مندوبا ساميا ودوره في تسهيل تسريب الأراضي للمستوطنين وبوسع القارىء هنا الربط بين:الأكثرية الفلاحية، وارتباطها بالأرض ومن ثم وجود تناقض تناحري بين الفلاحين والمستوطنين. ويمتد بل ويرتبط بهذا قبول السلطان العثماني بالانتداب البريطاني على فلسطين مما يكشف تخلف الصحافة التي تعتب على من يقفون ضد بريطانيا!
هل كان الوعي الفطري متقدما على الثقافي الهش؟ يبدو نعم. ولكن غياب الحركة الثورية لصقل الوعي بقي حتى اليوم! فقد كانت النخبة/القشرة الثقافية السياسية مبهورة ببريطانيا واليوم بأمريكا، إنهما الخاصرتين الأضعف أي القشرتين السياسية والثقافية. لذا كانت الصدامات المبكرة ضد المستوطنين ولذلك ايضا استخدمت بريطانيا الطائرات لقمع انتفاضات الفلاحين (ص81) ومع ذلك بقيتا خاصرتين ضعيفتين.
النضال والقمع البريطاني والعربي الرسمي:
ليس هذا سردا او تغطية للنضال الشعبي الفلسطيني فالكتاب يزخر بهذا بالطبع. ولكن هناك فقط بعض النقاط التي يتوجب ذكرها.
لا نود طرح بديهية دور الاستعمار في خلق ورعاية الكيان الاقتلاعي في فلسطين. ولكن ما عرضه الكاتب من وقائع العسف الاستعماري البريطاني ضد الشعب الفلسطيني يبين شدة وثبات النضال الشعبي الوطني ضد الاستعمار والمستوطنين، وهذا جانب قلما تمت الإضاءة عليه في دراسات أخرى ربما بسذاجة إعتباره تحصيل حاصل، هذا رغم رواج هائل من الأنظمة العربية وأدوات الاستعمار بأن الفلسطينيين هربوا وباعوا وطنهم. وبالمناسبة، يجري في السنوات الأخيرة شطب هام لهذه الأكاذيب بل تزلُّف الكثيرين للنضال الفلسطيني دون أن نُغفل حقيقتين:
· الأولى: تضخيم هذا النضال مما يدفع الشارع العربي للاسترخاء ارتكازا على أن الفلسطينيين على عتبة تحرير الوطن لوحدهم، وهذا اقتلاع القضية من عمقها العربي.
· والثانية: مواصلة الإعلام مديح من يساعد ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة بطريقة خبيثة تعني بأن الأنظمة العربية الجمهورية، ليبيا، العراق، سوريا والجزائر ومصر! تحديداً لم تدعم، على الأقل تمويلاً، النضال الفلسطيني، بل دخلت الحروب ضد الكيان والإمبريالية، وهذا لم يفعله غيرها.
ورغم عدم التأريخ لشدة النضال الفلسطيني فإن الجرائم البريطانية هي التي تؤكد شدة ذلك النضال، (أنظر نموذجا القمع البريطاني بعد 1936 والاعدامات ص 173)
ومن اللافت تفاجؤ البعض اليوم 2023 من استخدام الكيان للطائرات ضد مخيم جنين! أنظر تفاصيل أكثر عن جلب بريطانيا آلاف الجنود والدبابات والطائرات لقصف هبة 1919 ص ص (108-09) وثورة 1936 وبالطبع تشكيل سلاح جو للكيان قبيل إعلان دولته الاستيطانية الإقتلاعية.
لقد اضاء الكاتب بشكل جيد، اي بشكل سردي دون ضجيج ومبالغة ومديح، على النضال الفلسطيني عموما وفي فترة صعود المقاومة الفلسطينية ما بين 1967 وحتى 1982 حيث يضيىء الكاتب بشكل جيد على نضال الفصائل الفلسطينية سواء داخل المحتل أو من الأردن ثم من لبنان.
قد يكون من نافل القول تذكير القارىء، كما اشرنا أعلاه، بأن الحكام العرب والقيادات الفلسطينية،حافظوا على علاقات حميمة مع بريطانيا رغم أنها كانت تبني الكيان حجرا حجراً، وبعد اغتصاب فلسطين وحتى اليوم! أنظر (ص 96 ) من الكتاب حيث يدعو القيادي الفلسطيني موسى كاظم الحسيني عام 1924 إلى دولة فلسطينية للمسلمين والمسيحيين واليهود. والطريف أن هناك دعوات من كثيرين وخاصة رجال الدين أو انظمة الدين السياسي من لا يزال يطرح دولة دينية للأديان الثلاثة، وبعض هؤلاء يدعمون الكفاح المسلح في نفس الوقت!. إن تديين الصراع هو إغفال قاتل للطبيعة السياسية للصراع، هذا ناهيك عن دُعاة دولة مع المستوطنين(أنظر ادناه).
المقاطعة:
اشار الكاتب إلى توجه مبكر من التجار العرب في القدس لمقاطعة اليهود (ص 184 ) وهذا يعني أن هذه الشريحة الطبقية منسجمه مع النضال المسلح بطريقتها ودرجة تناقض مصالحها مع العدو.
ولكن بالمقابل، كان الصهاينة قد بادروا لمقاطعة الاقتصاد العربي في فلسطين. يمكن الاطلاع على الصفحات الأُول من كتاب The Other Israel, ، 1972 حيث كانت الحركة الصهيونية منذ عام 1918 تدعو اليهود لعدم شراء المنتجات العربية وترسل شبانا يهودا لإتلاف ما تشتريه سيدات يهوديات من المنتجات العربية.
ولا حاجة للقول بأن هشاشة وتردد وتقويض المقاطعة الرسمية العربية للكيان حتى اليوم قد اثرت حتى على الشارع العربي في عدم مقاطعته منتجات الكيان والغرب الخالق والراعي للكيان! ولا يغترَّن أحد إذن بشعارات مناهضة التطبيع أو رفض هذا البلد العربي أو ذاك للتطبيع لأن مواجهة التطبيع لا تأخذ معناها دون حرب الشعب بأي مستوى وكل مستوى وليس بصمت الشعب الخجول.ولا داع للقول بأن غياب الحركة العروبية الثورية هو اساس هذا الخلل.
الانتماء العروبي للشعب الفلسطيني:
ربما لم يركز الكاتب كثيراً على إبراز هذا الجانب في الشخصية الوطنية الفلسطينية، فقد كان الانتماء العروبي واضح في فترة مبكرة منذ عشرينات القرن العشرين حيث كانت المطالب والعرائض داعية للاستقلال ضمن الوحدة العربية (ص 120 و 129).
وبقي الشعب العربي الفلسطيني على هذا السبيل ولا يزال، رغم تورط تيارات من الفصائل باتجاه القطرية أو الدين السياسي واللذين يناقضان العروبة، ونعتقد انهما يقودان إلى مزيد من التيه.
الأنظمة العربية
منذ الصفحات الأُوَل للكتاب (ص 57) يُفنِّد الكاتب دور الأنظمة العربية (ص 61 وصفحات عديدة لاحقا) في خصي النضال الفلسطيني كتابعة للاستعمار البريطاني. وهذا ما اسميته في غير موضع “دور الحكام العرب في إقامة الكيان الصهيوني”. ويّرُد ذلك طبعاً لسيطرة الوجهاء في فلسطين وأنظمة تابعة تحكم في البلدان العربية .
مثالا، لا حصراً، قول بن سعود عدم التدخل والثقة بعدالة بريطانيا (ص 113).
ودور الحكام العرب في وقف اضراب عام 1936 ليضيع الجهد الشعبي بينما هذه الأنظمة لا اصرَّت على تنفيذ وعودها، بل ولا يوجد ما يوحي بحقيقة حتى قناعتها بما وعدت! كانت هذه الأنظمة في أفضل حالاتها مترددة او تاجيلية .
هذا مع أن المطلوب الحقيقي، لا غيره، هو نظام هانوي عربي. وهذا ما حاولته السلطة السورية اليسارية لحزب البعث (لؤي الأتاسي،صلاح جديد، يوسف زعيِّن، وإبراهيم ماخوس) ( ص 355) أثناء مذبحة ايلول من قبل النظام الهاشمي في عمان بينما حال دون ذلك حافظ الأسد واسقط هذا النظام لصالح ما اسماه “الحركة التصحيحية”.!
وكما اشرنا، فإن الأنظمة العربية قاطعت المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة وخاصة عام 1947 (ص 213). لقد اضاء الرفيق مسعد عربيد على موقف السوفييت من مسألة التقسيم في كتابه “السوفييت وتقسيم فلسطين، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية –رام الله”.
كان يمكن التقاط مواقف ودور الأنظمة العربية المتخاذل من ارتباطها المبكر بل وتوليدها من إتفاقية سايكس-بيكو 1916، وتخليق الكيان بوعد بلفور 1917 مما يعني وجود حبل سُرِّي يربط الطرفين معا بل حتى بقائهما معاً حتى حينه. لقد حاولت بعض الأنظمة التخلص من هذا الإرث النشوئي البنيوي لكنها لم ترتقي إلى هانوي العرب.
كيف لا، فمع دخول جيوش عربية سوريا، الأردن ومصر لقتال الكيان بعدما أعلن دولته واغتصب فلسطين 1948 وطرد الشعب الفلسطيني قامت هذه الأنظمة بسحب سلاح المجاهدين بعد اعتقال من لم يسلم سلاحه بل وكان قائد الجيش العربي الأردني جنرالا بريطانياً!
وإثر النكبة عام 1948 رفضت الجامعة العربية الإبقاء على الهيئة العربية العليا كقيادة للفلسطينيين وذلك إقرار واضح واعتراف بالكيان الصهيوني. (ص 315).
ولا يخفي عيوب الأنظمة العربية إصرار النظام الهاشمي على ضم الضفة الغربية له ورفضه للهيئة العربية العليا .
وهكذا، بين عدم القتال الجاد والكفؤ ضد الكيان عام 1948، وبين منع نشاط الفدائيين بعد 1948، وبين مذبحة ايلول في الأردن بعد 1967، وبين دور الانعزاليين اللبنانيين ضد النضال بل وضد الوجود الفلسطيني ودور بل حرب حركة امل ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان (ص510 وحتى حربها ضد ح.ز.ب. .ا.ل.ل.ه.( ص 600 ) للسيطرة على الجنوب وتمثيل شيعة لبنان ومنع النضال ضد الكيان ، كما ورد في الكتاب، وبين ما يحدث حتى اليوم مما يوجب بلورة ما اشرنا إليه أعلاه: اي طلاق الشعبي ضد الرسمي والحلول محله.
الحزب الشوعي:
يتعرض الكاتب للحزب الشيوعي في فلسطين وفي دور اليهود الصهاينة في تأسيسه ، ولكن دون ان يتخذ موقفاً حاسماً في هذا المستوى من باب استحالة أن يكون مستوطن شيوعيا أو إشتراكياً. بل إن التقصير في فهم هذه الحقيقة بقي مشكلة لدى معظم الحركة الشيوعية العربية وحتى الأممية. ولعل هذا ناجم عن العجز لدى الكثير من هذه الحركة عن فهم ماركسي للمسألة القومية من جهة والاقتصاد السياسي والنظام الرأسمالي العالمي من جهة ثانية، وبالتالي التورط في أممية بلهاء أوصلت الكثير من هذه الحركة إلى موقف فوق الأرض وتحت السماء!
لعل الفقرة التالية تبين بعضاً مما نقول:
“…الشيوعي يطالب الغاء الانتداب ووعد بلفور ومصادرة املاك الاغنياءالعرب واليهود وتوزيعها على الفلاحين والبدو والفقراء” (ص 142)
هل يُعقل مطلب كهذا مع وجود مستوطنين؟ وهل أملاك الأغنياء اليهود لها مشروعية أملاك الأغنياء العرب! أليس المطلب الأول هو التحرير وإثر ذلك يمكن النظر في كافة الأمور بما فيها رحيل من يرغب من اليهود وبقاء من يبقى مع تجريده من أملاك الفلسطينيين وانضمام فلسطين لدولة عربية موحدة.
وقد يكون ما نشره الحزب الشيوعي (انظر ص 85) منذ عام 1923 هو تلخيص لم يمت بعد لموقف معظم الحركة الشيوعية الممالىء للصهيونية حيث نادى بالثورة ضد الإنجليز والأغنياء والأمراء العرب ملوكهم وصنائع استعمار ودعوته إلى وحدة عمال فلسطين عربا ويهوداواستخدام العنف لتحقيق ذلك”. فاي خلط هذا!. بل كرر الموقف نفسه الحزب الشيوعي “الإسرائيلي” يهودا وعربا في فلسطين إثر احتلالها عام 1948 حيث اعتبر محاولة الجيوش العربي تحرير فلسطين عدواناً!
لقد تولد عن هذا الموقف الدعوة او حل الدولة الواحدة والذي مضى من عمره أكثر من قرن ولم يمت
وبالمقابل كان صحيحاً موقف العصبة الشيوعية ( ص 196) بعودة اليهود إلى اوروبا الشرقية في ظل الديمقراطية الجديدة في اوروبا الشرقية، فهذا تحرير بدون قتال. ولكن العصبة كما يبدو لم تكن على دراية بموقف الكتلة الشرقية نفسها وخاصة الاتحاد السوفييتي.
يمكن للمرء فهم عدم تدخل المؤرخ في مواضع معينة، ولكن في الأمور المركزية ، أعتقد ان تدخل المؤرخ مهم جدا ولو في هامش كان لا بد منه لتفنيد الأمور أعلاه أو كما ورد في ( ص ص 65-66).
لم يكن هناك موقفاً حاسماً للشيوعيين العرب في ذلك الحزب لأن الموقف الطبيعي هو لا موقع لمستوطن في حزب شيوعي. وعلى اي حال، كما اسلفنا، هذه مشكلة لا تزال تعاني منها الحركة الشيوعية العربية الكلاسيكية عموما حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.
الحلول
لم يتطرق الكاتب بعنوان محدد للحلول العديدة التي طُرحت للصراع العربي الصهيوني وإن كان قد مرَّ على معظمها في سياق البحث. ولكن نورد هنا تلك الحلول ببضع إشارات.
لعل اسوأ هذه الحلول هو اقدمها، اي حل الدولة الواحدة لطرفين تناقضهما تناحري ووجودي. والحقيقة أن هذا الشعار البرَّاق كثيراً ما خدع الفلسطينيين، بل خُدع به كانب هذه السطور في فترة معينة!
لقد تورطت م.ت.ف في تبني شكلي لهذا الحل كما طرحه أحد قادة فتح أبو إياد الدولة الديمقراطية 1968 (ص 378 ) ولا شك أنه كان يدرك استحالة هذا الحل مع الكيان. ولذا تدحرج الموقف إلى اتفاقات اوسلو 1993 حيث وافقت معظم الفصائل الفلسطينية على تحول وتحويل م.ت.ف إلى قيادة بديلة لنفسها ولمشروعها في التحرير والعودة. وفي سياق التنازلات والقناعة بالعجز عن حمل مشروع التحرير جرى الاستثمار في انتفاضة 1987 لتوليد دولة في الضفة والقطاع (ص 590) ولكن حتى هذا لم يحصل.
وإذا كان هذا ما وصلت إليه قيادة حركة فتح، فإن قيادة اليسار تحديدا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد تخبطت بين القبول بموقف فتح وبين الرفض إلى أن حسمت امرها بالتخلي عن الرفض حيث حلت جبهة الرفض نفسها بنفسها عام1981 لاقتناعها ، حسب المؤلف، بانقشاع وهم التسوية.
بقي أن نشير إلى أن قوى الدين السياسي أي جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي كانت حليفة للنظام في فترة الحكم الأردني(ص 285) في مواجهة القوى القومية والشيوعية، وبقيت بعيدة عن الكفاح المسلح حتى عام 1989، اي بعد اشتعال انتفاضة 1987. واليوم لا نجد موقفاً واضحاً من حركة حماس تجاه الحل للصراع، بينما لا يزال موقف حركة الجهاد الإسلامي ضد كافة التسويات. ونأمل ان لا يكتسي في النهاية حلاً دينياً بغض النظر عن اي تاثير.
ملاحظات أخرى
هناك بعض الأمور التي ربما لم ينتبه لها الكاتب ونذكرها هنا فقط من باب المساهمة في عدم تأثُّر القراء بها ذلك لأن للمفردات والمصطلحات حمولاتها الفكرية ومن ثم العملية التطبيقية.
ففي أكثر من موضع استخدم الكاتب كلمة “إسرائيل” (ص276 مثلاً) وربما لمقتضيات المرحلة التي ذُكرت الكلمة فيها، ولكن حبذا لو اشار بأن الضرورة اقتضت استخدام “إسرائيل” لأن الأصح هي الكيان الصهيوني.
كما استخدم الكاتب أحيانا كلمة مهاجر بدل مستوطن (ص 101، و 116).
وأستخدم عدة مرات تعبير :”شعب الضفة والقطاع” (ص 54) والأفضل فلسطينيوا الضفة والقطاع.
ذكر الكاتب عن لقاء بين د. جورج حبش والرئيس صدام حسين حيث نصح حبش الرئيس صدام بضرورة الانسحاب من الكويت وبأن صدام اخبره: “ان واشنطن غير جادة في ادانتها للغزو” (ص 623). ولكن لم يورد توثيقاً لهذا الحديث. ولعل الأفضل الإشارة بأن الحديث كونه ليس موثقاً، فهو يحتمل الصحة والخطأ.
كما يعتقد الكاتب أن صدام قرر حرب الكويت لإشغال الذين يتآمرون لخلعه! (ص 624) وهذا طبعاً مجرد تخمين لا يليق بمؤرخ. كما يتبنى الكاتب رواية أن الحرب العراقية الإيرانية بدأها العراق. وهذه مسألة إشكالية. نحن نقول ربما. ولكن على المؤرخ أن يتناول الأمور ليس على أرضية التقرير بل التحليل والشك.
فبمجرد إنتصار الثورة الإيرانية طرح الإمام الخميني “تصدير الثورة”!.وهذا يشترط السؤال:إلى اين؟ ولماذا وما هي رسالتها؟ هل هي التبشير بالإسلام لجيران مسلمين؟ ألا يثير هذا القلق لدى الجيران؟ كما ان الوثائق حول البداية تؤكد قيام طائرة حربية إيرانية بقصف مواقع عراقية قبل الحرب بأربعة ايام. والأهم من كل هذا أن الأمريكيين في مرحلة نسبوا للعراق تهمة البدء بالحرب، ولاحقاً ينسبونها لإيران! وأعتقد كمراقب أن حماسة الكاتب ضد صدام نابعة من عدم وجود من ينتصر لصدام حتى لو كان الخطأ إيرانياً! ولذا، لم يُثير انتباه الكاتب أو اعتراضه مشاركة جيوش عربية ضد بلد عربي في ذيل الإمبريالية (ص ص 624-25) بما ان هذا التذيُّل أرسى “قاعدة جرت شرعنتها” بعدوان قطر عربي ضد آخر بقيادة الإمبريالية وما تجسد في إرهاب قوى الدين السياسي والربيع الخريفي العربي!
وللحقيقة، فإن الكاتب أنصف العراق فيما يخص الصواريخ التي أُطلقت ضد الكيان (ص 627 واعتمادا على مصدر غربي) من حيث تاثيرها وسقوط قتلى في جانب الكيان “مقتل 405 واصابة 3230 ” لأن معظم مؤيدي احتلال العراق من العرب يزعمون أن تلك الصواريخ لم تُصب شيئا!.
في ( ص 656) ذكر الكاتب أن “احد الحكام قال بأنه اقام علاقات سرية مع الكيان ولم يُعلنها سوى بعد اتساع التطبيع. لكن الكاتب لم يذكر ذلك النظام؟ فهل عدم الذكر هو اسلوب تأريخي؟ أم السبب تحفظ دار النشر على التصريح باسم الحاكم او التخوف من قمع يَطالها ويطال الكاتب من نظامه!
فيما يخص معارضة أوسلو وأداء سلطة الحكم الذاتي، الغريب أن الكاتب طالما مدح اشخاصا وطنيين مثل د. حيدر عبد الشافي (ص 672) ، لكنه تجاهل اشد نقد للسلطة وهو بيان العشرين !
وفيما يخص فلسطينيي 1948 وصف رافضي الاندماج في الكيان الصهيوني ( 699) بأنهم :”اقلية تعيش ازمة نفسية حادة”! لا ندري كيف توصل إلى هذا القرار والحُكم، فقد يكونوا الأكثر راحة نفسية لصلابتهم الوطنية.
أخيراً فالكتاب عمل جيد لا ندعو القراء للاكتفاء بالتحليل الموجز هذا أو غيره بل يستحق القراءة لما به من توثيق لمؤحلة من النضال الفلسطيني والتضحية المتواصلة. إن محتوى الكتاب مثابة درس واضح بأن هذا التناقض التناحري يأخذ في طريقه كافة الحلول الشكلانية ويؤكد بأن الحل هو في التحرير والعودة في نضال شعبي فلسطيني وعربي معاً الأمر الذي يصدُّ ويرد على الذين يستسلمون للواقع العربي المتهالك ويستنبطون من الوضع المتردي مزيداً منه ناكرين إمكانية بل حتمية المشروع العروبي.

_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

You must be logged in to post a comment.