السنة الثالثة والعشرون – العدد 6677
في هذا العدد:
■ تغريدات مشتبكة 6، عادل سماره
■ طوفان الأقصى في الإعلام الروسي: غزّة والهدنة … والدلالات، اعداد وتعريب د. زياد الزبيدي
1) التطهير العرقي في غزة
2) غزة ستولد من جديد
3) من المستفيد من حرب كبرى في الشرق الأوسط؟
4) ماذا بعد هدنة غزة؟
5) بعد الهدنة القصيرة في غزة – ماذا نتوقع من الحرب بين إسرائيل وحماس؟
6) فلسطين الموحدة أم الاحتلال: أي مستقبل ينتظر قطاع غزة؟ 4 سيناريوهات
7) حرب غزة ومستقبل الشرق الأوسط
✺ ✺ ✺
تغريدات مشتبكة 6
عادل سماره
■ موقف إسبانيا
بقيت إسبانيا ضد الاعتراف بالكيان طوال فترة حكم الجنرال فرانكو حتى سقوط حكمه عام 1975 ووصول الحزب الاشتراكي للسلطة، لكن اليسار فشل في الحفاظ على السلطة مما أجهض التحول الثوري. ومن حينها أعيد للملك اعتباره نوعا ما. والملك هو الذي استضاف مؤتمر تطبيعي في غرناطة عام 1993 وحضره عزمي بشارة وأدونيس. واختيار غرناطة كان مقصودا لأنها آخر إمارة عربية سقطت في يد فرديناند وإيزابيلا.
حاولت إسبانيا دخول الاتحاد الأوروبي بعد الثورة فكان شرط الدخول هو الاعتراف بالكيان. وحصل.
منذ بضعة ايام شجب رئيس وزراء إسبانيا الاشتراكي الحرب على المدنيين في غزة فغضب الكيان واستدعى سفيرته من إسبانيا.
ملاحظة: ربما أخوال الرجل من بقايانا. حينما كنت انا وعناية هناك عام 2000 قال لي شباب وصبايا في مدريد “دمنا عربي”. هذا أكيد أما دم 57 حاكم عربي وإسلامي فهو زيت سيارات. وها هم يتسابقون على استثمار نتائج 7 تشرين في التزلف للكيان والارتعاد من أمريكا وجميعهم يثرثرون باسم الدين، مسكين هذا الدين..
■ هدنة من ثلاثة
هدنة قد تصمد وقد تتكرر، وهذا كما يراه أهل الميدان بتعدده.
ولكن هناك اشتباكين لا هدنة فيهما وإلا خسرنا ملحمة تشرين! لا هدنة مع 57 سلطة كرست يوم 11-11-2023 بوم العار الأكبر، ولا هدنة مع الغرب الرأسمالي الإمبريالي الذي غزانا بنفسه هذه المرة.
هذا يشترط خطاباً جديداً وراقياً. مطلوب في الوطن الكبير خطاب عروبي فتحت مناخ تجديده صحوة عروبية في الشارع مما يوجب تطويره إلى حتمية إسقاط هذه الأنظمة من أجل الدولة المركزية في كامل الوطن دولة التحرير والحريات والديمقراطية والتنمية وتحرر المرأة والكل مواطن حقيقي اياً كانت قوميته إثنيته، دينه مذهبه عدده…الخ. وعلى الصعيد العالمي مطلوب خطابا تقدمياً يليق بتراث وتاريخ وإنسانية العروبة.
وإن سأل البعض: ما هذا المشروع الخيالي، نقول له: إذا كانت نجوم هوليوود قد تمردت على امتيازاتها وما ستدفعه من ثمن، فهل من المعجزات أن نثور على مغتصبي كل هذا الوطن وهم مجرد أوثان!
التفاعل الشعبي العالمي مع قضيتنا سواء من التقدميين واليساريين والإنسانين عموما يجب الحفاظ عليه بمواقف تقدمية وانسانية من جانبنا وعدم الحديث عن الذبح والرمي في البحر لان حقوقنا وتاريخنا وثقافتنا أعلى من كل هذا وطبعا محاذرة التورط في مواقف رجعية تجاه المرأة. فأي تورط قد ينسف هذا الاجماع العالمي لا سيما ان الثورة المضادة لا تنام ولديها الإمكانيات للتشويه.
■ لحماية العروبة
في حين أن ملايين الضحايا العرب في العراق والجزائر وسوريا وليبيا واليمن لم تحرك الشارع العربي إلا قليلاً فإن مذبحة غزة قد كشفت عن مركزية القضية الفلسطينية وعروبتها شعبياً . هذا رغم أن الحراك الشعبي لم يتحول إلى حرب الشعب.
والآن: كيف نحافظ على هذا الزخم الشعبي العروبي في مواجهة:
الطائفية بتعددها
الأنظمة القطرية
المثقفين المتخارجين كدُعاة أو مطربين لدول إقليمية أو للإمبريالية.
قوى الدين السياسي وليس الدين الإيماني أو المقاتل.
إن مشاركة عرب لبنان/حزب العمامة وعرب اليمن شعبا وجيشاً وأنصاراً هي أهم التطورات بمعنى أن البعد العروبي حي وفاعل، ففكروا كيف نطوره ونحميه! دون شوفينية أو تبعية.
■ غزة ستحكم نفسها، أي سلطة من أل 57 “يوم العار الأكبر” 11-11-2023 يشارك في الوصاية هو تكرار انتداب بريطانيا
■ انقسمت الأمم المتحدة الى مؤسسيها الغربيين اي اصحاب القرار وباقي العالم المتشكين والناقدين بلا جدوى. هذه الدونية لصالح الغرب تشجع عنصريته وتعاليه. فلماذا تبقى الدول غير الغربية في مبنى المذلة والعدوان. حتى ستالين الذي رفض عضوية البنك والصندوق الدوليين ركع للغرب بدخول الأمم المتحدة. لم يمر قرار في الأمم المتحدة سوى ما يقبله الغرب. والبعض التي رفضها لم تناقض مصالحه ومصالح توابعه.
✺ ✺ ✺
طوفان الأقصى في الإعلام الروسي
ملف l غزّة والهدنة … والدلالات
اعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف
1) التطهير العرقي في غزة
2) غزة ستولد من جديد
3) من المستفيد من حرب كبرى في الشرق الأوسط؟
4) ماذا بعد هدنة غزة؟
5) بعد الهدنة القصيرة في غزة – ماذا نتوقع من الحرب بين إسرائيل وحماس؟
6) فلسطين الموحدة أم الاحتلال: أي مستقبل ينتظر قطاع غزة؟ 4 سيناريوهات
7) حرب غزة ومستقبل الشرق الأوسط
■ ■ ■
(1)
التطهير العرقي في غزة
ديمتري مينين
كاتب صحفي روسي
مؤسسة الثقافة الاستراتيجية
18 أكتوبر 2023
خطة إسرائيل “للتطهير العرقي” في غزة تواجه عقبات لا يمكن التغلب عليها.
منذ اليوم الأول للعملية الانتقامية “السيوف الحديدية” للجيش الإسرائيلي – ضد حركة حماس في غزة، بدأت القيادة العسكرية السياسية لإسرائيل بالإدلاء بتصريحات مفادها أنه يجب حل مشكلة القطاع هذه المرة ” بشكل نهائي” وأنه لن “يعود أبدًا كما كان من قبل”. وفي تلك اللحظة بالفعل، بدأت أصوات القلق تُسمع في العالم، ما إذا كانت الأعمال الانتقامية ضد حماس بسبب الهجمات الإرهابية ستؤدي إلى طرد السكان الفلسطينيين بالكامل من أراضيهم؟ ألم يكن هذا هو الهدف منذ البداية؟
كتب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي في Project Syndicate أن غطرسة “الحكومة الأكثر تطرفًا وتعصبًا وعدم كفاءة في التاريخ الإسرائيلي” هي التي جلبت عليها “غضب العدو” الحالي. في رأيه، من خلال استبعاد أي عملية سياسية في فلسطين وإعلان أن “للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للتصرف في جميع أجزاء أرض إسرائيل”، جعلت حكومة نتنياهو إراقة الدماء أمراً لا مفر منه. لقد دفع بتهور لشركائه في الائتلاف الحكومي أي ثمن مقابل الحصول على دعمهم. لقد سمح لهم بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات غير القانونية، واحتقار مشاعر المسلمين تجاه الاماكن المقدسة في حرم المسجد الأقصى، ونشر الأوهام الانتحارية حول إعادة بناء الهيكل اليهودي في القدس (وهي وصفة لكل الجهاديين الإسلاميين)”.
لكن الأهم من ذلك كله أن مسار العملية العسكرية ذاته، والذي لا يمكن تفسيره بأي من “نظريات المؤامرة”، يؤدي إلى منطق إخراج الفلسطينيين من موطنهم. واعتبرت مطالبة الحكومة بترحيل مليون فلسطيني من شمال غزة إلى جنوبها خلال 24 ساعة على وجه التحديد بداية “تطهير عرقي واسع”. والحقيقة أن حماس منتشرة في القطاع بأكمله، وفي الجنوب، بالقرب من الأنفاق المؤدية إلى مصر، هي الأقوى. وعندما تنتقل “السيوف الحديدية” إلى هذه المنطقة بعد تدمير الجزء الشمالي، فإلى أين سيذهب الناس بعد ذلك؟ ببساطة، لن يكون هناك مكان يمكنهم العودة إليه، ولن يكون هناك سوى طريق واحد – إلى سيناء المصرية.
وفي القاهرة، عندما أدركوا ذلك، أصيبوا بالرعب. والأمر لا يتعلق فقط بالتعاطف مع شعب فلسطين الشقيق، بل يتعلق أيضاً ببقاء النظام. ويشكل استقبال 2.5 مليون لاجئ عبئا لا يطاق على الاقتصاد المصري الهش. وليس من قبيل الصدفة أنهم يعارضون فتح معبر رفح الحدودي، باستثناء توصيل المساعدات الإنسانية – فلا يمكن إيقاف الأعداد الهائلة من البشر عند فتح الحدود.
تاريخياً، حماس هي الفرع الفلسطيني للعدو اللدود للرئيس السيسي، جماعة الإخوان المسلمين المصرية. وتواجه مصر بالفعل صعوبة كبيرة في احتواء نشاطهم في سيناء، حيث تسيطر السلطات الرسمية في الواقع على منطقة منتجع شرم الشيخ فقط. إن وصول الآلاف من الإسلاميين المسلحين الجدد كفيل ببساطة بإغراق البلاد في هاوية الحرب الأهلية. كما صرح السيسي خلال استقباله المستشار الألماني أولاف شولتز في القاهرة يوم 17 أكتوبر، أن “مفهوم نقل المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء هو مجرد نقل القتال والمقاومة من غزة إلى سيناء، وبالتالي ستصبح سيناء قاعدة لعمليات عسكرية ضد إسرائيل». وفي هذه الحالة، “ستحاول إسرائيل الدفاع عن نفسها من خلال إرسال قواتها العسكرية إلى مصر وسيناء”. أي أنه رسم احتمال نشوب حرب مصرية إسرائيلية جديدة. كما أن المصريين منزعجون علناً من موقف الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، الذي يدعو إلى عدم إلغاء الترحيل المعلن، بل فقط منحه وقتاً إضافياً، كما يقولون، لان يوما واحدا غير كاف لترحيل مليون مواطن. وبالمناسبة، فإن تهديد مصر بنقل اللاجئين إلى أوروبا عندما يبدأ دفعهم إلى أراضيها هو تهديد حقيقي. ولا تغرقوا مئات السفن التي تحمل الفلسطينيين عندما تتجه إلى الشواطئ الأوروبية. سيكون هذا عمومًا بمثابة الحضيض الأخلاقي الكامل.
الأردن، الذي شهد أقوى الاحتجاجات الجماهيرية على ما يحدث، يشعر بالقلق أيضًا، لأن ما يصل إلى ثلث سكانه البالغ عددهم 10 ملايين نسمة هم من اللاجئين السابقين من فلسطين. ويدرك العاهل الأردني عبد الله الثاني جيدا موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية من أن بلاده هي “الوطن البديل”، وليس من دون سبب يخشى من انتشار نموذج غزة إلى أراضي الضفة الغربية لنهر الأردن. وبالإضافة إلى حقيقة أن وصول 4.5 مليون لاجئ من هناك سيكون أمراً غير محتمل بالنسبة للأردن، فإن وصولهم قد يعني زعزعة الوضع في المملكة. وليس من قبيل الصدفة أن الملك عبد الله الثاني، والذي يعتبر الزعيم العربي الأكثر قربا للغرب، بدأ مؤخرا في اتباع خط متشدد على نحو متزايد تجاه إسرائيل. وفي أعقاب غارة جوية على المستشفى المعمداني في غزة أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، ألغى القمة “الرباعية” في عمان بين الولايات المتحدة ومصر والأردن وفلسطين (السلطة الفلسطينية بقيادة فتح) التي فرضتها واشنطن خلال زيارة جو بايدن “التاريخية” للمنطقة في 18 أكتوبر/تشرين الأول. إن تصريح الأخير بأن الانفجار الذي وقع في المستشفى المعمداني في غزة، خلافاً للصور الواضحة والمتاحة، “يبدو أن الانفجار قد نتج بسبب الطرف الآخر”، أي، ليس من فعل الجيش الإسرائيلي، يهدد بتقويض آخر ما تبقى من الثقة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وكانت القاهرة وعمان، ممثلتين بقادتيهما، قد أعلنتا في وقت سابق رفضهما القاطع لأية خطط لترحيل السكان الفلسطينيين. وإذا لم يتم الاستماع إليهم، فقد يقومون أيضًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، والتي ستعيد الأخيرة مرة أخرى، بعد سنوات عديدة من جهود التطبيع، إلى موقع المنبوذ ضمن إقليم الشرق الأوسط.
المجتمع الإسرائيلي، الغاضب من مقتل مواطنيه، بطبيعة الحال، لا يستطيع بعد تقييم الوضع بعقلانية وهو مستعد لدعم حكومة نتنياهو، التي توسعت على حساب تيار الوسط، في جميع إجراءاتها الصارمة. لكن هذا لا يلغي مسؤوليته.
وحتى الآن، يعتقد 80% من السكان أن نتنياهو هو المذنب الرئيسي في هجوم “النوم” الذي تشنه حماس، لكن من الممكن طرح ذلك بعد انتهاء العمليات العسكرية، اعتماداً على نتائجها. إن مجرد تدمير القطاع ومحاولة تسليم السلطة لفتح، الأكثر اعتدالا من حماس، من الضفة الغربية، لن يناسب أحدا. إن الفلسطينيين في غزة ممتلئون بالرغبة بالانتقام، ولن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة صفوف المتطرفين الإسلاميين. في ظل هذه الظروف، من غير المرجح أن يرغب موظفو فتح بقيادة السيد عباس في العودة إلى القطاع، حيث سيتم النظر إليهم على أنهم خونة ودمى في يد إسرائيل. سكان هذه الأخيرة سوف ينظرون مرة أخرى بقلق تجاه غزة وبغضب على نتنياهو. ومن ثم قد تبدو له محاكمات الفساد الحالية، التي يفر منها عبر مغامرات مختلفة، وكأنها نسمة ريح خفيفة تسبق عاصفة حقيقية. إن احتمال استمراره في اتباع طريق تصعيد الصراع، في محاولة لتجنب العواقب، مرتفع للغاية.
ونظراً للموقف المتغير للرأي العام العالمي تجاه الأسوأ بالنسبة لإسرائيل بسبب أعمالها الوحشية ضد جماهير ضخمة من السكان المدنيين في فلسطين، الذين لا علاقة لهم بأي حال من الأحوال بحماس، فإن الدعم المعنوي تجاه الإسرائيليين قد يضيع تدريجياً. وفي الوقت نفسه، أصبح توحيد العالم العربي والإسلامي برمته على أساس مناهض لإسرائيل ملحوظاً، خاصة بعد أعمال مثل مقتل مئات الأشخاص بالقنابل في المستشفى المعمداني في جنوب غزة، وهو ما كان حددته إسرائيل نفسها كمنطقة آمنة. فبعد أن يدمر معارضين غير جادين بالوسائل العسكرية، قد يجد نفسه في وضع سياسي واستراتيجي خطير للغاية بالنسبة له. إن خطر حظر النفط من قبل دول الخليج، والذي يلوح في الأفق بالفعل، قد يغير بين عشية وضحاها موقف الغرب تجاه “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط. ولكن هناك خيارات أخرى أكثر خطورة.
ليس من قبيل الصدفة أن يقول موشيه أيالون، وزير الدفاع السابق في إسرائيل الذي يحظى باحترام كبير، هذه الأيام: “نتنياهو يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل. عليه أن يستقيل الآن”.
غزة ستولد من جديد
فاسيلي زايتسيف
مؤرخ وكاتب صحفي روسي
21 أكتوبر 2023
مقدمة من المترجم
“عبر التاريخ كانت فلسطين وغزة مركز إهتمام العالم. كل حضارة او دولة وليدة كانت تضع احتلال فلسطين نصب أعينها. وخلال خمسة الاف عام من التاريخ المسجل، تعرضت فلسطين للغزو والإحتلال والتدمير أكثر من 25 مرة. فهل ستكون الهجمة الصهيونية خاتمة لها؟”
من الآشوريين إلى الإسرائيليين. كيف بدأ الإسكندر الأكبر تقليد تدمير غزة؟ لقد شهدت غزة في تاريخها العشرات من عمليات التدمير والنهضة.
غزة – مدينة قديمة ذات مصير معقد وصعب للغاية. يعود تاريخها إلى العصور التوراتية والفراعنة القدماء، ولكنها لا تزال موجودة حتى اليوم. ومع ذلك، عبر التاريخ تعرضت غزة للحصار والاقتحام والتدمير بشكل منتظم، وفي كل مرة كانت تقوم من تحت الرماد. كانت البداية بحملات الإسكندر الأكبر (المقدوني)، ومنذ ذلك الحين تناوبت الغزوات المختلفة مع التدمير الكامل للمدينة. كيف نجت غزة من ثلاثة آلاف سنة من الاعتداءات؟
طيبة الآشوريين وكرمهم
بغض النظر عن مستوطنات العصر البرونزي المبكر، نشأت غزة في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد. كانت المدينة تابعة للفراعنة المصريين وكانت معقلهم في أرض كنعان، وهي المنطقة التي تضم الآن فلسطين ولبنان وسوريا والأردن.
في القرن الثاني عشر قبل الميلاد استولى الفلسطينيون، وهم شعب من البحارة، على غزة والأراضي المحيطة بها. وكانت المدينة تحت حكمهم خلال أحداث الكتاب المقدس، عندما هدم البطل الأسير “شمشون” معبد “داجون” على نفسه وعلى الفلسطينيين، بعد أن قامت “دليلة” الجميلة بقص شعره وحرمته من قوته. (قصة شمشون ودليلة: جاء في العهد القديم أن شمشون كان جباراً عاتياً يمكنه أن يواجه قبيلة بمفرده؛ فيقتل ألف شخص بفك حمار؛ فلما أراد الفلسطينيون الإمساك به عجزوا عن ذلك لقوته الخارقة؛ فأرسلوا له دليلة فوقع في غرامها وباح لها بسر قوته قائلاً: قوتي في جدائل شعري السبعة فإذا حُلقتْ ذهبت قوتي – المترجم).
ومع بداية عصر الفتوحات الآشورية، كانت المدينة تقع على الطريق التجاري من دلتا النيل إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وكانت في نفس الوقت بمثابة النقطة النهائية لقوافل البخور القادمة من الجزيرة العربية. في القرن السابع قبل الميلاد تحاربت “قوتان عظميان” – مصر وآشور – من أجل المدينة، وقبل الحكام المحليون رعاية جانب أو آخر. في 734 قبل الميلاد شنت القوات الآشورية بقيادة “تغلث فلاسر” الثالث هجومًا على غزة، وفر حاكمها “حانون” إلى مصر دون قتال. وعندما أصبح من الواضح أن الفراعنة لديهم اهتمامات أخرى ولم يعرضوا المساعدة، عاد حانون إلى عرش غزة التي أصبحت مدينة تابعة لآشور.
عندما توفي “تغلث فلاسر” الثالث، حاول حانون استغلال الفوضى وانضم إلى التحالف المناهض للآشوريين بقيادة حاكم مدينة “حماثا” في ما يعرف الآن بغرب سوريا. ومع ذلك، فإن الملك الآشوري الجديد، “سرجون” الثاني، هزم بسرعة القوات الرئيسية للمتمردين واتجه جنوبًا إلى غزة.
وتلقت قوات “حانون” وبقية الحلفاء مساعدة من فيلق مرسل من مصر. وعلى الرغم من ذلك، انتصر الآشوريون في معركة “رافيا”، مدينة رفح الحديثة في أقصى جنوب قطاع غزة.
وخلافًا لتقاليد تلك الحقبة، لم يُقتل حانون بتهمة الخيانة، بل تم نقله إلى آشور، حيث ربما أُجبر على المشاركة في “موكب النصر” أو أداء قسم الولاء لسرجون.
لم تعاني غزة نفسها أثناء القتال، بل احتفظت أيضًا باستقلالها باعتبارها تابعة لآشور. ربما لم ترغب الإمبراطورية في خسارة مدينة تجارية قيمة والشجار مع نخبتها. وهكذا، في هذا الصراع، لم يتضرر “جد” قطاع غزة. وانتهى الامر بأقل الخسائر.
العقاب على طريقة أخيل
وكان مصير سكان المدينة الأكثر مأساوية في عهد الإسكندر الأكبر. كان الطريق الذي سلكه الملك المقدوني لغزو القوة الأخمينية الفارسية يمتد من الأناضول إلى مصر، وكانت غزة في الطريق. كانت المدينة هي العقبة الأخيرة في الطريق إلى دلتا النيل، وبالتالي فإن الخصي “باتيس”، الذي يخدم “داريوس الثالث”، حشد جيشا كبيرا فيها، استعدادا للحصار. وترتفع غزة عن المنطقة المحيطة بها بحوالي 18 مترًا، مما يجعلها حصنًا جيدًا.
في أكتوبر 332 ق.م. بدأ الحصار. قام المهاجمون ببناء سور، لأن أسوار المدينة كانت على تلة، وحاولوا وضع منجنيق عليها. بالإضافة إلى ذلك، حاولوا الحفر تحت الجدران حتى ينهار البناء الهش. كان المدافعون ناجحين في البداية: فقد أطلقوا مقذوفاتهم لتدمير معدات الحصار المقدونية وتمكنوا من إصابة الإسكندر عندما شن شخصيًا هجومًا مضادًا مع مفرزة من الحراس الشخصيين.
ومع ذلك، لم يكن من الممكن أن يستمر هذا لفترة طويلة – قبل غزة اقتحمت القوات المقدونية قلعة صور المنيعة، الواقعة على جزيرة ساحلية في جنوب لبنان الحديث. وبعد مرور بعض الوقت، انتقلت أسلحة الحصار من صور إلى غزة، ونتيجة لذلك انهارت الجدران في عدة أماكن. وفي المحاولة الرابعة دخلت القوات المدينة وبدأت في السيطرة. وقاتل سكان غزة بقوة، وساعدهم المتطوعون العرب. وهناك حادثة شهيرة حيث تظاهر أحدهم بالاستسلام وتم نقله إلى المعسكر. وهناك اندفع العربي نحو الملك، لكنه لم يتمكن إلا من إصابته بجروح طفيفة قبل أن يتم قتله.
والمدافعون لم يستسلموا، فمات في المعركة نحو 10 آلاف جندي منهم. بعد المعركة، رفض باتيس الركوع أمام الإسكندر، وفي ثورة غضبه أمر بإعدام الخصي بوحشية. تم ربط حبل من خلال كعبيه وربطه بعربة وسحبه حول المدينة حتى مات باتيس. وكان هذا تقليداً للبطل “أخيل” الذي تعامل مع عدوه “هيكتور” بهذه الطريقة.
الإسكندر يعاقب بشدة على المقاومة. قُتل رجال غزة، وبيعت النساء والأطفال كعبيد، وسكن المدن البدو المتعاطفين مع الإسكندر. وفي وقت لاحق، أصبحت غزة مدينة وأحد مراكز الثقافة اليونانية.
دورة الدمار والبعث
لقد بدأ الإسكندر الأكبر تقليداً سيئاً، وغزة تعاني بانتظام منذ ذلك الحين. أولاً، سقطت في حجر رحى الصراع بين سلالة البطالمة المصرية (ورثة الإسكندر) ويهودا، التي خاضت معركة مميتة مع الحضارة اليونانية الوثنية بأكملها وأعلنت عبادة الرب. في عام 96 قبل الميلاد حاصر الملك اليهودي ألكسندر ياناي غزة، المتحالفة مع البطالمة، واستولى عليها في غضون عام. دمرت المدينة وقتل سكانها (من لم يهرب منها).
وانتعشت غزة مرة أخرى بعد نصف قرن، عندما أصبحت المنطقة جزءًا من الإمبراطورية الرومانية في عام 63 قبل الميلاد. بدأ عصر الهدوء النسبي، وفي القرن الأول الميلادي تزايد دور المدينة بسبب تدمير الرومان للقدس. أصبحت غزة مرة أخرى، كما في العصور القديمة، غنية وتاجرت مع الجزيرة العربية. وكانت المدينة مفضلة لدى السلطات الرومانية والإمبراطور “هادريان”، حيث بني في عهده أشهر ملعب في الشرق كله، وأقيمت فيها مسابقات المصارعة والخطابة.
ظهر الإسلام في القرن السابع، واعتنقه العديد من سكان غزة تحت الحكم البيزنطي، قبل الفتح العربي. وفي عام 634 حاصر المدينة جيش الخلافة بقيادة عمرو بن العاص صحابي النبي محمد. ومن المثير للاهتمام أن الجالية اليهودية في ذلك الوقت كانت تقاتل إلى جانب البيزنطيين، على عكس السكان العرب والمسلمين. وفي النهاية، بعد ثلاث سنوات من الحصار، تم الاستيلاء على المدينة، لكن العاص تجنب المذبحة أو تدمير المدينة.
وعلى مدار القرنين التاليين، ظلت غزة مدينة مزدهرة نسبيًا: ففي عام 867، وصف أحد الكتاب المسيحيين المدينة بأنها “غنية بكل شيء”. ومع ذلك، مع وصول الصليبيين عام 1100، كانت المدينة في حالة تدهور لأسباب اقتصادية، وحاول فرسان الهيكل استخدام تل غزة كحصن. تم إحياء المدينة لفترة من الوقت، ولكن سرعان ما تم تدميرها عمليا مرة أخرى على يد صلاح الدين، زعيم العالم الإسلامي في الحرب ضد الممالك الصليبية.
نظرًا لعدم قدرته على الاستيلاء على القلعة الموجودة على التل، قام ببساطة بإحراق المدينة المحيطة بها وقتل العديد من السكان. وبعد سنوات قليلة تم تسليم المدينة والقلعة للمسلمين مقابل إطلاق سراح كبير الفرسان.
ورغم الخسائر، استمرت المدينة في الحياة حتى اقترب هولاكو حفيد جنكيز خان من أسوارها عام 1260. تم تدمير المدينة من أساسها، وفي العقود التالية كانت موجودة فقط كقرية صغيرة.
حاول الحكام المصريون استعادتها، لكن في عام 1294 دمر المغول غزة مرة أخرى.
وجاءت الذروة التالية للمدينة تحت الحكم العثماني، عندما أصبحت غزة عاصمة فلسطين. قام العثمانيون بترميم الجامع الكبير (الذي تضرر الآن بسبب القصف) وقاموا ببناء العديد من الحمامات والأسواق. واستمر الأمر نفسه في ظل الحكم المصري في القرن التاسع عشر.
المرة التالية التي اقتربت فيها المدينة من الدمار كانت خلال الحرب العالمية الأولى، عندما دارت ثلاث معارك كبرى للسيطرة على غزة بين الإمبراطورية العثمانية والقوات البريطانية. وبالنظر إلى أن المدن الأوروبية في تلك الحقبة وبسبب المدفعية وحرب الخنادق تحولت إلى أكوام من الأنقاض، كان من الممكن أن ينتظر غزة نفس المصير، لكنها كانت محظوظة إلى حد ما. وألحق القصف أضرارا بالعديد من المباني لكنه لم يهدم المدينة ويسويها بالأرض.
ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2023، لم تتعرض المدينة مرة أخرى لخطر فقدان مظهرها بالكامل.
من الصعب إعطاء إجابة واضحة عن سبب ولادة المدينة من جديد دائمًا بعد العديد من الحصارات والدمار وفناء السكان. ربما يعود الفضل في ذلك إلى الجغرافيا: تقع غزة على الطريق البحري بين مصر وفلسطين، والأرض المرتفعة بمثابة تحصين طبيعي ونقطة مراقبة.
آخر جولة من الدمار
وفي أي لحظة الآن قد يشن الجيش الإسرائيلي هجوماً واسع النطاق على غزة بهدف تدمير حركة حماس، ويخشى المجتمع الدولي على مصير المدينة القديمة. والآن هناك نقطة تحول جديدة في التاريخ، حيث من غير المعروف ما إذا كانت غزة ستولد من جديد.
ومع ذلك، أود أن أعتقد ذلك.
(3)
من المستفيد من حرب كبرى في الشرق الأوسط؟
نيكيتا يورتشينكو
كاتب صحفي روسي
29 أكتوبر 2023
من المستفيد من حرب كبرى جديدة؟
ما هي المكافآت التي يمكن أن تحصل عليها إيران والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وحتى روسيا من توسع الصراع؟
بعد ثلاثة أسابيع من بدايته، لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل. ولا يزال الإسرائيليون أسرى، ويستمر قتل المدنيين في غزة. وفي الوقت نفسه، تحاول العديد من الدول الاصطياد في المياه العكرة في هذه المأساة. ومن بينها ليست الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل تركيا أيضًا، وحتى إسرائيل نفسها. ومن يستفيد من هذا؟ من هو المبادر؟ ولماذا عجزت إسرائيل عن صد الضربة الأولى وفقدت القدرة على القتال الحقيقي؟ الإجابات على هذه الأسئلة موجودة في عمود كاتب في BUSINESS Online هو نيكيتا يورتشينكو.
الحرب في الشرق الأوسط
ولا يظهر الصراع الذي بدأ في إسرائيل أي علامة على التراجع. لقد أدى هجوم حماس المفاجئ على المستوطنات الإسرائيلية إلى هجمات إسرائيلية لاإنسانية على غزة، والتي لم تتوقف منذ ثلاثة أسابيع. وترد حماس على ذلك بإطلاق صواريخ القسام محلية الصنع. وكما أشرنا في مادتنا، فإن الصعوبة الرئيسية التي واجهتها إسرائيل فجأة كانت تتمثل في تراجع احترافية أفراد جيشها بشكل كبير.
“يتساءل الجميع عن سبب عدم وجود “اقفاص” مضادة للطائرات بدون طيار على دبابات ميركافا، ولماذا أصبحت أهدافًا ملائمة لهجمات الطائرات بدون طيار. وكأن إسرائيل لا تعلم أن طبيعة العمليات العسكرية أصبحت الآن على وجه التحديد عندما تستخدم الطائرات بدون طيار بشكل جماعي. هناك العديد من الأسئلة لماذا لم يحدث هذا. وبالطبع ستتعامل الدوائر السياسية الإسرائيلية مع هذه القضية، لماذا لم يفعل الموساد شيئا، ولم يكن الجيش الإسرائيلي مستعدا، لكن عدم الاستعداد هذا أصبح واضحا ليس فقط لحركة حماس، بل للعالم أجمع”،
- قال الخبير العسكري أليكسي ليونكوف في مقابلة مع BUSINESS Online
ومع ذلك، هناك عدد من الأسئلة الواضحة حول الوضع. لماذا لم تنتبه إسرائيل إلى تصرفات حماس؟ هل كانت تعرف حقًا شيئًا عما كان يحدث عندهم، أم أنها تعمدت خفض مستوى انتباهها؟ لماذا كان دعم الجنود على الحدود الصغيرة مع قطاع غزة ضعيفًا للغاية؟ من قام بتدريب مقاتلي حماس وأين؟ هل أدرك القيمون الغربيون أنهم في كييف يسرقون الأسلحة التي تصلهم ويبيعونها لمن يدفع أكثر؟ والسؤال الأهم: من المستفيد من القتال في الشرق الأوسط؟
دعونا نحاول النظر فيها جميعا.
ضعف الجيش الإسرائيلي
هنا، من ناحية، كل شيء بسيط للغاية – لم تقاتل إسرائيل قط مع عدو بحجم مماثل منذ عام 1973. ونتيجة لذلك، شهد الجيش الإسرائيلي ركوداً تدريجياً من الثمانينيات إلى التسعينيات، حيث تحول القتال الذي شاركت فيه إسرائيل إلى ضرب المقاومين ذوي التسليح الضعيف بأحدث الأسلحة. العدو، كقاعدة عامة، لم يكن لديه دبابات أو طائرات أو مدفعية أو مركبات مدرعة ذات عجلات. وكانت تصرفات الجيش الإسرائيلي تذكرنا بعمليات الشرطة “المدرعة” بدعم جوي. ونتيجة لذلك، لم يبدو من المناسب للقيادة الإسرائيلية تخصيص أموال إضافية لتطوير الفكر العسكري.
جرت آخر عملية عسكرية كبيرة نسبيًا في عام 2006 في لبنان. حينها فازت إسرائيل بالمعايير الرسمية، لكن الجرس قد قرع بالفعل – على الرغم من التفوق الكلي، لم يكن من الممكن الفوز بـ “الضربة القاضية”. لقد نجح حزب الله، المدعوم من إيران، بنجاح كبير في الرد على الهجمات. خلال الهجوم، تمكنت إسرائيل من التقدم مسافة 15-20 كم، ووصلت إلى نهر الليطاني. وبعد أن قتلت إسرائيل أكثر من ألف شخص، منهم عدة مئات من مقاتلي حزب الله، لم تتوصل إلى الاستنتاجات اللازمة، معتبرة أن مثل هذا النصر كان كافياً لها.
ونتيجة لذلك، لم تستفيد إسرائيل من دروس الحملة الأوكرانية، حيث تم حرق القواعد التي وضعها العسكريون في العقود السابقة بلا رحمة من قبل خبراء العلوم الحربية. اتضح أن المشاة لم يعد بإمكانهم التحرك في مجموعات كثيفة، وأن الدبابات بحاجة إلى “اقفاص” وقائية، ولا يمكن تخزين ذخيرة المدفعية في العراء وبكميات كبيرة. في الواقع، في بداية المواجهة التالية، ظهر الجيش الإسرائيلي بصيغة زمن السلم.
وفي الوقت نفسه، فإن هذا لا يفسر بأي حال من الأحوال التراخي الذي أظهره الجيش الإسرائيلي الذي يحرس الحدود مع قطاع غزة. وهنا يوجد مجال كبير للتخمين.
أولاً، كما أظهرت التطورات، انتقلت إسرائيل بسرعة من الرغبة في هزيمة المسلحين وتحرير الرهائن إلى أطروحات أكثر نموذجية لألمانيا النازية. أي أن القيادة الإسرائيلية العليا، وكذلك الشخصيات الإعلامية، بدأت تطالب بشكل مباشر بالتصفية الجسدية للسكان العرب، على الرغم من عدم مشاركتهم في غارة حماس. وكانت الأوامر بمغادرة غزة إلى أي مكان بينما يبدأ الطيران الإسرائيلي بتسويتها بالأرض، تعني في الأساس نزوح 2.5 مليون نسمة إلى مصر المجاورة أو كلاجئين إلى أوروبا.
“على مر السنين، نشأت أجيال لا تسمي الأشخاص المحيطين بهم أشخاصًا، بل حيوانات. ونُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي تصريحات للجيش الإسرائيلي، اعتبر فيها سكان القطاع ليسوا بشرًا على الإطلاق. التجريد المطلق من الإنسانية – هناك أسباب كثيرة لذلك، لكن الحقائق واضحة. كان هناك الكثير من الأدلة على إطلاق النار “العشوائي” على الناس، على سبيل المثال، تم الخلط بين المراهقين والمسلحين. وكانت هناك العديد من القصص التي تناولتها وسائل الإعلام العربية بشكل رئيسي. وهذا لم يحدث على الفور، بل تدريجيا. يوضح ليونكوف: “لقد غيّر الناس أيديولوجيتهم”.
يمكننا أن نفترض أنه إذا كانت الرتب الدنيا التي تحرس الحدود لا تعرف شيئا حقا، فإن قيادة البلاد على الأقل خمنت. قال بنيامين نتنياهو لأعضاء الكنيست من حزب الليكود في مارس 2019: “على أي شخص يريد منع إنشاء دولة فلسطينية أن يدعم حماس ويحول الأموال إليها”. وانطلاقا من هنا، تعمل حماس كنوع من “البعبع” الذي يقدم مبررًا أخلاقيًا للقيادة الإسرائيلية لاتباع نفس السياسة القومية تجاه السكان العرب. ومع ذلك، هذا لا يجعل الصورة كاملة.
القيمون والرعاة
بعد غارة حماس، لاحظ معظم الخبراء المستوى العالي لتدريب المهاجمين. كان لديهم ما يكفي من الأسلحة، وكان لديهم وسائل اتصال، وكانوا يعرفون كيفية تشفيرها، بما في ذلك الوسائل المعقدة. على سبيل المثال، تم استخدام أجهزة “هواويربم” في الاتصالات، والتي لا يمكن لمشغلي الاتصالات الغربيين الوصول إليها والتجسس عليها وفي الوقت نفسه، تم بث بعض المعلومات عمدا عبر أجهزة أخرى تؤشر على عدم وجود اي تحضيرات للهجوم.
علاوة على ذلك، في الفترة من 2011 إلى 2018، تعاونت حماس فعليًا مع مقاتلي داعش (في سوريا ومخيم اليرموك بالذات-المترجم)، مما يعني أنها تمكنت من الوصول إلى رعاتهم الأمريكيين الذين قادوا داعش في البداية.
“مركز التحكم بالطائرات بدون طيار التابع لحماس هو مركز عالي التقنية، والعمل الذي تم عرضه يظهر أن اخصائيين يجلسون هناك. وربما يكونون مقاتلين. لا أستبعد أن يكون من بين جماعات حماس من شاركوا بنشاط في القتال في سوريا من عام 2011 إلى عام 2018 كجزء من تلك الجماعات التي أقسمت بالولاء لداعش”، يعلق ليونكوف.
ولا يخفى على أحد أن مقاتلي داعش التقوا بأعضاء في الكونغرس الأمريكي وخضعوا أيضًا للتدريب في قواعد في تركيا. وعلى الرغم من حقيقة أنه بحلول نهاية العقد الماضي، وبعد أن أدركت حماس الاتجاه الذي تهب فيه الرياح، “تبرأت” حماس رسميًا من داعش، إلا أن الاتصالات ربما تكون قد ظلت قائمة. علاوة على ذلك، فمن المعروف أن مقاتلي داعش والنصرة عالجتهم إسرائيل على أراضيها خلال الحرب في سوريا. بينما هاجم الجيش الإسرائيلي مواقع القوات السورية الحكومية. لذا، ونظراً لحجم العملية التي تم تنفيذها في 7 أكتوبر، فمن الممكن الافتراض أن حماس تعلمت في مكان ما كيفية التنسيق بين الوحدات المهاجمة.
ومن غير المرجح أن يكونوا قد خاطروا بتنفيذ تدريباتهم مباشرة في قطاع غزة، مما يعني أنه كان يتم نقلهم إلى مكان ما. ومن غير المرجح أن يكون ذلك في مصر المجاورة، حيث تعتبر حماس رسميا منظمة إرهابية. وعلى الأرجح، لم يحدث هذا في قواعد الناتو في أوروبا، لأنه كان من الممكن أن يكون ملحوظًا للغاية. لكن من الممكن أن يضيعوا بسهولة في تركيا والجزء الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة من سوريا. ولكن ما هي الفائدة التي تعود على الولايات المتحدة وتركيا من تدريب المسلحين؟
في حالة الولايات المتحدة، كل شيء بسيط تماما. كان الربيع العربي أحد مشاريع إدارة باراك أوباما التي هزت الشرق الأوسط وملأت أوروبا باللاجئين. ونتيجة لهذا فإن عدم الاستقرار العام (او الفوضى الخلاقة-المترجم)، والذي يمكن أن ينتشر تلقائياً إلى البلدان المجاورة، قد يكون مفيداً في السياق الجيوسياسي. إن الحريق الناشئ في شرق أوروبا، وفي البلدان المصدرة للنفط على مستوى العالم، من ناحية، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الذهب الأسود، ومن ناحية أخرى، قد يحول التدفقات المالية إلى أمريكا. بالإضافة إلى ذلك، هذه عقود عسكرية إضافية للمجمع الصناعي العسكري الذي تمثله جماعات الضغط الخاصة به في مجلس الشيوخ.
ربما تعتقد الولايات المتحدة أنها، بعد أن نشرت الفوضى في المنطقة، ستتمكن، جنباً إلى جنب مع إسرائيل وحلفائها في حلف الناتو، من الحفاظ على “حاملة الطائرات غير القابلة للغرق” في وسط العالم العربي (مصطلح يعني الكيان الصهيوني لشدة تسليحه وحمايته من الهجمات المضادة-المترجم). بالطبع، على حساب تضحيات كبيرة، لكن اللعبة قد تستحق كل هذا العناء.
تركيا، ممثلة بالرئيس رجب طيب أردوغان، ترى نفسها زعيمة للعالم الإسلامي، مما يعني أن لديها بعض الخطط لهذا الجزء من الشرق الأوسط. إن إضعاف الدول العربية الأخرى بادعاء دور المدافع عن الضعفاء سيكون مفيدًا للغاية لأردوغان، بما في ذلك الترويج لفكرته عن “توران” الكبرى – دولة كبيرة للأتراك تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى غابات سيبيريا.
إيران
إحتمال اخر: كل هذا مخطط له من قبل إيران، الخصم القديم للولايات المتحدة وإسرائيل. فمن ناحية، تشرف طهران على حزب الله، وتقاتل إلى جانب بشار الأسد في سوريا، وقد تلقت عددًا كبيرًا من اللكمات المؤلمة من إسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك اغتيال قاسم سليماني في مطار بغداد عام 2020. وفي الواقع، سيكون من المغري للغاية بالنسبة لطهران أن ترد بـ “زيارة مجاملة”، خاصة إذا كانت بأيدي غريبة تبعد عنها الشبهات.
والاستراتيجية التي طورتها إيران تكمن، بشكل تقريبي، في الفوز دون قتال. ونتيجة لذلك، تجنبت طهران بوضوح وتتجنب السيناريوهات التي من شأنها أن تؤدي إلى مشاركتها المباشرة في الحرب. هدف إيران هو إضعاف أعدائها المباشرين – الولايات المتحدة، وإسرائيل، والعربية السعودية – من خلال وكلائها، بما في ذلك بمساعدة حزب الله، وأنصار الله، والحشد الشعبي، وكتائب حزب الله، وما إلى ذلك.
ولكن، في حالة غزة، فإن كان من الممكن أن يكون الوضع قد ذهب إلى أبعد من ذلك، وكان من الممكن أن تمثل حاملات الطائرات التي تم إحضارها إلى شواطئ إسرائيل قد تشكل أي مخاطر او تلحق أضرارا جسيمة بالجمهورية الإسلامية. وبطبيعة الحال، سوف تستغل إيران الوضع الناتج باهتمام، ولكن من غير المرجح أن تكون هي التي أعدته بنفسها.
الواقع
في الواقع، على الأرجح، كانت جميع العوامل المذكورة أعلاه مرتبطة بدرجات متفاوتة معًا. وكما كتب أحد روائيي كلاسيكيات الأدب الروسي الحديث، فيكتور بيليفين، “إن العالم لا يحكمه محفل سري، بل تحكمه فوضى واضحة”. على الأرجح، يرجع ذلك إلى رقابة إسرائيل المتراخية، وتدبير عملاء واشنطن وأنقرة، والغضب العميق للفلسطينيين، ودعم حزب الله في الوقت المناسب.
كما سيحاول جميع المشاركين الاستفادة من الصراع، حتى أولئك الذين وجدوا انفسهم ببساطة امام الأمر الواقع. وستحاول الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، اللعب على وتر القومية العربية. سوف يظهر أردوغان كزعيم قوي ومستقل يتحدى الدول الغربية، وستحاول إسرائيل على الأقل حل القضية الفلسطينية بطريقة ما، وستحاول الولايات المتحدة إشعال النار في أي مكان. وحتى فلاديمير زيلينسكي حاول الترويج لنفسه في الصراع، لكن لم يُسمح له بالحضور حتى يستقر كل شيء.
ولروسيا أيضاً فائدة معينة من هذا الصراع. حماس، كما أصبح معروفاً، تلقت أسلحة من أوكرانيا(*)، مما يعني أنها لم تستخدم في “رابوتينو” أو “كوبيانسك” (معارك دارت وتدور على جبهة أوكرانيا-المترجم).
كما أن المقاتلين والمدربين الإسرائيليين الذين يحاربون إلى جانب نظام كييف يغادرون أوكرانيا أيضًا، الأمر الذي يضعف، ولو بشكل طفيف، القدرة القتالية للجيش الأوكراني. بالإضافة إلى ذلك، ستضطر الولايات المتحدة والغرب إلى إعادة توجيه جزء على الأقل من مواردهما العسكرية والمالية إلى تل أبيب. وإذا تفاقم الصراع فسوف تكون هناك حاجة إلى إمدادات مناسبة من الموارد، وهذا قد يخلق مشاكل غير قابلة للحل في كييف.
والأمر الأكثر إثارة للسخرية هو أن كل جندي إسرائيلي مقتول لن يتمكن من الذهاب إلى أوكرانيا للقتال ضد الجيش الروسي.
(*) ملاحظة من محرر “كنعان”: يبدو أن الكاتب يشير إلى الإشاعات التي تدّعي استخدام أسلحة أمريكية الصنع. وعلى الرغم من أنه لا يتسن أي دليل على ما يقوله الكاتب، ولكنه يثير التساؤل عن مصدر هذه الأسلحة: من أوكرانيا او أفغانستان وغيرها ام هي مسروقة من مستودعات الجيش الإسرائيلي؟
(4)
ماذا بعد هدنة غزة؟
لماذا لن تؤدي هدنة غزة إلى السلام؟
غيفورغ ميرزيان
أستاذ مشارك، قسم العلوم السياسية، جامعة العلوم المالية التابعة لحكومة الإتحاد الروسي
باحث في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية
24 نوفمبر 2023
في صباح اليوم 24 نوفمبر، يبدأ سريان هدنة لمدة أربعة أيام في قطاع غزة. دعونا نتذكر أنه بموجب شروطها، تطلق حماس سراح 50 رهينة (نساء وأطفال) مقابل إطلاق إسرائيل سراح 150 سجينًا (أيضًا نساء وقاصرين). بالإضافة إلى ذلك، تحد إسرائيل من تحليق الطيران في الجزء الشمالي من قطاع غزة (يتم إعلان “ساعة هدوء” من الساعة 10:00 حتى الساعة 16:00)، كما تتخلى تمامًا عن الطيران فوق الجزء الجنوبي.
وكجزء من الاتفاقيات، بدأ كل شيء بوقف إطلاق النار. ثم (كما أصرت إسرائيل) كان مقاتلو حماس هم أول من أطلقوا سراح الرهائن: غادرت مجموعة من 13 إسرائيليًا إلى مصر. وإلى جانبهم، أطلق الفلسطينيون سراح بعض الأجانب (12 مواطنا تايلانديا). ورد الإسرائيليون بإطلاق سراح 39 أسيرًا فلسطينيًا (24 امرأة و15 مراهقًا)، وتم تسليمهم إلى الصليب الأحمر.
ومن المرجح أن تتم عملية التحرير التالية غدًا – كجزء من يوم الهدنة التالي، ما لم يتم تعطيله بالطبع. “الهدنة هشة للغاية، – تقول عالمة السياسة الدولية يلينا سوبونينا “أن أي انتهاك أو قصف أو قتل يمكن أن يؤدي إلى تعطيلها”.
وكما كتبت صحيفة نيويورك تايمز، فإن تاريخ الأعمال العدائية بين إسرائيل وحماس مليء باتفاقات وقف إطلاق النار والهدنة التي تم انتهاكها أو بالكاد تم الالتزام بها. وفي عام 2014، استمر الصراع العسكري بينهما 51 يومًا، وتم خلال هذه الفترة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار 9 مرات.
الآن سوف يستخدم الطرفان الهدنة لتعزيز مواقفهما. فسوف تعيد إسرائيل تجميع قواتها، وسوف تعمل حماس على تعزيز ملاجئها، وسوف تتمكن المنظمات الدولية من إيصال المساعدات الإنسانية وبعض الأدوية على الأقل إلى غزة (طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن 21 من أصل 24 مستشفى في غزة غير صالحة للعمل على الإطلاق).
والسؤال هو من سيستغلها بشكل أفضل. ومن استفاد منها أكثر؟
“يفسر كل جانب الهدنة على أنها انتصار تكتيكي خاص به. ويزعم الإسرائيليون أنهم أضعفوا حماس إلى الحد الذي دفع المتطرفين إلى تقديم تنازلات. أما الفلسطينيون، فيزعمون من جانبهم أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها. وتقول يلينا سوبونينا: “لقد فشلت اسرائيل في تحرير الرهائن بالوسائل العسكرية، وبعد ذلك دخلت في المفاوضات”.
وبشكل عام، أصبح الجانب الفلسطيني الآن هو الرابح الأكبر. وبالنسبة لحماس فإن النصر في الصراع سوف يكون مجرد البقاء على قيد الحياة، فضلاً عن إرغام إسرائيل على وقف الحرب ـ وينظر قادة حماس إلى الهدنة الحالية باعتبارها خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
“اعتقدت إسرائيل أنها تستطيع تحرير الأسرى من خلال القتل والدمار غير المسبوقين، وأعلنت أنها لن تقبل بوقف إطلاق النار. وقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية: “بعد نحو 50 يوما، وفي ظل النضال الشعبي والمقاومة على كافة الجبهات، تمكنا من التوصل إلى هدنة وفق شروط حماس وفصائل المقاومة”. ومن وجهة النظر هذه، تحولت الهدنة إلى “نافذة أوفرتون” ـ حيث نقلت إمكانية وقف إطلاق النار من المستحيل (كما تصوره القادة الإسرائيليون) إلى احتمال قابل للتفاوض.
وفقا ليلينا سوبونينا، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الآن في أصعب موقف. فهو الخاسر الأكبر. تحدث نتنياهو باستمرار عن ضرورة التدمير الكامل للجماعات المتطرفة في غزة. من خلال الذهاب إلى المفاوضات، اعترف بذلك بأنه وضع لنفسه أهدافا مستحيلة.
نعم، نتنياهو نفسه ينفي تغيير موقفه. ووصف الاتفاق بأنه “قرار صعب ولكنه صحيح”، وأضاف أن الطريق لتدمير حماس سيستمر. وأضاف: «سنواصل الحرب حتى نحقق كل أهدافنا. حتى نقضي على حماس ونعيد جميع المختطفين والمفقودين ونضمن عدم وجود عناصر تهدد إسرائيل في قطاع غزة”.
لكن مشكلته هي أن فكرة الهدنة في حد ذاتها تسببت بالفعل في حدوث اضطرابات في مجلس الوزراء. وقد صرح عدد من وزراء الأحزاب المتطرفة (وخاصة حزب عوتسما يهوديت، الذي يشغل 6 مقاعد في الكنيست ويرأسه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير) بأن القرار كان خاطئا. لقد كان من المستحيل إطلاق سراح الأطفال مقابل الأطفال والنساء مقابل النساء، وكان على نتنياهو أن يطالب بالإفراج عن جميع الرهائن. وأن الصفقة لن تؤدي إلا إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل لوقف الحرب نهائيا.
حتى أن بعض القوى السياسية هددت بالانسحاب من الائتلاف الحاكم. صحيح أنهم امتنعوا حتى الآن عن اتخاذ مثل هذه الخطوات الجذرية، ولكن التقلبات المحيطة بالهدنة أظهرت مدى هشاشة القوة الإسرائيلية، التي وحدتها الحرب.
وأخيرا، تخرج الهدنة إسرائيل من حالة الجنون العسكري وتجبرنا على التفكير فيما ستفعله تل أبيب بغزة بعد الحرب، حتى لو كانت حربا ناجحة تنتهي بتدمير حماس.
“الإسرائيليون يطرحون استراتيجية تلو الأخرى. بعضها غريب للغاية – على سبيل المثال، فيما يتعلق بإعادة توطين معظم الفلسطينيين من قطاع غزة في سينا المجاورة. تقول يلينا سوبونينا: “بالطبع، استقبلت القاهرة مثل هذه المقترحات بغضب”.
ووفقا لها، هناك مأزق واضح بالنسبة لتل أبيب هنا – فحماس ليست مشكلة بقدر ما هي نتيجة للمشكلة الحقيقية. فالإسرائيليون ليسوا مستعدين لإنشاء دولة فلسطينية، وبدون إنشائها فإن عدم الاستقرار في المنطقة سوف يستمر. وتقول الخبيرة إن الجانبين والمجتمع الدولي وصلا إلى طريق مسدود هنا.
ومن حسن حظ نتنياهو أن لديه كل الفرص لقيادة الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي مرة أخرى إلى حالة من الجنون العسكري ـ لأن الهدنة لن تدوم طويلاً.
نعم، نصت اتفاقية الهدنة على خيار التمديد. مقابل كل يوم إضافي، ستطلق حماس سراح 10 رهائن آخرين، مقابل 30 أسيراً من السجون الإسرائيلية. لكن المشكلة هي أن “الصراف الآلي” التابع لحماس محدود.
وذكر في البداية أن مقاتلي حماس تمكنوا من اختطاف حوالي 240 شخصًا. إلا أن بعضهم توفي متأثراً بجراحه، كما قتل 50 آخرون (بحسب حماس) خلال القصف الإسرائيلي. وهناك حوالي 35 أخرى في أيدي حركة الجهاد الإسلامي، وغيرهم تحت سيطرة مسلحين آخرين. وبعضهم عمومًا مواطنون أجانب، وبالتالي لا يثيرون اهتمامًا خاصًا لإسرائيل. وهذا يعني ببساطة أنه بعد إطلاق سراح 50 شخصاً، لن يكون لدى حماس سوى ما يكفي من الرهائن لتمديد الهدنة لمدة أسبوع، أو أسبوعين كحد أقصى.
وعندها ستتمكن إسرائيل من استئناف الحرب من أجل الحرب مرة أخرى. حسنًا، أو من أجل أهداف بعيدة المنال مثل طرد الفلسطينيين إلى مصر. وهذه الأهداف، كما يعتقدون في تل أبيب، لا يمكن تحقيقها إلا إذا احتلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة.
بعد الهدنة القصيرة في غزة – ماذا نتوقع من الحرب بين إسرائيل وحماس؟
ميخائيل خودارينوك
عقيد متقاعد
كاتب صحفي ومحلل عسكري في Gazeta.Ru
24 نوفمبر 2023
هل ستواصل اسرائيل تدمير حماس بعد الهدنة؟ كيف ستتطور الأحداث في المستقبل؟
اتفقت إسرائيل وحماس على وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وتعليق الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق قطاع غزة خلال هدنة تستمر أربعة أيام.
اليوم، 24 نوفمبر، في تمام الساعة السابعة صباحًا بالتوقيت المحلي، بدأت هدنة في قطاع غزة، اتفقت عليها إسرائيل وحركة حماس الإسلامية بوساطة قطرية. وسيستمر وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام، حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني.
الاتفاق الذي تم التوصل إليه يعني وقف الأعمال العدائية، وتبادل الرهائن الذين أسرتهم حماس مع الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، فضلا عن وقف كامل لتحليق الطيران الإسرائيلي فوق الجزء الجنوبي من قطاع غزة، وكذلك فوق شمال القطاع وفي مدينة غزة من الساعة 10.00 حتى الساعة 16.00 بالتوقيت المحلي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف سيتطور الوضع في القطاع الفلسطيني في المستقبل القريب بعد انتهاء التهدئة؟
لإكمال التحليل، دعونا نعود بضعة أسابيع إلى الوراء.
بعد هجوم حماس الخاطف على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، كانت هناك العديد من الآراء بأن هجوم الجماعة المسلحة التابعة للحركة الإسلامية على الدولة اليهودية سيكون مقدمة لحرب أكبر تعم الشرق الأوسط على الأقل وحتى لحرب عالمية ثالثة. لم يكن هناك نقص في التنبؤات المروعة خلال تلك الفترة.
أما تقييم الوضع العسكري-السياسي الذي نشرته صحيفة غازيتا.رو، والذي أعلنته بعد أسبوع واحد فقط من هجوم حماس، فكان على النحو التالي:
إن جمهورية إيران الإسلامية، كما افترضت صحيفة Gazeta.Ru، لن تدخل في صراع مسلح آخر في الشرق الأوسط. ولا تملك طهران حتى الآن الحجة الرئيسية لمواجهة الغرب الجماعي بشكل فعال. ولا تمتلك إيران بعد أسلحة نووية، وهي تسعى بوضوح إلى الحصول عليها.
وتوقعت غازيتا.رو أن تمتنع قوات حزب الله المتمركزة في جنوب لبنان عن غزو واسع النطاق للمناطق الشمالية من إسرائيل. ومن أجل درء هجمات حزب الله المحتملة، نشرت البحرية الأمريكية مجموعتين من حاملات الطائرات الضاربة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
ومن غير المرجح أن تشارك البحرية الأمريكية إلى الجانب الإسرائيلي في القتال في قطاع غزة، حسبما توقعت صحيفة Gazeta.Ru منتصف أكتوبر 2023. لكن مجموعتين من حاملات الطائرات قادرتان تمامًا على ان تمسح من على وجه الأرض قوات المنظمة الشيعية اللبنانية شبه العسكرية بضربات صاروخية وجوية قوية. ومن الواضح أن قيادة حزب الله آنذاك والآن تدرك ذلك بشكل واضح. ففي نهاية المطاف، مع بداية الهجمات الصاروخية الأميركية، ستتحول القصور الفخمة** لقيادة المنظمة في جنوب لبنان إلى غبار وأنقاض.
لذا، افترضت غازيتا.رو أن تشكيلات حزب الله لن تظهر تضامنها مع حماس إلا من خلال قصف المنطقة الحدودية لإسرائيل، وهو ما من غير المرجح أن يكون شاملاً وحاسما.
ومن المشكوك فيه للغاية أن تدخل العراق ولبنان وسوريا وقطر ودول أخرى في العالم العربي في صراع مسلح إلى جانب حماس. وسيقتصر الأمر على التعبير عن القلق والسخط.
لهذه الأسباب، فإن الشائعات حول اندلاع الحرب العالمية الثالثة الوشيكة بسبب هجوم حماس على إسرائيل مبالغ فيها إلى حد ما، ومن غير المرجح أن يتوسع عدد المشاركين في المواجهة المسلحة التالية في الشرق الأوسط في المستقبل القريب.
هذه هي الطريقة التي قامت بها Gazeta.Ru بتقييم الوضع في منتصف أكتوبر من هذا العام، وبشكل عام، تحققت جميع توقعاتنا.
ولكن ما ضرورة التذكير بهذا اليوم؟ في هذا الصدد، من المهم التأكيد على أن حماس ستبقى وحيدة في المستقبل القريب.
وحتى دول العالم العربي ليست مهتمة باستمرار حماس في المواجهة بشكلها الحالي. لهذه الأسباب ستبقى حماس وحيدة مع جيش إسرائيلي من الدرجة الأولى، ومصير الحركة في هذه الحالة محدد سلفا إلى حد كبير.
ومن المحتمل أن تتم في المستقبل هدنة قصيرة بين حماس وإسرائيل لتبادل الرهائن والأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن هذا لن يغير بشكل كبير الصورة العامة للعملية العسكرية. وبعد أربعة أيام، سوف تتقدم قوات الجيش الإسرائيلي مرة أخرى بشكل منهجي، من منزل إلى منزل، ومن مبنى إلى مبنى، ومن شارع إلى شارع. سيتم تدمير معاقل تشكيلات الحركة الإسلامية بضربات عالية الدقة من قبل طيران ومدفعية الجيش الإسرائيلي، وسيتم تقويض الهياكل تحت الأرض وملؤها بالمياه (بما في ذلك مياه البحر)، ومطاردة قادة حماس، بينما في هذه المرحلة اولئك من الصف الثاني والثالث ستستمر.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز مهمة جديدة أمام أجهزة المخابرات الإسرائيلية والجيش، وهي قتل السجناء الفلسطينيين الذين أطلق سراحهم للتو من السجون، لأنهم المرشحون الأوائل للانضمام إلى صفوف التشكيلات المسلحة لحماس (كما حدث مرات عديدة في الماضي – لم يكد ينتهي وقت للتبادل، وإذا بالسجين السابق يحمل مدفعًا رشاشًا في يديه ويشن هجومًا على الجيش الإسرائيلي).
وكما كتبت Gazeta.Ru سابقًا، فإن السؤال بالنسبة لإسرائيل هو: إما هدم مباني المدينة إلى وتسويتها بالأرض بضربات النيران، أو التقدم على الأرض، على الرغم من التكاليف الكبيرة للموارد المادية، والوقت، والخسائر المحتملة وغير القابلة للتعويض بين الأفراد والأسلحة والمعدات العسكرية، فإن هذه العملية ستنتهي مثل كل العمليات السابقة.
المهمة الرئيسية التي حددتها القيادة السياسية لإسرائيل لم تتغير – التدمير الكامل للتهديد الصادر من قطاع غزة، أي تدمير حركة حماس. وبعبارة أخرى، فإن الجيب الفلسطيني بشكله السابق لن يعود موجودا.
أما بالنسبة لأي إطار زمني لاستكمال هجوم الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، فهو على الأرجح لم يتم تحديده وقد يتراوح بين شهرين وستة أشهر.
إن أي تصويت في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لن يكون له أي تأثير على تصميم القيادة الإسرائيلية على إيصال العملية في القطاع الفلسطيني إلى نهايتها المنطقية.
**ملاحظة من محرر “كنعان”: نمرر عبارة “القصور الفخمة” كما جاءت في المقال، ولا يبدو من السياق أنها ذُكرت سخريةً أو تهكماً.
(6)
فلسطين الموحدة أم الاحتلال: أي مستقبل ينتظر قطاع غزة؟ 4 سيناريوهات
فيتالي ريومشين
كاتب صحفي روسي
بوابة بوست نيوز الروسية
24 نوفمبر 2023
بعد الهدنة، يمكن للصراع في غزة أن يتبع أربعة سيناريوهات. ولا يوجد أي منها في صالح إسرائيل وفلسطين.
اتفقت إسرائيل وحماس أخيرا على هدنة إنسانية في قطاع غزة. وسوف تستمر أربعة أيام فقط، وبعدها من المرجح أن يستأنف القتال بقوة متجددة. ومع ذلك، فإن أول محاولة ناجحة للتوصل إلى اتفاق تشير إلى أن الصراع ربما يكون قد وصل إلى خط النهاية. كيف سيكون الوضع وكيف يمكن أن يتغير قطاع غزة بعد الحرب؟ فيما يلي أربعة سيناريوهات لمساعدتك في معرفة ذلك.
السيناريو رقم 1: استمرار الوضع في غزة كما كان قبل الحرب
المستفيد – إيران، الدول العربية، الولايات المتحدة الأمريكية.
الخاسر – إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
تتطور الأحداث على غرار العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة في قطاع غزة. سيدمر الجيش الإسرائيلي القيادة والبنية التحتية العسكرية لحماس ويعلن القضاء على التهديد المسلح. وبعد ذلك سينسحب الجيش الإسرائيلي من غزة، ويترك الفلسطينيين ليتدبروا أمرهم بأنفسهم.
وبعد انتهاء الحرب وتسريح الجيش، ستواصل إسرائيل حصار قطاع غزة لاحتواء المتطرفين الفلسطينيين. سيظل قطاع غزة تحت سيطرة حماس – وبعد الدمار واسع النطاق والابادة الجماعية للمدنيين، فإن موقف الجماعة هناك سوف يتعزز. هناك احتمال كبير بأن تستأنف حماس المواجهة مع إسرائيل حالما تستعيد قوتها.
الآن يبدو الحفاظ على الوضع الراهن أمراً غير مرجح. وبعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، سيكون ذلك بمثابة هزيمة شخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فضلاً عن ذلك فإن بقاء حماس من شأنه أن يعزز قبضة إيران على فلسطين. ومن شأن مثل هذا التطور أن يشكل ضربة لأمن إسرائيل، لذا فإنها ستقاومه بكل ما أوتيت من قوة.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير موقف تل أبيب – هو الضغط الجماعي من الولايات المتحدة ودول عربية أخرى. إن الصراع الذي طال أمده في غزة يفرض عليهم المزيد من التكاليف السياسية مع مرور الوقت، لذا فمن مصلحتهم إيقافه في أسرع وقت ممكن. لقد توصلوا بالفعل إلى هدنة بين إسرائيل وحماس. من الممكن أن يتم الضغط على نتنياهو من أجل وقف كامل للعمليات العسكرية.
السيناريو الثاني رقم 2: إسرائيل تعيد احتلال قطاع غزة
المستفيد – إسرائيل، إيران.
الخاسر – حماس، السلطة الفلسطينية، الدول العربية، الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد هزيمة حماس، ستتولى إسرائيل بنفسها عملية إعادة إعمار قطاع غزة. ليس من الواضح تمامًا بعد كيف سيبدو هذا.
وتستطيع القوات الإسرائيلية أن تطهر الحياة العامة في غزة من العناصر المتطرفة إذا أخذت على عاتقها مهمة الحفاظ على النظام.
والخيار الآخر – هو أن تقوم إسرائيل بتشكيل إدارتها المدنية الخاصة وإعادة المستوطنين اليهود إلى غزة، كما يصر الناشطون اليمينيون المتطرفون في إسرائيل. وفي الحالة الأكثر تطرفا، ستبدأ اسرائيل في طرد الفلسطينيين تدريجيا.
احتلال غزة – هو السبيل الوحيد لإنقاذ مسيرة نتنياهو السياسية، التي انخفضت شعبيته إلى أقل من 30% بسبب هجوم حماس. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل حكومته تنظر إلى “الالتزامات الأمنية المفتوحة” كأولوية وترفض بشدة أي بدائل.
وعلى المدى الطويل، تحمل مثل هذه الخطوة العديد من المخاطر لإسرائيل. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى دفع سكان غزة إلى التطرف ودفعهم إلى حرب عصابات دموية التي سوف تلتهم الموارد العسكرية للجيش الإسرائيلي وتدعم المشاعر المعادية لإسرائيل في العالم العربي، مما يدفع تل أبيب تدريجياً إلى العزلة السياسية. كل هذا سيفيد إيران.
السيناريو رقم 3: استعادة فلسطين الموحدة تحت ولاية سلطة محمود عباس
المستفيد – الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية.
الخاسر – إسرائيل، السلطة الفلسطينية، حماس، إيران.
تنهي إسرائيل عمليتها العسكرية وتنقل السيطرة على قطاع غزة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس، والتي تحكم اسمياً الضفة الغربية.
ربما يناسب هذا الخيار معظم اللاعبين الإقليميين. حتى وقت قريب، كان العرب والإسرائيليون يسيرون على طريق المصالحة. واستخدمت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ذلك لعزل إيران وتنفيذ مشروع واسع النطاق هو عبارة عن طريق تجاري من الهند إلى أوروبا “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا India-Middle East-Europe Economic Corridor (IMEC)”.
ومع ذلك، فإن العنف في غزة جعل إسرائيل “سامة” للغاية بحيث لا تستطيع الحكومات العربية التعامل معها. إن التنازلات من تل أبيب والسلام طويل الأمد المبني على قرارات مجلس الأمن الدولي هو وحده القادر على إعادة الوضع إلى مساره السابق. ولذلك تصر واشنطن على مثل هذا الحل للقضية.
هناك “لكن” واحدة: السلطة الوطنية الفلسطينية لا تريد تحمل المسؤولية عن قطاع غزة. ويواجه محمود عباس مشكلة مثل نتنياهو – فحكومته المعتدلة منقسمة وتخسر المعركة لصالح حماس على عقول الفلسطينيين الذين يؤيدون الأساليب المتطرفة في محاربة إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، بالكاد تحكم السلطة الوطنية الفلسطينية الضفة الغربية، ولا تستطيع تحمل تكاليف التعامل مع غزة المدمرة.
ولذلك فإن عباس يتجنب المقترحات الأميركية ويصر على “الحل الشامل”: الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية في وقت واحد. بالنسبة لنتنياهو، من الواضح أن هذه المطالب مستحيلة، لذا لا جدوى من انتظار استعادة فلسطين الموحدة.
السيناريو رقم 4: الإدارة الدولية
المستفيد – الولايات المتحدة الأمريكية، السلطة الفلسطينية، الدول العربية، إيران.
الخاسر – إسرائيل وحماس.
بعد انتهاء المرحلة النشطة للعملية العسكرية للجيش الإسرائيلي، تدخل قوة حفظ السلام الدولية إلى قطاع غزة. فهي تضمن الأمن في المنطقة، وتنزع سلاح حماس وتشكل حكومة انتقالية بهدف تسليم غزة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية.
من الناحية النظرية، يمكن أن يكون هذا الخيار هو “الخيار الذهبي” الذي يناسب الجميع.
هناك مشكلتان: حكومة نتنياهو، بسبب موقفها المهتز، ليست مستعدة حتى لهذا الاحتمال. كما ان الإدارة الدولية تتطلب أيضاً تحالفاً دولياً. لكن لم يتم تشكيله حتى الآن سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
ويتلخص الخيار الأكثر وضوحاً في إرسال قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى غزة. ولهذا نحن بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ومع ذلك، وبسبب الخلافات الخطيرة بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أصبح مجلس الأمن مشلولا، ويبدو أن اعتماد مثل هذا القرار يبدو وكأنه مهمة مستحيلة.
ويمكن أن يكون البديل قوة لحفظ السلام على أساس جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي. وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، عقدت المنظمتان قمة مشتركة في الرياض بحثاً عن حل للمشكلة الفلسطينية. وبسبب التناقضات، لم تتمكن الجامعة العربية ودول منظمة التعاون الإسلامي من التوصل إلى حل ملموس، لذلك لا يمكننا الاعتماد عليها أيضًا.
(7)
حرب غزة ومستقبل الشرق الأوسط
أندريه كورتونوف
دكتوراه في التاريخ، المدير العلمي وعضو هيئة رئاسة المجلس الروسي للعلاقات الدولية
صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الموسكوفية
12 نوفمبر 2023
بالرغم من مرور عدة أسابيع على هجوم الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، فلا زال من الصعب حتى هذه اللحظة التنبؤ، بثقة، بمساره المستقبلي، ناهيك عن نتائجه النهائية. ومع ذلك، يبدو من الواضح اليوم أن الجولة التالية من المواجهة الإسرائيلية – الفلسطينية سوف تخلف عواقب واسعة النطاق وطويلة الأمد، ليس فقط على طرفي الصراع، بل وأيضاً على منطقة الشرق الأوسط برمتها. ستتلقى بعض اتجاهات تطور الإقليم التي تمت ملاحظتها سابقًا زخمًا قويًا إضافيًا، في حين أن البعض الآخر، على العكس من ذلك، سوف تضعف بشكل كبير. سنحاول تحديد الديناميكيات المحتملة للتطور في المنطقة على خلفية الأحداث الجارية.
وفي المقام الأول من حيث الأهمية، لا شك أن الأزمة سوف تعمل على ترسيخ الانقسامات القائمة في العالم العربي. في الوقت الحالي، أقامت خمس دول عربية (البحرين ومصر والأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة) العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، لكن بالنسبة لبقية الدول العربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، فإن التحرك في هذا الاتجاه سيكون الآن صعبًا للغاية، خاصة في ظل استمرار الصراع وزيادة عدد الضحايا المدنيين في قطاع غزة. ومن المرجح أن تصبح الفجوة أكثر أهمية – بين النخب في العديد من الدول العربية، المهتمة بتوسيع التعاون مع إسرائيل، و”الشارع العربي” الذي يطالب حكوماته بدعم أكثر حسماً للفلسطينيين. هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن الصراع بين إسرائيل وفلسطين سوف يشكل عاملاً إضافياً من عوامل عدم الاستقرار الداخلي في مختلف أنحاء العالم العربي.
وأظهرت الأزمة أيضًا أن اللاعبين السياسيين – العسكريين “غير الحكوميين” ما زالوا أقوياء ونشطين للغاية في المنطقة. فهم، وليس الدول العربية المجاورة إسرائيل ـ هم الذين سوف يستمرون في تشكيل التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل. وحتى لو نجح الجيش الإسرائيلي في إلحاق الهزيمة الكاملة بحماس ـ وهو الأمر الذي من السابق لأوانه على الأقل أن نقوله على وجه اليقين ـ فإن جماعات أصولية أخرى لا تقل تطرفاً سوف تحل محلها بلا شك.
وإذا كان الضعف المتواصل للدول العربية قد أعطى إسرائيل في وقت ما مزايا معينة في مواجهة خصوم أقوى بكثير، فإنه يتحول الآن إلى إحدى مشاكلها الرئيسية – فقد لا تجد القيادة الإسرائيلية في المنطقة، ببساطة، شركاء مسؤولين لبناء حوار مثمر معهم.
وبعد انتهاء المرحلة النشطة من الصراع الحالي، سيظل عامل اللاجئين والنازحين مهما في الحياة السياسية في المنطقة.
وكما تظهر المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية العنيفة، فإن مشاكل اللاجئين التي لم يتم حلها ظلت ذات أهمية لعقود عديدة، وتنتقل من جيل إلى آخر، ومن الممكن أن تؤدي إلى اندلاع أعمال العنف في أي لحظة. ومن بين أمور أخرى، أكد الصراع وجود إمكانية كبيرة للتعبئة السياسية، والتي لا يزال يتمتع بها الشتات الفلسطيني في العالم العربي (وليس العربي فقط).
ويجب ألا ننسى أنه لا يوجد في الشرق الأوسط فلسطينيون فحسب، بل توجد أيضًا مجموعات من اللاجئين السوريين والعراقيين واليمنيين والأفغان وغيرهم من اللاجئين. لن تستمر كل هذه المجموعات في الضغط على البنية التحتية الاجتماعية في البلدان المضيفة فحسب، بل ستساهم أيضًا في التطرف السياسي في المجتمعات المضيفة. ومن وجهة النظر هذه، فإن تهجير جزء كبير من سكان غزة إلى شبه جزيرة سيناء، إذا تمكنت إسرائيل من تحقيق هذا الهدف بطريقة أو بأخرى، سيعني توليد مخاطر في مرحلة ما لرؤية تحول مصر بأكملها إلى “غزة كبيرة”.
وستؤدي الأزمة الحالية حتما إلى مزيد من ترسيخ التشوه القائم في الأولويات الوطنية لبلدان المنطقة. في ظل الظروف الحالية، سوف تضطر النخب السياسية في الدول العربية إلى إعطاء القضايا الأمنية أولوية غير مشروطة على جميع القضايا الأخرى المدرجة على الأجندة الوطنية. فمن الممكن ليس فقط زيادة ميزانيات الدفاع في العديد من دول الشرق الأوسط، بل وأيضاً تعزيز المواقف السياسية للقوات المسلحة وغيرها من قوات الأمن. ومع ذلك، فإن العديد من التحديات التنموية – من النمو الديموغرافي السريع والتوسع الحضري غير المنضبط إلى الفساد المستشري وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية – لن تختفي. على العكس من ذلك، فإن العديد منها سوف يتفاقم بسبب العواقب السلبية على المنطقة من الوضع العسكري – السياسي العام في العالم، وعمليات الاحتباس الحراري، والنقص المتزايد في المياه العذبة والغذاء.
وبناء على ذلك فإن الضغوط التي تمارسها منطقة الشرق الأوسط على العالم الخارجي ـ سواء على الجيران المباشرين أو الأبعد ـ سوف تشتد بطريقة أو بأخرى. ومن المؤسف أنه من الممكن أن نتوقع، بقدر كبير من الثقة، أن الشرق الأوسط سوف يظل أحد المصادر الرئيسية لتدفقات المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود، فضلاً عن الإرهاب الدولي بأشكاله المختلفة.
في السيناريو الأسوأ لمسار الحرب في غزة (عملية طويلة الأمد تسبب خسائر فادحة في صفوف السكان المدنيين)، من الممكن التنبؤ بترسيخ الأفكار، في الوعي العام لشعوب المنطقة حول هذه القضية، بأن السياسة العالمية بمثابة مواجهة لا نهاية لها بين الغرب “المسيحي” الغني والشرق “الإسلامي” الفقير – مع ما يترتب على ذلك من عواقب سياسية على العلاقات بين دول الشرق الأوسط وشركائها الغربيين.
وفي الوقت نفسه، ليس هناك شك في أن الدور السياسي والاقتصادي للمهاجرين الشرق أوسطيين في حياة العديد من البلدان، وفي المقام الأول الأوروبية، سوف ينمو. ولأن المجتمعات العربية الإسلامية أضخم كثيراً وأفضل تنظيماً في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، فإن الأزمة الحالية قد تكون أحد العوامل التي تعمل على تقويض وحدة الغرب. علاوة على ذلك، فقد ظهرت بالفعل خطوط الاختلاف الأولى في العلاقات عبر الأطلسي فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
على الرغم من أن الأزمة الحالية قد يكون من نتائجها قفزة قصيرة المدى في الأسعار العالمية للنفط والغاز، إلا أن أداة النفوذ التقليدية لدول الشرق الأوسط على الاقتصاد والسياسة العالمية من غير المرجح أن تكون فعالة على المدى القصير والطويل.
وعلى أية حال، لن يكون من الممكن تكرار سيناريو “الحظر النفطي” لعام 1973 بسبب حقيقة أن جغرافية أسواق الطاقة العالمية قد تغيرت بشكل جذري خلال نصف القرن الماضي. وأيضًا لأنه من غير المرجح أن يكون من الممكن داخل أوبك تحقيق مستوى الوحدة الذي تمكنت المنظمة من إظهاره قبل نصف قرن. في المستقبل، سوف تتراجع الفرص السياسية والاقتصادية لدول المنطقة المرتبطة بتصدير النفط والغاز بشكل أكبر مع تحرك الدول الغربية والصين والهند على طريق “التحول إلى الطاقة النظيفة”. وهذا التقدم، وإن كان بطيئا وغير متسق دائما، سوف يثير حتما مسألة إيجاد مكان جديد لمصدري النفط والغاز العرب في التقسيم الدولي للعمل.
لقد أظهرت الأزمة الحالية بوضوح فشل استراتيجية واشنطن طويلة المدى، التي كانت تهدف إلى دفع المشكلة الفلسطينية إلى خلفية السياسة الإقليمية، واستبدالها بمهمة خلق جبهة موحدة بين إسرائيل ودول الخليج العربي الرائدة في المواجهة مع ايران.
وبطبيعة الحال، ستواصل الولايات المتحدة محاولاتها الحثيثة لإعادة المنطقة إلى “اتفاقيات ابراهام”، لكن الصراع أظهر أنه لن يكون من الممكن إزاحة البعد العربي – الإسرائيلي بالكامل من سياسات الشرق الأوسط، واستبداله ميكانيكياً بالبعد العربي – الإيراني. إن التقارب الإسرائيلي مع الممالك العربية في الخليج، على الرغم من أنه يخدم العديد من المصالح الموضوعية للطرفين، إلا أنه سوف يتباطأ حتماً، بل وسوف يتراجع في بعض النواحي. وهذا يعني أن واشنطن سوف تضطر إلى إعادة إثبات حقها في أن تكون لاعباً خارجياً «لا غنى عنه» في المنطقة، في حين أن الانخراط الاستراتيجي الأميركي في شؤون أوروبا وشرق آسيا سيمنع بلا شك الاستراتيجيين الأميركيين من التركيز على الشرق الأوسط.
لا شك أن الأحداث التي تجري في غزة وما حولها تخلق مشاكل جديدة، وخاصة بالنسبة لإدارة جوزيف بايدن، التي، بعد أن أعلنت دعمها غير المشروط لإسرائيل، تجد نفسها مضطرة إلى تحذير إسرائيل من الاستخدام المفرط للقوة العسكرية. إن المحاولات الرامية إلى التوصل إلى خط متوازن في الصراع الدائر سوف تثير حتماً انتقادات داخلية من اليسار، من جانب الأميركيين الداعمين لفلسطين، ومن اليمين – من جانب أولئك الذين يدعون إلى دعم أكثر قوة لحليف أميركا الإسرائيلي. وفي ظل ظروف غير مواتية، قد تكلف الأزمة الحالية الديمقراطيين الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2024. لكن أي إدارة جديدة سوف تواجه حتماً حقيقة مفادها عدم وجود إجماع وطني داخل الولايات المتحدة بشأن حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
إن الوضع الجيوسياسي العام المعقد في العالم سيفرض حتماً خلفية سلبية إضافية على الأحداث التي تجري في المنطقة. إن احتمالات استئناف عمل اللجنة الرباعية للشرق الأوسط أو أي آلية تمثيلية أخرى متعددة الأطراف للتسوية الإسرائيلية – الفلسطينية في الظروف الحالية تقترب من الصفر.
كما لا يوجد أي أمل في الاتفاق على قرارات جديدة بشأن فلسطين داخل مجلس الأمن الدولي، وهو ما أظهرته التجربة الأخيرة في مناقشة مشاريع القرارات الروسية والبرازيلية بشأن الوضع في غزة في مجلس الأمن. ومن المرجح أن يظل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وكذلك الجمعية العامة، بمثابة منصة للصراع الإعلامي والدعائي المكثف بين القوى العظمى، وسوف تحتفظ منطقة الشرق الأوسط بمكانتها كساحة للتنافس الجيوسياسي بين هذه القوى.
ورغم أن لا أحد يريد حرباً كبيرة في المنطقة، فلا أحد مستعد لتقديم تنازلات جوهرية لخصومه الجيوسياسيين. ليس من الصعب أن نستنتج أن هذا الظرف سيكون له تأثير معقد على الديناميكيات المعقدة بالفعل للعمليات السياسية داخل المنطقة.
وفي نفس الوقت، لا يمكن استبعاد أن الصراع الحالي قد يؤدي بشكل غير متوقع إلى ظهور بعض الفرص الجديدة بشكل أساسي لتحقيق استقرار الوضع في المنطقة.
على سبيل المثال، قد تؤدي الحرب في غزة إلى التعجيل بتغير الأجيال مستقبلا في النخب السياسية في إسرائيل وفلسطين. إن خروج بنيامين نتنياهو (الذي سيبلغ من العمر 74 عاماً في تشرين الأول/أكتوبر) ومحمود عباس (الذي سيحتفل بعيد ميلاده 89 في الربيع) من المشهد السياسي يمكن أن يعطي زخماً جديداً للخطط القديمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومن ناحية أخرى، فإن تحسن العلاقات بين إيران والسعودية يمكن أن يكون عاملاً يساهم في ضبط النفس لدى حزب الله اللبناني وغيره من الجماعات العربية المتحالفة مع إيران في الصراع الحالي. ومن الممكن أن يكون لجهود المصالحة الوطنية الناجحة في أماكن أخرى من العالم العربي، مثل اليمن أو ليبيا، بعض التأثير الإيجابي، وإن كان غير مباشر، على الوضع في فلسطين.
ومع ذلك، فإن معظم “البجعات السوداء” التي قد تظهر في المنطقة في المستقبل القريب، من المرجح أن تتحول إلى أعباء إضافية، وليس فرصًا جديدة للتسوية الإسرائيلية الفلسطينية.
(مصطلح “البجعة السوداء” يستخدم لوصف الكوارث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لا يمكن التنبؤ بها-المترجم).
على أية حال، فإن رد الفعل النشط والواسع والعاطفي للغاية من جانب المجتمع الدولي على الأحداث التي تجري اليوم في قطاع غزة يظهر أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما كان الحال قبل عدة عقود من الزمن، لا يزال يمثل مشكلة دولية معقدة، ومشكلة لا تقتصر فقط على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على المستوى الإقليمي، ولكن أيضًا على المستوى الدولي. وبناء على ذلك، فإن حلول هذه المشكلة يجب أن تكون دولية، وليس إقليمية فقط. وعلى الرغم من أن مثل هذه الحلول الدولية غير مرئية في الوقت الحالي، إلا أن هذا لا يعني عدم البحث عنها.
________
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
https://www.facebook.com/kanaanonline/
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
