منذ 7 تشرين الأول 2023 والعالم منشغل في تداعيات هذا الحدث التاريخي باستثناء الحكام العرب خاصة، ومعظم إن لم نقل حكام الدول الإسلامية، بينما اليمن كدولة عربية خارج الطرفين.
لقد اخترت مواقف أربعة أطراف من الصراع العربي الصهيوني لتوفير ضوء للقارئ/ة على خطاب الأعداء الذي هو نفسه رغم اختلاف الزمن والموقف والموقع، ولتتم المقارنة مع حكام أل 57.
1) ديفيد بن غوريون:
لفت نظري من اقواله ما يلي:
” يقول موشيه شاريت ان بن غوريون وزمرة ضباطه، كما يسميهم هو نفسه، يعتقدون بان حالة الحرب المستمرة وحدها هي التي يمكنها تحويل بقايا/شتات المهاجرين (يقصد المستوطنين-ع.س) الى الرجل العبري الجديد. (البعض يترجمها إلى “اليهودي الجديد-ع.س)
ويقول شاريت: في تفكير بن غوريون والضباط: إسرائيل ليست قلقة لا دوليا ولا اقتصاديا، أي مستريحة. قضية السلام لا وجود لها. ما يحصل في المنطقة والعالم ليس أمراً ذي علاقة في نظرهم، على الدولة ان ترى الحرب كمبدأ او ربما هي الوسيلة الوحيدة لزيادة الرفاه والحفاظ على التوتر الاخلاقي (يقصد بالتوتر هنا النشوة الأخلاقية-ع-س). … ان العمليات الانتقامية هي اكسير الحياة … انها تساعدنا على الحفاظ على التوتر المدني والعسكري. وبدونهما فإننا لن نكون امة محاربة وبدون نظام محارب فإننا سنضيع… ولهذا السبب/الغرض فان بوسعنا خلق مخاطر، وفي الحقيقة فان علينا بل نحن ملزمين بذلك. أعطنا حربا مع البلدان العربية وحينها فان مختلف المخاطر ستنتهي. … ان بن غوريون نفسه كان قد تفوَّه ذات مرة بان علينا إيجاد عربي ندفع له مليون ليرة ليشنَّ علينا في النهاية حربا. Sharet, 1978: vol. iii , pp.1021-2)
وحتى قبيل الاطلاع على مذكرات شاريت الشخصية، Aronson & Horowitz ارنسون وهوروفيتس 1971) قد تكهن بالروحية نفسها وجادل تحديدا بان الوظيفة الكامنة لإسرائيل بالعمليات الانتقامية هي للمساعدة على كل من اندماج الجماهير المهاجرة (أي المستوطنين –ع.س) وزيادة دعمهم ل بن جوريون وحكومته”. (ص 102 من كتاب:
The Global Political Economy of Israel by Jonthan Nitzan and Shimshon Bichler. Pluto Press London. Steerling. Virginia, 2002
تعقيب:
يكشف هذا الحديث عن مدى اغتباط بن غوريون بوضع الكيان ودوره في حينه طبعاً. وفي الحقيقة، هذا النمط من التفكير هو عنصري ولكن بالتأكيد لا تاريخي بمعنى أنه يعتقد بأن الفلسطينيين والعرب لن تقوم لهم قائمة وخاصة إذا ما واصل الكيان العدوان ضدهم كي لا ينهضوا ولا حتى يعترضوا. إنه مشروع الاستنزاف المتواصل وإلى الأبد أو العيش على حد السيف.
ولعل هذه قناعة هنري كيسنجر الذي قال: قبيل اكتوبر 1973 لم نتوقع إطلاقاً أن العرب سوف يجرؤون على القيام بحرب ضد “إسرائيل” ولذا مدَّ الكيان بجسر تسليحي بكل ما لدى امريكا من سلاح وذخائر. وهنا، لم يكن لا بن غوريون ولا كيسنجر أغبياء فهم قد بنوا موقفيهما على الطبيعة الطبقية للأنظمة العربية التي هُزمت 1948 و1967. ولكنهما جَهلا أو تجاهلا الأنظمة قومية الاتجاه في سوريا ومصر خاصة وبمساعدة الجزائر والعراق التي قامت بحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. هذا يعني أن العنصري هو لا تاريخي. ولكن كما نعلم اصر الرئيس المصري الأسبق على تكريس اعتقاد بن غوريون وكيسنجر! ولكن كيسنجر غيَّر توجهاته بعد حرب أكتوبر 1973 حيث أخذ الصراع إلى الدبلوماسية ليس لأنه عبقري كما يزعم ربكا الجميع، بل لأنه تمتع بدرجة من الذكاء التقطت جاهزية عدداً من الحكام العرب للخيانة. ولا شك بان الاستنقاع في التبعية طويلا وطبقيا بالطبع توصل إلى استدخال الهزيمة فالخيانة.
2) ماذا قال ترامب مؤخرا؟
في خطاب له عن ترشحه مجدداً وتسويق نفسه محلياً ولدى اللوبي الصهيوني والكيان قال ما يلي:
“…إنهم يهدفون تدمير بلدنا، تواجهنا مخاطر المهاجرين من الحدود ومن الداخل. في عهد بايدن
أصبحوا يتظاهرون في الجامعات. لن نسمح بهذا لن نكون كأوروبا حيث الجهاديين في كل زاوية، لا نريد ان نكون مثل لندن وباريس. كرئيس لن اسمح بتدفق اللاساميين الى امريكا كما فعلت سابقاً حيث أبقيت الجهاديين خارج بلادنا لأنهم يريدون تفجير بلادنا شوارعنا ومراكز التسوق. في أربع سنوات لم يحصل هذا لانني ابقيتهم خارج بلادنا
اذا كنتم تكرهون امريكا وتريدون محو اسرائيل كجهاديين نحن لا نريدكم في بلادنا لن تدخلوا بلدنا سألغي التأشيرات لحماس وداعميها فهم يحتلون الحرم الجامعي سنمنعهم عام 2025 ونطردهم.
أغمض بايدن عينيه عن نشاط اللاسامية، انا اقول لأصدقائي اليهود الا ترون ما يحصل؟ أصدقائي اليهود مرتعبين: اولادهم يخافون الذهاب للمدرسة لم نرى هذا من قبل!
لم نكن نرى رشيدة طليب والهان عمر وهما تشنان حملة مفتوحة ضد اسرائيل لم يحصل هذا من قبل.
مستشار بايدن لا يعلق على طغيان الغوغاء في الشارع، كرئيس سأحمي مواطنينا اليهود من هؤلاء المجانين واليسار المتطرف الذين ينتهكون القانون ويمارسون العنف ويخرقون القانون سأضع قانوناً ضد اللاسامية. سأمنع تمويل اية جامعة رئيسها يحتضن داعمي ارهابيين في امريكا. على الجامعات والكليات منع اللاساميين والارهابيين فهم بلا قيود ولا رقابة لم نرى هذا قبلا، لن نسمح لهم بأي فلس ولا بقروض طلابية.
لقد مزقزا بوسترات المختطفين الاسرائيليين، ودمروا تماثيل ابطال امريكا واخترقوا حدودنا
امريكا واسرائيل تمثلان الحضارة الغربية هؤلاء يريدون تحطيمهما هؤلاء الذين يصرخون الموت لإسرائيل الموت لأمريكا.
لذا على داعمي اسرائيل وامريكا ان يتماسكوا يجب ان تكون لدينا حدوداً قوية أُسرة قوية جيش قوي ثقافة قوية ورئيس قوي.
حينها لن تكون هناك مهاجمة لاوكرانيا ولا اسرائيل ولا تضخم اقتصادي.
تعقيب:
لا يمكن لترامب ان يقول كل هذا لولا أن أل 57 دولة عربية وإسلامية ران عليها صمت القبور. لم تتصدى اياً منها لما قام به كل الغرب ضد غزة والضفة الغربية. لقد غدت المذبحة مجرد فيلم قديم عن عالم افتراضي. لم تقم اية دولة بطرد سفراء الغرب بينما الغرب وقف مع الكيان وقفة عدو واحد ولم تقم أية دولة بالطبع بالسماح للشعب بضرب مصالح/مستعمرات الغرب في داخل بلدانهم!.
ترامب الذي قال لمحمد بن سلمان: “لولا حمايتنا لكم لا تصمدوا أسبوعين” ولم يجرؤ بن سلمان على فتح فمه، ولا نعتقد أن أحداً أفضل منه بين هذه الأنظمة!.
خطاب ترامب موجه للكيان واللوبي الصهيوني، ولجمهوره هو، وهذا دأب كل رئيس أو مرشح رئاسة أمريكي وينطبق على كل رئيس أو مرشح رئاسة للكيان.
3) تصريح نتنياهو:
“رفض رئيس وزراء “إسرائيل” أية محاولات لإقامة دولة فلسطينية عندما تنهي إسرائيل هجومها على غزة، وقال بأن جميع الأراضي غرب نهر الأردن ستكون تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
لقد سعى بنيامين نتنياهو إلى عرقلة إقامة دولة فلسطينية طوال مسيرته السياسية، على الرغم من بعض التأييد البارد لهذه الفكرة بين الحين والآخر. وقال طالما أن ارئيس وزراء لن تُقام دولة فلسطينية.
إلا أن بيانه العلني يوم الخميس (19 كانون ثانٍ 2024) ، على العكس من ذلك، كان يمثل أقوى رد له على السياسة الخارجية الأمريكية في وقت قامت فيه إدارة بايدن بتوظيف رأسمال سياسي داخلي ضخم لدعم “إسرائيل” عسكرياً وفي المنتديات الدولية.
رد البيت الأبيض بالقول إن الولايات المتحدة ستواصل العمل نحو حل الدولتين وأنه لا يمكن أن يكون هناك إعادة احتلال إسرائيل لغزة عند انتهاء الحرب.
وقال مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية بعد خطاب نتنياهو: “ستكون هناك غزة بعد النزاع، ولن يكون هناك إعادة احتلال لغزة.”
تعقيب:
هل وضوح نتنياهو هذا نتيجة لتخوفه من انفراط حكومته وبالتالي مواصلة محاكمته؟ لا أعتقد أن هذا هو السبب الجوهري، فلو كان ذلك كذلك حقاً لتم إسقاط الحكومة. فهو مدعوم من معظم الشارع الصهيوني سواء:
· الدينية الصهيونية اي هو وحلفاؤه
· والصهيونية الدينية اي منافسيه.
وهو مدعوم من الإدارة الأمريكية التي تستخدم حل الدولتين كحلوى وهمية لإثارة شهية أو التغطية على تهافت الأنظمة العربية خاصة والإسلامية عامة. إن موقف نتنياهو هو بالضبط موقف بن غوريون وكيسنجر.
لكن الفارق هو أن نتنياهو عاش زمن انكسارات الكيان وليس زمن الانتصارات التي لم يحققها الكيان لولا أن الغرب خلقه ويحارب نيابة عنه. يحاول نتنياهو العودة إلى زمن بن غوريون حيث يخرج الكيان في عدوان برِّيْ ويجلد خارج المحتل 1948 ويعود، أو كما درج في شارع الكيان عام 1067: “دخلت الدولة حربا وانتهت ولم نشعر بها”. أما اليوم، فباستثناء العدوان ضد غزة، والبطش في الضفة الغربية، فإن الكيان يهاجم من الجو.
شاء نتنياهو أم ابى، تغير الوضع منذ 1973 وخاصة 2023، ولكن ما يدعمه هو تهافت أنظمة ال 57!
4) ريتشارد وولف:
هنا سأضع تعقيبي ضمن فقرات النص.
وهذا أكاديمي “ماركسي” لنرى ماذا قال في حديث خاص معه قام على سؤال المسألة الطبقية في الصراع العربي الصهيوني.
بدأ الحديث ب: هل هناك تحليل طبقي للصراع بين “إسرائيل ” والفلسطينيين؟: طبعاً لا ينطق السؤال بان الصراع عربي صهيوني!
سُئل هل “إسرائيل ” مشروع مستوطنين أم مهاجرين؟
لكن ريتشارد وولف قفز عن التاريخ، أي قفز عن الحقيقة! فلم يقل أن المستوطنين اليهود اغتصبوا المحتل 1948 ولاحقاً 1967! اقول قفز لأنه بلا شك يعلم ذلك لا سيما أن والديه يهوديان كما قال.
ولذا، بدأ حديثه بأن من مؤسسي الكيان ماركسيين واشتراكيين حاولوا إقامة دولة اشتراكية وخاصة ب الكيبوتصات.
وهو هنا يتورط في نزع الجوهر الصهيوني عن هؤلاء لأنهم كانوا “اشتراكيين” صهاينة، سواء بير بوروشوف ولاحقاً شلوموا افنيري ثم نوعام تشومسكي. فلا يمكن لاشتراكي او ماركسي أن يغتصب أرض شعب آخر حتى لو حاول إقامة نظام اشتراكي فهو سارق ومغتصَب! أي رأسمالي تماماً. (أنظر عن هؤلاء الماركسيين الصهاينة الفصل الثالث من كتابنا:
Arab’s Regime Arab”s Enemy و
وكتابنا الذي سيصدر خلال ايام:
العـروبـة في مواجهـة: الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي
لقد تجاهل وولف الاقتلاع والخرافات التوراتية كإيديولوجيا مؤسِّسة للكيان.
كما هرب من حقيقة أن المستوطنين اليهود أتوا ليسوا كمهاجرين عاديين ليعيشوا ضمن سلطة البلد الذي غزوه، بل أتوا بمشروع إقامة دولة وطرد أهلها. وولف تجاهل كل هذا! وكأن التحليل الطبقي يسمح بكل هذا الهروب!
ولا شك أن وولف يعرف أن الصهاينة كانوا يعطون الأولوية لمستوطنين أغنياء كما ورد في كتاب The Other Israel لأرييه بوبر وماخوفر عام 1972 وهو من أدبيات حركة ماتسبين المنحلة، وبالطبع لاحقاً جلبوا فقراء ومتوسطي الحال اي برجوازيين صغاراً أو ما يسمى الطبقة الوسطى، كما استغلوا العمل العربي حين الحاجة متخلِّيْن عن إصرارهم على العمل العبري. كل هذا تحليل طبقي لم يتناوله وولف “الماركسي”.
ثم يقع وولف في خطيئة غريبة حيث يستغرب أن الكيان ربط نفسه بالإمبريالية وليس ب “بريكس”! وهو هنا يبتعد عن التحليل الطبقي بمعنى أن طبيعة ووجود واستمرارية الكيان هي رأسمالية وبأن الرأسمالية بتوحشها المنفلت هي في الغرب. هذا دون أن يقول بأن ال بريكس هي ايضا رأسمالية. كما غاب عنه أن الكيان يقفز، إن تمكن، إلى كل حضن.
كان وولف صحيحاً حين اشار بأن امريكا بنت نفسها على العبيد والتطهير العرقي وبأن الكيان فعل هذا ولا شك سيدفع ثمنه في غزة. لكنه لم يمد ذلك على كل فلسطين.
كما اشار، بل زعم، وجود يسار في الكيان؟ وهنا يتقاطع جزئيا مع فزَّاعة ترامب بوجود يسار في امريكا أي يسار فعَّال، طبعا ترامب ضد ذلك اليسار، بينما وولف يتعاطف معه.
في رده على حل الصراع، لم يقدم تصوره، وربما معه حق في ذلك لأن الأحداث هي التي تتحدث، ولكنه لجأ إلى الموقف الإنساني العام بقوله:
“الذبح من ناس لناس هو غير عادي” لكنه انتكس حينما قال:
“ما الذي يدفع شخص للقتل كما فعلت حماس، ماذا تفعل “اسرائيل؟”
وهنا عقد مساواة بين حماس والكيان! وبدأ بإدانة حماس حتى في ما لم تفعل معتبراً إنجاز 7 تشرين إرهاباً، ولكنه خان التاريخ حين تجاوز عن خمس وسبعين عاما من تشريد الشعب العربي الفلسطيني.!
لقد انتقد قيام الكيان بالعمل على “أخذ” أرضاً أكثر دون أن يقول بأن كل ما اخذته هو ليس لها!
ثم يقول: “هذا الضغط ادى للانفجار على شكل ما قامت به حماس، إن افعال حماس هائلة ان كان هذا هدفهم فقد نجحوا… إن اسرائيل تقوم بمحرقة كالتي حصلت لليهود”.
في الحقيقة لم يكن هدف حماس هو ما نسبه لها، لكن الخلل لديه أنه اجتزأ مآل المحرقة. فالكيان الذي عانى أجداد بعض مستوطنيه من المحرقة المشتدة قام ضد شعبنا بمحرقة ممتدة واليوم يمارس ايضاً المحرقة المشتدة.
في نقده لأمريكا زعم أنهم في “إسرائيل يعترضون على الحرب” بينما في أمريكا لا. وهذا غير صحيح، فالاعتراض على الحرب في الكيان هو هامشي وعلى الأغلب ديكوري لأن الأغلبية الساحقة هم مع الحرب بينما في امريكا هناك مظاهرات واسعة ضد هذه الحرب على الأقل.
ورغم أن اساس المقابلة هي المسألة الطبقية إلا أن وولف لم يتعرض للبنية الطبقية الرأسمالية الكمبرادورية التابعة للأنظمة العربية خاصة والإسلامية عامة والتي هي ضد المقاومة وتخشى انتشار زخم المقاومة إلى رعاياها المقموعين!
وللأسف يقع في نفس اُحبولة اتهام اي طرف عربي يدعم المقاومة بأنه أداة/وكيل إيراني وخاصة حين يقول “الحوثيين” ولا يقول اليمن. وبهذا يُجرِّد أصل العرب من عروبته! فأي إفتآت على التاريخ والحاضر. إنه ممن لا يرى العرب إلا كأدوات.
هذا أكاديمي “ماركسي” نظرياً، وخاصة في تحليل السياسة الدولية والنظام العالمي، ولكن، حين يصل الأمر إلى الكيان يتلكأ، ويدور حول نفسه للخروج بصيَغْ غامضة وفي أحسن الأحوال يساوي بين حماس والكيان

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
✺ ✺ ✺

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.