التراكم الرأسمالي ومصادر ثراء الدولة الأمريكية!  سلام موسى جعفر

لنفترض أن شخصاً ما أراد القيام بمشروع إنتاجي. أول ما سيفكر به ويعمل عليه، بعد دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، هو تدبير الرأسمال اللازم لتشغيل مشروعه، سواء قام هذا الشخص بتدبيره عن طريق التوفير أو الإرث أو بيع أراضٍ أو الاقتراض أو السرقة أو الاختلاس. المهم تدبير رأسمال سيحتاجه لاستئجار أو شراء قطعة أرض لكي تُشيد عليها المباني. وكذلك يحتاجه لشراء الآلات ولدفع أجور العمال والإداريين. وبطبيعة الحال فإن هذا الشخص لن يُغامر بهذا الرأسمال لوجه الله تعالى، إنما لأجل الربح. هذا ما حدث عند انتشار أسلوب الإنتاج الرأسمالي في أوروبا الغربية.

من البديهيات المعروفة في علم الاقتصاد أن دورة الإنتاج في مشروع رأسمالي ما يُفترض أن تُثمر عن منتوج أكبر من الرأسمال الموظف. بتكرار الدورة يحدث ما يُسمى بالتراكم الرأسمالي، ويُفترض نظرياً أن يكون هذا التراكم هو مصدر الثراء الرأسمالي في بلدان المراكز، أكرر نظرياً.

حسب الاقتصاد الماركسي، فإن مصدر التراكم الرأسمالي يأتي من فائض القيمة الذي تخلقه قوة عمل العمال في مشروع إنتاجي. ربما نحتاج إلى التذكير بهذا المصدر لاحقاً.

إلا أن ما حدث في الواقع غير ما كان يُفترض حدوثه في النظرية، لأن آلية دورة الإنتاج الرأسمالي لم تحدث بمعزل عن السوق وقوانينه وتأثيراته، وكذلك لم تحدث بمعزل عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للدولة. التراكم الرأسمالي ارتبط منذ باكورة انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية بالاستكشافات الجغرافية (الاستعمار) وبالتجارة الدولية (نهب المستعمرات) وهذه الصلة هي التي تُفسر لنا، بصورة جلية، أسباب اختلاف مستوى التطور الرأسمالي بين البلدان الرأسمالية نفسها، وكذلك أسباب نشوء مراكز رأسمالية ثرية تتبعها بلدان رأسمالية أضعف. كما تفسر لنا أسباب تبعية اقتصاد بلدان الأطراف إلى المراكز الرأسمالية.

سطوري التالية ستبحث في طبيعة تراكم الرأسمال في أمريكا وعن مصادر الثراء أولاً في مرحلة بناء الدولة ومن ثم في مرحلة صيرورة الدولة الأمريكية إمبراطورية ثرية كما نعرفها حالياً.

في البداية لنلقِ نظرة على حال الاقتصاد الأمريكي بصورة عامة.

على الرغم من العجز الدائم في الميزانية الأمريكية، وحجم الديون الكبير، وعلى الرغم من وجود مؤشرات قوية على تراجع نمو الاقتصاد الأمريكي وبالتالي احتمال حلول الصين محل الولايات المتحدة الأمريكية كأقوى اقتصاد في العالم، إلا أن هذا الاحتمال يبقى مجرد فرضية تعتمد على النمو الطبيعي المُجرد للاقتصاد العالمي دون تأثير المتغيرات المُتسارعة في الأوضاع الجيوسياسية في العالم. وحتى ذلك التاريخ، قَرب أم بَعد، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تبقى هي المتربعة على عرش الثراء دون منافس. فما زال اقتصادها يمتلك حتى اليوم ما يكفي من أدوات التحكم والتدخل الاقتصادية، على المستويين المحلي والعالمي، مدعومة بطبيعة الحال بقرارات سياسية تستند على قوة عسكرية كبيرة.

من المعروف أن علاقات الإنتاج الرأسمالية تنمو في أحشاء الإقطاعية وتُولد طبيعياً أم قسرياً من رحمها. وهذا ما حدث تاريخياً في بلدان أوروبا الغربية أولاً، ثم بعد ذلك انتقل كأسلوب إنتاج إلى سائر أنحاء العالم. ومن بينها إلى المستعمرة البريطانية القديمة التي تحررت من الاستعمار واستقلت سياسياً، لتصبح في فترة زمنية قصيرة إمبراطورية قوية نتيجة توسعها المتواصل على حساب الدول والإمبراطوريات الأخرى، وغدت اليوم أخطبوطاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مُخيفاً مد أرجله إلى كل بقاع العالم.

كتبتُ في السطور الأولى من أن إطلاق مشروع إنتاجي رأسمالي في أوروبا في بدايات العصر الرأسمالي تطلب توظيف رأسمال كان يجب تدبيره بمختلف السبل من قبل المُستثمر.

ما ميز الإنتاج الرأسمالي في أمريكا عنه في أوروبا هو الاستثمار المجاني: مجانية رأسمال الموظف، مجانية الأرض، ومجانية قوة العمل. رأسمال جرى الاستيلاء عليه عنوة عن طريق القرصنة ونهب ثروات السكان الأصليين من ذهب وأراضٍ على أيدي المستوطنين البيض. أما قوة العمل فقد وفرها عمل العبيد مقابل وجبة غذاء بسيطة.

وما دام الاستثمار مجانيّاً فإن حجم التراكم الرأسمالي في أمريكا لا بد أن يكون أكبر منه في البلدان الرأسمالية الأخرى. فاذا كانت قوة عمل العامل المشتراة بأجر مُحدد في مشروع رأسمالي هي التي تخلق فائض القيمة، كما أسلفت، والأخير هو الذي يخلق تراكم رأسمال، فكيف سيكون عليه حجم التراكم الرأسمالي في مشروع لا يدفع أي أجور مُقابل قوة العمل؟ ليس هذا فحسب، بل أيضاً، لا يدفع مقابل الأرض ولا يدفع أجوراً لبناة المنشآت؟

الجذور

في مقال سابق كتبت أن الشركات الأمريكية هي التي أسست الدولة الأمريكية. فإذا كانت الرأسمالية الأمريكية قامت على فكرة الاستثمار المجاني لأملاك الآخرين، فإن الدولة الأمريكية انتهجت نفس الفكرة.

الاستثمار المجاني لأملاك الآخرين هي عبارة مُلطفة لتوصيف النهب والاستغلال، جذورها تمتد إلى مرحلة بداية الهجرة إلى أمريكا، وشيدت فكرة الاستثمار المجاني الأساس الأخلاقي للمجتمع الأمريكي حتى يومنا هذا. وتبدت في ثلاث ظواهر معروفة:

1. الاستثمار المجاني لثروات الآخرين عن طريق القرصنة.

أساسها الاستيلاء بالقوة على ممتلكات الآخرين من أراضٍ وثروات عائدة لأفراد أو قبائل وشعوب سكنت الأرض الأمريكية قبل الهجرة الأوروبية إليها. وتُوجت بالقرصنة حتى على ممتلكات دول وإمبراطوريات سابقة لقيام الدولة الأمريكية، ومنها إمبراطوريات رأسمالية. والقرصنة في الموروث الأمريكي تكتسب شرعيتها الأخلاقية على أساس أن المنفعة والنجاح هما مقياس الشرعية. ولقد تبنت الدولة الأمريكية في علاقتها مع العالم فكرة قرصان القراصنة مورغان مؤسس البنك الشهير “مورغان” من أن الذكي لا يُشغل نفسه بالإغارة على السفن التجارية، بل بالإغارة على سفن القراصنة العائدين بأكداس الغنائم بعد غاراتهم على السفن، ثم يستولي على ما فيها بضربة واحدة. ولهذا، الدولة الأمريكية لم تُشغل نفسها بغير ثروات الدول المهزومة في الحروب وموجودات بنوكها. ولعل إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون غنائمها من الدول والإمبراطوريات المهزومة في الحرب العالمية الأولى على شكل موجودات البنوك من ذهب ونفائس، مثال على سلوك القرصنة، مع أن ضحاياها من الجنود نتيجة مُشاركتها المتأخرة في الحرب أقل من ضحايا جيش أي دولة أوروبية مُشاركة.

2. الاستثمار المجاني للتراث الفكري والعلمي للبشرية.

يعود الفضل في التقدم العلمي والتقني الذي شهدته وتشهده الولايات المتحدة الأمريكية إلى هجرة العقول الجاهزة إليها من كل الأنحاء، قبل قيام الدولة الأمريكية وبعد قيامها. بهذه الهجرة تكون دولة الولايات المتحدة الأمريكية قد حصلت مجاناً على كنوز غنية من التراث الأدبي والعلمي وحصيلة جاهزة من تراث فكر الإنسانية جمعاء.

3. الاستثمار المجاني لقوة عمل العبيد.

ليس خافياً على أحد أن بناء الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وازدهاره قام على أساس عمل العبيد المجاني الذي يُعَدُّ أحد أوجه التباين العديدة ما بين نشوء وتطور الرأسمالية في الأراضي الأمريكية عن مثيلاتها في أوروبا. فعمل العبيد كما هو معروف مجاني ولا يتطلب غير زريبة لإيوائهم ليلاً ووجبة غذاء واحدة في اليوم. وهذا يعني بلغة الاقتصاد فائض قيمة أكبر وبالتالي تراكم رأسمالي أكبر.

ولعل التذكير بما كان يفعله ربابنة السفن التي تنقل “قطعان العبيد” من أفريقيا أكداساً كالبضائع، يُعطينا صورة عن جذور نشأة الوعي الأخلاقي للمجتمع الأمريكي. فالعبد الأفريقي يُرمى في البحر حال تعرضه للمرض وهو على ظهر السفينة، لأن كُلفة علاجه أعلى من سعر بيعه في السوق.

ما بعد الجذور

للاقتصاد قوانينه المُفترض أنها موضوعية، لكنها ليست مُستقلة ولم تكن يوماً بعيدة عن القرارات السياسية. وقد تجلى عدم الاستقلالية بوضوح في القرن الماضي والحالي. وصار لقرارات البنوك المركزية وأدوات التحكم التي تملكها وكذلك لقرارات الحكومة السياسية تأثير على الوضع الاقتصادي أكثر من تأثير قوانين السوق في أغلب الأحيان. بل ألقت ظلال الشك على موضوعية القوانين الاقتصادية. وفي مرحلة العولمة انصهر الرأسمال الإنتاجي بالرأسمال المالي الذي بات هو المتحكم في النمو الاقتصادي ومارس المضاربة في أسواق الأسهم والمال والعقار، مما أنتج ظاهرة “الفقاعة” فقاعة ارتفاع سعر العملة، فقاعة ارتفاع سعر العقارات والأراضي وغيرها. أي أن النمو الاقتصادي أصبح معرضاً للانهيار في أي لحظة لكون الفقاعات مُعرضة للانفجار لأبسط تغيير، كما حدث في أزمة 2008.

لا تعتمد قوة الاقتصاد الأمريكي ولا مكانته الدولية على ما تُنتجه البلاد من بضائع ولا على ما تُصدّره منها. الإدارات الأمريكية المختلفة لا تنكر تزايد حجم العجز الدائم في الميزانية، أي أنها تُصدّر أقل مما تستورد. ولا أحد في أمريكا يتنكر لحقيقة تصاعد هرم الديون. قوة الاقتصاد الأمريكي تعتمد على قوة عملة الدولار ومكانته العالمية، وقد تحول الدولار نفسه إلى أكبر فقاعة يعتمد انفجارها من عدمه على المتغيرات الجيوسياسية في العالم. هو فقاعة لأن قيمته الحقيقية انخفضت حوالي أربعين مرة منذ العام 1973 وحتى نهاية 2019. فقاعة لأن الاحتياطي الفدرالي الأمريكي طبع كمية دولارات في سنتين بما يعادل الدولارات المطبوعة في 240 سنة.

المتابع لصيرورة ظاهرة قوة وهيمنة الدولار على المستوى العالمي، سيجد أن الظاهرة مُصطنعة وليست طبيعية مُطلقا ولها صلة بالسياسات الأمريكية وبالنفوذ السياسي والعسكري للولايات المتحدة، وليس الاقتصادي. وإذا ما ضعف النفوذ السياسي والعسكري، وهذا ما يحدث أمامنا اليوم، فإن قوة الدولار وهيمنته ستنفقع.

قوة الدولار وهيمنته العالمية المُبالغ فيها، لدرجة تحوله إلى فقاعة، اعتمد على متغيرات سياسية صبت جميعها لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. لنتابع معاً عينة من الأحداث والقرارات السياسية التي حولت الدولار إلى عملة عالمية:

■ من نتائج الحرب العالمية الثانية أن الدول الأوروبية، المنتصرة منها والمهزومة، خرجت مُدمرة إلى حد كبير، بينما حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على بُنيتها التحتية سليمة بالكامل، بالإضافة إلى حيازتها على 75% من ذهب العالم في خزائنها، وهو الذهب الذي نهبته سابقاً عن طريق القرصنة. استغل الحليف الأمريكي حاجة أوروبا إلى التمويل، فقام بالدعوة إلى مؤتمر دولي لتأسيس نظام نقدي عالمي، وكانت من أهم أسس النظام المالي العالمي التي أقرها المؤتمر المُنعقد في بريتون وودز هو إلزام كل بلد بوضع سياسة نقدية تحافظ على سعر الصرف بربط عملتها بالدولار الأمريكي المقوّم بالذهب.

■ نتيجة لاحتياجات تمويل الحرب في فيتنام، قام الاحتياطي الفيدرالي بطباعة كميات من الدولارات فاقت غطاءها الذهبي، مما أدى إلى انخفاض القيمة الحقيقية للدولار. وفي العام 1973 ألغت الإدارة الأمريكية التزامها بتحويل الدولارات إلى ذهب وهو ما عُرف بصدمة نيكسون.

■ تزامنت صدمة نيكسون مع الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة، الذي بات يهدد الاقتصاد الأوروبي بالانهيار. واكتشفت الحكومات الأوروبية الغربية الورطة التي أُوقِعَتْ فيها وأَوْقَعَتْ نفسها فيها. لأنها لو اعترفت بالقيمة الحقيقية للدولار، تكون قد أشهرت إفلاسها عملياً، وفي هذه الحالة من المحتمل أن تتعرض لفوضى سياسية واجتماعية تُهدد وجودها، ولم يكن أمامها سوى الرضوخ للأمر الواقع والاستمرار بقبول الدولار كعملة احتياط.

■ نجح كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، في إقناع السعودية بربط سعر النفط بالدولار ووقع معها صفقة لهذا الغرض في العام 1974 وهي التي صارت تُعرف “بصفقة البترودولار”. الصفقة أنقذت الدولار وجعلت له أهمية. واستفادت الدول الأوروبية من هذا الربط، لأنها كانت في أمس الحاجة إلى الاقتناع بقوة الدولار الذي كدست منه احتياطات في خزائنها.

■ خدعة تقويم الدولار بالذهب في العام 1944 قادت إلى فرض هيمنة الدولار على الاقتصاد الأوروبي الغربي، بينما ربطُ سعر النفط بالدولار قاد إلى فرض هيمنة الدولار على سائر أنحاء العالم، فدول العالم التي تريد شراء النفط عليها أولاً شراء الدولار لكي تُسدد ثمن النفط.

■ تزامناً مع صفقة البترودولار، تعهدت السعودية لكيسنجر بشراء سندات الخزانة الأمريكية والاستثمار فيها. وبهذا لم تنجح حيلة كيسنجر باستعادة الأموال التي تدفعها أمريكا إلى السعودية مقابل ارتفاع أسعار النفط وحسب، بل استولت أمريكا على الأموال التي تدفعها دول العالم الأخرى إلى السعودية نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

■ تُشكل عملية شراء حكومات العالم المُختلفة والشركات الكبرى لسندات الخزانة الأمريكية أحد مصادر قوة الدولار المُصطنعة. السندات التي تصدرها الحكومات لأجل الحصول على التمويل لا يمكن ضمان تسديدها في حالة إعلان الإفلاس، ولكن سمعة السندات الأمريكية سبقتها، فهي مضمونة التسديد ولم يحصل خلال تاريخ الولايات المتحدة كله أنها تخلفت عن التسديد. ولهذا تحول شراء السندات الأمريكية إلى عملية استثمار فائض أموال الدول الأخرى داخل الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الأوضاع السياسية الدولية التي تُنذر بالحرب قد تجعل من شراء السندات سلاحاً ذا حدَّين بأيدي البائع والشاري ويُصيبهما على حد سواء.

منذ فترة طويلة دخلت المراكز الرأسمالية في الأزمة الاقتصادية الدائمة، وقد نجحت إلى حد ما في التعايش معها باستخدام أدوات التحكم الاقتصادية المتعددة المتوفرة لدى البنوك المركزية. إلا أني صرت أشك بقدرة هذه الأدوات على معالجة آثار الأزمة الاقتصادية المتصاعدة الناتجة عن حرب الطاقة والتي قد تُفقد إمكانية تعايش الرأسمالية مع أزمتها الدائمة. تعالوا معي لنرى.

من بين أحد أهم أدوات التحكم الاقتصادية التي يستخدمها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال الأزمات هو التلاعب بسعر الفائدة، ففي حالة الركود يقوم بخفض سعر الفائدة لتشجيع الاقتراض من الدولة، التي سوف تطبع كميات جديدة من العملة. وفي حالة التضخم يقوم برفع سعر الفائدة من أجل سحب السيولة النقدية على أمل خفض الإنتاج وبالتالي انخفاض الأسعار. صحيح أن رفع سعر الفائدة في أمريكا يؤدي إلى انتقال الرأسمال إليها من سائر أنحاء العالم، إلا أن الحالة التي يمر بها الاقتصاد العالمي اليوم هي حالة ركود تضخمي (تضخم وركود في آن واحد) حدثت لسببين، الأول بسبب زيادة المعروض عالمياً، والثاني بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الطاقة، والتي خلقها الغرب بنفسه.

ورغم أن الاقتصاد الأمريكي استفاد بشكل كبير من هذا الارتفاع في أسعار الطاقة، باعتبار أمريكا دولة منتجة للطاقة، إلا أن عدوى الركود التضخمي قد انتقلت إليها، لأنها تستنفد عملياً احتياطها الاستراتيجي من النفط والغاز، وهذا ما لاحظناه من خلال إعلان الشركات الأمريكية الكبرى في نهاية الأسبوع الحالي عن تسريح عدد كبير من الموظفين، على سبيل المثال:

.(GlobalFoundries, Amazon, Disney, Twitter, Meta, Johnson & Johnson)

وفي هذه الحالة، فإن البطالة المصاحبة للركود قد تقود إلى انخفاض طفيف في معدل التضخم في الأشهر القليلة القادمة. وحتى لو لم ينخفض معدل التضخم، فإن الإدارة الأمريكية مضطرة عاجلاً أم آجلاً إلى معالجة الركود بخفض سعر الفائدة وهو إجراء لا يشجع على انتقال رؤوس الأموال إلى أمريكا، مما يقود إلى انخفاض في قيمة الدولار، وهذا ما نلاحظ حدوثه منذ بضعة أيام. كما أن خفض سعر الفائدة لا بد أن تُصاحبه وفرة في السيولة النقدية، فيعود التضخم إلى الارتفاع، وتستمر لعنة دورة الأزمة التي تبدو وكأنها لن تنتهي في ظل المتغيرات الجيوسياسية.

لقد كف التراكم الرأسمالي الآتي من فائض القيمة أن يكون المصدر الرئيسي للثراء الرأسمالي منذ فترة طويلة. حتى أن مفهوم الثراء نفسه، ومنذ فترة سبقت مرحلة العولمة، صار يعني أرقام وحسابات في البنوك لا تساوي قيمها المادية الحقيقية. أي أن الثراء الرأسمالي اليوم هو فقاعة كبيرة، لأنها لا تستند على إنتاج القيم المادية، بل تقوم على المضاربة في أسعار العملات وأسهم الشركات والأراضي والعقارات. وصار الثراء، على سبيل المثال، يتمركز في شركات الإنترنت الخدمية وشركات التسويق، وليس في الشركات الإنتاجية. وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة أصبح الخطر الجدي يهدد فقاعة ثراء المراكز الرأسمالية. انفجارُها من عدمه بات يُشكل قضية حياة أو موت لدى دولها. فهي تواجه اليوم أحد الخيارين: إما الاستسلام بانتظار الانهيار الكامل للاقتصاد الأمريكي ومعه الأوروبي، وهذا مُستحيل، وإما التكشير عن أنيابها الديمقراطية بالذهاب إلى الحرب، وهذا حتمي بسبب طبيعتها المتوحشة واستعدادها الجيني الدائم لإنجاب وحوش تتلاءم مع طبيعة كل مرحلة.

:::::

موقع “اشتباك”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….