قراءتان في قرار محكمة العدل الدولية: (1) الحكم المؤقت: النتائج الرئيسية، أوليفر هولمز، ترجمة د. زياد الزبيدي، (2) حُكم الحدّ الأدنى، عمر نشابة، لونا فرحات

قراءتان في قرار محكمة العدل الدولية:

  • الحكم المؤقت للمحكمة العالمية بشأن الإبادة الجماعية في غزة: النتائج الرئيسية، أوليفر هولمز، ترجمة د. زياد الزبيدي عن الإنجليزية
  • قراءة أولية في قرار «العدل الدولية»: حُكم الحدّ الأدنى، عمر نشابة، لونا فرحات

✺ ✺ ✺

مقالات مترجمة l

الحكم المؤقت للمحكمة العالمية بشأن الإبادة الجماعية في غزة: النتائج الرئيسية

أوليفر هولمز Oliver Holmes

 صحيفة The Guardian اللندنية

ترجمة د. زياد الزبيدي عن الإنجليزية

26 يناير 2024

أمرت المحكمة الدولية إسرائيل بمنع أعمال الإبادة الجماعية في غزة، بما في ذلك من قبل قواتها على الأرض، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.

 وفيما يلي بعض النتائج الرئيسية:

  1. ترى المحكمة خطر حدوث إبادة جماعية في غزة

 لم تبت محكمة العدل الدولية بشأن ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت جريمة إبادة جماعية – وهو ما سيتم تحديده في وقت لاحق – لكن حكمها المؤقت يوفر أوضح إشارة حتى الآن حول الاتجاه الذي يميل إليه القضاة.

 إن أمر المحكمة المكون من 29 صفحة، والذي صدر يوم الجمعة، طويل ومعقد ومليء بالجوانب القانونية، لكنه يشير إلى أن غالبية القضاة يرون وجود خطر حقيقي على الفلسطينيين بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.

 وفي الفقرة 74، تنص على أن “هناك خطرًا حقيقيًا ووشيكًا بحدوث ضرر لا يمكن إصلاحه” لحقوق الفلسطينيين في غزة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.

  • إن أفعال إسرائيل – وكلماتها – تخضع للتقييم الدقيق

 قالت محكمة العدل الدولية في أمرها إن العملية العسكرية الإسرائيلية “أسفرت عن عدد كبير من القتلى والجرحى، فضلاً عن تدمير هائل للمنازل، والتهجير القسري للغالبية العظمى من السكان، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية المدنية”.

 ومن الأهمية بمكان أنها قالت إنها “أخذت علما” بعدد من التصريحات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون كبار.  ومن بين هؤلاء وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الذي قال إن إسرائيل تحارب “الحيوانات البشرية” و”سنقضي على كل شيء”، وقال رئيسها، إسحاق هرتسوغ: “إن الشعب بأكمله هو المسؤول”.

 وجاء في الفقرة 54 من الأمر أن وجهة نظر المحكمة، في ضوء البيانات المذكورة أعلاه، هي أن “بعض” ادعاءات جنوب أفريقيا بأن حقوق الفلسطينيين التي تحتاج إلى الحماية بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية “معقولة على الأقل”.

 وعلاوة على ذلك، أمرت إسرائيل “باتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية فيما يتعلق بأعضاء المجموعة الفلسطينية في قطاع غزة”.

  • لم تكن هناك دعوة لوقف إطلاق النار

 وافقت المحكمة على معظم الطلبات التي قدمتها جنوب أفريقيا، بما في ذلك الأمر بوصول المساعدات الإنسانية، ولكن غاب بشكل ملحوظ مطلبها بالوقف الفوري للعملية العسكرية الإسرائيلية.  ولم يذكر أمر المحكمة الصادر يوم الجمعة كلمة “وقف إطلاق النار”.

 وفي تفسير جزئي لقرارها، قالت المحكمة إن الإجراءات التي اتخذتها ليس من الضروري أن تكون “مطابقة لتلك التي طلبتها” جنوب أفريقيا.

  • القضية لن تهدأ

قد يستغرق الأمر سنوات حتى تصدر المحكمة حكمها بشأن ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت إبادة جماعية.  لا تزال هناك قضية إبادة جماعية أخرى، رفعتها غامبيا إلى محكمة العدل الدولية في عام 2019 ضد ميانمار بسبب القتل الجماعي والتهجير القسري لأقلية الروهينجا المسلمة، مستمرة.

ومع ذلك، هذا لا يعني أن القضية سوف تهدأ.  وبالإضافة إلى المعركة السياسية التي سيتم خوضها الآن حول كيفية تنفيذ أوامر المحكمة، طلب القضاة من إسرائيل تقديم تقرير “حول جميع الإجراءات المتخذة لتنفيذ أمرها” في غضون شهر.

ونظراً لانتقادات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمحكمة بسبب “استعدادها” لمناقشة القضية على الإطلاق – والتي قال إنها “وصمة عار لن تمحى لأجيال” – فمن غير الواضح كيف سترد البلاد.

وقدم الوزير في حكومة نتنياهو الائتلافية، إيتامار بن غفير، ردا أقصر على حكم محكمة العدل الدولية، حيث غرد: “لاهاي غباء او جنون”.

(2)

قراءة أولية في قرار «العدل الدولية»: حُكم الحدّ الأدنى

عمر نشابة، لونا فرحات

يشكّل القرار الذي صدر أمس عن محكمة العدل الدولية ضدّ إسرائيل، بداية مسار قضائي طويل قد يستمر لسنوات. وعلى إسرائيل وضع تقرير في غضون شهر ستحيله المحكمة لاحقاً الى مندوبي جنوب إفريقيا وتستمع إلى ملاحظاتهم بشأن مدى الالتزام بتنفيذ «الإجراءات المؤقتة». لكن قرار المحكمة لا يشير إلى الخطوات العملية التي يأمر إسرائيل بأن تتّخذها. فالقرار يطلب من إسرائيل منع قتل، ومنع التسبّب بضرر جسدي أو نفسي خطير للفلسطينيين كشعب، من دون أن يطلب وقف العمليات العسكرية في قطاع غزة المحاصر، حيث يُحشر أكثر من مليونَي شخص في 360 كيلومتراً مربعاً. ويأمر القرار إسرائيل بتدابير «فورية وفعّالة» لإدخال المساعدات الإنسانية الى غزة، بينما كانت منظمة الصحة العالمية والهيئات الإنسانية الدولية قد أشارت في تقاريرها إلى صعوبة، بل استحالة، نقل المساعدات والمؤن الغذائية والأدوية والمحروقات إلى جميع أرجاء قطاع غزّة تحت القصف.المحكمة ردّت طلب اسرائيل رفض الدعوى المقامة ضدّها، وهذه خطوة قانونية متقدّمة للشعب الفلسطيني، وإن كان مسار الدعوى سيأخذ وقتاً طويلاً. لكن ما تحقّق يوم 26 كانون الثاني هو إحالة إسرائيل «كدولة» للمساءلة القضائية ووضعها في قفص الاتهام. وهذا أمر كاد أن يكون من المستحيلات، لكنه تبيّن أنه ممكن، وليس ضرباً من الخيال.
تنصّ المادة 41 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على الآتي: «1- للمحكمة أن تقرّر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حقّ كل من الأطراف، وذلك متى رأت أن الظروف تقتضي بذلك. 2- إلى أن يصدر الحكم النهائي، يُبلّغ فوراً أطراف الدعوى ومجلس الأمن نبأ التدابير التي يرى اتخاذها».
وتُعدّ التدابير المؤقتة إجراءات غير نهائية تُرتّب آثارها في الفترة السابقة لصدور الحكم النهائي في الدعوى. لذلك يمكن للمحكمة أن تقوم بإلغائها أو تعديلها في أي وقت، إذا تغيرت الظروف التي برّرت وجودها. وتشير المحكمة إلى أن أوامرها المتعلّقة بالتدابير المؤقتة بموجب المادة 41 من النظام الأساسي، لها أثر ملزم وتُنشئ بالتالي التزامات قانونية دولية على أي طرف تُوجّه إليه التدابير المؤقتة. لكن المحكمة ليس لديها القوة التنفيذية لأحكامها الملزمة. وبناءً على نصّ المادة 41، تقوم المحكمة بإبلاغ مجلس الأمن بقرار أمر التدابير المؤقتة، ولمجلس الأمن السلطة التقديرية في اختيار الإجراءات المناسبة لتنفيذ التدابير المؤقتة. على أنه قد يلجأ صاحب المصلحة في تنفيذها إلى مجلس الأمن للمطالبة بإصدار قرار يضمن تنفيذها، ما يعني أنه في حال امتناع إسرائيل عن تنفيذ القرار – وهو المتوقع منها – فلجنوب إفريقيا الحق في مطالبة مجلس الأمن بإصدار قرار لتنفيذ التدابير المؤقتة. وهنا من المتوقّع أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض، ولكن أيضاً قد تمتنع عن التصويت لأن مشروع القرار يكون مبنياً على حكم قضائي، لا على اعتبارات سياسية. عندها يمكن أن يصدر القرار عن مجلس الأمن بإلزام إسرائيل بتنفيذه مع وجود احتمال أيضاً بعدم التزامها بالقرار (أسوة بقرارات سابقة عن مجلس الأمن لم تلتزم بها). وفي حال استخدام الولايات المتحدة حق النقض أو في حال امتناع إسرائيل عن التنفيذ، يمكن لجنوب إفريقيا، ومعها المجموعتان العربية والإسلامية والدول الداعمة لوقف إطلاق النار، اللجوء إلى الجمعية العامة بموجب قرار «الاتحاد من أجل السلام»، كما فعلت سابقاً بخصوص القرارين السابقين لوقف إطلاق النار. وعلى الأرجح أن هذه المرّة سيحصل القرار بوقف إطلاق النار على أغلبية ساحقة من قبل الدول الأعضاء، وقد لا يقتصر مضمون قرار الجمعية العامة هذه المرّة على مجرّد وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، بل قد يُلزم إسرائيل بتنفيذ ما ورد في التدابير المؤقتة مع تصعيد إجرائي «عقابي» يتمثّل بمنع توريد الأسلحة، وقطع العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية، وقد يصل الأمر إلى حد تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة أو التهديد بذلك، وخصوصاً أن محكمة العدل الدولية أكدت أن منع الإبادة والمعاقبة عليها، هي مسؤولية كل الدول، وعليها تحمّل مسؤوليتها إزاء ما يجري من أعمال قتل وتشريد وتجويع كلّها تدخل في نطاق الاتفاقية الدولية لمنع الإبادة والمعاقبة عليها. وسيُترجم تراخي الدول في اتخاذ إجراءات فعلية لمنع الأفعال التي قد ترقى إلى جريمة إبادة، إلى ما يصل إلى اشتراك أو تحريض ستُساءل عليه في المستقبل القريب، لذا على الدول أن تتّخذ مواقف متقدّمة تتناسب مع موقف محكمة العدل الدولية، كانضمام الدول المؤيدة لحماية الفلسطينيين إلى الدعوى بصفة «متدخّل»، كما حدث في قضيتَي غامبيا ضد ميانمار وأوكرانيا ضد روسيا.

لماذا لم تفرض المحكمة وقفاً لإطلاق النار؟
لم تلتزم المحكمة تماماً بما طلبته جنوب إفريقيا من تدابير مؤقتة، وخصوصاً في ما يتعلق بالوقف الفوري للعمليات العسكرية. وجاء قرار التدابير المؤقتة مطابقاً للقرار الذي صدر في دعوى غامبيا ضد ميانمار. وتبيّن أن الحجّة القانونية التي اتخذها القضاة لعدم فرض وقف العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في غزة، هي أن العمليات العسكرية في غزة ليست بين دولتين، كما هي الحال بين أوكرانيا وروسيا، حيث كانت المحكمة قد أمرت عام 2022 بتدابير مؤقتة في دعوى أوكرانيا ضد روسيا، بوقف العمليات العسكرية من الجانب الروسي، وأيضاً طلبت من الطرفين الامتناع عن القيام بأي عمل قد يؤدي إلى تفاقم النزاع أو تمديده أو يجعل حلّه أكثر صعوبة. أما في دعوى غامبيا ضد ميانمار، فقد صدر أمر التدابير المؤقتة في 2020، ليطلب من ميانمار منع ارتكاب جرائم الإبادة المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة، ولم يطلب منها وقف العمليات العسكرية. فحكومة ميانمار استخدمت القوة العسكرية في نزاع داخلي ضد مجموعات مسلحة من أقلية الروهينغا، وهنا ليس للمحكمة الحق في دعوة أطراف نزاع داخلي إلى وقف العمليات العسكرية، ولكن بإمكانها أن تطلب من الدولة أن تراعي أحكام القانون الدولي الإنساني والتزاماتها الدولية المتعلّقة بمنع الإبادة الجماعية. فالمحكمة لا تستطيع أن تخاطب مجموعات مسلحة لأن ذلك يخرج عن نطاق صلاحياتها، فهي تخاطب فقط الدول. لذلك فهي لا تستطيع، من وجهة نظر قانونية، أن تأمر دولة بأن توقف العمليات العسكرية من جانب واحد، بينما الجانب الآخر يستمر في القتال.



ما هي «التدابير المؤقّتة» المطلوبة من العدو؟
قدّمت جنوب أفريقيا طلباً لإقامة دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في 29 كانون الأول 2023 بشأن انتهاكات مزعومة من جانب إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وتضمّن الطلب أيضاً اتخاذ تدابير مؤقّتة. صدر أمس عن المحكمة، بعد مرور أسبوعين من الاستماع لأطراف الدعوى في 11 و12 من الشهر الجاري، قرار بفرض «تدابير مؤقّتة» وهي:
أولاً: تتّخذ دولة إسرائيل، وفقاً لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، في ما يتعلق بالفلسطينيين في غزة، جميع التدابير التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأعمال التي تدخل في نطاق المادة الثانية من هذه الاتفاقية، ولا سيما: قتل أعضاء المجموعة، التسبب في ضرر جسدي أو نفسي خطير لأعضاء المجموعة، تعمّد إخضاع المجموعة لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل المجموعة.
ثانياً: تضمن دولة إسرائيل، بأثر فوري، عدم ارتكاب جيشها أي أعمال موصوفة في النقطة 1 أعلاه.
ثالثاً: تتّخذ دولة إسرائيل جميع التدابير التي في وسعها لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية في ما يتعلق بأعضاء المجموعة الفلسطينية في غزة.
رابعاً: تتّخذ دولة إسرائيل تدابير فورية وفعّالة للتمكين من توفير الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية التي تمسّ الحاجة إليها لمعالجة ظروف الحياة الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة.
خامساً: تتّخذ دولة إسرائيل تدابير فعّالة لمنع التدمير وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بادّعاءات ارتكاب أعمال تدخل في نطاق المادة الثانية والمادة الثالثة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ضد أفراد المجموعة الفلسطينية في قطاع غزة.
سادساً: تقدّم دولة إسرائيل تقريراً إلى المحكمة عن جميع التدابير المتّخذة لتنفيذ هذا الأمر في غضون شهر واحد من تاريخ هذا الأمر.

:::::

“الأخبار”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….