انتقلوا من الدهشة ثم المناحة … فماذا عن الزراعة
نظرية شيانوف ممكنة هنا
د. عادل سماره
(حلقة 2)
كيف أفشلنا التنمية بالحماية الشعبية
وتطورها إلى حرب الشعب
تنطبق نظرية شيانوف على وضعنا في الأرض المحتلة أكثر من انطباقها على الاتحاد السوفييتي في حينه رغم أن كلا المجتمعين يواجه حربا إبادية. ولكن نختلف من باب أن المجتمع هناك الشعب لم يكن مهددا بالاقتلاع كما هو حالنا.
في حالتنا لا يوجد ما يجبر الفلاح على الإنتاج للسوق بل هو معتاد على هذا حيث تم تتجير الزراعة ولم تعد القرية وحدة الإنتاج الأساسية المغلقة على نفسها اكتفائيا بدون علاقات إنتاج رأسمالية، بل اعتاد المجتمع على الإنتاج هو لإطعام المدن وإن لم يحصل محليا يتم بالطبع الاعتماد على اقتصاد الاحتلال.
المهم أنه لم تكن في بنية المجتمع حالة تناقض بين سياسة السلطة والمزارع في هذا الشأن. بل هناك دافع تجاري لدى المزارع لإنتاج المزيد اي الانتقال من إنتاج للاستعمال فقط إلى الإنتاج للتبادل.
كانت انتفاضة 1987 نقلة فارقة في حياة البلد، وهنا تجدر الإشارة إلى أن توقف مقاطعتنا للعمل والاستهلاك من الكيان والذي خلقته الانتفاضة نفسها، قاد بعد سنواتها الأولى إلى عدم تمكننا من تحويل الانتفاضة إلى:
انتفاضة تنموية
وانتفاضة ثقافية، ثقافة الانتفاضة
والانهماك في تحويلها إلى انتفاضة سياسية استدوالية وهذا نجني أشواكه اليوم.
لقد كانت أطروحتي للدكتوراة بنظرية التنمية بالحماية الشعبية وحينما عدت في 4 أكتوبر 1987 قبيل الانتفاضة بشهرين وشاهدت مع تفجر الانتفاضة ممارسة الطبقات الشعبية للتنمية بالحماية الشعبية عفوياً وذاتيا تذكرت تعاليم ماو تسي تونغ ب “التعلُّم من الشعب” وتأكد لي أن مقالته “تجرَّأ على النصر” تنطبق على الاقتصاد والإنتاج وليس فقط على حرب الغُوار.
وهنا لن أكرر ما كتبته، وهو كثيرا، عن الحماية الشعبية بل هي باقتضاب:
· العمل عفوياً على تطبيق معادلة تشغيل الاقتصاد المحلي لقوة العمل المحلية
· مقاطعة العمل داخل الكيان وهذا حصل
· مقاطعة منتجات الكيان وهذا حصل
· مشاركة المرأة في النضال والمقاطع والإنتاج المنزلي وهذا حصل
· العودة للأرض وتحديداً للزراعة لإنتاج الأساسيات وهذا حصل
· مغادرة النزعة الاستهلاكية وهذا جرى التدرب عليه
· تنشيط التصنيع الزراعي وهذا حصل
· خلق تعاونيات صغيرة لإنتاج وتصنيع الفائض الزراعي وهذا حصل
· خلق شبكات تسويق محلية وحتى بعضها للتسويق في مناطق الفلسطينيين في المحتل 1948 وهذا حصل
· ضمن هذا كله بدأ تغيير البنية الإنتاجية بتوجهها إلى الداخل
· وهذا ترتب عليه توجه الاستهلاك إلى الداخل أيضا.
كان المفروض طبقاً للمخطط النظري الذي وضعته، وكان ضروريا، توجه رأس المال المحلي ومنظمة التحرير نحو توفير قروض أو هبات للمزارعين وللصناعات الوسيطة التي تنتج وتصنِّع الحاجات الأساسية للمجتمع كي يحافظ على:
· تشغيل قوة العمل
· تنشيط المنتج المستقل
· توفير قلب اقتصادي لكل من الضفة والقطاع بدل ارتباط كل مدينة ومحيطها بالكيان مباشرة.
لكن هذا لم يحصل حيث كان اقتصاديو م.ت.ف منخرطين في الاستدوال وخلق دولة على طريقة تايوان أو سنغافورة.
وقد كتبت عن هذا بأن الإمبريالية لن تسمح هنا إلا بتايوان واحدة هي الكيان وبأن قيادة الطائفية المارونية في لبنان حاولت ذلك منذ 1948 وحتى ما قبل ذلك ولم تأذن لها الإمبريالية.
وللأسف، طغت حُمَّى توقع الحصول على دولة توليداً من هذه الانتفاضة، وكنت ذكرت منذ بداية 1988 1988 في كتابي “التنمية بالحماية الشعبية” بأن الانتفاضة لن تولد دولة.
تواصل ذلك إلى أن كانت أوسلو وحصول سلام رأس المال وتفشي دعوة وقف المقاطعة بناء على “السلام” وهذا التوقيف لم يقتصر على اليمين كما يتذرع اليسار بل كان اليسار مع هذا التوجه بمشاركته في انتخابات مجلس الحكم الذاتي، وهناك كثيرون كتبوا نقدا ضدي في الصحافة.
وهكذا، عاد الاعتماد في الشغل على اقتصاد الكيان الذي هو نفسه توجّع من المقاطعة، فقد أوردت في كتابي المذكور تقديرا بأن 75 ألف عامل من الكيان كانوا يعملون في إنتاج ما تستورده المناطق المحتلة من الكيان وهؤلاء توقفوا بسبب الانتفاضة. وعاد الارتباط التابع أو الإلحاق والالتحاق تدريجيا إلى سابق عهده. وبدل مواصلة بعض المعامل الإنتاج محليا، أخذت تستورد المنتجات جاهزة من الكيان وتغلفها بتغليف بأنا إنتاجاً محليا!
وهذا الارتباط يعني:
· الاعتماد على الاستهلاك من منتجات الاحتلال أو المنتجات التي يتم استيرادها من خلاله
· وهذا أعاد وكرَّس النزعة الاستهلاكية
· امتص الشغل لدى الاحتلال كثيرا من طاقة الشباب الذين كان من الممكن انخراطهم في عدة مستويات من النضال، وهذا تكرارا لسياسة الاحتلال منذ بدايته 1967 حيث كانت نظرية موشيه ديان وزير الحرب الصهيوني أن تشغيل الفلسطينيين يمتص شباب النضال ولذا اصر على الحدود المفتوحة مقابل نظرية بنحاس سابير وزير المالية الذي حاول إبقاء الحدود وعدم الانفتاح الاقتصادي، وبالطبع كانت سياسة ديان هي بذرة الاستيطان وتوسيعه.
· وإهمال الزراعات الصغيرة /البيتية والمتوسطة:
- لعدم توفير راس المال المحلي مجالات شغل أو أجوراً مقبولة
- فعاد انتقال قوة العمل إلى اقتصاد الكيان حيث الأجور الأعلى وهي طبعاً اقل من أجور المستوطنين.
ولعل من مفارقات تلك المرحلة وحتى اليوم أن بروتوكول باريس 1995 تضمن أن يسمح الكيان بتشغيل 100 ألف عامل فلسطيني من المحتل 1967 في اقتصاده، بينما تطالب كافة الفصائل وليس اليمين فقط بدولة مستقلة على حدود الخامس من حزيران! وهذا ينسف التنمية بالحماية الشعبية ويحول دون انتقالها إلى حرب الشعب.
(يتبع)

_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.