تتابع “كنعان” نشر كتاب “العروبة في مواجهة الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي”، لمؤلفه د. عادل سماره (الحلقة 2)

الفصل الأول

  • في النظرية والواقع العربي
  • لماذا تختلف الإمبريالية في الوطن العربي؟
  • هل أنظمة عربية إمبرياليات تابعة SUB-IMPERIALISMS أم مختلفة؟

يدور نقاش عديد ومديد هذه الأيام عن العلاقات البينية العربية أو ما يُسمَّى تجاوزاً وتفاؤلاً بالنظام العربي، ونقاش حول دور السعودية وكيانات الخليج في الخليج وتجاه بقية الوطن العربي بأسره، بمعنى هل هذه العلاقات صحية، تابعة أم إمبريالية؟

عالجت هذا تجاه البلدان العربية في كتابي بالإنجليزية Arab’s Regime Arab’s Enemy 2023، لكن قررت أخذ معظم فصوله لنقاش هذه الأمور الشائكة.

تم استخدام إمبريالية رثة منذ عقود أو إمبريالية ثانوية…الخ. ولكن الظاهرة التي نرى في الوطن العربي ليست مجرد إمبرياليات تابعة، وحتى إن صح تعبير أنها إمبرياليات، فهي مختلفة عن الإمبرياليات التابعة لأنها:

  • من جهة تابعة،
  • ومن جهة ثانية هي إمبريالية ضد الأمة العربية نفسها، ضد الذات أي تذويت الإمبريالية.

وهذا غير مألوف قط. فسواء الإمبرياليات الأم أو التوابع فجميعها متعدية خارج حدودها ولصالح أمتها، بينما الظاهرة العربية هي تابعة وضد أمتها وفي خدمة الإمبرياليات الأم، وربما حتى الإمبرياليات التوابع الإقليمية.

وهذا أمر ينطلي على كثيرين من جهة، كما أنه يقوم على تكريس التجزئة في مشروع ضد العروبة يعمل على تصوير وكأن كل دولة عربية هي أمة قائمة بذاتها، وبالتالي طبيعي أن تقوم هذه الـ”دولة/ أمة” بلعب دور إمبريالي ضد “دولة/ أمة/ عربية” أخرى!

يتعاطى هذا الجدال بشكل أساسي مع الوطن العربي من مصطلح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأنني أعتقد أنه مصطلح فضفاض للغاية، وقد صاغ الاستعمار العسكري البريطاني الجزء الأول منه في بداية القرن العشرين، ثم صاغته الإمبريالية الأمريكية لاحقًا باختصار MENA أي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بقصد عدم ذكر وطن عربي بمشرقه ومغربه. واليوم يردد كثيرون مصطلح “غرب آسيا وشمال إفريقيا” هروباً من حقيقة والقول الوطن العربي والشرق الأوسط! فحتى لو سألت شخصاً ممن يستخدمون غرب آسيا وشمال إفريقيا ماذا تقصد، سوف يُعدد لك كل دولة من الدول العربية لوحدها دون أن يتعامل معها كوطن عربي وكأن كل دولة عربية هي أمة قائمة بذاتها.

 لعل ما يشمل ويجمع ويكتنف، بشكل أساسي، ما يسمى ببلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو إخضاعها للعدوان الغربي المستمر في مراحل العدوان الرأسمالي العالمي، أي الاستعمار والإمبريالية والعولمة الحالية. لا تزال بعض دول الشرق الأوسط والوطن العربي تخضع للقهر خاصةً معظم الوطن العربي، على الرغم من التظاهر بأنها وغيرها من المستعمرات السابقة تدخل ما يسمى عصر ما بعد الاستعمار، وهذا وهم وتوهيم.

صُمم اسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل أساسي لتجاهل الأمة العربية والقومية العربية، والتعامل مع كل دولة عربية على أنها “أمة” منفصلة وبقصد تجنًّب حقيقة أن الأمة العربية تعاني من استهداف/ عدوان الغرب الأخير والمتواصل منذ ما يقرب من ثلاثة قرون.

في خضوعه للإمبريالية أولجت وتوجد في الوطن العربي أصلاً العديد من الخصائص التي تُبرر لي دراسته بشكل منفصل عن بقية الشرق الأوسط، حيث يعاني الوطن العربي في ظل الإمبريالية ووكيلاتها حالياً من الكثير، ولعل أحدها تنمية التطور اللامتكافىء بين الدول العربية التي تتبناها وفرضتها الطبقات الحاكمة العربية لتعميق التفكك الداخلي في القطر الواحد؛ بحيث لا تتجه الطبقات الشعبية إلى الصراع الطبقي إضافة إلى التشرذم العربي، بمعنى التحلُّق القطري على الذات[1].

وفي المستويين القُطري والقومي وفيما يخص التنمية تحديداً، يتم، كما ذكرنا كثيراً، تجويف الوعي لتسهيل ومواصلة تجريف الثروة. وترجمة هذا في الحقيقة هي تصريف ونزح الفائض إلى الخارج، وبالطبع فقدان القدرة على التراكم مما يقود إلى تكرار الدوران في حلقة مفرغة تنازلية الاتجاه، أي تخلف وفقر وعدم استثمار…الخ.

فالعروبة مستهدفة من قبل:

أ. غزو ​​قاسي إرهابي عسكري كحال العراق وليبيا وسوريا، وإرهابي رسمي عربي كالحرب السعودية الإماراتية ضد اليمن.

ب. الغزو الاقتصادي من خلال التبادل اللامتكافئ.

ج. الغزو الناعم والغزو الثقافي والمنظمات غير الحكومية.

د. الغزو الفكري من خلال الطابور السادس الثقافي.

ه. جيش من الاستشراق الإرهابي من نفس الأمة وبشكل أساسي ضدها.

وأنظمة/ طبقات حاكمة عربية مسلحة بما يكفي للقمع والحكم خدمة للإمبريالي، وإشعال الحروب الداخلية/ البينية بين الدول العربية بهدف إنهاء واجتثاث كل المظاهر القومية العربية المشتركة.

لعل أخطر ما تمر به العروبة هو دور الكيانات العربية التي تم إنشاؤها على غرار الكيان الصهيوني الإشكنازي من حيث الدور وحتى الهيكل، مثلاً دويلات كقَطر والإمارات العربية المتحدة معظم سكانها مستجلبين والتي تغزو عدة دول عربية. بل إن فرض مخطط سايكس-بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 ليثبت أن هناك حبل سُرِّي عَقدته الإمبرياليات بين القُطريات العربية والكيان. وقد أثبت مؤتمر الرياض يوم 11 تشرين ثانٍ 2023 بشأن العدوان الإبادي على قطاع غزة صحة ما نكتب، حيث أن 57 دولة عربية وإسلامية لم تقم سوى بترجي أمريكا والكيان وقف العدوان بل إبادة المدنيين، ولم يحصل. وعلى العموم، هناك بعض أوجه الشبه من حيث دور الإمبريالية في هذا الإقليم، مع دول أخرى في المنطقة، لكن الفروق أكثر إلى الحد الذي يبرر التركيز وتحديد الحالة أو حتى تفرد الوطن العربي.

باختصار، تركز هذه المساهمة بشكل أكبر على أنظمة وطبقات العملاء العرب التي تقوم بدور إمبريالية ضد أمتها/ دول أمتها، كعامل رئيسي في خدمة الغرب الإمبريالي. هذا لا يتجاهل أبداً أن الغرب الإمبريالي يستعمر الوطن العربي ويتم تمويه هذا الاستعمار بالثرثرة عن مصالح الغرب! تحمي تلك الأنظمة التابعة المصالح العدوانية للإمبريالية، وتقوم بإمبريالية على بلدانها من أجل الإمبريالية السيدة، لدرجة أن الأخيرة لا تحتاج أبداً إلى نشر دبابة واحدة أو جندي واحد في تلك البلدان. وهكذا، فإن معالجة قضية الإمبريالية من خلال التركيز أكثر على العوامل الداخلية لكل بلد هي معالجة مختلفة عن غيرها، لأن الحالة مختلفة إلى حد كبير.

على أن هذا الأمر يحتاج أيضاً لقراءة مجددة في مسألة الإمبريالية نفسها من حيث سماتها الأساسية، وهل بقيت تلك السمات كما طرحها لينين قبل أكثر من قرن، أم هناك تغيرات طرأت عليها!

ما هي الإمبريالية؟

لا يزال عمل لينين حول الإمبريالية صالحاً للتحليل التقدمي والنقدي والطبقي الحالي للنظام الرأسمالي العالمي، ولكن بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا النظر في التطورات العالمية الجديدة لبناء تحليل عملي ودقيق.

على سبيل المثال، هل هناك أشكالاً جديدة من الإمبريالية بعد عهد لينين؟ وهل التقسيم العالمي للعمل لا يزال كما كان؟ وإلى أي مدى تتخذ الإمبريالية أشكالاً جديدة وفقاً للجغرافيا؟ أي أن بعض بلدان المحيط أصبحت إمبريالية، أو إمبريالية تابعة، أو إمبريالية وسيطة أو شبه إمبريالية أو إمبريالية وكيلة أو تذوتت الإمبريالية …إلخ. يجب أن نعطي تعريفاً للإمبريالية نظراً لخصائصها الجديدة التي تلت ما كتبه لينين.

الإمبريالية بالنسبة للينين هي:

1) تطور تمركز الإنتاج ورأس المال إلى درجة عالية أدت إلى نشوء احتكارات تلعب دوراً حاسماً في الحياة الاقتصادية[2].

تحافظ الاحتكارات الإمبريالية على هيمنتها على الحياة البيئية/ السياسية والاجتماعية والثقافية في كل من بلدان المركز والمحيط منذ عهد لينين وحتى اليوم، ولكن بطريقة أكثر تعقيداً. منذ سبعينيات القرن الماضي تم نقل مقدار كبير من مواقع الإنتاج من خلال الشركات متعددة الجنسيات MNC، ليس من قبل دولها الأم  ولكن بدعم من تلك الدول إلى بلدان المحيط. بينما كان يُعتقد لفترة طويلة أن الدولة هي أداة في خدمة الطبقة الرأسمالية، أصبح من الواضح أن الدولة موجَّهة وتُستخدم لخدمة الشركات متعددة الجنسيات، أي أداة للشركات. قد لا يكون من قبيل المبالغة إذا قلنا أن كليهما اندمجا كمكونين من نفس الفئة[3].

لنكن واضحين، نعني هنا بالدولة، أولئك الذين في السلطة الذين يحكمون الدولة كمجتمع وأرض لبلدانهم، والبلدان الأساسية، ويكسبون/ يحتكرون فائض القيمة/ القيمة الزائدة المأخوذ من جهد الطبقة العاملة في بلدانهم، والمنقول/ المنهوب من الأطراف إلى المركز التي تتبلور في شكل ربح وفي النهاية تزيد التراكم. وبناءً على ذلك، فإن تراكم رأس المال والإدارة واتخاذ القرار تتركز وتتخذ قراراتها في البلدان الأساسية أي المراكز الرأسمالية الإمبريالية.

 “دمج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي، وتبلورهما في “أوليغارشية مالية” أي رأس المال المالي”؛

السؤال هنا أين يحصل هذا جغرافياً؟ هنا تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في عدم بقاء مواقع إنتاج الشركات متعددة الجنسيات في المركز حصراً. أدى هذا إلى تغيير في معنى وممارسة سيادة الدول التي تم تعزيزها في المركز وتقريباً اقتلاعها في الأطراف. شهدت هذه الظاهرة تغيراً جذرياً إلى حد أنه بينما لا يزال المركز يسيطر على معظم رأس المال العالمي، إلا أن رأس المال يتخذ أشكالاً مختلفة أكثر فأكثر على النطاق العالمي.

 يتم في المركز تمويل عملية التراكم بشكل كبير من خلال المضاربة حيث يولد المال مالاً في عملية تراكم غير منتجة، تولد الكثير من رأس المال الكسول! قصدت هنا تراكم مبالغ ضخمة من رأس المال في الجنة المحمية، أي الجزر الصغيرة المعزولة حيث لا توجد ضرائب من ناحية ولا يتم استثمار نفس المبالغ من رأس المال في القطاعات الإنتاجية من ناحية أخرى. قصدت برأس المال الكسول أنه تراكم هائل لا يستثمر في القطاعات الإنتاجية بل في المضاربة.

تركزت مواقع الإنتاج بشكل أكبر في الأطراف لدرجة أنه وفقًا لبيانات منظمة العمل الدولية، نما إجمالي القوى العاملة في العالم من 1.9 مليار إلى 3.1 مليار بين عامي 1980 و2007. وكان 73 ٪ من هؤلاء الأشخاص من البلدان النامية، مع الصين والهند بنسبة 40٪[4].

منذ عهد لينين حدث تغيير في دور وهيكل الدولة في المركز، حيث سقط المركز بعد الطفرة الممتدة من 1945-1963 في أزمة ناجمة عن التطور التكنولوجي السريع، ورفع أسعار النفط وتدهور إلى ركود تضخمي حيث لم تعد تعمل أو تنفع الإقتصادات الكينزية، وبدأت الأفكار النيوليبرالية في السيطرة، وبدأت الأنظمة التي انتقلت إلى النيولبرالية بتبني عدم التضبيط، ولم تعد القوى الأساسية التي تتحكم في عمل الأسواق المالية هي الحكومات بل الأسواق والأسواق مجرد إيديولوجيا لأن من يفعل هي الشركات. لكن وراء الأسواق كان هناك بشر ليسوا يداً خفية، إنها الطبقة الرأسمالية في دورها في إخضاع الدولة لمصالحها الخاصة و/أو كلاهما كانا جزءًا من نفس الطبقة.

لقد قلَّصت أنظمة الحكم في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من حجم الدولة/ السلطة فقلصت الدولة إلى الحد الأدنى من أجل إلغاء التضبيط الاقتصادي، وتطبيق الخصخصة، وأخيراً تبني الليبرالية الجديدة. فما تبقى من الكينزية هي الكينزية العسكرية حيث تركز الدولة، وخاصة في الولايات المتحدة، بشكل أكبر على الإنفاق العسكري ومساعدة شركات إنتاج السلاح. هذه الميزة النسبية تشترط توافر ودعم عاملين أساسيين:

أ. سوق عالمية للأسلحة حيث تقوم الدولة بتعزيز نفسها بشكل عام،

ب. الحروب بين الدول.

لقد وفر انهيار الاتحاد السوفييتي للمركز فرصة ذهبية حيث أصبحت يد الإمبريالية حرة في مهاجمة العديد من البلدان، وحوّلت الحرب الباردة إلى حرب ساخنة وباردة.

3) “يكتسب تصدير رأس المال بتمييزه عن تصدير السلع أهمية استثنائية”.

يشهد التصدير تغيرات متبادلة بين السلع النهائية ورأس المال ورأس المال المنتج، وهن يعملن بالتوازي، ولا يعمل أيٌّ منهن بمفرده، بل يتغلب أحدها على الأخريات في فترات زمنية معينة. في زمن لينين، كان تصدير رأس المال هو السائد، لكن السلع استمرت في التصدير. وبحلول الأربعينيات من القرن الماضي، كانت دول المحيط/ الأطراف تصدر المنتجات الزراعية إلى المركز، وهو الأمر الذي كتب عنه راؤول بيربيتش من مجموعة “إكلا”، ولكن فيما بعد أصبح المركز مصدراً للمنتجات المصنعة والغذائية إلى الأطراف. لكن التغيير الأكثر لفتا للنظر بدأ في السبعينيات عندما بدأ المركز في تصدير رأس المال العامل المنتِج إلى المحيط/ الأطراف. تلك التغييرات التي حدثت بعد لينين يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

يشهد تصدير رأس المال عدة تغيرات، حيث قلل المركز الاستثمار الداخلي من جهة، وبالتالي فهو يصدر الحجم الهائل لرأس المال الكسول الذي نشأ عن طريق أزمة التراكم في شكل استعمار دول المحيط/ الأطراف عن طريق شراء الأراضي هناك، أي الاستعمار بالامتلاك، وأصبحت بعض الدول المحيطية/ الطرفية، أي اقتصادات الخليج العربي الريعية مصدِّرة لرأس المال، ولكن ليس للاستثمارات الإنتاجية[5].

ولكن مرة أخرى، يؤكد تصدير رأس المال مجددًا على مجادلة لينين بشأن تصدير رأس المال من خلال الأنظمة والشركات على حدٍ سواء. أنشأت الشركات عابرات القومية فروعًا وشركات تابعة في جميع أنحاء العالم من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي توسع حجمه بشكل كبير بين عامي 1980 و2008، زاد عدد الشركات عابرة القومية من 15000 إلى 82000. نما عدد الشركات التابعة في الخارج بشكل أسرع من 35.000 إلى 810.000، في عام 2017، كان ما يزيد عن 60٪ في المتوسط ​​من أصول ومبيعات أكبر 100 شركة غير مالية عبر وطنية في العالم موجودة أو تم تحقيقها في الخارج. شكل الموظفون الأجانب حوالي 60٪ من إجمالي الموظفين[6].

4) “تكوين اتحادات رأسمالية احتكارية عالمية تقتسم العالم فيما بينها”.

“قامت الاتحادات الرأسمالية الاحتكارية والكارتلات والسنديكات وغيرها من الصناديق الائتمانية أولاً بتقسيم السوق المحلية فيما بينها وحصلت على تخصص كامل إلى حد ما في صناعة بلدها. ولكن في ظل الرأسمالية، يرتبط السوق المحلي حتماً بالسوق الأجنبية حيث خلقت سوقاً عالمية، مع زيادة تصدير رأس المال، ومع توسع الروابط الأجنبية والاستعمارية و”مجالات النفوذ” للجمعيات الاحتكارية الكبرى في جميع النواحي، انجذبت الأمور “بشكل طبيعي” نحو اتفاقية دولية بين هذه الجمعيات، ونحو تشكيل الكارتلات الدولية. هذه مرحلة جديدة من تمركز رأس المال والإنتاج في العالم، وهي أعلى بما لا يقاس من المراحل السابقة. دعونا نرى كيف يتطور هذا الاحتكار الفائق[7]“.

“إن صعوبة التنافس ضد هذه الثقة، وهي في الواقع صندوق ائتماني عالمي واحد يتحكم في رأس مال يبلغ عدة آلاف من الملايين، مع فروع ووكالات وممثلين واتصالات، وما إلى ذلك، في كل ركن من أركان العالم، أمر بديهي. ولكن إن تقسيم العالم بين تروستين قويين لا يمنع إعادة التقسيم إذا تغيرت علاقة القوى نتيجة للتطور اللامتكافئ، والحرب، والإفلاس، وما إلى ذلك[8]“. 

ولكن الآن، هناك شركاء جدد مثل الصين والكيانات الخليجية الريعية التي تحتكر الكثير من الثروة العالمية، على الرغم من الاختلاف بين طرق الإنفاق وحجم كل منها من حيث عدد السكان والجغرافيا. هذا يطرح السؤال عما إذا كانت تلك الدول إمبريالية؟ على الأقل في تراكم الثروة، هل هن شريكات؟

5) “اكتمل التقسيم الإقليمي للعالم كله بين أكبر القوى الرأسمالية”.

“ينقسم العالم تماماً اليوم لأول مرة، ولذا غدت إعادة التقسيم ممكنة في المستقبل، أي أن الأقاليم يمكن أن تنتقل فقط من واحد ’مالك’ إلى آخر، بدلاً من نقلها كأرض لا مالك لها إلى ’مالك’… ومن ثم، فإننا نعيش في حقبة غريبة من السياسة الاستعمارية العالمية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ”المرحلة الأخيرة “في تطور الرأسمالية”، برأس المال المالي[9]“.

في خطبة خوفاً من احتجاجات العمال في لندن 1890 قال سيسيل رودس وزير المستعمرات للإمبريالية البريطانية 1890: “إذا كنت تريد تجنب الحرب الأهلية، يجب أن تصبح إمبريالياً”.

لقد وُجدت السياسة الاستعمارية والإمبريالية قبل المرحلة الأخيرة من الرأسمالية، وحتى قبل الرأسمالية. اتبعت روما، التي تأسست على العبودية، سياسة استعمارية ومارست الإمبريالية. لكن الاستقصاءات “العامة” حول الإمبريالية، التي تتجاهل، أو تضع في الخلفية الاختلاف الأساسي بين التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية، تتحول حتماً إلى أبشع تفاخر مبتذل كالمقارنة بين “روما العظمى وبريطانيا العظمى[10]“.

حتى السياسة الاستعمارية الرأسمالية في المراحل السابقة للرأسمالية تختلف جوهرياً عن السياسة الاستعمارية لرأس المال المالي[11].”

“كلما تطورت الرأسمالية كلما زاد الشعور بنقص المواد الخام، كلما اشتدت المنافسة والبحث عن مصادر المواد الخام في جميع أنحاء العالم، زاد النضال اليائس من أجل الاستحواذ على المستعمرات[12]“.

لقد اكتمل تكوُّن الإمبريالية في زمن لينين، لكنه تغير بشكل جذري وما زال يتغير طالما تغير ميزان القوى بين الإمبرياليات لصالح الإمبريالية الأمريكية. أصبحت معظم المستعمرات “مستقلة” سياسياً بالشكل الذي أطلق عليه ما بعد الاستعمار وأخذت العلاقة بين المركز والمحيط شكل التبادل الاستعماري غير المتكافئ أكثر من احتلال عسكري، على الرغم من حقيقة أنها زادت نسبياً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

اتسع نطاق التبادل غير المتكافئ كحالة وُسطى بل كتحالف من الكومبرادور المحيطي على حساب بلدانهم مع رأس المال الاحتكاري الإمبريالي، وهو تطور يتجاوز “التقسيم الإقليمي للعالم كله بين أكبر القوى الرأسمالية، إلى انقسام/ تحالف بين الطبقات الرأسمالية في المركز والرأسمالية الكمبرادورية في المحيط والذي أسميه القطاع العام الرأسمالي المعولم (أنظر لاحقا).

6) الإمبريالية كمرحلة خاصة من الرأسمالية

“لكن الرأسمالية لم تصبح إمبريالية رأسمالية إلا في مرحلة محددة وعالية جدًا من تطورها، عندما بدأت بعض خصائصها الأساسية في التحول إلى نقيضها، عندما اتخذت سمات حقبة الانتقال من الرأسمالية إلى نظام اجتماعي واقتصادي أعلى شكَّلت وكشفت عن نفسها في جميع المجالات[13].” 

يتابع لينين: “إذا كان من الضروري تقديم أقصر تعريف ممكن للإمبريالية، فيجب أن نقول إن الإمبريالية هي مرحلة الرأسمالية الإحتكارية”.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….


[1] أنظر مقالنا “تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي”، في المستقبل العربي، العدد 197 رقم 7 لعام 1995.

[2] Lenin, Imperialism, The Highest Stage of Capitalism,  Progressive Publishers, Moscow 1975, pp. 16-71.

[3] ) في الحرب الإمبريالية ضد العراق عام 1991 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تم وضع مراسلين صحفيين في دبابات في مقدمات الجيوش المعتدية لكي يصوروا مدى فعالية الأسلحة التي صنعتها الشركات.

[4]    Forster, J. B., R.W. McChesney, and R. J. Jonna. 2012. “Global Labor Reserve Army and Neo-imperialism.” [In Chinese.] Foreign Theoretical Trends, no. 6.

[5] See Adel Samara Capital and Capitalized Coved-19 in Class War against Labor, It is a matter of Accumulation. In DIS-LEUR! BULLETIN DIINFORMATION 2021.Bureau D Information. ALBA GRANADA NORTH AFRICA COORDINATION, gnientalba@gmail.com

[6] United Nations Conference on Trade and Development. 2018. World Investment Report 2018 – Investment and New Industrial Policies. See https://unctad.org/en/Pages/DIAE/World%20Investment%20Report/World Ibid, p. 63_Investment_Report.aspx.

[7] Ibid, p. 63

[8] Ibid, p. 66 

[9] Ibid, p. 72

[10] C.P. Lucas, Greater Rome and Greater Britain, Oxford, 1912, or the Earl of Cromer’s  Ancient and Modern Imperialism, London, 1910

[11] Ibid, p. 77

[12] Ibid, p. 77

[13] Ibid, p. 82