انتقلوا من الدهشة ثم المناحة … فماذا عن الزراعة (حلقة 3 والأخيرة)، د. عادل سماره

  • نظرية شيانوف ممكنة هنا
  • كل شبر هو بديل وكل يد هي كفاءة

صحيح أن الكيان صادر كثيرا من مساحة الضفة الغربية ولم يتوقف، وأغلق مساحات كبيرة سواء لزعم تدريب جنوده أو بمنع إعمارها بآلات كبيرة…الخ. ولكن ولكي نلجم هذا التغول فإن استغلال اي شبر هو مساهمة في البديل وصد الاحتلال وتوفير نسبة من الكفاية الغذائية.

مهم الانتباه إلى أن دُعاة الاستهلاكية والمعتادين عليها من خلال العمل في الكيان، وسمسرة تشغيل العمال هناك وشبكة تجار الكمبرادور/وكلاء استيراد المنتجات الأجنبية، المتعيشة من الاستيراد من الكيان وعبر الكيان سيواصلون الهزء من هذا والتقليل من شأنه. وبالطبع لا يُرد عليهم بما نكتب إذا لم تكن هناك قوة اجتماعية جماهيرية تتبنى العمل الزراعي الإنتاجي والعمل التعاوني وتسويق المنتجات.

لدى مختلف الفلاحين قطعا من الأرض صغيرة ملاصقة للبيوت أو أكبر وابعد، ولدى حتى من يعملون موظفين او في الكيان وقتا للعمل في الأرض وخاصة في الصيف حيث النهار الطويل ومنه ساعات بعد العمل والوظيفة.

لكن وهم “الأستاذ” لم يُخلع من ذهنية المجتمع وجرى استبداله بالعمل داخل الكيان والشعور ان الأجرة كافية، فلماذا تتسخ ملابسه في الأرض.

الأستاذ هو رغبة ساذجة من الفلاح بأن ابنه سيكون استاذا، وهذا مأخوذ عن فترة الأردن وما قبل. لذا ما ان يصل الابن الصف السادس الابتدائي حتى يدعوه الأب ب الأستاذ ويبدأ هو بالتصرف ك “استاذ” أي لا يعمل حتى معهم وما ان ينهي درجة تعليمية حتى يبحث عن وظيفة وبالتالي لا يرث العمل الزراعي! لذا، وجدت في كثير من الدراسات الميدانية أن أكثر من يعمل في الزراعة في الضفة الغربية:

·       إما نساء

·       أو كهول من الذكور

وهذا يعني مغادرة الأرض بل وحصل ذلك.

من الممكن دائماً أن تعمل المرأة في استغلال القطع الصغيرة حتى خلال عمل الرجل سواء في المحتل 1948 أو في الضفة نفسها أو في الخارج، لكن هذا النهج نادرا ما حصل، ولكن الاستهلاكية حولت كثيراً من النساء إلى عامل مساعد للاستهلاكية، والتي هي في النهاية استهلاك منتجات الكيان اي توسيع سوقه محلياً. كثير من النساء يقلن: “والله يخلف على أبو فلان، ولا مرَّة خلاني أصيب بأيدي شغلة” المقصود العمل في الأرض.

كانت أول زيارة لي إلى فرنسا تموز 1977 لمؤتمر يناقش الاقتصاد في العالم الثالث رشَّح اسمي الراحل إيلان هليفي، وهو من اليمن واتجاهه ماوي ومؤمن بالكفاح المسلح كان قد هرب، مع زوجته، أعتقد الرابعة بالتتالي اي واحدة بعد الأخرى وهي السيدة كاثرين. هرب من فلسطين 1975 إلى فرنسا ومن فرنسا إلى تونس وعمل مع الراحل ابو جهاد ولاحقاً عمل في وزارة الخارجية للسلطة برام الله. (سأفصل عنه في مذكراتي).

بعد اسبوع من المؤتمر طلبت زيارة الريف الفرنسي فأخذني الحزب الاشتراكي إلى الجنوب لثلاثة أسابيع.

كان للحزب في القرية التي مكثت فيها مبنى من طابقين الأدنى لتخزين محاصيل تعاونية للحزب والثاني منتدى به كتب ومجلات…الخ.

ما لفتني أن النساء كن في الصباح تعمل كل واحدة في رعاية حلب الأبقار وتنظيف الماخور حيث بجانب كل بيت مزرعة بها قطيع من الأبقار وفي المساء نفس النساء مرتبات ويأتين إلى المنتدى!

كثيراً ما أصدر مركز معاً في رام الله تحذيرات من تلوث المنتجات الزراعية سواء من الكيان أو من استخدام محلي لمبيدات وأدوية وقاية ممنوعة دوليا وضارة، كما قال لي الصديق جورج قرزم.  وهذا يعيدنا إلى أن الزراعة البيتية هي منتوج عضوي نظيف وشبه مجاني وحتى مربح اقتصاديا. فمثلا بذور اليقطين لعشرين نبتة لا تكلف أكثر من نصف دولار، يمكن أن تنتج بما لا يقل عن مئة دولار لو كانت ستباع في السوق أو تُشترى من السوق.

وفيما يخص الإنتاج الزراعي البيتي وعموما، هو شائع في كثير من البلدان، فإن هذا الإنتاج لا يُدرج في حسابات الإنتاج الأهلي الإجمالي، مع أنه جزء هام منه. وأقصد هنا أن إدراجه ولو بالتقدير يعطي صورة مختلفة عن النشاط الاقتصادي للبلد يمكن أن تشجع على زيادة التوجه نحوه.

اذكر أن صدمة انتفاضة1987 أعادت كثيرين إلى الأرض وما لبثوا أن غادروها للعمل داخل الكيان بدافع الاستهلاكية والتي لو تخلصنا منها لكنا بغير حاجة العمل هناك تقريبا لكن ما ساد أن الاحتلال خلق فينا حالة شاذة “استمراء رفاة العيش تحت الاحتلال” بتوفير دخل أعلى وانتماء أقل!

واليوم، وبعد 7 تشرين/أكتوبر قام الكيان بمنع عمالنا من العمل هناك وضحى بتوقف عديد المشاريع في العمل الأسود وتوقف بعض العمال عن العمل رغم إمكانية التسلل وخاصة خوفاً على حياتهم، وبعد عدة أشهر بدأ الكيان في إعادة تشغيل عمالنا ليحلوا محل بعض جنود الاحتياط أو لتشغيل قطاع العمل الأسود…الخ والكثيرون ينتظرون سماح الكيان لهم بالعودة للعمل! وهذا يعني:

·       غياب تيار اجتماعي يدعو ويعمل ويساعد على العودة للأرض

·       وحرص الكيان على عدم تحول العمالة المحلية إلى الأرض

·       واستمراء معظم العمال للعمل في الكيان نظراً للأجور الأعلى كي يسددوا تكاليف الحياة الاستهلاكية التي تجذرت في اسرهم!

حينما دخل العالم أزمة كورونا/ فترة كوفيد 19، وخلالها كتبت محلياً الكثير، وشاركت في كتاب بأكثر من لغة عن هذا الوباء وأثره، وركزت على أهمية العودة للزراعة وأربحيته لأن كل العالم أصبح في أزمة غذائية، بل وأثبتت الجائحة أن الزراعة اي الإنتاج الغذائي هو أساسي للأمن القومي.

قد يقول البعض إن إنتاج المزارعين الزائد يبور ويرمى في الأرض. وهنا علينا التنبه إلى أن الاحتلال مأزوم زراعيا بسبب الحرب وبالتالي لن يوفر لنا ما كنا نستورده منه وإن حصل فبسعر عالٍ أو أننا سنشتري منتجات محرمة من تجار أردنيين ومن تركيا عبر الكيان؟ ولأن مقاطعة حقيقية ضد الاحتلال غير موجودة، فإن كثيرا من مزارعينا سيهرِّبوا الفائض بل الصنف الأفضل من المنتوج الزراعي إلى اسواقه ليحققوا دخلاً أعلى.

أذكر في انتفاضة 2000 وكنت لا زلت احتفظ بمزرعتي الصغيرة للدجاج البياض في القرية أن جاء مستوطن من المستوطنة المقامة على أرض القرية وتحمل نفس الاسم (بيت عور- بيت حورون!)  ليشتري البيض بثلاث اضعاف السعر المحلي، رفضت طبعا ولأن المداخل كانت مغلقة بالأتربة لمنع التسويق قررت التخلص من المزرعة بأن بعتها لأخي الراحل عمر.

فيما يخص الفوائض، هذه مسألة لا أدري لماذا لم يقم أحد من المستحدثين بالاستثمار في مخازن تبريد وتفريز …الخ.

أذكر عام 2007 أعددت أنا ود. مفيد قسوم (ضاقت عليه وعاد لأمريكا) دراسة قدمناها مجاناً لبلدية مدينة البيرة لإقامة مجمع ثلاثي التكوين:

·       مخازن تبريد وتفريز في الطابق الأسفل

·       وفي الطابق الثاني مجمع لجذب وتشغيل ذوي كفاءة اختراع الأدوات والماكينات البسيطة الوسيطة في الطابق الثاني وكنا قد جربنا أنا و د. محمد صرصور ، (هو ايضا ضاقت عليه وعاد لأمريكا، وأنا أستقلت رفضا للفساد) ، ذلك بنجاح عام 1992 حينما كنا في UNDP وكنت انا في قسم دراسات الجدوى من مركز التطوير الاقتصادي حيث جمعنا خريجي الهندسة الميكانيكية في دورة للإنتاج   gearللسيارات.

·       وفي الطابق الثالث معهد للرقابة والتنمية

ولكن لم يتم التنفيذ.

ليست هنا سِعةً للحديث عن التعاونيات، وكنت قد وضعت كتاباً في هذا المجال كي تستفيد منه مجموعات من الشباب الذين بادروا لهذا العمل.

ملاحظة: فيما يخص سياسات الاحتلال تجاه الزراعة والصناعة يمكن الرجوع إلى أطروحتَيْ للماجستير والدكتوراة وكتبي الأخرى وهي مطبوعة وفي المكتبات.  أما الوقائع المذكورة في هذا المقال فهي تفصيل في مذكراتي قيد الإعداد إن طالت بنا!

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….