السنة الرابعة والعشرون – العدد 6748
في هذا العدد:
■ من صفحات التاريخ l
- ذكرى معركة “ديان بيان فو” والنصر الذي هز العالم، تعريب حسين قطايا.
■ تتابع “كنعان” نشر كتاب “العروبة في مواجهة الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي”، لمؤلفه د. عادل سماره (الحلقة 3)
- تابع الفصل الأول: كيف تعمل الإمبريالية في الوطن العربي؟
■ خديجة بن قنة تمحو جرائم اسرائيل
✺ ✺ ✺
من صفحات التاريخ l
ذكرى معركة “ديان بيان فو” والنصر الذي هز العالم
تعريب حسين قطايا
خلال 56 يوماً من القتال الشجاع والإبداعي، حقق الجيش والشعب الفيتنامي انتصار ديان بيان والذي “تردد صداه عبر القارات الخمس وهز العالم” آنذاك.
في افتتاحيته أمس الأربعاء، تناول موقع “فيتنام+” ذكرى الانتصار الذي تحقق قبل 7 عقود من الزمن، من قبل الشعب الفيتنامي على جيش الاحتلال الفرنسي وسيطر على قاعدة “ديان بيان فو”، ويستذكر كيف تم التحضير للمعركة وإنجاز النصر.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
قبل 7 عقود في 13 آذار/مارس من العام 1954، شن الجيش الثوري الفيتنامي أول هجوم على قاعدة “ديان بيان فو” شديدة التحصين للمستعمرين الفرنسيين، ليبدأ بذلك ملحمة عسكرية استمرت 56 يوماً، سحق خلالها جيش الاحتلال الفرنسي وأدت إلى انتصار تاريخي للشعب الفيتنامي، وإلى توقيع اتفاقيات جنيف لإنهاء الاحتلال والحرب واستعادة السلام في الهند الصينية.
قبل المعركة بنحو عام، قام المستعمرون الفرنسيون بدعم وتدخل أميركي، بتبني خطة “نافار” لتحويل ديان بيان فو إلى أقوى قاعدة عسكرية في الهند الصينية من أجل السيطرة على كامل شمال غرب فيتنام ولاوس العليا وتدمير القوات الوطنية الفيتنامية وبسط النفوذ الاستعماري على مجمل أقاليم المنطقة.
أغدق الجنرالات الفرنسيون الثناء في ذلك الوقت على قوة التحصين في القاعدة وأطلقوا عليها اسم “القنفذ” كون دفاعاتها شديدة من كل الاتجاهات. وفي وادي مونغ ثانه، دفعت فرنسا بـ 16200 جندي في 21 كتيبة توزعت في مناطق شمالية ووسطى وجنوبية تضم 49 تحصيناً متصلة مع بعضها البعض، ويؤمن الجسر الجوي بين فرنسا ومطاري مونغ ثانه وهونغ كوم، الدعم الحيوي من خلال ما يقرب من 100 رحلة طيران مغادرة ووصول يومياً، تنقل نحو 200 إلى 300 طن من البضائع وإنزال 100 إلى 150 جندياً بالمظلات.
كان الجيش الثوري الفيتنامي ينظر إلى القاعدة العسكرية كفخ يستطيع من خلالها سحق القوات النظامية للمستعمر الفرنسي، الذي تتفاخر جنرالاته بقوة النيران التي يملكونها للقضاء على قوة أكبر منهم بأضعاف.
وقبل المعركة، جاء نائب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة، لتفقد بناء هذه القاعدة العسكرية وللتأكد من استخدام الاستثمار الأميركي في الهند الصينية بشكل فعال، وأعرب عن ارتياحه وثقته بقدرة القاعدة المذكورة على تأمين المصالح الغربية في الهند الصينية لفترة طويلة الأمد.
بعد إدراك مؤامرة وحيل المستعمرين الفرنسيين، في أوائل شهر كانون الأول/ديسمبر في العام 1953، قرر المكتب السياسي لحزب العمال الفيتنامي “الحزب الشيوعي الفيتنامي” الآن، إطلاق حملة عسكرية تستهدف القاعدة الفرنسية، واعتمد الإستراتيجية القتالية المتمثلة في “هجوم سريع/نصر سريع”، لكن الجنرال فو نغوين جياب عدل من الإستراتيجية بعد النظر في توازن القوى بين الجانبين، واتخذ القرار الأصعب في حياته المهنية بالانتقال إلى مفهوم “هجوم ثابت/ تقدم ثابت”، وتم تعميم الخطط التكتيكية والإستراتيجية للقتال بشكل مفصل ودقيق لدور كل الوحدات والأفراد لإنجاز المهام والتراص كجسم موحد الجهود والتصميم لتحقيق النصر. حفروا خنادق أعمق، ووضعوا كمائن متقدمة على قرب من القاعدة الفرنسية، ونظموا خطوط الإمدادات اللوجستية والتواصل بين الكتائب العسكرية المختلفة وتنسيق النيران بمشاركة عشرات الآلاف من الفيتناميين استعداداً للمعركة الكبرى.
وأرسل سكان مقاطعة ثانه هو وحدها 9000 طن من الأرز إلى خط المواجهة، وساهم سكان مقاطعة لاي تشاو بـ 2666 طناً من الأرز، و226 طناً من اللحوم، و210 أطنان من الخضروات، وتطوع 16972 شخصاً، وقدموا الخيول وعربات النقل والأخشاب لبناء الطرق والجسور، وفي الفترة من عام 1951 إلى عام 1954، تبرع سكان المنطقة الخامسة بأكثر من 1.32 مليون طن من الأرز غير المقشر ومبالغ كبيرة من المال.
وفي رسالته التي أرسلها إلى الجنود في 11 آذار/مارس 1954، قال الرئيس هوشي مينه آنذاك، إن المهمة صعبة للغاية ولكنها أيضاً مجيدة للغاية. وأعرب عن إيمانه الراسخ بأن الجنود سيستغلون انتصاراتهم السابقة للتغلب على كل العقبات والمشقات للقيام بالواجب الأسمى بتحرير البلاد.
في تمام الساعة الخامسة من مساء 13 آذار/مارس 1953، فتحت القوات الفيتنامية النار على حصن هيم لام، لتبدأ حملة ديان بيان فو، وبعد تدميره توجهوا نحو حصن دوك لاب وأجبروا تحصين بان كيو على الاستسلام، وبالتالي دمروا البوابة الشمالية لقاعدة ديان بيان فو، ووقع أكثر من 2000 جندي فرنسي في عداد القتلى أو الأسرى، ودمرت 25 طائرة، وتم القضاء على فوج عسكري بأكمله، وخلال شهر من المعارك هاجم الجيش الثوري التحصينات بشكل متزامن، وشدد الحصار، واستولى على مطار مونغ ثانه، وأجبر العدو على اتخاذ وضع الانسحاب والتقهقر، وفي الفترة من 1 إلى 7 أيار/مايو 1954، سيطرت القوات الفيتنامية على كل المواقع في الشرق وشنت هجوماً عاماً لتدمير قاعدة ديان بيان فو العسكرية بأكملها.
وفي اليوم الأخير، رفع الجيش الفيتنامي شعاره “عازمون على القتال، مصممون على الفوز” على قمة نفق قيادة الجنرال الفرنسي دي كاستريس بحلول منتصف ليل 7 أيار/مايو 1954، وتم القبض على جميع جنود القوات الفرنسية.
خلال 56 يوماً من القتال الشجاع والإبداعي، حقق الجيش والشعب الفيتنامي انتصار ديان بيان فو الذي “تردد صداه عبر القارات الخمس وهز العالم” آنذاك، وتم اجتثاث القاعدة العسكرية “التي لا تقهر” حسب ما زعم جيش الاستعمار الفرنسي.
مرت 70 سنة على انتصار ديان بيان فو، الذي سيظل مصدر فخر للفيتناميين ومعلماً ذهبياً رائعاً في التاريخ، كما قال آنذاك زعيم البلاد الكبير هوشي منه.
:::::
المصدر: “فيتنام+”، “الميادين”، 14 آذار 2024
✺ ✺ ✺
- تابع الفصل الأول: كيف تعمل الإمبريالية في الوطن العربي؟
إن مكونات وعوامل المظاهر الإمبريالية في الوطن العربي شديدة التداخل إلى درجة أنه من الصعب فصل الخارجي عن الداخلي، خاصة على ضوء التطورات الأخيرة لتلك العملية في شكل كلا العاملين في وئام عميق، مع الأخذ بعين الاعتبار:
• المساومة وإخضاع الذات من قبل الطبقات الحاكمة العربية للقوى الاستعمارية من جهة،
• وقمع أية مقاومة محلية من جهة أخرى.
بدأ العدوان الغربي الأخير والمستمر واستهداف الوطن العربي قبل عصر الإمبريالية، أي منذ ثلاثمائة عام بالتوازي أو نتيجة تحول غرب أوروبا إلى رأسمالية تجارية وتحولها إلى إستعمارية، وما بعد ذلك حتى حينه.
بينما تستعمر القوى الاستعمارية في كثير من الحالات مستعمرات ولكنها لم تجزئها، مثل إيران وتركيا وإثيوبيا والصين والهند …إلخ، الأمة العربية التي احتُلت وكادت تعتبر أجزاء من الاستعمار العثماني بذريعة “الأمة” أي “الأمة الإسلامية”، وغدت تحت الاستعمار الغربي مجزأة بشكل مصطنع إلى كيانات، كل منها بالكاد قادر على الوقوف بمفرده دون الاعتماد على القوى الإمبريالية. سوريا، على سبيل المثال، تمت تجزئتها داخلياً إلى أربع كيانات بما في ذلك قطع فلسطين للمستوطنين اليهود للكيان الصهيوني الإشكنازي، كمخلب قط ضد كل الوطن العربي.
إن الكيان الصهيوني الإشكنازي ككيان استعماري استيطاني واستثمار استراتيجي من قبل الإمبريالية ومن أجلها، هو الحالة الوحيدة في تاريخ العالم الحديث التي دعمتها بشكل مشترك: الإمبريالية، والكتلة الاشتراكية الديمقراطية الاجتماعية والأممية الشيوعية، وبطريقة خفية أنظمة العملاء العرب!
تلعب الأنظمة العربية التابعة المكونة من شخصيات وقبائل وطبقات …إلخ دور العامل الداخلي في خدمة استعمار بلدانهم على حساب مصلحة الوطن في الوحدة العربية. منحت القوى الاستعمارية كل جزء من هذا الوطن “دولة على قطعة جغرافية مقطوعة بشكل مصطنع” تحت إشراف نفس العدو الذي قام بتفتيت أمتهم نفسها، ومع ذلك فهم يطلقون على الإمبرياليين “حلفاءنا أو أصدقاءنا[1]“!
ومن المفارقات الأخرى أن الكثير من المثقفين العرب يسقطون في الدعاية الإمبريالية لترويج أكذوبة أن تلك الكيانات العربية العميلة، تدخل ما يسمى عصر “ما بعد الاستعمار”!
على الرغم من حقيقة أن الرأسمالية في كل عصورها تشن حروبًا متواصلة ضد جميع دول العالم بما في ذلك الأمة العربية، إلا أنني سأبدأ بالدور الداخلي للأنظمة والطبقات الحاكمة العربية في تعزيز الإمبريالية في وطنها، خاصة الدور الأخير والحالي لـتلك الأنظمة.
معظم الأنظمة الحاكمة العربية فرضتها القوى الاستعمارية، ومن لم يُفرض لم يُنتخب قط. وعليه، فإن العلاقة بين الحاكم والدولة والجماهير هي علاقة صراع طبقي، سواء كان ساخناً أم لا، ولكنها في معظم الأوقات تكون من طبقة واحدة ضد طبقات أخرى، أي من الطبقة الحاكمة ضد الجميع أي الطبقات الأخرى، حرب من جانب واحد لأن الطرف الآخر ما زال لا يقاتل بشكل طبقي منهجي واعٍ وسياسي، بل إن معركة 7 تشرين 2023 قد تحدت الأنظمة العربية كما تحدت الكيان الصهيوني ولذا لجمت الأنظمة العربية الحراك الشعبي مما كشف أن هناك مساكنة ثلاثية في الوطن العربي بين الأنظمة والشعب والقوى السياسية وهذه أدنى درجات الانحطاط..
تشجع هذه المقاومة منخفضة الوتيرة التي تبديها الطبقات الأخرى أي الطبقات الشعبية، الحكام على الاستمرار في متابعة مصالحهم من القمع إلى الخيانة في شكل سياسة الباب المفتوح المفتوحة بشكل أساسي للغرب مع إعطاء الأولوية للمصالح الاستعمارية، ومصلحتهم الخاصة على مصلحة الناس في التوجه التخارجي، ولكن مصلحة الناس تأتي ثالثًا، إذا حدث وأتت على الإطلاق.
عندما انتفض الناس في عدة دول عربية في انتفاضات 2011، خطفتها الثورة المضادة، التي هي موجودة بالفعل تحت جلد المرحلة، حركة الجماهير الغاضبة التي افتقرت إلى القيادة الثورية فحولتها لأنظمة وقوى الدين السياسي في مخطط مصمم في الغرب الرأسمالي الإمبريالي، ولهذا السبب أسميته الاستشراق الإرهابي.
وعليه، فإن الأراضي والأسواق العربية خاضعة للمصالح الاستعمارية الجديدة التي تحميها الأنظمة المحلية، لدرجة أن القوى الاستعمارية لم تعد بحاجة إلى أن تكون لها عساكر للحفاظ بها على مصالحها، إلا في حالة وجوب العدوان المباشر أي حصول ثورة اجتماعية مفاجئة. تلك الأنظمة، حفاظاً على مصالحها ودورها، تصمم سياسة داخلية من ثلاث آليات اجتماعية واقتصادية مدمرة:
- التجويف: أي تفريغ وعي الناس بالقمع، لا حريات، لا أحزاب قط ولا معارضة حقيقية، لا صحافة حرة، ويوجد في بعض الحالات برلمان شكلاني رسمي بينما الملك أو الرئيس أو الأمير فوقه دوماً وذلك من أجل،
- التجريف، تجريف الثروة إما من خلال اقتصاد التساقط أو من خلال الإنفاق غير المنتج، والتبادل اللامتكافئ، والتبادل اللامتكافىء المسلح[2]، ومؤخراً من خلال الحروب ضد بعضها البعض.
- تطوير اللاتكافؤ بين الدول العربية[3] من خلال التجارة العربية الداخلية الضعيفة للغاية، والحفاظ على أكثر من 70٪ من التجارة الخارجية مع الاتحاد الأوروبي وأكثر من 20٪ مع الإمبريالية الأمريكية، تقوض أي تكامل اقتصادي عربي- عربي[4].
بل إن ما يتواصل بين هذه الأنظمة ليس سوى استمرار الاجتماعات السنوية لوزارات الداخلية وأجهزة المخابرات لتبادل المعلومات حول المعارضة والمناضلين. هذه العلاقة بين أجهزة المخابرات كأدوات للقمع هي الوجه الوحيد للوحدة العربية الذي تحتفظ به الأنظمة الحاكمة!
لهذا السبب، خسرت الأنظمة العربية القرن الماضي دون أن تبني لا اقتصاديات رأسمالية ولا اشتراكية حتى شبه متطورة، وتؤدي هذه السياسات المتعمدة إلى نتيجتين خطيرتين:
• شعور الحكام ذاتياً بأنهم أعداء للجماهير والأمة، وهي حقيقة تدفعهم لمزيد من القمع والاعتماد على الإمبريالية، مما يعني أنه لا يوجد سلام اجتماعي في المجتمعات العربية بين الأنظمة الحاكمة العربية والطبقات الشعبية. بعبارة أخرى، إنها قضية طلاق بين الطبقة/ الحاكم/ النظام الرسمي والجماهير الشعبية.
• هذا يشجع الكثير من المثقفين ووسائل الإعلام الرسمية على نشر الدعاية القائلة بأن العرب أقل شأنا كعرق، ولا يوجد ضوء في نهاية النفق.
ولكن، على الرغم من كل هذه العوامل المجافية، فإن ضرورة تغيير هذه الأنظمة أطلقت الربيع العربي الذي فشل وانحرف إلى الربيع العربي/ الخريفي بسبب عاملين على الأقل:
أولاً: عدم وجود حزب قيادي ثوري، حيث كان يتم أولاً بأول قمع أنوية ذلك باستمرار عبر سياسة التجويف. في الواقع، بدأ هذا الغياب بعد هزيمة عام 1967 حيث خضعت وتدجنت معظم الأحزاب القومية والشيوعية العربية لأنظمة العملاء الكومبرادور الحاكمة، أو حتى تخلت عن أيديولوجيتها الرئيسية. إن إحدى النتائج المدمرة لانحراف حركة التحرر العربية هذه وارتدادها عن الصراع القومي والاجتماعي والطبقي، هو ازدهار تيار الدين الإسلامي السياسي، وهذا بخلاف الدين الإيماني أو التديُّن الجهادي المقاوم.
ثانيًا: لأن الثورة المضادة موجودة داخل البنى الاجتماعية السياسية مختزنة تحت غطاء النظام الذي هو جيد التسليح والتنظيم.
كانت معظم الأنظمة العربية، إن لم يكن كلها، قادرة على الصمود حتى بعد زلزال الربيع العربي/ الخريف وبعضها حتى بعده نظرا لمصدرين للقوة:
أولاً: كانت تلك الأنظمة أنظمة أمنية تحكمها قوى من الشرطة، وأجهزة استخبارات تحافظ على العوامل الطائفية والقبلية بل وتدعمها، الأمر الذي يتسبب في انقسام المجتمع ويصبح جاهزاً للاشتباكات الداخلية. لقد قامت الأنظمة ببناء أجهزة قمعية مختلفة تتحكم في جميع جوانب الحياة الاجتماعية بشراء أكثر تقنيات التحكم والأدوات القمعية تطوراً.
ثانيًا: كانت الأنظمة العربية معسكرين في علاقتها الخارجية. تم دعم كلا المعسكرين من قبل إحدى القوتين العظميين خلال حقبة الحرب الباردة العالمية:
أولاً: الأنظمة العربية ذات الاعتماد الكلي على الإمبريالية: الأنظمة الخليجية، والأنظمة الملكية …إلخ،
ثانياً: الأنظمة الجمهورية العربية التي تتبنى “سياسات تنموية واستراتيجيات تقارب الإشتراكية سلحها الاتحاد السوفياتي السابق وحاولت تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية”. كان هذا المعسكر محميًا من الغزو الإمبريالي المباشر بمجرد وجود الاتحاد السوفيتي.
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فقدت تلك الأنظمة عامل الحماية الخارجي لتعتمد على العامل الداخلي العامل الأمني وحده، والذي فشل في حماية الأنظمة أمام الغزو المباشر للإمبريالية مثل حالة العراق وليبيا من جهة، وفشل في حماية سوريا والعراق وليبيا واليمن من الإرهاب العربي الرسمي وإرهاب الدين السياسي من جهة أخرى.
في حين أن المعسكر الرجعي لم يُهدَّد لا بالدمار الخارجي ولم يواجهه احتجاج اجتماعي داخلي قوي كما كان الحال مع المعسكر التقدمي خلال الربيع العربي/ الخريف، ولكن ليس لأن تلك الأنظمة كانت قوية أو وطنية أو ديمقراطية أو خدمية لصالح الطبقات الشعبية، ولكن إلى حد كبير لأنها لا تزال تتمتع بعاملي الحماية في آن واحد: الحماية الإمبريالية والقبضة الأمنية المحلية.
تظهر الأحداث بشكل واضح أن أيا من معسكريْ الأنظمة العربية لم يكن يعتمد على آليات داخلية وذاتية لحماية الذات والاستمرارية.
جعلت هذه التبعية العربية العديد من تلك الأنظمة جاهزة لخدمة الإمبريالية، لدرجة أن معظمها يلعب دور “شبه إمبريالية” في التقسيم الإمبريالي الكبير للعمل في العصر الحالي.
في خدمة هذه الأنظمة للإمبريالية ضد أمتها كما نشهد الآن:
- طلب الملك السعودي فيصل عام 1967 من الرئيس الأمريكي ليندن جونسون اقتلاع نظام عبد الناصر في مصر مما أدى إلى هزيمة عام 1967، واحتلال بقية فلسطين وسيناء ومصر ومرتفعات الجولان السورية. لقد تمكنت الثورة المضادة من الإيلاج في الوعي الشعبي العربي بأن الكيان في هذه الحرب هزم مصر وسوريا والأردن مخفية حقيقة أن الحرب أساساً مع الغرب الإمبريالي، وكان هذا الإيلاج تكراراً لما أُولج عن حرب 1948، وفي الحقيقة لا تزال الأكذوبة قيد التطبيق حتى الآن.
- في عام 1991 قادت الولايات المتحدة “تحالفاً” يضم 32 جيشاً ضد العراق لأن النظام العراقي أعاد منطقة الولاية رقم 19 أي الكويت، وشاركت في هذا العدوان جيوش عربية كثيرة من الجمهوريات والخليج وغيرها.
- وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشاركة أية دولة عربية في حرب ضد دولة/ أرض عربية أخرى بقيادة أعداء إمبرياليين، تضع حجر الأساس من أجل:
سلسلة من العدوان العربي العربي من جهة، والأكثر تدميراً أن هذا الدور مكرس بشكل مطلق لاقتلاع العوامل العربية المشتركة والقومية العربية، وأخيراً الوحدة العربية.
كانت حرب عام 1991 ضد العراق لتدميره وحصل، ثم حرب 2003 ضد العراق التي أدت إلى احتلال كامل البلد وتغيير النظام من ديكتاتورية عروبية إلى دكتاتورية تحالف طائفي شيعي/ سني فاسد تحت إشراف المحتل الأمريكي أي عميل. يجب ألاَّ نتجاهل أبداً أن صدام كان ديكتاتوراً، وألاَّ نتجاهل كذلك أن الحكام العرب الآخرين لم يتم انتخابهم قط.
تقدمت جامعة الدول العربية في عام 2011 بطلب إلى مجلس الأمن لاحتلال ليبيا، وتشاركت معظم الجيوش الغربية في تدمير ليبيا بالإضافة إلى الجيوش العربية من الأردن وقطر والإمارات …إلخ. تقدم وزير الخارجية المصري السابق ثم أمين عام جامعة الدول العربية، عمرو موسى، بطلب إلى المستشار الأمني للأمم المتحدة لغزو ليبيا واحتلالها[5]. والمثير للسخرية اللاذعة أن عمرو موسى نفسه رشح نفسه لرئاسة الجمهورية في مصر إثر انتفاضة 2011!
قررت الجامعة العربية عام 2011 إلغاء عضوية سوريا بالتبرع بمقعدها لممثل الجماعات الإرهابية، وبقيت سوريا خارج الجامعة حتى 20 أيار 2023[6]!
في عام 2015، شنت المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة حرب احتلال ضد الجمهورية اليمنية بدعم وتسليح وتوجيه لوجستي من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمبرياليات الأخرى، وقد توقفت هذه الحرب نسبياً في أوائل عام 2023.
تدعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكيان إثيوبيا في حربها المائية ضد مصر من خلال بناء سد النهضة و20 سداً صغيراً أخرى على النيل الأزرق، الأمر الذي سيترك كمية قليلة من المياه لمصر كي تعاني من العطش وتصحر الأراضي. علاوة على ذلك، عندما أصبحت قوات تجراي على حافة تحرير أديس أبابا 2022، أرسلت الإمارات عشرات الطائرات بدون طيار لدعم النظام مما أدى إلى انسحاب تجراي! وكانت هذه طعنة لمصر.
وحاليا، ونحن نكتب هذا الكتاب وبعد أن قامت حركة المقاومة حماس يوم 7 -10-2023 باختراق الكيان في المحتل 1948 وتحرير ضعف مساحة قطاع غزة. قام الكيان، حتى كتابة هذه السطور، بحرب غارات جوية ضد المدنيين في غزة ولا يزال عدد الضحايا غير معروف؛ بينما عقدت 57 دولة عربية وإسلامية مؤتمراً في الرياض يوم 11-11-2023 لمناقشة الحرب، ولم يصدر عنها سوى بيان مطالبة المجتمع الدولي بالطلب من الكيان وقف الحرب!
دون الخوض في مزيد من التفاصيل، كل تلك الحروب هي في خدمة الثورة المضادة وخاصة الإمبريالية والكيان. إن دور الأنظمة العربية العدواني ضد أي بلد عربي هو إمبريالية ذاتية، كخطوة لصالح المعسكر الإمبريالي الغربي.
تكاليف تلك الحروب لا تُحصى، حيث جعلت من الثروة أداة حريق لا أكثر ومثَّلت انتحاراً وطنياً للذات في الحالة العربية، وتبرع غير متوقع لبنية التراكم لاقتصادات الإمبريالية، خاصة في أعقاب الأزمة الاقتصادية/ المالية الممتدة منذ عام 2008.
من المفارقات في الحروب العربية العربية بشكل خاص عام 2010 وما بعد، أن كل تلك الحروب كانت وفقًا لخطة الإمبريالية من ناحية، ولكن دون أن تكلف الإمبريالية فقدان جندي واحد. أما بالنسبة لقضية الأنظمة العربية إمبريالية الذات ولعب دور شبه الإمبريالية، فتبدأ أنظمة الخليج العربي بتأجير أو شراء الأراضي في الدول الإفريقية ودولة السودان العربية، بإنشاء مستعمرات زراعية جديدة تستغل العمالة المحلية الرخيصة.
تخبرنا هذه الصورة القاتمة أن معظم الدول العربية غير قادرة أو غير راغبة في تجاوز التخلف، بل تعرقل التنمية، وتكرس التبعية والحروب الداخلية، والقهر الكامل لصالح الإمبريالية وخيانة الأمة. وبينما وصلت هذه الحقبة إلى حدودها وأصبحت غير قادرة ولا هادفة سوى إنتاج المزيد من الدمار والإمبريالية الذاتية، فإن أداة التغيير لا تزال غير متوفرة حتى الآن.
اتخذت شبه الرأسمالية وما قبل الرأسمالية والتشكيلات الاجتماعية المختلطة في معظم البلدان العربية طريقا مدمرا للتطور الرأسمالي، مقارنة بمعظم التشكيلات الاجتماعية العالمية. مثلاُ قامت أوروبا الغربية والمستوطنات الرأسمالية الاستعمارية البيضاء، والرأسمالية في روسيا قبيل ثورة عام 1917 والهند وحتى في النمور الآسيوية، بتبني سياسة التحكم بالفائض الناتج عن التمحور على الذات من أجل التراكم تحت قيادة برجوازية محلية. وفي العقود الأخيرة، تَحقق التطور الرأسمالي في الصين وتركيا وإيران على سبيل المثال من خلال سياسات السيطرة النسبية على الفائض المحلي. حتى الفساد في العديد من البلدان، أي كوريا الجنوبية، اتخذ شكل الاستثمار داخل البلاد.
بينما بسبب سياسات الباب المفتوح، أو التخارج الكامل، فإن الأنظمة العربية فاسدة توجه الفائض إلى الخارج، هذه سياسة الدول العربية ذات الفائض وذات العجز. لقد تم إيداع الدخل المتراكم بعد أسعار النفط الصادمة في البنوك الرسمية والتجارية للبلدان الإمبريالية، إما للفائدة في المصارف الغربية أو استُثمرت في سندات الخزينة الأمريكية، أو في أيدي النظام الأمريكي لبناء وتوسيع البنية التحتية لأنظمة الريع وليس المواقع الإنتاجية[7].
حتى تسعينيات القرن الماضي، لم يكن مفهوماً: لماذا تكدس أنظمة الخليج الريعية كميات هائلة من الأسلحة، خاصةً لأنها هي نفسها تؤكد أنها غير قادرة على حماية نفسها من تهديد إيران الذي يمكن تخيله لتبرير وجود قواعد إمبريالية في بلدانها. جاءت الإجابة عن هذا السؤال لاحقًا مع الخريف/ الربيع العربي عام 2011، عندما تم استخدام تلك الأسلحة للتدمير الداخلي للدول والمجتمعات العربية بدور شبه إمبريالي للدول العربية، أي النظام السعودي والكيانات العربية مثل قطر والإمارات، هذا بالإضافة إلى تمويل وتدريب وتجنيد الإرهابيين لمنظمات قوى الدين السياسي، أي كنتيجة للاستشراق الإرهابي.
تنفرد الأنظمة العربية ذات الفائض في تشتيت الفائض وإتلافه في تخريب أنظمة عربية أخرى خاصة منذ عام 1991، أي للحروب العربية البينية في مخططات قادها مركز الإمبريالية. لا تحاول الأنظمة العربية أبداً استيعاب لحظة ضعف/ تراخي القبضة الإمبريالية، أي بعد الأزمة المالية/ الاقتصادية خاصة في مركز النظام العالمي لتحقيق مستوى معين من التنمية، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من الدول العربية تحصل على سيولة مالية في عصر نقص رأس المال في كثير من دول العالم.
التحدي الآخر هو الفشل في استغلال الحرب الدفاعية الروسية ضد توسع الناتو، والنظام الأوكراني وتحالفه مع النازية الجديدة والصهاينة كفرصة للأنظمة العربية لاستغلال اللحظة وممارسة الضغط على الإمبريالية، لتقليل دعمها على الأقل للكيان الصهيوني؛ ما حدث هو عكس ذلك، بعض هذه الأنظمة تبرعت لأوكرانيا كما فعلت السعودية ب 500 مليار دولار وقَطر تدعم أوروبا ضد روسيا بتقديم ما يمكنها من تصدير النفط والغاز، لتمكين أوروبا من مقاطعة النفط الروسي ودعم النظام الفاشي في أوكرانيا. الأردن والإمارات العربية المتحدة والنظام الجديد في تونس، يحضرون المؤتمر الإمبريالي لـ 42 نظامًا لدعم النظام الأوكراني ضد روسيا. النظام السعودي والقطري والإماراتي يدعمون آبي أحمد حاكم إثيوبيا ضد مصر وحميدتي في السودان من أجل تجزئة السودان، وشاركت هذه الأنظمة في تدمير ليبيا في ذيل الناتو.
كثير من الناس يتوقعون أن نظام السعودية وحتى الأنظمة العربية الأخرى قد تتخلى عن علاقتها بالولايات المتحدة، إلا أن تاريخ وبنية الأنظمة الحاكمة يعارض هذا التفاؤل، ولكن حتى لو حدث ذلك، فقد يتبعه الاعتماد على الصين وروسيا؛ وفي الحقيقة حتى لو كانت الأنظمة العربية تقدمية ووطنية وقومية، فلن يتغير شيء حقًا طالما أنها تتكون من عشرين نظاماً متشظياً لا وزن لأي منها فرادى.
من المهم للعرب الماركسيين والقوميين والمنظمات والأحزاب التقدمية أن تدرك ما هي هذه الأنظمة العربية، أي ألا تنخدع بتصريحات كاذبة لبعض الحكام العرب الذين يتظاهرون بأنهم محايدين تجاه الحرب في أوكرانيا، لأن الحقيقة عكس ذلك إنهم في المعسكر الإمبريالي. لقد حرقت تلك الدول فوائضها بما في ذلك الكميات الكبيرة التي تراكمت حاليا في أعقاب ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب في أوكرانيا، سواء في شراء أسلحة من المركز، وإطلاق حروب داخلية، وإيداع الباقي في البنوك الغربية؛ وهي مشتريات غير ضرورية وأرصدة لا يمكن سحبها، ولعل أوضح مثال هو البلطجة الغربية بسرقة 600 مليار دولار روسي إثر حرب أوكرانيا.
عندما وقع العالم في جائحة Covid19، تضاءل الإنتاج الزراعي على المستوى العالمي، أصبحت الدول العربية من أكثر البلدان التي تتعطش لاستيراد الغذاء ناهيك عن الحاجة إلى الأدوية. الأمر نفسه والأكثر إشكالية هو حالة الدول العربية أثناء الحرب في أوكرانيا بعد الحصار الروسي على موانئ أوكرانيا، التي أوقفت تصدير القمح الأوكراني. الدول العربية هي الأشد حاجة إلى القمح والمواد الغذائية الأخرى.
لم تنحصر حاجة الدول العربية الماسة للغذاء أبدًا في مشكلة عدم القدرة على استيراد المواد الغذائية بسبب الحرب في أوكرانيا، لكنها متجذرة أساسًا في فشل تلك الأنظمة في تطوير القطاعات الإنتاجية داخل بلدانها، خاصة الغياب شبه التام للتكامل الاقتصادي العربي؛ على سبيل المثال، بل استثمرت الأنظمة العربية ذات الفائض في أراضي واسعة وخصبة للدول العربية التي تعاني من نقص مثل السودان. لكن الذي يحدث هو أن الدول العربية الخليجية اشترت أراض رخيصة في السودان وأنشأت مستعمرات زراعية لنفسها تاركة السودانيين في فقر ومجاعة! بينما يذهب المركز إلى الاستعانة بمصادر خارجية للإنتاج كبديل للاستثمار في الداخل. لم تتجه الأنظمة العربية ذات الفائض أبدًا إلى الاستثمار الداخلي العربي لإنتاج الاحتياجات الأساسية، بل تذهب للاستثمار في الزراعة في البلدان الفقيرة في إفريقيا حيث تمارس أكثر أشكال الاستعمار استغلالية[8].
تستثمر الأنظمة العربية والبرجوازية في مناطق هشة وخطيرة حيث لا يوجد ما يضمن أنهم أي العرب قادرين على سحب ثرواتهم، خاصة إذا حدث تغيير سياسي مناهض للإمبريالية في أي بلد ممن لها استثمارات في الغرب.
بالمقارنة مع الصين، على الرغم من الاختلافات في تعريف النظام الصيني بعد الماوية حيث يسميها قادتها “الاشتراكية بالخصائص الصينية”، بينما يصر العديد من الكتاب على أنها نظام رأسمالي، لكنني أحصر الحديث في الاختلاف بين الإدارة العربية والصينية لرأس المال حيث عالجت الصين في كتابي صين إشتراكية أم كوكب إشتراكي 2022. فتحت الصين اقتصادها أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، وأغمضت عن الصينيين الفاسدين من أجل منع هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، وهذه السياسة تسهل نسبة عالية من النمو. والعكس هو سياسات الأنظمة العربية خاصة في الخليج، حيث تستحوذ على الكثير من الفائض لكنها تفتقر إلى القرار السياسي الوطني الهادف إلى التنمية. لم تتبن تلك الأنظمة سياسات التنمية الداخلية، بل توسعت في الاستيراد الاستهلاكي من الخارج وتصدير رؤوس الأموال لتجميعها في البنوك والشركات الأجنبية. ومؤخراً الاستثمار في تأجير الأراضي أو شرائها في دول أجنبية[9]، مع تجنب أي استثمار حقيقي في دول عربية أخرى. والشيء الكارثي هو أن الأنظمة الخليجية أحرقت تريليونات الدولارات لتدمير الجمهوريات العربية. أدت السياسات المذكورة أعلاه للطبقات الحاكمة في الوطن العربي لخدمة الإمبريالية في الخارج وعملاء الإمبريالية في الداخل، إلى التفتت الاجتماعي والفوضى والبطالة والفقر المدقع.
باختصار، الوضع ديالكتيك تنازلي بيِّن: أدت الأنظمة الحاكمة وحركة التحرر الوطني العربي المتدهورة إلى استدخال الهزيمة حيث تبلور في استخذاء العديد من الأحزاب السياسية، وطعن العروبة، والوقوع في الطائفية، والقطرية، والمبالغة في قوة الكيان وهي أمور أوصلت المواطن العربي إلى البحث عن الأمن في النسيج الاجتماعي السفلي كالقبائل وحتى العائلات الممتدة. وفَّر هذا التدهور الاجتماعي مناخا مثاليا لتمدد قوى الدين السياسي للقفز إلى السلطة بدعم من الإمبريالية. دفع هذا الوضع إلى الوراء بالقضايا الحيوية للشعب الذي يفتقر إلى القيادة المناسبة لقيادته لتحرير الأرض العربية المحتلة، وليس فلسطين فقط، والوحدة العربية، والتنمية، وتحرير المرأة، والتحرر …إلخ. وعليه، كان الكثير من الجماهير يشاهد التلفاز، بينما تقع بغداد في أيدي العدوان الإمبريالي، فيطلبون من الله أن يساعد في هزيمة الكفار ثم يذهبون إلى العشاء والفراش للنوم و/أو التكاثر!
ما غذى ووسع هذا التراجع هي المبالغ الضخمة من الريع في أيدي الأنظمة الخليجية، والتي سياساتها مناهضة للعروبة بشكل مطلق. حيث أن الجانب الوحيد من عروبتهم هو الخطاب اللغوي لأجهزة إعلامية ضخمة تشجع الاستهلاك، والصلاة كغطاء، وإطراء الحكام، وتسويق منتجات الأعداء، وشراء برامج الإعلام الغربي المكرس ضد الاشتراكية والشيوعية، والتطبيع ببطء وبشكل غير مباشر وفي بعض الحالات بشكل علني مع الكيان الصهيوني.
بدفع الناس بعيداً عن الأمن القومي والتنمية، أصبحت معظم المجتمعات العربية غير منتجة. جزء من المشكلة هو أن دول الفائض العربية، أي أنظمة الريع لم تقم هي نفسها بتنمية حقيقية كما قصرت دعمها لبلدان العجز في حدود تغطية العجز[10]. بل وصُرفت هذه الأموال في قنوات الفساد في دول العجز عبر الأنظمة الفاسدة، أو تمويل عجز الميزان التجاري ولكن ليس من أجل التنمية، وهي سياسة أدت إلى مشكلتين رئيسيتين:
• الافتقار إلى الأمن الغذائي،
• وارتفاع معدلات المواليد، مما أدى إلى تراكم المزيد والمزيد من الناس الذين يحتاجون إلى عمل واستيراد أغذية بدل إنتاجها.
ارتفاع معدلات البطالة يعني المزيد من الفقر والمزيد من الخضوع للنظام في البحث عن وظائف، وهو ما يشجع في نهاية المطاف على المحسوبية والفساد كوسيلة لتقوية الأنظمة، طالما أن كل مواطن يبحث عن حمايته الشخصية والعائلية. هذا ما قصدته باستدخال الهزيمة على النطاق الاجتماعي.
تتبنى معظم الأنظمة العربية برامج التصحيح الهيكلي التي تفرضها المؤسسات المالية الإمبريالية، وتطبيق وصفات صندوق النقد الدولي الذي يُعطي القروض ويُصر كأولوية على استعادة أمواله من خلال سداد القروض وفوائدها، مما يُلزم النظام بتقليل الإعانات المقدمة للغذاء والتعليم والأدوية. أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فلا يتجه نحو القطاعات الإنتاجية بل في الخدمات والمشاريع ذات العائد السريع، والتي لم تستثمر بالفعل في مشاريع تحتاج إلى الكثير من رأس المال وتنتج الغذاء والاحتياجات الأساسية. وكما ذكرنا سابقاً، المزيد من التبعية مما يشجع الأنظمة الغربية على زيادة عدد وميزانيات المنظمات غير الحكومية التي تطبق سياسات خارجية وهدامة.
كان الفائض العربي في حقبة الحرب الباردة موجهاً نحو الغرب، فإنه لا يزال على حاله حتى الآن. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال معظم الأنظمة العربية تحافظ على العلاقات الاقتصادية مع الغرب، بل وترفض عروض الصين الأفضل، والعراق ولبنان مثالين واضحين، بينما تتجنب الأنظمة العربية التجارة مع الصين، أو التوجه شرقاً إلا في حالات الاضطرار، بينما الصين هي أيضاً الشريك التجاري الأكبر لأوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا[11].
✺ ✺ ✺
خديجة بن قنة تمحو جرائم اسرائيل
مرة أخرى تُثبت قناة «الجزيرة» على براعتها في اللعب على الحبلين في تغطيتها للأخبار من فلسطين. ففي الوقت الذي لا يزال فيه العدو الاسرائيلي يواصل عدوانه على غزة الذي راح ضحيته آلاف الشهداء من النساء والاطفال فيما يموت الآخرون جوعاً بسبب حصاره، خرجت خديجة بن قنة مقدّمة «الجزيرة» في فيديو استعراضي لها وهي تصلّي داخل مسجد الاقصى في القدس. ثم أطلت صباح اليوم في فقرات سياسية مباشرة من القدس المحتلة، وفتحت باب الحوار عن الاوضاع في القدس خلال شهر رمضان. كأنّ الوضع في فلسطين لا يشهد عدواناً قبل أكثر من ستة أشهر، وإبادةً جماعيةً ضد الشعب الفلسطيني. المذيعة التي تعتبر من مؤسسي «الجزيرة» عام 1996 خرقت معايير المقاطعة، مُسهمة في تلميع صورة الاحتلال وطمس جرائمه. تزامن الفيديو مع قرار سلطات الاحتلال الاسرائيلي أخيراً، بتقييد دخول المصلّين إلى المسجد الاقصى في شهر رمضان، ومنعت دخول الشباب ومن هم تحت سنّ الاربعين.
في هذا السياق، ترافق فيديو خديجة مع حملة إفتراضية ضدّها، وإعتبرت التعليقات أن المحاورة تلعب «على الحبلين». من جهة تسخّر صفحاتها للهجوم على المطبّعين، ومن جهة أخرى تختم جواز سفرها بختم المحتلّ. في المقابل، لقي فيديو المقدمة الجزائرية ترحيباً لدى العدو الاسرائيلي، ليتماهى مع الدعاية الصهيونية بأنّ العدو لا يمنع المصلين من دخول المسجد الذي يستحيل على بعض الفلسطيين الوصول الى داخله.
على الضفة نفسها، أجمعت التعليقات على أنّ إطلالة خديجة من داخل القدس، هي بمثابة عملية تغيير واضحة وعلنية في سياسة «الجزيرة». فقد بات معروفاً أن السلطات الاسرائيلية والاميركية فرضت على القطريين أخيراً تعديلات على تغطية القناة القطرية للاخبار من غزة. تمثلت اولى الخطوات في إفراغ غزة من صحافييها الذين ينقلون صورة الجرائم مباشرة على الهواء، وعلى رأسهم وائل الدحدوح مدير «الجزيرة» في غزة الذي ترك القطاع وإنتقل إلى الدوحة أخيراً. تتبع «الجزيرة» حالياً سياسة تغيير بوصلة التغطية الاعلامية ومحاولة إلغاء صور جرائمه في غزة، وبالتالي التعتيم على الحقيقة هناك.
في السياق نفسه، دارت التساؤلات على منصة X حول حصول المقدمة الجزائرية على تأشيرة سلطات الاحتلال لدخول المسجد الاقصى، وكذلك حصول فريق «الجزيرة» والمذيعة على إذن بالتصوير من «وزارة الاعلام» الاسرائيلية للخروج مباشرة على الهواء، إلى جانب المنامة في فنادق العدو وسلطات الاحتلال، ناهيك بسفر ووصول فريق «الجزيرة» من وإلى مطار «بن غوريون» بشكل علني. كذلك، إن إختيار بن قنة للقيام بهذه المهام في القدس المحتلة، تشوبه اسئلة عدة حول سياسة المذيعة الملوّنة، ويؤكد على استمرارية «الجزيرة» في لعب دورها الشيطاني الداعم للعدو الاسرائيلي.
:::::
“الأخبار”
14 آذار 2024
________
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
[1] بينما وعدت الإمبريالية البريطانية الحسين بن علي بأن تعينه على راس دولة عربية بناء على تحالفه معها ضد الاستعمار العثماني، وهو الوعد الذي لم يتحقق ومع ذلك فإن أبنائه وافقوا على تجزئة وطنهم بناء على اتفاق الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية وتعيين كل منهم ملكاً/أميراً على جزء منها.
[2] على سبيل المثال حالة المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 تحت سلطة الكيان الصهيوني
[3] المستقبل العربي، مصدر سبق ذكره ص16
[4] أنظر ، عادل سمارة: البريسترويكا، حرب الخليج والعلاقات العربية السوفييتية 1991
[5] https://youtu.be/kg5Oapo-1Xc
[6] In the Arab league summit 2011 the PA gave its role as the chair of the Arab Summit to Qatar
[7] كما بيَّن جون بيركينز في كتابه “إعترافات قاتل إقتصادي”.
See John Perkins Confessions of an Economic Hit Man, 2004
[8] Land Grabbing and Its Implications for Sudanese-Views From a Scholar | Pultizer Center.
https://pulitzercenter.org/stories/land-grabbing-and-its-implications-sudanese-views-scholar https://landmatrix.org/observatory/africa/
[9] Their investment in agriculture in Sudan is an exemption and it is not intended to fit into the joint Arab investment and integration policy
[10] في مؤتمر دافوس 2023 قال وزير الاقتصاد السعودي ان بلاده سوف تتوقف عن تقديم منحا مالية وسوف تتبنى سياسة الإقراض. ولكن حينما حصل زلزال في تركيا وسوريا في شباط 2023 ساعدت السعودية نفسها تركيا ودفعت للنظام التركي خمسة بليون دولار كضمانة قروض ولم تفعل الشيىء نفسه مع سوريا!
[11] Off the Rails: New Report by Corporate-Funded Think-Tank Reveals How Profit-Driven Motives Drive New Cold War against China. By Danny Haiphong, June 5, 2021 Source: silknsteel.podbean.com.
