حرب الطوفان على غزة.. مؤشِّرات خطرة
شحادة موسى
كاتب فلسطيني
أيلول/ سبتمبر 2024
في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نفذت حركة حماس انطلاقًا من غزة، عملية عسكرية كبرى وغير مسبوقة على الكيان الصهيوني (إسرائيل) في منطقة غلاف غزة المحتلة. وكانت حقًا عملية أسطورية بكل المقاييس سواءٌ في عبقرية التخطيط أو بطولة التنفيذ. وأحدثت هزة قوية في الكيان، وردود أفعال على المستويات المحلية والدولية، واستدعت تحليلات عسكرية وسياسية على المستويات نفسها.
ومن ردود أفعال الأطراف المعنية بالمعركة ومواقفهم، تبلورت جبهتان عريضتان ومتعارضتان: جبهة أعداء المقاومة وفلسطين بقيادة أميركا ومعها أوروبا وأتباعهما من المتصهينين العرب، وجبهة في المقابل تدعم المقاومة وفلسطين وتشمل ما يُعرف بمحور المقاومة والممانعة.
بعد الحدث مباشرة شن الكيان حربًا على غزة وصفها بحرب وجود، أي إبادة الفلسطينيين، تمامًا كما كانت بداية المشروع الصهيوني وهدفه مسحَ الوجود السياسي والمادي للشعب الفلسطيني. فقد كان طوفان الأقصى نسفًا للأطروحات الصهيونية بعدم وجود شعب فلسطيني. وأثبتت المقاومة الأسطورية في غزة لأشهر طويلة مريرة، صدق الشعب الفلسطيني في حقه بأرضه، وأكذوبة الحق الصهيوني فيها.
تلاحظ هذه المقالة مؤشرات خطرة؛ تأتي من الجهة المعادية تحت عناوين القضاء على حركة حماس، وترتيبات اليوم التالي. ومؤشرات من جبهة المقاومة تحت عناوين الهدنة الطويلة، وترتيبات ما يُسمى اليوم التالي؛ ففي مسيرات حركات التحرر الوطني محطات وقوف، ولكن من دون مهادنة العدو قبل رحيله.
أولًا – الغرب: مَن خلَّف ما مات
ما إن انتشر خبر طوفان الأقصى، حتى انتفض الغرب كلُّه وكأنه أصابه مسٌّ، أو لدغته أفعى. وبدت تصرفات زعمائه في أميركا وأوروبا مستغربة وغير مفهومة. فقد ظهر جو بايدن، رئيس الدولة العظمى، يهرع الى الكيان ويعلن عند وصوله أنه صهيوني. وجاء وزير خارجيته، بلينكن، مسرعًا ليعلن أنه جاء بصفته يهوديًا، وجاء وزير الدفاع ليعلن جاهزية الجيوش لحماية الكيان.
ورئيس فرنسا، ماكرون، جاء في جولة على بعض الدول العربية، بدا فيها ساذجًا وغبيًا يعميه التعصب، وهو يقترح على قادتها إنشاء تحالف مضاد لحركة حماس.
وبدت ألمانيا، في زيارات قادتها للكيان وللمنطقة وتصريحاتهم المفعمة بالتعصب والنزعة النازية، وكأنها تستغفر عن جريمة “المحرقة Holocaust”“ التي ارتكبتها بحق اليهود، بارتكاب محرقة جديدة بحق الشعب الفلسطيني.
وحسنًا فعلت دولة نيكاراغوا بمقاضاة ألمانيا في محكمة العدل الدولية، بكونها شريكًا في الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة.
وكي يتسنى الفهم الموضوعي لسلوك الغرب المستهجَن تجاه حرب الإبادة التي يشنها الكيان على غزة، يُستحسن البدء من الجذور، أي من الخلفيات والدوافع العميقة.
في الولايات المتحدة حيث القيادة التي يتبعها الغرب، يتحكَّم في السياسة الخارجية فئتان هما المحافظون الجدد، والمسيحيون الصهيونيون. والمسيحية الصهيونية انتقلت الى أميركا من بريطانيا حيث ولدت هناك على يد المُتزمِّتين البروتستانت (Puritans) في القرن السادس عشر. ويتحرك المسيحيون الصهيونيون في أميركا اليوم بدافع ديني ورؤية إنجيليَّة بعودة المسيح الى القدس(أورشليم). وهم الآن قوة انتخابية وسياسية ذات تأثير إذ يبلغ عددهم نحو مئة مليون نسمة. ووصفهم غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، بأنهم أخطر أعداء الفلسطينيين، ويعتقدون بضرورة إقامة إسرائيل التاريخية، وطرد الفلسطينيين، وتشييد الهيكل محل المسجد الأقصى (الأنباء، 28/ 11/ 2024).
ويُرجع الأوروبيُّون سلوكهم الى حيثيَّاتٍ حضارية والقول إن حضارتهم مسيحية يهودية، وإن إيجاد الكيان الصهيوني (إسرائيل) كان إنجازًا حضاريًا للغرب. وقد لوحظ أنَّ هذه النغمة الحضارية تبرز إبَّان الحروب التي يشنُّها الكيان على الشعب الفلسطيني خصوصًا في غزة؛ وكأن القتل والإبادة هو المكوِّن اليهودي في الحضارة الغربية. ذلك أن النصوص التوراتية تعجُّ بما هو مناقض للقيم الإنسانية وحقوق البشر. ويورد يوسف زيدان أمثلة من هذه النصوص التي تستهين بحقوق البشر من غير اليهود، وتمعن في تحقيرهم؛ وكأن ربًا آخر هو الذي خلقهم، بل إن رب اليهود توَعَّدَ من يقتل شخصًا منهم بأن يقتل منه سبعةً وسبعين إنسانًا في مقابل يهودي واحد. ويضيف زيدان أن اليهود المعاصرين رفعوا هذه النسبة فصاروا إذا قتل العرب منهم واحدًا يقتلون منهم مئة شخص أو أكثر (زيدان، اللاهوت العربي، ص 46 – 48).
ويبدو ممَّا سبق أن سلوك الغرب المُستغرَب إنسانيًا وأخلاقيًا، وفي القواعد المعروفة في دراسة الحروب، يكمن في المخيال، أو الظاهرة التاريخية الجماعية للغرب. وهو يجمع الدوافع الدفينة التي تستبطن ماضيه بما حمل من صنوف العار التي وصم بها الحضارة الإنسانية، الى الدوافع الحاضرة لنزعة السيطرة والاستغلال. ووجد الغرب هذا المخيال مجسَّدًا في مولود شيطاني هو الكيان الصهيوني؛ فأعلن أُبوَّتَه ليصدق عليه القول من خلَّف ما مات.
ثانيًا العرب – محور الصهينة: أبناء أبراهام الصهيوني
اتسم رد فعل معظم الحكام العرب على حدث طوفان الأقصى بالصمت؛ فكان أقرب الى إدانة العملية ومن نفذها. ثم ظهر انحيازهم الى “إسرائيل” في حربها على حركة حماس وقطاع غزة. وقيل في تفسير هذا الموقف إن حركة حماس مصنَّفة لديهم حركة إرهابية. وتجلى ذلك في كلمة مندوبة دولة الإمارات في مجلس الأمن بتاريخ 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 التي وصفت “العملية التي قامت بها حماس بالبربرية الشنيعة”.
وظهر ذلك في بيان مؤتمر القمة العربية – الإسلامية، الذي عُقد في الرياض بتاريخ 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. فقد خلا البيان من أي ذكر لمقاومة العدوان، ومن أي إجراء بحق “إسرائيل” غير الإدانة؛ ممَّا يؤكد أن التطبيع مع الكيان خيار إستراتيجي. ولهذا وصف زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، البيان بأنه يُظهر التخلي عن فلسطين وأهلها الى الكيان الصهيوني ورعاته الغربيين (البناء، 13/ 11/ 2023). وعلقت جريدة رأي اليوم على مداولات المؤتمر بالقول إن صمت السلطة الفلسطينية، وحياد مصر والأردن، أفشل قرارات مهمة كان يمكن أن تصدر عن المؤتمر (رأي اليوم، 12/ 11/ 2023).
وسرعان ما تبيَّن أن هذا الصمت العربي الرسمي، يُخفي تواطؤًا بل مساندة ضمنية “لإسرائيل” في حربها التي تزعم أنها للقضاء على حركة حماس، والكُلُّ يعلم ويرى أنها حرب إبادة لأهلنا في غزة. وتجلى ذلك في تدخُّل أجهزة الأمن بالضغط على وسائل الإعلام في ما تنشر عن الأحداث الجارية في غزة، وفي قمع الحَراك الشعبي المؤيد للفلسطينيين خصوصًا في مصر، والأردن.
في مصر أطلق الرئيس السيسي كلمة حق أُريد بها باطل. قال إن منع الفلسطينيين من دخول سيناء هو من أجل منع تهجيرهم من أرضهم في غزة. ولكن ذلك يعني أيضًا خنقًا لأهل غزة بمنعهم من الالتجاء للحماية، وتعريضهم للموت بفعل الحصار، والقصف والتدمير الوحشي “الإسرائيلي” (يُفترض أن مصر القوية قادرة على إعادتهم متى شاءت). وطلب السيسي من المصريين تفويضًا شعبيًا للتعامل مع أزمة غزة وحماية الأمن القومي، ليُظهر أن الشعب المصري يؤيده في موقفه هذا، وفي تخاذله أمام العدوان الإسرائيلي على غزة. وتنبَّهت أحزاب وشخصيات سياسية وقانونية الى المقصد الحقيقي للسيسي، وعبَّروا عن الاستهجان لطلبه؛ لأن حماية الأمن القومي من مهامه الدستورية (العربي الجديد، 20/ 10/ 2023).
لقد أعاد كلام السيسي الى الأذهان تهديدات أبو الغيط، وزير الخارجية إبان حرب “إسرائيل” على غزة سنة 2008، بكسر رجل أي فلسطيني يعبر معبر رفح (الأخبار، 8/ 2/ 2008). واتضح المقصد الحقيقي للسيسي بصدور قرار يمنع التصريح بالتظاهر تأييدًا لفلسطين، واعتقال المخالفين لهذا القرار؛ ممَّا أحدث استنكارًا شعبيًا، وأصدرت عشرات الأحزاب والقوى والرموز الوطنية بيانًا مشتركًا أعلنت فيه معارضتها لحملات الاعتقال وخصوصًا الذين يتضامنون مع قطاع غزة (العربي الجديد، 6/ 4/ 2024).
وفي الأردن، اتخذت السلطات إجراءات مماثلة؛ مما دفع منظمة العفو الدولية الى القول في 15نيسان/ إبريل 2024 إنها تشعر بالقلق إزاء استمرار المخابرات العامة الأردنية في اعتقال ناشطين، وإن السلطات الأردنية اعتقلت منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 1500 شخص على نشاطهم المؤيد لفلسطين.
ولم تتأخر السلطة الفلسطينية عن اصطفافها الى جانب محور الصهينة؛ فكثرت تصريحات مسؤولين في السلطة وحركة فتح (حسين الشيخ مثالًا) التي تتوعَّد حركة حماس بالمحاسبة على ما تسبَّب به طوفان الأقصى من دمار في غزة (وكالات، 17/ 12/ 2023).
إن هذا الموقف العدائي تجاه حركة حماس هو في الواقع موقفٌ من حركات المقاومة بأجمعها، ومن القضية الفلسطينية، وستارٌ لعدم كشف المستور من العلاقات العربية السريَّة مع “إسرائيل”.
ولهذا الموقف جذور قديمة، ويمكن تتبع مساره باللجوء الى المنهج الظواهري، وتصنيف السياسات والإجراءات التي اتخذتها الدول المعنية ضمن ظواهر خاصة بها؛ وتتلخص في ظاهرتين هما الظاهرة المصرية والظاهرة السعودية.
وهناك ظاهرة ثالثة متزامنة معهما، غير أنها مناقضة لهما ولأغراضهما، وتقف الى جانب المقاومة والقضية الفلسطينية. هذه الظاهرة هي الظاهرة الإيرانية، وبعرضها تنكشف الأمور على حقيقتها؛ فبضدِّها تُعرف الأشياء.
تشترك الظاهرتان المصرية والسعودية في صفة أساسية، وعلامة فارقة هي الانسلاخ عن العروبة والتزاماتها الفلسطينية. ذلك أن القادة العرب قرَّروا في مؤتمر القمة الأول (أنشاص، 1946) أنَّ قضية فلسطين ليست قضية خاصة بعرب فلسطين؛ وإنما هي قضية العرب جميعًا، ويتعين على الدول العربية وشعوبها صيانة عروبتها (وليد الخالدي، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 127، صيف 2021).
وقد حافظ القادة العرب على هذا الموقف المبدئي إلى أن خرج عليه الرئيس المصري أنور السادات، وتبعه حكام السعودية. ومصر هي الدولة العربية الكبرى، وفيها مقر جامعة الدول العربية، والأزهر الشريف. والسعودية هي كبرى دول مجلس التعاون الخليجي، وفيها الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة.
1) الظاهرة المصرية
قرر أنور السادات الخروج منفردًا على الإجماع العربي بذريعة المصلحة الوطنية واسترداد سيناء، ووقَّع اتفاقية كامب ديفيد مع “إسرائيل” سنة 1978. وإدراكًا منه لهذه الخيانة المبدئية ووقْعها على الشعوب العربية قال إن المصريين فراعنة وليسوا عربًا. وبذلك خرجت مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي، وجنحت الى التبعية الصريحة للولايات المتحدة الأميركية.
وبعده سار الرئيس حسني مبارك على النهج نفسه ووصف دور مصر الجديد بما يشيه السمسرة؛ فقال إن مصر يمكن أن تؤدي دور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين العرب والغرب.
ثم جاء الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي؛ فتوسعت دائرة التبعية باسم المصالح الإستراتيجية مع التشديد على المصالح المشتركة الملحَّة مع إسرائيل (الأهرام، 16/ 11/ 2016). ونظر السيسي الى القضية الفلسطينية وكأنها شأن إسرائيلي فناشدهم “أن يساعدونا لحل مشكلة إخوتنا الفلسطينيين، ولو قدرنا معًا حل هذه المشكلة سوف يتحقق سلام أكثر دفئًا وتكتب صفحة جديدة يمكن تزيد عما أُنجز من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل”(وكالات، 17/ 5/ 2016).
وشاركت مصر في حصار قطاع غزة ممَّا ألحق الأذى بأهلنا وبالمقاومة في القطاع.
يتحدث وليد الخالدي في مقال له بعد أيام من طوفان الأقصى وبداية حرب الإبادة “الإسرائيلية” على القطاع، عن المسؤولية عما يحدث في غزة هاشم اليوم؛ فقال إنها تقع على عاتق عدد من الأطراف. ومن الأطراف العربية أولياء الأمر في بعض الحواضر العربية وعلى رأسهم “المحمدان”. ويليهما في المسؤولية دور الحكم المصري الذي يتآمر مع إسرائيل على مدى عقود في إحكام حصار مجرم خانق، لا إنساني، ولا يرحم، ضد أهلنا في غزة هاشم(وليد الخالدي، الأخبار، 21/ 10/ 2023).
وذكر ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، تفاصيل ذات صلة، فقال : دمَّرنا أكثر من (1500) نفق، وعزَّزنا الجدار الحدودي مع غزة، وأقمنا جدارًا خرسانيًا طوله [يقصد ارتفاعه] ستة أمتار فوق الأرض وستة أمتار تحت الأرض؛ فأصبحت هناك ثلاثة حواجز بين سيناء ورفح الفلسطينية يستحيل معها أي عملية تهريب لا فوق الأرض ولا تحتها (بوابة الأهرام، 22/ 1/ 2024).
وعندما أعلنت “إسرائيل” عزمها على اجتياح مدينة رفح الحدودية التي يتجمع فيها أكثر من مليون شخص من أهل القطاع، أُعلن في مصر عن إنشاء “اتحاد القبائل العربية في سيناء”، وتسمية السيسي رئيسًا شرفيًا للاتحاد، والإعلامي عضو مجلس النواب، مصطفى بكري، ناطقًا باسمه. وقد وصف بكري الاتحاد بأنه جمعية أهلية للدفاع عن الحدود تقتضيها المرحلة الحالية (رأي اليوم، 4/ 5/ 2024). وليس خافيًا أنَّ في ذلك تحريضًا لأهالي سيناء على منع دخول الفلسطينيين بقوة السلاح.
ولم يَفُت الغرب أن يُظهر تقديره لهذا الدور المصري؛ فقرَّر الاتحاد الأوروبي تقديم مساعدات لمصر بقيمة ثمانية مليارات دولار. وعلقت جريدة الشرق الأوسط بأن “تداعيات حرب غزة تُعجِّل الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي”، في إشارة الى توقيع السيسي، ورئيسة المفوضية الأوروبية، اتفاق الشراكة الإستراتيجية والشاملة (الشرق الأوسط،18/ 3/ 2024).
وفي الوقت نفسه وافق صندوق النقد الدولي على رفع قيمة القرض الذي طلبته مصر الى ثماني مليارات دولار بدلًا من ثلاثة (اليوم السابع، 30/ 3/ 2024).
ومن آخر مستجدات دور مصر في حصار قطاع غزة، ما جرى في الاجتماع العسكري غير المُعلن الذي عُقد في البحرين في أوائل حزيران/ يونيو 2024، بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية، وحضور رئيس الأركان الإسرائيلي، ومشاركة قادة جيوش خمس دول عربية، هي: البحرين، والإمارات، والأردن، ومصر، والسعودية. ووفقًا لمصدر مصري فإن الاجتماع بحث في إمكانية مشاركة الدول العربية في القوة التي يُرجى أن تتولى حفظ الأمن في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، وأنَّ القاهرة لم تمانع في تشديد الحصار على القطاع لمنع وصول أي أسلحة الى المقاومة (الأخبار، 12/ 6/ 2024).
هكذا جرى التحوُّل في مصر من زعامة العروبة والتحرر الى التبعية والصهينة.
2) الظاهرة السعودية
تتلخص هذه الظاهرة بالانسلاخ عن العروبة والتزاماتها الفلسطينية، وبالتقرب الى “إسرائيل” ولكن ضمن إجماع عربي.
ظهر ذلك أولًا في مبادرة السلام التي عرضها الأمير فهد، ولي العهد، على القمة العربية التي عُقدت في مدينة فاس (1981). وتضمنت الدعوة الى انسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة، وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وتأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
رفضت “إسرائيل” المبادرة التي بقيت في نفوس أصحابها وتوجهاتهم.
وبعد سنوات، عادت السعودية الى طرح مبادرة شبيهة، مع إضافة تنازلات قد تجعلها مقبولة لدى “إسرائيل”. طرح المبادرة الأمير عبد الله، ولي العهد، على القمة العربية التي عقدت في بيروت (2002).
حملت المبادرة بعد الموافقة عليها، اسم “مبادرة السلام العربية”. وقد صيغت بلغة تجعلها موجهة الى “إسرائيل”؛ فدعت الى انسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل الى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه [بدلًا من تأكيد حق العودة]. وفي المقابل تَعتبر الدول العربية النزاع العربي – الإسرائيلي منتهيًا وتدخل في اتفاقية سلام مع إسرائيل (الجزيرة نت، 25/ 3/ 2002).
لم تُعِر “إسرائيل” اهتمامًا بالمبادرة التي بقيت كسابقتها في نفوس أصحابها وتوجهاتهم.
وقد اتخذت هذه التوجهات منحًى جديدًا في عهد محمد بن سلمان، ولي العهد، يتلخص في السير نحو التطبيع المنفرد (بدلًا من الجماعي) مع “إسرائيل”، والعداء السافر للمقاومة.
ظهر ذلك في بيان أصدرته حركة حماس في أيلول/ سبتمبر 2019 أشارت فيه الى اعتقال أجهزة الأمن السعودية المسؤول عن علاقات الحركة مع السعودية، وطالبت بالإفراج عن المسؤول ونجله والمعتقلين الفلسطينيين كافة.
وأعطى ذلك انطباعًا بأن العهد الذي كانت المقاومة الفلسطينية تحظى فيه بدعمٍ سعودي قد ولَّى في ظل الصعود السريع لولي العهد محمد بن سلمان(الجزيرة نت، 11/ 9/ 2019).
وهناك معلومات متعددة تؤكد أن قنوات الاتصال غير الرسمية القائمة منذ سنوات طويلة بين السعودية و”إسرائيل” لا تزال مفتوحة، وأن السعودية تهيِّئ نفسها تدريجيًا للانضمام الى قافلة الدول المنخرطة في اتفاقيات أبراهام (حسن نافعة، بوابة الهدف الإخبارية، 17/ 8/ 2023).
وليس أدلُّ على ذلك من مشاركة السعودية في الاجتماع العسكري غير المُعلن الذي أُشير إليه آنفًا، وعُقد في البحرين بحضور رئيس الأركان “الإسرائيلي”.
وذهب ابن سلمان بعيدًا في هذا المسار؛ إلَّا أنه غير قادر أنْ يذهب الى تطبيع رسمي وعلني من دون اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة، ووجود “مسار” نحو دولة فلسطينية مستقلة، على حد تعبير توماس فريدمان (الشرق للأخبار، 3/ 5/ 2024).
وما تطلبه السعودية من هذه الاتفاقية أن تتضمن الدفاع عن السعودية وحمايتها وتزويدها بمتطلبات الدفاع. والولايات المتحدة تربط الاستجابة لطلب السعودية بتطبيع علاقاتها مع “إسرائيل”.
إن هذه الوقائع في مجملها، تؤكد توجَّه السعودية نحو الانخراط في محور الصهينة العربي الذي يعني قبل أي شيء آخر، العداءَ للمقاومة والقضية الفلسطينية.
ويستحق المطبعون العرب ما يوصمون به من أن الجاسوس أصبح دولة، والمطبِّع يبادر بالذهاب الى العدوِّ صاغرًا وصغيرًا ليقول له أنت لم تعد عدوُّي، معلنًا ارتداده عن انتمائه العروبي، والتحاقه بأبناء أبراهام الصهيوني.
وعسى أن لا ينسى المسؤولون في السعودية تطلعات قادة الكيان الى أرض الحجاز التي يلخصها قول غولدا مائير رئيسة الوزراء، بعد انتصارهم في حرب 1967. فقد قالت وهي تنظر باتجاه الشرق، إنني أشم رائحة أجدادي في خيبر، ويثرب، وتيماء، وصحراء فاران” (آفي ليبكين، مؤلف كتاب العودة الى مكة، 11/ 10/ 2018).
ظاهرة السلطة الفلسطينية: الجريمة بلا عقاب
هذه الظاهرة لاحقة زمنيًا على الظواهر الأخرى. فقد تأسست السلطة نتيجة اتفاق أوسلو بين “إسرائيل” ومنظمة التحرير (1993). وأصبحت النظام الحاكم الفلسطيني المماثل لأنظمة الحكم العربية المعادية للمقاومة. وهذه الظاهرة إشكالية ولها خصوصيتها الفلسطينية. فالحركة التي تتفرَّد بالسلطة، أي حركة فتح، هي نفسها التي قادت المقاومة المسلحة، والكيان السياسي للشعب الفلسطيني، أي منظمة التحرير، على مدى سنوات طويلة.
بدأت الظاهرة بانحراف سياسي ومبدئي تجسَّد في الاعتراف “بإسرائيل” وحقها في الأرض الفلسطينية. وبذلك اصطفَّت الحركة الى جانب من سبقوها في الانسلاخ عن العروبة والتزاماتها الفلسطينية. وزادت عليهم بخروجها على الوطنية وفرائضها؛ فباشرت بالاعتداء على الميثاق الوطني، وحذفت منه كل ما يتصل بالمقاومة والتحرير، والعداء “لإسرائيل”. وجعلت ممَّا بقي منه ميثاقًا جديدًا، وتعهدت بمعاقبة من يخرج عليه، الى جانب التزامها بقمع المقاومة ووصمتها بالعنف والإرهاب.
“لقد مُسخت هذه الحركة “الوطنية” وسلطتها، وتحولت من حركة تحرر لتصبح جهازًا تابعًا للمحتل وذراعًا أمنية مُرتزقة له، ضالعًا في ترسيخ أقدامه في الضفة الغربية وتهويد ما بقي منها”. (وليد الخالدي، الأخبار، 21/ 10/ 2023).
وأوغلت هذه السلطة في معاداة المقاومة؛ فأصبح التنسيق الأمني مع “إسرائيل” مقدسًا في نظر رئيسها محمود عباس الذي لم يتورع عن وصف عملية طوفان الأقصى “باعتداء” حركة حماس على “إسرائيل”، والتعهُّد بالحفاظ على أمنها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في الرياض(نيسان/ إبريل 2024).
وقد أُشير سابقًا الى توعُّد مسؤولين في السلطة وحركة فتح بمحاسبة حركة حماس لقيامها بطوفان الأقصى.
وانتقلت السلطة في تعاملها مع المقاومين، ومعارضي التعاون مع “إسرائيل”، من الإدانة السياسية الى الملاحقة والاعتقال، وحتى القتل مباشرةً أو بالتعاون مع أجهزة الأمن “الإسرائيلية”. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، اغتيال الناشط السياسي نزار بنات الذي داهمته قوة أمنية في بيته فجر يوم 24/ 6/ 2021 واعتدتْ عليه بالضرب بوحشية أدَّى الى وفاته.
وكذلك الحال مع المقاوم باسل الأعرج الذي يوصف بالمناضل المشتبك. فقد خضع للاعتقال من أمن السلطة، وقيل إن هذا الأمن شارك في الإرشاد على مكان اختبائه حيث هوجم فقاوم حتى استشهد يوم السادس من آذار/ مارس 2017. وأجرت السلطة محاكمة له بعد استشهاده، بتهمة حيازة سلاح غير مُرخَّص.
لقد أصبحت هذه الجرائم ومرتكبيها، أشبه بمرتكبي الجرائم المنزلية التي تتحدث الصحافة عن قسوتها وبشاعتها لكون مرتكبيها من أهل البيت وذوي المغدورين. هؤلاء مثل أولئك ولا ينبغي أن يفلتوا من العقاب.
3) الظاهرة الإيرانية: فلسطين بدلًا من “إسرائيل”
في مقابل الظواهر العربية المعادية للمقاومة، نشأت ظاهرة نقيضة لها ومتزامنة معها هي الظاهرة الإيرانية.
بدأت هذه الظاهرة بثورة إيران الإسلامية (1979)، وطبعت، مع الظواهر العربية، المشهد السياسي في المنطقة حتى اليوم.
منذ البداية أوضحت إيران رؤيتها أنها في صف المُستضعَفين ومناهضة الاستكبار والهيمنة على الشعوب. وفلسطينيًا حدَّدت خيارها بمناصرة شعب فلسطين المظلوم في وجه الكيان الصهيوني غير الشرعي. وتجسَّد ذلك في قطع العلاقات التي أقامها الشاه (الملك المخلوع) مع الكيان، وتحويل مقر السفارة “الإسرائيلية” في طهران الى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان الشاه يوصف بشرطي الخليج، وصديق “إسرائيل”. ولذا كانت إطاحته ضربة موجعة لأميركا ورعاة “إسرائيل” في الغرب. واتخذت أميركا سياسة شديدة العداء لإيران، وحذا عرب أميركا حذوها. بدأوا التحريض على إيران بعناوين سياسية ومذهبية، ورُفعت شعارات التصدي للخطر الإيراني الذي يحمله الشيعة. هذا مع العلم أن الشاه كان شيعيَّ المذهب، ولا يُخفي أطماعه في الخليج.
تحدث ملك الأردن عن الهلال الشيعي وخطره (من إيران الى لبنان). وسادت في السعودية والخليج أحاديث عن الشيعة والتشيُّع، وألفاظ تصفهم بالروافض والمجوس، الخ. وطال هذا العداء حركات المقاومة الفلسطينية التي عَدُّوها أدوات لإيران.
غير أنه كان من الصعب على عرب أميركا مجاراتها وإعلانهم “إسرائيل” صديقًا وليس عدوًا؛ وذلك بالنظر لحساسية الموضوع، والالتزام العربي رسميًا بالدفاع عن القضية الفلسطينية. ولذلك كانت إشاعة التصدي للخطر الإيراني مدخلًا مُفضَّلًا لتغطية التقارب مع “إسرائيل”.
وهكذا ساد التناقض والتنافر بين الظاهرة الإيرانية المساندة للمقاومة والقضية الفلسطينية، والظواهر العربية المعادية لها. وتبلورت هذه الاتجاهات المتعاكسة في تحالفات انضوت في محورين متضادين، هما: محور الاعتدال (الصهينة) الذي ضم الدول المعروفة بتبعيتها لأميركا وتقيم علاقات علنية أو سرية مع “إسرائيل”. ومحورٌ مقابل أخذ مسماه الواقعي، أي محور المقاومة يضم إيران وحلفاءَها.
وفي هذا الإطار طُرحت مبادرات السلام العربية، وصولًا الى اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية. وجميعها لا تخلو من هدف التحالف مع “إسرائيل” لمواجهة إيران ومعها حركات المقاومة.
واتخذت دول محور الاعتدال إجراءات عقابية بحق حركات المقاومة. فقررت دول مجلس التعاون، وتبعتها جامعة الدول العربية، تصنيف حزب الله اللبناني (المقاومة الإسلامية في لبنان) منظمة إرهابية (2016). وطالت إجراءات المحاصرة ومنع المساعدات المالية وجمع التبرعات الشعبية، فصائل مقاومة فلسطينية الى جانب حزب الله.
يروي وليد الخالدي، المؤرخ الفلسطيني المرموق، حادثة ذات دلالة لما نحن بصدده، فيقول: في أثناء زيارة مع عصبة من الزملاء قبل عقد ونصف من الزمن الى بلد خليجي، بادرني مسؤول كبير في هذا البلد بسؤاله أثناء اجتماعنا عن رأيي في برنامج إيران النووي، فكان جوابي “أعتبره رادعًا للسلاح النووي الإسرائيلي” وإذ بالمسؤول يقول “قد يفيدك أن تعلم أننا في هذا البلد نرى عكس ما تعتقد، فالسلاح النووي الإسرائيلي في نظرنا هو الرادع للبرنامج النووي الإيراني، ونصيحتنا لكم (يعني الفلسطينيين) التسارع الى عقد الصلح بينكم وبين إسرائيل” (مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 127، صيف 2021).
وبالفعل تصاعد التناقض بين المحورين، واتخذ منحًى جديدًا مع مجيئ ترامب لرئاسة الولايات المتحدة (2017). وراج الحديث عن توجهات لإنشاء تحالف عربي يتصدى لإيران. وتبيَّن أن المقصود إنشاءَ تحالف عسكري وأمني يضم دول الخليج، ومصر، والأردن، أي دولًا إسلامية سنيَّة في مقابل إيران الشيعية. ويكون على غرار حلف شمال الأطلسي(الناتو) تقوده أميركا، وتُموِّله السعودية والإمارات، وتُجهِّز قواه البشرية مصر والأردن، وتنضم اليه “إسرائيل” تلقائيًا (السفير العربي، 10/ 8/ 2018).
وشهدت الساحة العربية في العام 2020 موجة تطبيع وتوقيع اتفاقيات “أبراهام” مع الكيان الصهيوني شملت البحرين، والإمارات، والمغرب، والسودان. وجرى ذلك بضغط من ترامب، وتشجيع عبد الفتاح السيسي رئيس مصر، ومحمد بن سلمان ولي عهد السعودية.
وبحسب صحيفة “هآرتس” “الإسرائيلية”، فإن الغاية من هذه الاتفاقيات إنشاءُ حلف إستراتيجي مساند للولايات المتحدة في المنطقة، لمجابهة الطموحات الشيعية الإيرانية، ولإثبات عدم احتياج “إسرائيل” لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين الى تحسين علاقاتها مع دول عربية وإسلامية (الجزيرة نت، 20/ 10/ 2023).
وتجسَّد هذا التحالف في ظل رئاسة بايدن للولايات المتحدة (2021). وبدأ ذلك بما سُميَّ “منتدى النقب” الذي دعت “إسرائيل” الى اجتماعه الأول يومي 27 و 28 آذار/ مارس 2022 باسم قمة النقب نسبة الى مكان الاجتماع وهو مستوطنة سديه بوكير في النقب. وشارك في الاجتماع وزراء خارجية “إسرائيل”، والولايات المتحدة، ومصر، والمغرب، والإمارات، والبحرين (لم يشارك الأردن لأنه ربط مشاركته بمشاركة السلطة الفلسطينية). واتُفق على عقد المنتدى بصفة دورية، وتأليف لجان أمنية لمواجهة إيران (الجزيرة نت، 28/ 3/ 2022).
وأخيرًا جاءت عملية طوفان الأقصى وحرب الإبادة التي يشنها الكيان على غزة لتكشف مدى التباعد بين المحورين تجاه فلسطين على وجه التحديد. فمنذ اليوم الأول يشارك أطراف محور المقاومة في لبنان، واليمن، والعراق في القتال الى جانب المقاومة الفلسطينية في غزة.
وحدث للمرة الأولى صدام مباشر بين إيران و”إسرائيل”. ففي الأول من نيسان/ إبريل 2024 قصفت “إسرائيل” قنصلية إيران في دمشق مما أدى الى مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين. وفي الثالث عشر من الشهر نفسه ردت إيران بتوجيه أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيَّرة لضرب مواقع في داخل الكيان.
أمَّا محور الاعتدال فيشارك أطرافُه الى جانب الكيان بطريقة تجعل انحيازهم غير مكشوف تحسبًا لمشاعر الشعوب العربية المتعاطفة مع الفلسطينيين. وقد كُشفت رغبتهم في استعجال القضاء على حركة حماس والمقاومة في غزة، وكذلك إمدادهم الكيان باحتياجاته من المواد الغذائية وغيرها.
ومن ذلك ما يتحدث به أطراف هذا المحور عن اليوم التالي للحرب في غزة من دون وجود المقاومة. فكثيرًا ما يتحدث الرئيس المصري عن الدعوة الى الهدوء والاستقرار الدائم! والدعوة الى دولة فلسطينية منزوعة السلاح مع وجود قوات من الناتو، أو الأمم المتحدة، أو قوات عربية، أو أميركية، لتحقيق الأمن لإسرائيل وفلسطين (الشرق الأوسط، 24/ 11/ 2023).
وفي الإطار نفسه أعلنت السعودية دعمها نشر قوات دولية في غزة بقرار أممي، مُهمَّتُها دعم السلطة الفلسطينية. جاء ذلك على لسان وزير الخارجية الذي أضاف “إننا نشاهد كل يوم في غزة والضفة الغربية عناصر تعمل على تهديد حلِّ الدولتين”(الخليج أونلاين، 4/ 7/ 2024).
وهكذا، فإن مجريات الأحداث تشير الى أنَّ التنافر بين محوري الاعتدال(الصهينة)، والمقاومة، سوف يستمر ما لم يحدث خلل بنيوي في أحدهما يؤدي الى التعايش، أو الى تراجع في الرؤية والخيارات السياسية.
ثالثًا: محور المقاومة – طوفان الأقصى بروفة الحرب الكبرى
تعني كلمة “بروفة” تجربة الشيء للتأكد من جودته قبل إقراره النهائي. وقد استُخدم اللفظ في وسائل إعلام المقاومة توصيفًا لعملية طوفان الأقصى، أي إن العملية كانت تجربة لما ستكون عليه الحرب الفاصلة مع العدو “الإسرائيلي”.
وترافق الحديث عن البروفة مع الحديث عن اليوم التالي (لانتهاء الحرب) في غزة ومن سيتولى حكمها، مع التلميح أو التطلع الى دور حركة حماس في هذا الحكم (فضائية الميادين مثالًا).
والملاحظة الأولى على هذا التوصيف أنه تصور لمعركة فاصلة سوف تقع في المستقبل، وليس التجربة المقدمة لهذه المعركة من دون فاصل زمني طويل.
ولهذا الاستنتاج أساس في رؤية حركة حماس نفسها التي نفّذت عملية الطوفان، ولدى رأس محور المقاومة، أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ففي الإعلان عن العملية الذي أذاعه محمد الضيف، قائد الأركان في كتائب القسام، قال:
“إن العملية تأتي في ظل الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني … وإن قيادة القسام قررت وضع حد لكل جرائم الاحتلال… واليوم هو يوم المعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال الأخير على سطح الأرض “(الجزيرة نت، 7/ 10/ 2023).
وبعد مدة قصيرة أصدرت الحركة بيانًا عن العملية بعنوان “هذه روايتنا..لماذا طوفان الأقصى، جاء فيه:
“إن عملية طوفان الأقصى استجابة طبيعية لما يُحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وحسم السيادة على المسجد الأقصى، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية في إطار التخلص من الاحتلال وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”. (الأخبار، 23/ 1/ 2024).
أما عن رؤية رأس المقاومة للعملية، فتجدر الإشارة الى ما ذكره ماهر الطاهر، القيادي في الجبهة الشعبية، على فضائية الميادين في 12 شباط/ فبراير 2024، أن وزير خارجية إيران اجتمع معنا وقال يجب أن يتوحد الفلسطينيون كي يكون لهم صوت واحد في اليوم التالي بعد الحرب في غزة.
وعلى هذا يمكن القول إن طرح عملية الطوفان على هذا النحو، وربطها باليوم التالي للحرب على غزة فقط، لا يتسق مع الرؤية التي تعبِّر عنها إيران وحلفاؤها من فصائل المقاومة؛ وتتلخص في نفي شرعية الكيان الصهيوني، والعمل على إزالته، وتحرير فلسطين من البحر الى النهر.
وعليه، فإن اليوم التالي هو كاليوم الأول. وهذه العبارة وردت على لسان أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في لبنان، وتعني أن المقاومة مستمرة. وفي هذا تعبير عن قاعدة جوهرية أكدتها تجارب الثورات وحركات التحرير، وخلاصتها أن المسيرة الثورية يمكن أن تتوقف مؤقتًا لأسباب وظروف تقدرها القيادة؛ ولكنها لا تقف إلَّا عند النصر والتحرير.
والأحوال الرهيبة التي تحيط بأهلنا في غزة بسبب حرب الإبادة والجرائم التي يقترفها الكيان بدعمٍ مطلق من الغرب وتواطؤٍ من محور الصهينة العربي، تجعل من الطبيعي أن تستجيب قيادة المقاومة لدعوات وقف إطلاق النار. وهنا تكمن عقدة الفصل بين التوقف المؤقت والوقف الدائم للقتال. إن المقاومة عندما تتوقف مؤقتًا عن القتال تظل اليد على الزناد، والعين على الهدف الإستراتيجي في تحرير فلسطين.
وهذا يختلف عمَّا يريده العدو ومحور الصهينة الذي يكرر أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون نهائيًا وشاملاً ومستدامًا، أي انتهاء المقاومة ولا تنطلق رصاصة واحدة من غزة بعد الآن.
ولقد أثبت محور المقاومة بوحدته وفاعليته في هذه المعركة أنَّ لديه من القوة ما يجعله يتشبَّث بقاعدة المقاومة المستمرة.
فالمقاومة الفلسطينية في غزة تسْطر المعجزات على مدى سنة تقريبًا في مواجهة جحيم الإبادة. وجبهة الإسناد في اليمن صمدت في وجه الاعتداءات الأميركية – البريطانية التي لم تُفلح في ثني اليمن عن الحصار البحري الذي يفرضه على الكيان. وانبرى حزب الله في لبنان منذ اليوم الأول للاشتباك مع العدو غير عابئ باعتداءاته، وتهديدات داعميه من دول الغرب.
وغنيٌ عن البيان أن هذا التصدي البطولي الشامل؛ من لبنان الى اليمن، مرورًا بسورية والعراق، ما كان ليأتي على هذا المستوى لولا أنه يسند ظهره الى القوة المنيعة في إيران.
لقد أكدت الأحداث الجارية أن إيران هي حقًا النعمة التي حظيت بها المقاومة الفلسطينية والعربية في زمن الخنوع العربي. وبسبب ذلك تُعدُّ أميركا والكيان منذ سنوات لتوجيه ضربة تدميرية لإيران.
إن ما تقدم يفرض إعادة النظر في التوصيف السياسي لمعركة الطوفان، وفي السياسة الإعلامية الخاصة بها؛ وذلك بنقل التوصيف من بروفة الى مقاومة مستمرة، ووقف “أُحجية بايدن – نتنياهو” الإعلامية التي تقوم على المبالغة في شخصنة الحرب على غزة، والعلاقة بين الرئيس الأميركي بايدن، ورئيس وزراء الكيان نتنياهو؛ فهناك دوافع إيديولوجية وسياسية تجمعهما لمواصلة هذه الحرب. وكذلك الأمر في المبالغة في تأثير الخلافات الداخلية في الكيان في تماسكه ومصيره؛ فالكيان كله الآن يصطف خلف الصهيونية الدينية وحلم إسرائيل الكبرى الخالية من غير اليهود.
لذلك فإن الأكثر أهمية في الظروف الحالية، إظهار أهداف الكيان من وراء الحرب الجارية مدفوعًا بالعقيدة الصهيونية، ودعم الإدارة الأميركية مدفوعة بالعقيدة الصهيونية المسيحية.
ومن المهمِّ أيضًا التوعية بهدف المقاومة الإستراتيجي في تحرير فلسطين، ومتطلبات دعم المقاومة ماديًا ومعنويًا. وكذلك إبراز البعد الحضاري والإنساني للمقاومة، في مقابل الانحطاط الأخلاقي للغرب كما ظهر للعيان في هذه الحرب.
وبذلك تتطابق السياسة الإعلامية لمحور المقاومة مع الرؤية السياسية في الكفاح المستمر حتى التحرير.
لماذا الاختلاف
إن هذا التباعد والاختلاف بين المحورين تجاه فلسطين، يفرض التساؤل عن الأسباب العميقة التي جعلت أطراف كل منهما تتخذ مسارها الى الموقع الذي انتهت إليه؟
لقد أفصح محور المقاومة في أكثر من مناسبة عمَّا يمكن تسميته الأسس الإيديولوجية أو الدوافع العميقة لتأييد القضية الفلسطينية ومساندة المقاومة. ويمكن إيجازها بالوعي والإيمان، أو الإيمان المستند الى الوعي بحقيقة المشروع الصهيوني وأخطاره، والقضية الفلسطينية وعدالتها. وهذا الإيمان متشعب الجذور، متعدد الوجوه؛ فمنه العقائدي(الديني) للدفاع عن المظلومين والمقدسات، ومنه الوطني(الفلسطيني) لحماية الوطن والشعب، ومنه القومي(العروبي) دفاعًا عن فلسطين التي تخص الأمة العربية بأجمعها. وما يجمع هذا الطيْف المتنوع من الديني الى العلماني هو فلسطين القضية والمقاومة. وقد تجلَّى ذلك في حَراكات شعبية على امتداد الوطن العربي، وجبهات قتال من لبنان الى اليمن مساندة للمقاومة الفلسطينية في مواجهة حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني على أهلنا في غزة.
أمَّا محور الاعتدال أو الصهينة العربي فليس من اليسير الوصول الى الدوافع العميقة التي تجعله يقف الى جانب العدو القومي.
لقد أشير سابقًا الى أن قادة الدول العربية قرَّروا أن قضية فلسطين تخص الأمة العربية، وعلى الدول العربية وشعوبها الدفاع عن فلسطين وحماية عروبتها. وإذا كان قادة بعض هذه الدول ارتؤوا الانكفاء عن واجبهم القومي تجاه فلسطين، فما الذي يدفعهم الى الوقوف في صفِّ عدوِّها وعدوِّهم؟
في السعي وراء الجواب يمكن اللجوء الى ما هو سهل، وعزو هذه الحالة الشاذة الى الخيانة. غير أننا لا نجد لدى هؤلاء دافعًا عقائديًا، أو ابتزازًا شخصيًا، أو إغراءً ماليًا، أو غير ذلك من الضغوط التي تُستخدم في توظيف الخونة والجواسيس.
ومن الممكن استحضار جواب صعب بالإحالة الى الاستعداد النفسي كما يعبِّر عنه مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار. غير أنَّ الحالة التي نحن بصددها ليست جماعية؛ وإنما حالات فردية تتعلق بالحاكم، وزمرة تحيط به وتتبعه.
وأمام هذا الإشكال جرى اللجوءِ الى استدعاء موروث العرب في بنية الحكم ومردود السلطة، ويُلحظ وجوده في أنظمة الحكم العربية الحالية.
كان الحاكم فردًا؛ شيخ قبيلة، أو خليفة، أو رئيس جماعة، الخ، يحرص على أنْ تظلَّ السلطة في بيته وأهله. والسلطة تجبي الغنائم للحاكم والقبيلة التي هي حدود اهتماماته.
لقد خضعت المنطقة العربية للاستعمار ردحًا من الزمن. ويبدو أنَّه نجح في إحياء ثقافة القبيلة بديلًا عن الأمة، وتعزيز ثقافة الحاجة الى حمايتها وحماية ثرواتها، وأن “إسرائيل”
هي من يُؤمِّنها.
وبهذه الثقافة والعقلية الضيقة ضعفت قيود الانتماء القومي والتزاماته، وفي مقدَّمِها القضية الفلسطينية. وسادت لدى أطراف هذا المحور شعارات “بلدنا أولًا”، ومعها ظهرت الدعوات الى السلام مع الكيان الصهيوني غلافًا لحماية السلطة والثروة.
على هذه الثقافة بُني التكوين الفكري والاستعداد النفسي للقادة العرب الذين يتحلَّقون حول الكيان، وجعلهم عُرضة لوصمهم بأوصاف المتعاونين مع العدو، من التخاذل والانحراف الى الخيانة الوطنية والشخصية.
خاتمة
حاولت هذه المقالة الوقوف على المواقف المعلنة، والدوافع غير الظاهرة، للأطراف المنخرطة في معركة طوفان الأقصى وتبعاتها.
وقف المحور الأول، الغرب، الى جانب الكيان الصهيوني. فقد رأى في عملية طوفان الأقصى اعتداءً على حليف وثيق، ومُكوِّن أساسي في الحضارة الغربية. غير أنَّ هذا التبرير يخفي حقيقة تاريخية هي أن الكيان الصهيوني، فكرةً وتخطيطًا وإنشاءً، كان نتاجًا استعماريًا، إنجليزيًا وفرنسيًا، قبل أنْ تتبناه الولايات المتحدة الأميركية، وتصبح بالممارسة جديرة بمُسمَّى الولايات المتحدة الصهيونية.
وأصبح الكيان بسياساته وممارساته تجسيدًا لما كان عليه الغرب في عهوده الاستعمارية السوداء. فكان الكيان الخَلَف الذي يستبطن سَلَفَه الغرب بإرثه الاستعماري وما انطوى عليه من جرائم العنصرية والاستعباد والإبادة.
وهكذا ظهر الغرب وكأنه يخوض حربًا دينية – نازية – استعمارية – صهيونية على فلسطين، طغى فيها الانحدار الأخلاقي على منجزات الحداثة في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. وذلك مؤشِّرٌ خطِر ليس على ما يجري في غزة فقط؛ وإنما على العلاقات الحضارية بين الغرب والعالَميْن العربي والإسلامي.
والطرف الثاني في هذه الحرب هو محور المقاومة. وقد وقف المحور بقوة الى جانب المقاومة الفلسطينية، وشاركت فصائله من لبنان الى اليمن، في الدفاع عن غزة وأهلها. والأسباب المعلنة لهذا الموقف هي نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم، والضغط على الكيان الصهيوني لوقف جرائم الإبادة التي يقترفها في غزة. أمَّا الدوافع العميقة، فلا تنفصل عن النظر الى الكيان نفسه، وتستند الى الوعي والإيمان؛ الوعي بعدم شرعية الكيان وبأخطاره، وبعدالة القضية الفلسطينية، والإيمان بواجب العمل لتحقيق حصيلة هذا الوعي. وقد انضوى تحت هذا الإيمان قوى متعددة، من دينية الى قومية وعلمانية، تجمعها فلسطين.
غير أن رؤية المحور لعملية الطوفان، على أنها بروفةً لمعركة فاصلة في المستقبل، مؤشر خطِر ينطوي على الاستكانة ووقف المقاومة الى زمن غامض ومجهول.
والطرف الثالث هو محور الصهينة العربي. وقد تباينت مواقف المحور بين إدانة عملية طوفان الأقصى وحركة حماس التي نفذَّتها، والصمت حيالها. ثُم كشفت الحرب على غزة أن بعض أطراف المحور يقدِّم العون الى الكيان وإن بطريقة غير مكشوفة. وهو ما يدعو الى معرفة الدوافع العميقة لهذا الانحياز؛ فهو انحيازٌ الى عدو.
لم يثبت بالتحليل أن عوامل، مثل الانسلاخ عن العروبة، أو الخيانة، أو القابلية للاستعمار، هي الدافع الخفي مع تأكيد صلتها به. لذلك جرى اللجوء الى استدعاء ثقافة القبيلة وموروث العرب في الحكم ومردود السلطة في الغنيمة. والخلاصة أن مصلحة الحاكم وقبيلته، وحماية السلطة والثروة لديهما، تعلو عنده على الانتماء القومي، ويجدها لدى الكيان الصهيوني.
وبهذا جعل المحور من نفسه مطيَّةً للكيان. وذلك مؤشر خطِر ليس على دور المحور في الحرب الجارية على غزة فقط؛ وإنما على ما يمكن أنْ يرتكبه بحق فلسطين ومستقبلها.
تلك كانت مؤشرات خطرة في حرب الطوفان على المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وقضيته.
________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
