كُتبت هذه الورقة قبل ربع قرن، لكن طوفان الأقصى وضع العالم أمام متغيرات جديدة ومختلفة تماماً وخاصة ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوغربي. وإذا كان العروبيين يعرفون منذ سايكس بيكو ووعد بلفور أن الغرب في مقدمة العدوان على فلسطين والأمة العربية فإن طوفان الأقصى كشف أن الأنظمة وطبقة الكمبرادور والمثقفين والمخابرات التطبيعية العربية هي في الصف الأول للعدوان الذي بدأ مع 8 أكتوبر تشرين 2023. كما كشف أن 57 دولة عربية وإسلامية ليست بأكثر من وزن خردلة في السياسة الدولية وحتى ما يتعلق بأوطانها، وبأن ما يسمى عالم أو أمة عربية/إسلامية مجرد طربوش عنكبوتي ذلك لأن الصراع راسمالي غربي عدواني والكيان الجزء الإنتحاري منه بينما يتم اغتصاب الدين وحشره كما لو كان اساس الصراع.
ورغم أن الصهيونية إرتكبت عشرات المذابح عام 1948 ولاحقاً، إلا أن ما ندر من بيننا من أدرك أن هذا الكيان جاهز للذهاب إلى الإبادة الشاملة والإنتحار.
باختصار، تضع “كنعان” هذه الورقة لعل فيها بعض الإنارة.
عادل سماره.
الاستيطان اليهودي في فلسطين، من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي[1]
عادل سمارة
مجلة كنعان، العدد 94 كانون ثاني 1999
ص ص 87-100
يختلف الاستيطان الأبيض المتولد عن بلدان مركز النظام العالمي عن الهجرات المألوفة تاريخياً سوء كانت بأعداد كبيرة أم صغيرة، فالاستيطان ظاهرة سياسية “دولانية” في الأساس ومقدمات لمشروع سياسي وإن تمظهر لاحقاً في مظاهر ديمغرافية واقتصادية وثقافية.. الخ. إنه نمط خاص من الحراك السياسي الاقتصادي الديمغرافي تختص به التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المكتملة باكراً (تشكيلات المركز)، مثلاً البريطانية والفرنسية… كأوطان أم لهذا الاستيطان. أما الاستيطان اليهودي في فلسطين: فهو الطبعة الأخيرة لهذا الاستيطان، وأما وطنه الأم فهو النظام العالمي.[2]
وكون هذا الاستيطان رأسمالي فهو استقطابي (Polarity) أي يقيم مجتمعه الرأسمالي المتقدم مشترطاً تخلف المجتمعات أو الأمم الأخرى. إنه نموذج مصغر عن علاقة مكوني النظام العالمي، مركز/ محيط، حيث يحكمهما الاستقطاب. ودور الاستقطاب هو منع تطور المحيط على شاكلة المركز كما يمنع عنه أي تطور حقيقي آخر.
الاستيطان اليهودي:
الاستيطان اليهودي في فلسطين بما هو تجميع لاثنيات مشتتة فإنه عن سابق تخطيط، مشروع يعمل بموجب برنامج دولاني استراتيجي وليس مجرد حل مشكلة أناس في مأزق معيشي. إن هدف هذا الاستيطان هو استملاك الأرض كوطن لا كقِطع، وهذا لا يفترض الحياة المشتركة مع أهل البلاد الاصليين بل يشترط الاجلاء والاحلال .
ولكونه مشروعاً يجمع بين طبيعة الاستيطان الناتج عن تطورات التشكيلات المركزية في النظام العالمي، ومصالحها، وبما انه استقطابي، وإجلائي، فإن هذه السمات تجعل له جوهره الخاص الذي يفرض على “دولته المفروضة” رفض اقامة دولة مشتركة مع اصحاب الأرض، بل اقامة دولة يهودية نقية مطلقاً او نسبياً . وعليه، ليس هذا الاستيطان اليهودي مجرد استعمار داخلي.
ليس استعماراً داخلياً: لأن هذا شكل يتخذ وضعه داخل التشكيلات القومية الواحدة في الدولة القومية العصرية. فتمايز الاستعمار الداخلي قائم على خضوع المناطق المتخلفة من البلد الواحد لاستعمار من المناطق المتقدمة، وبالطبع بارتباط المتقدمة غالباً باقتصاد دول المركز الامبريالي، إنما يتم هذا ضمن البلد الواحد أن حالة امريكا اللاتينية مثال مناسب أكثر هنا. البنية في امريكا اللاتينية اتسمت بانقسام المبنى الانتاجي الى قطب بدائي وقطب وسيط وقطب عصري اما العلاقات بين الثلاثة اقطاب فهي استعمار داخلي. وهذا لا ينطبق على وضعنا في فلسطين.
وليس اقتصاداً مزدوجاً Dual Economy
فالاقتصاد المزدوج ظاهرة على صعيد النظام العالمي مركز / محيط، حيث يكون في الاقتصاد الوطني قطاع متقدم وآخر متخلف وقد يكون كل واحد منهما لإثنية معينة، أي انه في مجتمع ثنائي. لكن هذه الظاهرة لا تنطبق على وضعنا، إلا اذا اعتبرنا نحن واسرائيل مبنى واحداً هو صورة عن علاقة مركز / محيط، وفي هذه الحالة تصح نظرية الرأسمالي في حين أن الثنائية تبدو وكأنها امر عفوي.
وليس الاستيطان اليهودي في الضفة والقطاع مجرد تحويل الوجود الفلسطيني فيهما إلى بانتوستانات كما يرى البعض منا . كانت البانتوستانات منعزلات للسود في جنوب افريقيا على اساس اللون والعرق، وليس تماماً على أساس الاقتصاد، ولكن ظلت للسود ملكية للأرض ، باستثناء الأراضي التي احتلها البيض وأقاموا عليها مزارعهم. أما الاستيطان اليهودي فينطلق من ادعاء ملكية يهودية توراتية للارض بكاملها، وجعل “المنعزلات” الفلسطينية “حظائر” للبشر بدون مدى من الأرض طمعاً في اضطرار اصحاب الأرض للرحيل.
وحتى تقسيم الضفة والقطاع الى كانتونات، فهو أمر يصح اذا عيّرناه بمعيار السيادة السياسية القومية، أكثر مما يصح بالمعايير الاقتصادية. صحيح ان الكانتونات المفككة تعجز عن التلاحم والتواصل في دولة ذات سيادة. ولكن تعني الكانتونات بالمألوف ان تتحكم هذه الكتل الصغيرة بالارض التي لديها . وهذا ليس الحال في وضعنا حيث تصر اسرائيل على بقاء الأرض بيدها. صحيح ان إحدى سيناريوهات الاحتلال شطر الضفة والقطاع الى خمسة كانتونات رئيسية، ويزيد التشطير بطرق فرعية والتفافية عديدة، إلا أن هذا لا يرفع وضع التجمعات الفلسطينية هذه الى مستوى كانتونات طالما الأرض لیست بيدها.
لا تنحصر محاولة اسرائيل تقويض البناء السيادي المحتمل للضفة والقطاع عبر مصادرة الأرض وتكثيف الاستيطان وتحويل المستوطنات الى مركز الضفة الغربية على حساب المراكز المدينية الفلسطينية، بل تعزز سياستها هذه بتقوية تبعية البنى التحتية الفلسطينية للاسرائيلية، الماء، الكهرباء، الطرق، الهواتف … الخ . ناهيك عن الربط الاقتصادي، والاستيراد والتصدير.
قد يكون لنا القول هنا، إن الاحتلال الاسرائيلي يفصّل حلاً للضفة والقطاع مكوناً من كافة سلبيات الانماط المذكورة أعلاه، والذي ينتهي في التحليل الاخير الى نتيجة تشابه نتيجة الطرد، وهي استمرار الصراع على شكل الازاحة والانزياح الذاتي. (سنرى اكثر لاحقا).
آليات الاستيطان اليهودي : وهذه تقوم على شقين متكاملين هما قهر الآخر، واستقطاب العرق. بما ان الوطن الأم لهذا الاستيطان هو مركز النظام الراسمالي العالمي، فإن آلياته لقهر الآخر هي عموماً الآليات الرأسمالية الغربية. وهذه الآليات هي ما تبرز تميزه عن الاستيطان ما قبل الرأسمالي : فالقوة العسكرية هي إحدى آليات هذا الاستيطان. وهذا ينسجم مع الهدف الإحلالي. قد يرى البعض ان الهجرات اليهودية الى فلسطين قد استخدمت القوة في مرحلة متأخرة. ولكن علينا عدم فصل هذا الاستيطان عن وطنه الأم (المركز الامبريالي) الذي كان يمارس القوة (بالاستعمار العسكري) بالنيابة عن المهاجرين اليهود، ولا يزال يفعل ذلك الى جانبهم. وبما انه استيطان في عصر رأسمالية المركز ، فالقوة في مشروعه مقرونة بالضرورة بآلية التطور الاقتصادي متضمنا شرط الاستقطاب. وهنا تكمل واحدتهما الأخرى بينما في الحروب وموجات الهجرات ما قبل الرأسمالية، لم يكن التفوق الاقتصادي (وربما الأصح التطور- الصناعي التكنولوجي) فيها شرطا ملازما للقوة العسكرية.
كما تشكل العنصرية والنزعة المركزانية الاوروبية (وهي مزيج ثقافي ايديولوجي) آلية لاستقطاب العرق اليهودي للهجرة الى فلسطين. لكنها آلية مهدت لها الطريق بالقوة العسكرية، وبنقل مشروع رأسمالي متطور نسبياً (كنقل مصنع) وزرعه في فلسطين. لهذه الآليات مستويان متكاملان بالطبع، وهما آليات المستوى الخارجي وآليات المستوى الذاتي. إن القوة العسكرية والامكانيات الرأسمالية الامبريالية وحدها القادرة على جعل هذا المشروع حقيقياً. هي وحدها التي تخلق كيانات بالقوة، وتبقي كيانات غير واقعية . كل هذا طالما هي مهيمنة وتقتضي مصالحها ذلك. وآلية المستوى الداخلي أو الذاتي، هي رأس المال اليهودي والحركة الصهيونية اللذين في طريق إنجاز مشروعهما الدولاني الخاص عملاً على خلق “اليهودي الجديد” وهذا تطلب امكانيات اقتصادية وضخّاً هائلاً من الصياغات الدينية والايديولوجية، وإيماناً بالقوة المفتوحة تجاه الآخر، ….
وباختصار، كانت نتيجة الاعداد وممارسة المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين حتى عام ١٩٤٨ ، طرد أهل البلاد وخلق دولة يهودية تحمل مختلف السمات المشار اليها أعلاه.
الاستيطان بعد ١٩٦٧
يعتبر الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة استمراراً للمشروع الدولاني اليهودي في فلسطين مدعوماً بنفس آليات وأهداف لمشروع ١٩٤٨. وعليه، تظل الأرض هي الهدف. أما اشكال المعارك فمتعددة ومختلفة مقارنة مع ١٩٤٨. ان المستوطنين هم فريق عدواني متقدم داخل المجتمع الفلسطيني. متقدم بالمعاني: الجغرافية، والاقتصادية والديمغرافية. وإذا كان احتلال الأرض وطرد السكان من السمات المميزة لاحتلال ۱۹٤٨ ، فإن الاستيطان في أعقاب عام ١٩٦٧ عمل على تفكيك هوية الفلسطينيين في الضفة والقطاع عبر تفكيك المبنى السياسي القومي، أي عدم السماح بسلطة سياسية فلسطينية مما احدث فراغاً سلطوياً ملأه الاحتلال بالقيادة العسكرية الاسرائيلية لهذه المناطق، وذلك إمعانا منه في طمس تبلور الهوية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني. كما وضع الاحتلال، وطوّر مع الوقت، سياسة اقتصادية اجتماعية قامت على إلحاق القطاعات الاقتصادية الفلسطينية بالاقتصاد الاسرائيلي، فأصبحت الصناعة تابعة والزراعة تابعة، كما ارتبطت بهذا تبعية اجتماعية طبقية حيث اصبحت قوة العمل الفلسطيني معتمدة بنسب بدأت ب ٥% ووصلت أحياناً الى ٤٠% على الاقتصاد الاسرائيلي، وأصبحت الرأسمالية الفلسطينية معتمدة في المواد الخام على اسرائيل وأصبح قطاع لا بأس به منها مجرد تعاقدات من الباطن مع شركات اسرائيلية. ورافق ذلك مصادرة الأرض، وتعميق الاستهلاكية مما اضطر قطاعا واسعا من قوة العمل الريفية للعمل في اسرائيل ايضا .
وفي غياب سلطة سياسة محلية، ووجود تبعية اقتصادية، فقد تشوه المبنى الاجتماعي للتراكم في الضفة والقطاع ليس بنيوياً وإنما وطنياً ايضاً، حيث ان الشرائح الاجتماعية التي ينتهي فائض الانتاج الوطني (التراكم) بين أيديها كانت شرائح لا تتناقض مصالحها مع الاحتلال، ولم يعد مشروع الاستقلال هو مشروعها، وبالتالي، فإن مفهوم “السيطرة البرجوازية المحلية” على السوق القومية لم يعد متبنى من قبلها مما جعل (لاحقا) مشروعاً في مستوى حكم ذاتي مقبولاً لها.
إلا ان العلاقة الاقتصادية التابعة لآقتصاد الاحتلال، ومصادرة الارض والاحتلال العسكري قد أفرزت مكوناً إضافياً للصورة وهو الإبقاء على بوابة خروج الفلسطينيين مفتوحة. وهو الأمر الذي تجلى في نزوح موسع في اعقاب احتلال ١٩٦٧ يقدر ب ٤٠٠ الف مواطن، وفي النزوح المتواصل خلال فترة الاحتلال بكاملها، وفي عدم عودة من ينزحون نظراً للمناخ السياسي الاجتماعي الثقافي الطارد لمن غادروا بحيث لا يعودون (إذا كانت لديهم الاوراق الثبوتية التي تسمح بذلك). هذه السياسة التي نسميها سياسة الإزاحة من جهة والانزياح الذاتي من جهة ثانية. وهذه السياسة تختلف بالطبع عن سياسة الطرد المباشر والمكثف “زمنياً وعددياً” التي طبقت عام ١٩٤٨. يبين استعراض سياسة الاحتلال منذ عام ۱۹٦٨ ، ان سياسة الازاحة (ممثلة في نهب الارض والقمع، واحتجاز التطور بالالحاق الاقتصادي ومنع الاستثمار … الخ) قد نجحت في توليد سلوك الانزياح الذاتي لأعداد كبيرة من فلسطينيي الضفة والقطاع ليكون حلول المستوطنين في الضفة والقطاع أمراً أكثر سهولة.
تكمن اهمية سياسة الازاحة في كون الوجود البشري الفلسطيني عائقاً طبيعياً في وجه الاستيطان. وبغض النظر عن نقد تقصير هذا او ذاك في هذا الأمر، إلا ان التطرق الى هذه المسألة كان شبه غائب في الأوساط الفلسطينية في حين انها كانت تشكل جوهر سياسة الاستيطان الاسرائيلي الذي يشكل الانزياح الذاتي الفلسطيني رافعة اساسية[3] له حيث سهل اقامة وتوسيع المستوطنات ولا سيما إقامة المدن الاستيطانية وربطها هي والمستوطنات الاخرى بشبكات قلّل الانزياح الذاتي من حجم التقطيعات العربية لها. فوجود أكثر من مليون ونصف من فلسطينيي الضفة والقطاع خارج البلاد يشكل بلا شك تسهيلاً لتواصل المستوطنات سواء كوجود او كبني اساسية.
المستوطنات والتسمية:
تزيدنا المواقف السياسية للاستيطان اليهودي وقيادته اقتناعاً بأن التسوية بالنسبة لهم هي “طبعة” اخرى للحرب. فليس هناك ما يشير الى اكتفاء المشروع الاستيطاني فيما يخص الأرض. وهذا ما يظهر التكامل بين سياستي الطرد ومن ثم الإزاحة فالانزياح الذاتي لعل ما يؤكد هذا هو ان مشروع الحكم الذاتي بالمنظور الاسرائيلي ليس أكثر من التقاط الانفاس، وتخدير الرأي العام العالمي الى أن تؤتي سياسات الازاحة والانزياح الذاتي أكلهما.
الاستيطان والارض والطبقات
ليست هناك ارقاما دقيقة لعدد المستوطنين، مما يدفع لاعتماد الأرقام الاسرائيلية مع تحفظ عليها. فبما ان الاستيطان مشروع عدواني اقتلاعي الى هذا الحد، فلن يكون مستغرباً تقديم اسرائيل لأرقام غير دقيقة لا عن عدد المستوطنين ولا عن مبنى المستوطنات الداخلي.
تزايد عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحاطة بالخط الاخضر ما عدا القدس من ١٢ الفاً عام ۱۹۷۹ الى ٦٥ الفا عام ۱۹۸۹ الی 150 الفاً عام ١٩٩٦ ، باستثناء الأحياء الاستيطانية حول القدس الشرقية التي باضافتها يتجاوز عدد المستوطنين ٣٥٠ الف مستوطن. وسيصبحون اضافة للاستيطان في القدس وما حولها، مليوناً عام ۲۰۱۰. يؤكد تزايد عدد المستوطنين بوتائر عالية السياسة الاسرائيلية للوصول الى تفوق ديمغرافي في كافة أرجاء فلسطين وليس في مناطق احتلال ١٩٤٨ وحسب. وحتى الوصول الى الازاحة والانزياح الكلي او شبه الكلي، فإن تمكين المستوطنات من التفوق الديمغرافي الى جانب التفوق الاقتصادي والبنيوي والعسكري بالطبع، يكون هذا هو الطريق الفعلي لاسرائيل كي تحول دون خلق حالة سيادية فلسطينية او حتى حالة حكم ذاتي او كانتونات فعلية .
يضع الاسرائيليون بين فترة وأخرى سيناريوهات لمصير الاستيطان في الضفة الغربية، من بينها تجميع معظم المستوطنين في كتل استيطانية ، مثلا تجميع ٧٠% من المستوطنين في “القدس الكبرى” وغربي رام الله ونابلس . ولكن حتى الآن لا يوجد ما يشير الى قرار فعلي بتنفيذ شيء من هذا القبيل، بل ان ما يحصل هو توسيع للمستوطنات كل واحدة حيث هي. وهذا يخدم التحليل القائل بأن الاحتلال إنما يريد كامل الضفة الغربية، بمعنى أنه يجرب سيناريوهات تتجاوز حتى اقتسام” الضفة الغربية مع السلطة الفلسطينية! وهذا يلقي ضوءاً أكثر على سمات هذا الاستيطان المدرجة أعلاه.
وفي الحقيقة، ليس هناك ما يمنع الاحتلال من تطبيق سياسته هذه طالما يده مطلقة في الضفة والقطاع سواء بمضمون اتفاقات التسوية او بنصوصها. فلا اتفاق أوسلو، ولا ما أعقبه من اتفاقات حتى واي بلنتيشن قد نصت على اقتلاع المستوطنات. وهذا يعطيها
“شرعية” ولو غير مباشرة. أما القبول بالطرق الالتفافية، أو حتى مجرد طرحها للنقاش فانه يعطي “مشروعية” ما للمستوطنات، وإلا فما ضرورة مناقشتها وصياغة اتفاقات بشأنها، وبالتالي تنفيذها الفعلي.
وهكذا، فإن الطرق الالتفافية، بما تحدثه من خنق للتوسع الطبيعي لمسطحات المدن الفلسطينية، وما تؤدي إليه من فصل مسطحات القرى عن أراضيها الزراعية حيث لا يعود بوسع المزارعين قطع هذه الطرق الضخمة وصولاً الى أراضيهم في الجانب الآخر منها، الى جانب المصادرة، كل هذه تعطي نتائج سلبية بمستوى المصادرة تقريباً ولكن دون ان تكلف الاحتلال الثمن السياسي والاعلامي للمصادرة. وتؤدي في التحليل الأخير الى الانزياح الذاتي الموظف في خدمة الرؤية الاسرائيلية للحل في الضفة الغربية بشكل خاص، وهو بقاء جماعات فلسطينية فيها دون هوية وطنية سياسية محددة ودون مبنى انتاجي/ طبقي، وهذا ما يميز الرؤية الاسرائيلية عن استعمار داخلي او اقتصاد مزدوج او بانتوستان … الخ.
وكلما كثر عدد المستوطنين والمستوطنات، وكلما تقادم الزمن على شق الطرق الالتفافية، أصبح فصل الأرض والسكان اكثر صعوبة حتى بمستوى فصل كانتونات عن بعضها البعض ، وبالتالي نكون امام صورة مكوناتها هي التالية:
اسرائيل النقية نسبياً فى ١٩٤٨ ، تبسط “هيمنتها / سيادتها” على الضفة الغربية وقطاع غزة بمبناهما السكاني المختلط نسبياً ولكن بسيادة يهودية وبإلحاق اقتصادي فلسطيني، وهو وضع يمكن الاسرائيل تقويته عبر استمرارها في تقوية شرائح فلسطينية متمولة وذات نفوذ تجد مصلحتها في استمرار الارتباط بإسرائيل.
وبمعزل عن تأثير الاستيطان على العامل السياسي القومي، فإن وضع اليد على الرقعة الجغرافية سواء كوطن او كعامل انتاج وموقع سكن، يحدث ضغطاً عالياً على الموارد المحلية الأخرى المحدودة، ولا سيما السياحة والخدمات المدينية وذلك بسبب فقدان الارض، مما يقود الى مزيد من تقلص قطاعات الانتاج (زراعة وصناعة وثالثي) وزيادة اضطرارية في الاعتماد على القطاعات الهامشية. كما يشجع نمط اقتصاد الكازينو واقتصاد تحت الطلب واقتصاد الخدمات والمضاربات بشكل عام [4].
وحيث تتبنى السلطة الفلسطينية سياسة اقتصادية لبرالية جديدة، فإنها تستجيب اكثر لمتطلبات اقتصاد الخدمات والكازينو . فهي تحتج على المنع الاسرائيلي للعمال الفلسطينيين من العمل لدى المؤسسات اليهودية بدل التوجه لفك الارتباط وتطبيق خطة تنمية معتمدة على الذات. والفارق بين الحالتين، هو ان ابتعاد أو غياب سياسة تنموية هي في الحد الأدنى حمائية وتدخلية يقود الى اضطرار المواطنين للانزياح الذاتي. وفي أحسن الأحوال تعمل السلطة الفلسطينية على إقامة مناطق صناعية مشتركة تكون قوة العمل فلسطينية ذات مستوى وأجور متدنية ورأس المال اسرائيلي مما يؤيد حالة التبعية علماً بأن هذا التشغيل لا يخرج عن ظاهرة العمل في اسرائيل.
وفيما يخص الحديث عن اقامة مجتمع مدني وديمقراطي، فإن استمرار التبعية والالحاق بالاقتصاد الاسرائيلي هو استمرار في عدم قدرة المجتمع على انتاج حاجاته الأساسية وهذا يجعل الوصول الى مجتمع مدني امراً صعباً، لأن من شروط الديمقراطية ان يقل الاعتماد المعيشي للناس على السلطة البيروقراطية، وليس العكس. وحيث ان المستوطنات هي عامل أساسي في تقليص، وبالتالي الحيلولة دون تنمية مناسبة التنمية بالحماية الشعبية فإنها أي المستوطنات إنما تلعب دوراً في عدم دقرطة المجتمع الفلسطيني تحت حكم السلطة الفلسطينية.
تفكيك المبنى الطبقي
اشرنا اعلاه الى دور الاحتلال وبالتالي الاستيطان في إعاقة التطور، حتى بشكله الرأسمالي، سواء لأن علاقة الاقتصادين ليست علاقة اقتصاد مزدوج، ولا علاقة استقطاب داخل البلد الواحد، إضافة الى أن تفريغ السيادة من محتواها، وتقليص السوق الوطنية حيث ترتبط المدن الفلسطينية بالمراكز الاقتصادية الاسرائيلية. واعتماد طبقات وشرائح طبقية فلسطينية على اقتصاد الاحتلال، مثلا معادلة عمل / رأسمال تجد حلها في تشغيل قوة العمل الفلسطينية في الاقتصاد الاسرائيلي. بناء على هذا كله، يظل مركز القرار الاستثماري والاستهلاكي والانتاجي والتوزيعي الفلسطيني بيد الطرف الآخر. إن فك العلاقة بين قوة العمل ورأس المال المحليين مجسداً في عدم الاستثمار الرأسمالي المحلي وبالطبع عدم خلق قطاع عام تشغيلي انتاجي امر يترتب عليه تسهيل واستمرار الانزياح الذاتي وصولاً الى تفكيك في البنية الاجتماعية ولاحقا القومية/السياسية، وتشويه المبنى الاجتماعي للتراكم عبر اشكال متعددة من الارتباط بالاقتصاد الاسرائيلي مثل التعاقدات من الباطن، تؤدي في النهاية الى تفكيك التماسك القومي السياسي (أي المشروع الوطني). مثلا، نحن امام تفكيك الفلاحين عن السوق المحلية بفقدان الارض، فك قوة العمل عن القطاع الصناعي المحلي لانه لم يخلق لها فرص عمل، وفك رأسمالية التعاقد من الباطن عن الاقتصاد المحلي لأنها تعمل لصالح ارتباطها بالشركات الاسرائيلية وهذا يحدث فراغاً بعد ضمور المشروع النضالي السياسي ، فراغ لا يرقى الى الاضطلاع بمشروع تنموي اجتماعي طبقي.
يبرز تأثير الاستيطان على ما ورد أعلاه، عبر آلية كون المستوطنات جزءاً مباشراً من الاقتصاد الاسرائيلي بمجموعه، وكونها تتحول الى مراكز جذب لقوة العمل الفلسطينية ولمشاريع التعاقد من الباطن ولأنها تقوم في أحشاء جغرافيا الضفة الغربية، فإن ضبط العلاقة معها امر غاية في الصعوبة، بمعنى ان خطورتها ليست في دورها وحسب وانا موقعها أيضاً.
يعطي الاحتلال أهمية كبيرة للمسألة الديمغرافية وهذا ما يضفي على تأثير الاستيطان أبعد من البعد الاقتصادي حيث تصل نتيجة مصادرة الارض الى مزيد من الضغط ما يتبقى من الأرض كعامل انتاج ، وهذا يقلل فرص المواطنين الفلسطينيين ويزيد المستوطنين مما يقود الى الانزياح الذاتي الفلسطيني، ويرجح ميزان التسابق الديمغرافي، حتى في الضفة الغربية لصالح الاحتلال.
وكلما تضاءلت الارض كمصدر معيشي، وكفضاء للتوسع العمراني والطبيعي، وكلما ترافق هذا مع معدلات نمو سكاني عالٍ كالتي في الضفة والقطاع، كلما قاد هذا الى مزيد عدد الفئات المهمشة والرثة والتي لا وزن نوعياً (كفاحياً ) ولا اجتماعياً لوجودها بل ربما يصب هذا في المشروع الصهيوني لتهميش المجتمع الفلسطيني سواء بتدهور الانتاج او بتدهور المستوى الثقافي والاجتماعي. وفي أقل الحالات سوءاً، يقود الى زيادة في عدد من يبحثون عن فرص الهجرة محققين استراتيجية الاحتلال في دفعنا باتجاه الانزياح الذاتي.
الاستيطان والتنمية:
تتناسب مصادرة الأرض عكسياً مع التنمية على اعتبار ان الارض (المكان) هي الحاوية الأساس للمشروع التنموي لا سيما في الضفة الغربية حيث الرقعة الجغرافية محدودة وفقيرة في آن معاً. ويصبح خطر الاستيطان اعلى حينما يدور الحديث عن تنمية منطقة خضعت للاحتلال طويلاً، وتحاول تنفيذ مشروع وطني هو بناء بلد. – Nation Building
ولكي يلبي الاقتصاد هذا الهدف، وفي هذه الحقبة من طبيعة الاقتصاد العالمي، فلا بد ان يكون دور الدولة فيه تدخلياً وحمائياً على الأقل[5]. ان السياسة الاقتصادية التي تتبعها السلطة الفلسطينية هي أبعد ما تكون “تنموياً” عن مواجهة الاستيطان. فمواجهة الاستيطان تنموياً، تتطلب سيادة على الأرض والموارد بما يحوي ذلك من تحكم بالتراكم والفائض وتمحور واعتماد على الذات وتحقيق الأمن الغذائي والأمانة والضبط العلمي لاستخدام الموارد.
الاستيطان والأداء الاقتصادي:
كلما كان الاداء الاقتصادي ضعيفاً أو دون رعاية وفر ذلك ميزة نسبية للمستوطنات لتكون مركز جذب لقوة العمل المحلية وبالتالي هجران قطع الأرض التي ما تزال بايدي المواطنين. ونصل الى النتيجة نفسها كلما قل تدخل السلطة في الاقتصاد، وغابت الرعاية الاقتصادية للمنتج المباشر و الصغير وحصرت في خدمة القطاع الخاص.
وللتمثيل على هذا، فقد انحصرت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الاجمالي عند %9 بينما في الاردن ۱۹% وفي اسرائيل ۲۲%[6] . وتصل حصة الصناعة في تشغيل قوة العمل المحلية %١٦ – ١٧ . أي ان اكثر من اربع سنوات في ظل السلطة لم تغير شيئا. وبالطبع، تراجع دور القطاع الزراعي من المشغّل الاول لقوة العمل ومن المساهم الأول في الانتاج الأهلي الإجمالي الى الرابع في كليهما. هذا الأداء الاقتصادي الضعيف يسهل الانزياح الذاتي بالطبع.
بفقدان الارض وضعف عوامل الانتاج يضعف مستوى اداء الاقتصاد الوطني حيث ان المقياس الأكمل والاشمل لأداء الاقتصاد القومي لأي بلد هو معدل انتاجية العمل فيها من سنة إلى أخرى[7] .. أما الاستيطان هنا : فيقوض القطاعات الانتاجية مما يضعف أداء الاقتصاد القومي.
ثم علينا الحذر من ان الانتاجية العالية يترافق معها بسبب تطور التكنولوجيا، حصول بطالة وهذا يضعف من فعالية المؤشر[8] ، ويشجع على الهجرة أيضاً.
كما ان مصدر التحسن النسبي في الانتاج الأهلي الإجمالي ليس ناتجاً عن دينامية محلية. “فقد رصدت وزارة المالية وصندوق النقد نمواً في الانتاج الأهلي الإجمالي والقومي الاجمالي بنسب 2.1 و3.5% لعام ۱۹۹۸ وذلك بسبب تشغيل ٣٥٠٠٠ عامل في اسرائيل على اساس شهري وهذا يعني ارتفاعاً في الاستهلاك المنزلي بنسبة 4% ونمواً محدوداً في الاستثمار العام واستثماراً خاصاً ضعيفاً، وزيادة بنسبة 4% في نمو الصادرات والواردات. أما مع إسرائيل فنقصت الصادرات وزادت الواردات ب 2.6% كما تدهورت الصادرات وزادت الواردات.”
اللافت للنظر هنا هو:
- ان مصدر نمو الدخل الأساسي هو العمل في المستوطنات واسرئيل
- إن اسرائيل تتحكم بهذا الأمر بحيث يبقى على دخل الكفاف ولا يحدث تنمية
- هذا هو جوهر سياسة الازاحة
ومن المفارقة ان يحصل استثمار القطاع العام في النصف الأول من هذه السنة ١٩٩٨ على 214 مليون دولار من المانحين، وهذا ضعف نفس الفترة من العام الماضي، ومع ذلك لم يحصل استثمار عام بل امتصت النفقات كامل المبلغ، وحتى على صعيد الاستثمار الخاص في مناطق الحكم الذاتي، فقد حصل تراجع ملحوظ في الانشاء الاسكاني المخطط وهو المكون الأوسع للاستثمار الخاص؟
الاستثمار والاستيطان:
لم تتسم فترة وجود السلطة الفلسطينية بتحسن في نمو المناخ الاستثماري. كما ان قفزة النشاط في تجارة العقارات والاستثمار في قطاع البناء قد انحصرت في القطاع الخاص الذي اتسم في غالبه بمستوى ابنية تعلو اجرتها كثيراً على دخل الاكثرية الشعبية، ولذا، آل وضع هذا القطاع الى حالة من الاشباع. وإذا أردنا معايرة هذا النشاط على أرضية التنمية بالحماية الشعبية ومواجهة الاستيطان بمعنى تقليص التوجه نحو الانزياح الذاتي فإن هذه الطفرة لم تخدم في هذا الامر.
على أن تقلص الاستثمار او عدم نهوضه لم ينحصر في هذا العامل وحده، بل لعب تأخير إعادة الانتشار، والتلاعب الاسرائيلي فيه، ومبالغة الفلسطينيين في فحوى الاتفاقات وإقامة واستمرار توسيع الطرق الالتفافية، دوراً في عدم نمو معدل الاستثمار في الضفة والقطاع بل كان هناك تراجع في الاستثمار في عامي ۹۷-۹۸ .
والحقيقة ان الاستيطان يطرد المستثمرين اكثر مما يعيقهم تدخل الدولة في الاقتصاد كما يدعي البعض. وبدل أن تكون المستوطنات هي الاستثناء، وأن يتم إخضاعها لمتطلبات التنمية الفلسطينية حصل في اتفاق/بروتوكول باريس الاقتصادي العكس حيث نص الاتفاق على: “سوف يضمن الجانب الفلسطيني بأن البناء المتاخم للمستوطنات والمواقع العسكرية لن يعود بالضرر عليها او يؤثر عكسياً عليها او على البنية التحتية التي تخدمها (ص ۱۹۰). لا يشكل هذا النص تقييداً للاستثمار الفلسطيني بل طرداً مسبقاً لمن يفكر في ذلك.
الاستيطان والتشغيل
للنظر الى المؤشرات التالية:
“ما بين النصف الأول لعام ۱۹۹۷ و ۱۹۹۸ زاد الذين في عمر العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة بنسبة 5.8% ليصبحوا 1370000 شخص. وبناء على تدهور معدل مشاركة قوة العمل فان قوة العمل (المشاركة) قد نمت بمعدل 20,6%[9] وتم تشغيل اكثرها في اسرائيل. وهبطت البطالة الى %٢٠،٦ . وهكذا، كانت مساهمة الاقتصاد الاسرائيلي في زيادة تشغيل قوة العمل الفلسطينية في هذه الفترة هي ٦٥،٣% . وهبط التشغيل في الزراعة والصناعة في حين ارتفع في القطاع العام الذي حاز على ٤٥،٩% من المشتغلين الجدد… زادت هذه السنة حصة الأجور من الانتاج الأهلي: زيادة حصة الأجور هذه ناتجة عن التشغيل في المستوطنات واسرائيل[10] وهذا تأكيد للتبعية للمستوطنات. “.
نلاحظ في هذا مستويين من التشوه الاقتصادي، الأول هو اعتماد زيادة التشغيل بنسبة الثلثين على الاقتصاد الاسرائيلي ولا سيما في المستوطنات، والثاني ان نصف حصة الضفة والقطاع من زيادة التشغيل معتمدة على القطاع الحكومي فيهما، وهو ليس قطاعاً عاماً بالطبع، بل هو تشغيل في إدارات السلطة. هو تشغيل استيعابي وليس انتاجياً.
ومعروف طبعاً أن قطاع السلطة هو قطاع تمويله خارجي وليس بناء على توليد دخل من الضرائب مما يعني ان آلية هذا التشغيل او مولده غير مرشح للاستمرار. فهو تشغيل عارض شأنه شأن التشغيل في المستوطنات. كما ان هذا التشغيل ليس نتاج تراكم في الفائض المحلي متجلياً في الاستثمار الخاص.
على ان كلا من السياسة الاسرائيلية من جهة والممارسة من جهة ثانية قد اثبتتا ان سوق العمل الاسرائيلية غير موجه للاحتفاظ بالعمالة الفلسطينية، لا سيما اذا عرفنا ان التسوية هي طبعة أخرى للصراع من وجهة النظر الصهيونية. وهذا يعني جاهزية الاحتلال لاستبدال العمال الفلسطينين بعمال اجانب او حتى من البلدان العربية[11] . ولا شك ان طرد العمال او الاغلاق تصب جميعها في تعزيز نزعة الانزياح الذاتي لمواطني الضفة والقطاع باتجاه الهجرة. وهذا يلح على خلق البدائل المحلية.
تتكامل سياسة الاحتلال في كل من الاستيطان والحصار الاقتصادي (الاغلاق) حيث يقطع الحصار ما بين الضفة والقطاع والخط الاخضر، وهو قطع مناطقي كلي ولكنه متقطع. اما الاستيطان فيكمل الاغلاق حيث يفكك الأوصال الداخلية للضفة والقطاع تفكيكاً نهائياً فليس الحصار حالة مستمرة او طويلة الأمد. اما الاستيطان فهو مبنى للفصل الجغرافي الديمغرافي والسياسي. ولكن ليس الاقتصادي بمعنى تشغيل قوة العمل الفلسطينية في اقتصاد الاحتلال واعتماد قوة الاستهلاك الفلسطينية على منتجات الاحتلال.
الاستيطان والسوق العربية:
يقود بقاء المستوطنات، الى جانب عدم حصول استقلال فلسطيني حقيقي، الى بقاء الضفة الغربية بشكل خاص منطقة رمادية من حيث السيادة وبالتالي من حيث الحراك الاقتصادي فيها. فهي بالنسبة لبعض العرب وبناء على الخطاب الاعلامي للسلطة الفلسطينية مناطق فلسطينية محررة . لكن الاحتلال قادر على استخدامها لا سيما بوجود المستوطنات الى درجة يمكن معها جعل الضفة الغربية منطقة لخلق “علاقات” اقتصادية عربية يهودية، وخلق شريحة فلسطينية دورها تسويق المنتجات الاسرائيلية في الوطن العربي وهذه تصب في النهاية ضمن المشروع اليهودي الامريكي السوق الشرق اوسطية، الذي جوهره هو “الاندماج الاسرائيلي المهيمن في الوطن العربي”. كما ان هذا يمكن ان يوسع قطاع التعاقد من الباطن ليصبح عربياً / اسرائيلياً داخل المستوطنات.
وتكون النتيجة النهائية لهذا تقوية دور المستوطنات في تقويض أية سيادة فلسطينية، ونمو شريحة فلسطينية مستفيدة من الوضع وربما معارضة للسيادة. ويمكن ان تقود هذه الشبكة المعقدة من العلاقات الى تهميش القضية الفلسطينية لدى الطبقات الشعبية العربية. وكذلك الى تبرير منافسة عمال عرب للعمال الفلسطينيين في العمل في الاقتصاد الاسرائيلي.
التأثير الفكري للحضور الاستيطاني:
على ضوء تدهور المستوى النضالي الفلسطيني، والوصول الى الحالة الضبابية الحالية على مستوى الشارع الفلسطيني وهي حالة الانتقال من مشروع تحرير فلسطين الى مشروع “دولة” في الضفة والقطاع، لا تتضح إمكانية تحقيقها، وإن تحققت، فليس من المؤكد ان تحصل على كامل أراضي الضفة والقطاع، على ضوء هذا يخلق الوجود اليومي الكثيف والمسلح والسلوك الارهابي للاستيطان حالة من استدخال الهزيمة واليأس من القدرة على المقاومة لدى الفلسطينيين. ويؤدي هذا الى الازاحة الفكرية، تغيير القناعات الفلسطينية من طراز الاعتقاد بالتعايش مع الصهيونية او انها قد غيرت من جوهرها، لدرجة وصل معها البعض الى المطالبة بالغاء حق العودة[12] … الخ. وعليه، تكون النتيجة مزيداً من الهجرة، والاذعان لما هو قائم، ومزيداً من تشبّث اليهود بقناعاتهم بما فيها تشجيع الاستيطان.
وبعد، فليس هذا مجال طرح ما يجب عمله بشكل متكامل، ولكن شواهد المرحلة تؤكد أن فشل الكفاح المسلح في التحرير لا يعني أن التفاوض هو البديل المناسب، لا بل إن وقف المفاوضات حتى اقتلاع المستوطنات هو حدّ أدنى في تصحيح المسار.
على أن هناك أموراً يمكن البدء بها داخلياً لتثبيت المواطن في الوطن، ولخلق مناخ اقتصادي قادر على الشروع بمواجهة الاستيطان. إن مشروع التنمية بالحماية الشعبية التخلص من شريحة اقتصاد المافيا والمضاربات والتطبيق “الأمين” لوصفات البنك والصندوق الدوليين تشكل مدخلاً مقبولاً من حيث ضبط الموارد وإشراك المواطن في تحديد أولويات الاقتصاد إشراكاً يحترمه كإنسان ويحفظ له حقه لأن هذا هو المدخل الوحيد ليقتنع المواطن بأن يضع نفسه مواطناً مناضلاً بشكل حر لبناء واقع اقتصادي قادر على مواجهة المشروع الاستيطاني الأكبر.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
[1] قدمت هذه الورقة في ندوة حول الاستيطان في دائرة شؤون المفاوضات برام الله يوم 13 -11-1998
[2] انظر عادل سماره ، تفكيك الدولة الإشكنازية بالمشروع القومي ، كنعان العدد 93 تشرين ثان 1998 ص ص 9-47.
[3] فيما يخص تناولنا مبكرا لمواجهة الاستيطان انظر كتابنا اقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع منشورات دار العامل 1979.
[4] حول اقتصاد الكازينو انظر: Adel Samara: Imprisoned Ideas, Chapter I, Globalization, the Palestinian Economy and the Peace Process. Almashriq-Ala’mil
for Cultural and Development Studies. 1998, pp 50-42.
أنظر أيضاً، عادل سماره، إقتصاد تحت الطلب، 1989 ، منشورات مركز الزهراء، القدسز
[5] بعد وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لاكثر من 100 دولة في العالم باعتماد السياسة اللبرالية الجديدة والابتعاد عن الحماية … اضطر تقرير التنمية البشرية الصادر عن U.N.D.P لهذا العام الى الدعوة لضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد . واذا كان هذا متطلبا لدول مستقلة ، فما بالك في حالة الضفة والقطاع المحتلين!
[6] وكيل وزارة الاقتصاد معاذ عابد :جريدة القدس 5-11-1998.
[7] لا تنحصر غنتاجية العمل في العمالة المباشرة في مواقع الانتاج بل تصل الى العملين الذهني واليدوي والتنفيذي والإشرلف الإداري والأكاديمي والبحث العلمي الأداء السياسي.
[8] اقترح سمير امين منهجا ماركسيا مطورا لتقييم قوة أداء العمل ونصنيفها بناء على ذلك هو: على ضوء العولكة تنقسم قوى العمل الى عمل فاعل وعمل احتياطي . (فالفاعل: ذو انتاجية قادرة على مواجهة تحدي المنافسة العالمية). انر: ملاحظات اقتصادية على تقرير التنمية ابشرية، عادل سماره، ، كنعان، عدد 84 كانون ثان 1997. ما يلي تمثيل على اهمية هذا التصميف: ان حجم القوة اعاملة في دول الطوق العربية هو 21,6 مليون شخص مقابل 2,1 مليون في “اسرائيل” / الا ن هناك فجوة كبيرة تفصل بين مهارة الأخيرة ونظيرتها في دول الطوق . ففيما تحتل “اسرائيل” المرتبة 19 غي العالم وفق معدلات التنمية البشرية ، تتقدم سوريا دول الطوق وتحتل لمرتب 73 قبل الردن 98 ولبنان 103 ومصر 110″ تدني وضعية العنصر البشري في دول الطوق، جريدة القدي، 8-7- 1998، ص 17.
[9] الأرقام مأخوذة من نشرة البنك الدولي : نشرة فصلية ربع سنوية . نشرة الربع الثالث من 1998 (ومصدرها دائرة الإحصاء الفلسطينية).
[10] نفس الصدر السابق: ص ص 5،6.
[11] انظر بشأن الموقف من العمال العرب في “اسرائي” ، كتببنا ، من احتجاز التطور الى التنمية بالحماية الشعبية ، منشورا دار كنعان، دمشق 1988.
[12] أنظر بهذا الصدد كتابنا ، اللاجئون الفلسطينيون واستدخال الهزيمة : قراءة في تخليع حق العودة. الي سيصدرقريبا.
