سوريا:
سقوط الشام يسمح بقول لا ينتهي وبعدم القول قطْ وفي الحالتين الصورة واضحة بفجاجة. ما يحصل بعد سقوط البلد أمور لا علاقة لها بصراع سياسي ولا بدين ولا حتى إيديولوجيا. ما يحصل هو فلتان متوحش حاقد كاره لكل شيء للحياة شبق بمختلف ألوان المتعة. ما يحصل هو سلوك عقول جوفاء تقتل كل من لا يتفق معها بتطابق تام مما يعني أن هذا العقل غريزي أكثر مما هو عقل شري، إذا تمكن، فلن يبقى على وجه الأرض سوى آخر إرهابي، ولا ندري حينها كيف سيتكاثر فليس لي إطلاع على ما بعد مقتل هابيل كيف تكاثرت البشرية؟ لكنه طبقا للرواية الدينية بل الأسطورة التي لا يمكنك محاججتها عقلياً. وإذا انتهت أسطورة حي بن يقظان بأن صار كل ما يلمسه ذهبا فمات، فإن الداعشي الأخير سيموت بقتل نفسه في مواصلة توحش القتل.
“تذكرت الراحل إدوارد سعيد في إعجابه باليهود حين أسمى نفسه “اليهودي الأخير” حبذا لو أنه يرى دم غزة بل حتى دم العراق حين كان يؤيد السعودية ويبخِّس القومية العربية ويلعن صدام حسين…آه يا كثير من مثقفينا!!!!
لم يكن صعباً على أي شخص سَوِيٍ ذي عقل ليدرك أن كل هذه الحروب ضد سوريا هي لاجتثاث عروبتها وتلقيحها بالصهيونية الأمر الذي يحمل في طياته كيف يجب ومن يجب أن نقاتل، وما أكثرهم!
لست هنا بصدد تعداد دور سوريا في المقاومة، فمن لم يعرف بعد بل من لم يرى، فلن يرى. ولم أرَ أتفه واشد وضاعة ممن قالوا سوريا لم تطلق طلقة واحدة من أرضها، وخاصة الذين على بلدانهم أن تطلق، بل على كل قطر عربي أن يُطلق باسم العروبة وليس باسم الإسلام، لأن إسلام هؤلاء تأليف صهيمريكي عثماني. مرة أخرى، دور اليمن عرَّى الجميع، لذا أخشى أن لا تدب العزيمة في جنرال مصر بل خديوي مصر ليرمي جنوده في محرقة اليمن دفاعاً عن الكيان، ومن يقبل بذلك فإلى جهنم.
وليس لي أن اشرح كيف ساهمت سوريا في تسليح وصمود حزب ذي العمامة وغزة أيضاً، ولعل هذا كافٍ إذا ما قورن بالذين قاتلوا ضد الحزب وغزة ومولوا وسلحوا ودربوا.
ولعل الأشد تفاهة وحقدا أولئك الذي يقولون بأن النظام السوري كان قمعيا! وكأنهم كانوا يعيشون في جنة الخلد! أين هو البلد الذي لا قمع فيه؟ هل يعلمون أن امريكا التي تتنطع للديمقراطية فيها سجناء بأكثر من ثلاثة ملايين بشكل متواصل؟ لا شك أن سجناء ماتوا في سوريا، ولكن ألا يُقتل السود بأيدي شرطة أمريكا علانية على الرصيف؟ وهل هناك حربا أو مذبحة أو قمعا في الكوكب ليست بقيادة أمريكا؟ هذا عن إمبراطورية الدم، فماذا عن سواطير مملكة العتمة. لا داع للإفاضة، المهم أن اغتيال الشام كان ليبقى الكيان وتخدمه الأنظمة العربية والإسلامية المتصهينة ومثقفيهما.
من جهة أخرى، ليس السؤال اليوم: اين هو الرئيس السوري واين ماهر الأسد وعلي مملوك وسهيل الحسن وبقية الجنرالات…الخ، أي لننتظر روايتهم إن لم يعدمها بوتين، هذا وإن كانت الرواية الأقرب للحقيقة أن قيادة الجيش خانت الوطن والشرف العسكري والأمانة القومية.
ربما لا تكمن خطورة الضباط المتآمرين في التآمر، بل لنَقْل السلطة/تسليم السلطة دون شرف الاشتباك كي يكون ذلك ضربة نفسية لأية مقاومة ممكنة، بل تأسيساً للتيئيس من اية مقاومة جذرية مقبلة.
حين دخلت قوات الاحتلال نابلس مجدداً عام 2000 أبى الرفيق ابو الرامز ربحي حداد أن لا يطلق النار على جيش بحجم أمريكا فقاتل واستشهد، ولذا من لم يقاتل من الجيش السوري كان مرتشياً وخاصة من أعطى أوامر الاستسلام. ليس شرطاً أن الجُندي قد وصلته سُحب الدورلارات، ولكن من يدري! ألم يعلن حمد بن جاسم أن الخلايجة أنفقوا ضد الجمهوريات 2 ترليون دولار؟ لا تستغربوا، فهناك اقاويلاً بأن الضباط الروس في سوريا قد نالهم المال.
وهؤلاء كما أعتقد معهم حق لأسباب:
الأول: لأنهم ليسوا ضباط العهد السوفييتي،
والثاني: لأن بوتين نفسه ركع لنتنياهو بتسهيل العدوان المتواصل للكيان على سوريا،
والثالث: لأن الرشى أتتهم عبر ضباط سوريين.
ولكن ما ينسحب على الروسي لا ينسحب على السوري.
على أن السؤال المفصلي من جهة وصعب التحديد من جهة ثانية، سوريا إلى اين؟
من منظور سلطة الإرهابيين العملاء لدرجة معولمة لا بد من قتل سوريا الوطن والعروبة وبسكاكين تحمل اسم الله كي لا تنهض ابداً وهم يكتفون بالسلطة على بعض جثمان سوريا وبالمال والتشريفات واحتلال النساء جميعاً، وفوق ذلك شعار السنة والجماعة. ولعل ما يكشف تهافتهم الداخلي أنهم يتمسحون بالأمويين! فأي امتداد يدنس مجد بني أمية!
من منظور الكيان الصهيوني يتم إلحاق سوريا المتعددة الكيانات العميلة بالكيان الصهيوني بدرجات وطبقاً لحاجة الكيان من كل واحدة من الكيانات التي ستكون بمرتبة جواري. لكن المهم أن يغتصب الكيان ما يراه مطلوباً اليوم وخاصة ما يجعل من السهولة بمكان تواصل الكيان مع الكرصهاينة في سوريا والعراق وصولاً إلى الفرات على أن يتحرك الصهاينة بحراسة اللحى والعمائم الإسلامية ويدفع الخليج كافة التكاليف صاغرا زاحفاً على عباءاته التي تنتفخ بلا أجسام. كم سيضم الكيان لا باس فليقتطع شيلوخ ما اشتهى من جسد سوريا الأموية. وسيكون للكيان قرار الفصل في كل منصب في سلطة الاحتلال المعولم.
ومن منظور الغرب وخاصة الوحش الأمريكي حقن البلد بلبرالية شكلية تعلن التحالف مع الكيان ضد ” الإرهاب الفلسطيني، وضد إيران بحجة خدمة السنة، ويبقى المهم أن لا تعود سوريا عروبية ولا مقاومة.
ومن منظور تركيا، بعد أن تأخذ حصتها من الجسد المقدس أن تحقن سوريا بالإسلام التركي حيث الطبعة الخاصة من الدينسياسي المضاد للعروبة، والذي يجمع البغاء والمساجد معاً، ويجمع الإسلام والصهيونية والإمبريالية الأمريكية، وإن أمكن تلبيس سوريا طربوش السلطان العثماني وهو طربوش غربي يغطي رأسأ في خدمة الغرب، وهذا راس داعش. بقول مقتضب، سوريا مغتصبة تنام في مخادع ثلاثة أوغاد تبادليا قبل الصلاة وبعد الصلاة.
وهنا تجد سوريا نفسها ضمن الشرق الأوسط الجديد، إنه الشرق الأوسط العربي المحتل بالطوائف والقطريات والجهويات والمذاهب وجميعها تحت أقدام الغرب والصهيونية.
ولعل اشد حماقات كل هؤلاء أنهم لا يفهمون عبرة التاريخ، فكلما تمادوا وتوحشوا سيكون ذلك شحناً للنضال، لذا يدخل هؤلاء جسد الأمة عاموديا ويخرجون أفقيا، أو لا يخرجون قطعاً وقد لا يناموا افقياً.
كُتبت بتاريخ 10 يناير 2025
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
