“كنعان” تتابع نشر كتاب: ” أحمد حسين … الرفض المشتبك”، الحلقة الثامنة، إعداد: مسعد عربيد وعادل سماره

 كنعان” تتابع نشر كتاب: ” أحمد حسين … الرفض المشتبك”

الحلقة الثامنة

إعداد: مسعد عربيد وعادل سماره

  • العنف والابتكار- “ثقافة” المرحلة الأمريكية

نشرة “كنعان”، 6 فبراير 2025

العنف بجميع أشكاله هو أقوى املاءات المرحلة الحضارية المعاصرة. فلم يحدث من قبل أن توفر لتجاوازت الهيمنة ومخططات القمع والاستعباد بتدرجاته المتعددة من أدوات القوة المزودة بأعلى مستويات الضبط والإحكام وضمان النتائج، مثلما يتوفر لها الآن. 

ولم تحدث أيضا من قبل عملية اجتياح بمثل هذا الاتساع والنـزعة الشمولية لوجوديات الأفراد والجماعات وأنماط وعيهم الحضاري الخاص. لقد تم اعداد نمط واحد للوعي والسلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي يتم تثبيته ونشره بوسيلة واحدة هي التلقين بالإكراه. وبالمقابل فإن امكانيات التعرض أو المواجهة التقليدية لهذا الاجتياح لم تعد قائمة لأنها لم تعد عملية من حيث نتائجها. لم يعد هناك توازنات أو خيارات من أي نوع كان، وبالتالي فإن مصطلحات عملية مثل التغيير والثورة والاستراتيجية والتكتيك لم تعد مطروحة كإمكانيات تَعرضٍ أو مواجهةٍ حاليةٍ أو مستقبليةٍ بموازاة محفزاتها النظرية كالحرية والقومية والاستقلال السياسي والاقتصادي. وتلخيصيا، فإن الخيار الوحيد المتبقي أمام واقع التعددية الحضارية الذي ظل قائما حتى الآن، هو الانصياع الهادئ والتدريجي لمشروع استبدال الوعي وتوحيد النموذج العملي لحضارة المستقبل ضمن التمثلات الهادفة لأصحاب المشروع الجديد، أو اللجوء إلى امكانات العنف لمنع ذلك. وأفضل الترجمات لمفهوم القوة هي تعدد الخيارات، أي حرية الفعل. ولكن العنف يظل هو وظيفتها التلقائية، وبشكل أقل تشاؤما، هو خيارها المفضل. وتمتد تدرجات العنف على اشكال وصيغ العلاقة الانسانية. لذلك فإن العنف السياسي قد يكون خيارا ملائما للقوة في بعض الحالات، ولكن العنف العسكري يظل هو الهاجس الدائم لعلاقات الاكراه السياسي. وفي اطار هذين المصطلحين للعنف دارت كل العلاقات الدولية حتى الآن. صحيح أنه كانت هناك ظواهر عنف أيديولوجية على مر التاريخ، وأنها كانت هناك ظواهر عنف أيديولوجي على مر التاريخ، وأنها كانت أكثر دموية من أية ظواهر عنف أخرى، ولكنها في أغلب الأحيان كانت مجرد تصعيد شكلي للنـزعة الامبراطورية ـ ومؤخرا الامبريالية ـ كنتيجة حتمية لفائض القوة. وما يحدث اليوم هو تصعيد آخر ـ ولذات السبب ـ يرتقي بنـزعة الهيمنة إلى المستوى الأيديولوجي، أي الهيمنة الحضارية.

إن النظام العالمي الجديد هو ادعاء أيديولوجية أممية بكل معنى الكلمة. وعند مقارنته بالماركسية فإننا لا نجد أي فرق في مستوى الخطورة أو شمولية الهدف أو الطابع النبوي للفكرة بين الاثنين. كلاهما يدعي أنه يتحدث من منطقة وعي الوعي، وكلاهما يدعي أنه يجسد واقع حركة التاريخ. ويتفقان أيضا في حتمية التفسير الاقتصادي للمجتمع وحركته في التغيير دون أن يلتقيا في النتائج والأهداف النهائية. إن التوازي بينهما في الشكل الأيديولوجي يكاد يكون تاما. بل هو تام فعلا. ولكن التطابق ـ التضاد ـ بينهما من حيث النهج والمضمون يبلغ أيضا درجة الكمال. وما دمنا نتحدث عن العنف فإنه في الماركسية “عنف ثوري” أي مرتبط بتطور الوعي، بينما هو في النظام العالمي الجديد “قمع منهجي” أي مرتبط بتلقين الوعي. وهذا ما يجعل من الماركسية اقتراحا أيديولوجيا للتحرر والعدالة الاجتماعية ومهمة تطورية تقع على عاتق جميع الناس، ويجعل من النظام العالمي الجديد املاء أيديولوجيا يطالب بالانصياع لمشروع اقتصادي خاص يشارك جميع الناس أيضا في تبنيه والتموضع الطبقي داخله. حتمية تحرر طبقي مقابل حتمية تراتب اقتصادي. حتمية فعل، مقابل حتمية انفعال. وفي النهاية مشروع تحرر بشري مقابل مشروع استعباد أمريكي-صهيوني. ومع قليل من الانفعال المبرر والانحياز نحو عمومية التعبير فإنه يمكن القول إنه إذا كانت الماركسية أرقى مشاريع “الخير” البشري فإن النظام العالمي الجديد هو بالمقابل أرقى مشاريع “الشر” البشري وأكثرها احكاما في عصرنا. إنه مشروع يقوم على وعي وتوارث الجريمة. وٕإذا كان العنف هو خيار القوة، فإنه بنفس المدى الخيار الوحيد أمام الرفض الأعزل. فالموقف السيكيولوجي هو الموقف الوجودي الوحيد الذي بإمكانه تخطي حالة الأعزلية وتحقيق حالة الرفض. أي هو الخطوة الأخيرة التي يمكن اتخاذها لتحقيق الذات في حالة انعدام أية امكانية أخرى للمواجهة. واقتراحات النظام الجديد وقوته اللانهائية تدفع كل أولئك المتواجدين في مساحة وعي الوعي أو الوعي الأيديولوجي نحو الموقف السيكيولوجي دفعا. وأهم اقتراحات هذا الموقف هو تخطي المصلحة البيولوجية التي تقوم عليها معادلة العلاقة بين الضعف والقوة. إن كل امكانات القوة تصبح بدون معنى في مواجهة قرار الانتحار الايجابي، أي الاستشهاد، بدوافعه السيكولوجية، الوجودية أو الغيبية.

إن “يوتوبيا” الامبراطورية الكونية الخاصة بالمشروع الأمريكي-الصهيوني أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، أقل تعقيدا وأكثر مباشرة في التناول من “يوتوبيا” الماركسية. فالأهداف وادوات الفعل أكثر تحديدا في الادراك وأبعد عن ملامسة الوعي. والنهائية المستهدفة هنا هي نهائية اقتصادية محددة لا يجعل منها “يوتوبيا” سوى اهمالها التام لحقائق الوهم وتعلقها المطلق بأوهام الحقيقة. فهي تعتقد بأن الأداتية المتطورة والتخطيط المحكم قادران على خلق سياق لإنتاج الوعي الموحد، مع صعوبات محسوبة سلفا، يمكن حلها والتغلب عليها اجرائيا. ومع شيء من التمعن فإن هذا الاعتقاد هو من البساطة بحيث يذكّر بذهنية أي مجرم عادي، ولكنه موهوب وقادر بشكل غير عادي ايضا. والحديث عن الجريمة هنا، هو بغض النظر عن كونها مصطلحا أخلاقيا، وٕإنما عن كونها ظاهرة وعي(تلاعب) خصوصية ومدعمة بإجراءات القوة وحدها. وهي بهذا المدى سياق مكافئ لحركة التاريخ كما تصورته الماركسية واستمرار له.

ولكن جملة من الظروف من أهمها انتفاء أهمية المكان في التناول، بفضل التكنولوجيا الحديثة، واتساع الهوة بين القوة والضعف لهذا السبب، والخصوصية النادرة تاريخيا “للمجمع” الأمريكي، قفزت بمشروع النظام العالمي الجديد من حيث الشمول ونبوغ الإمكانيات والعنصر البشري الخاص إلى مستوى الجريمة الكونية، من ناحية والجريمة النوعية من ناحية أخرى. وأخطر ما في هذا المشروع هو بساطة التوجه وانعدام المعاناة الانسانية أو الحضارية داخله، والاعتماد على صناعة الحدث ـ حتى المعادي ـ لأغراض السيطرة والتبرير. ويمكن القول بدون أي تردد إن امريكا قد استدعت ولا تزال تستدعي كثيرا من احداث العنف الموجه ضدها او ضد الغرب لأهدافها الخاصة. وكافة مظاهر التطابق ـ التضاد ـ مع الامبريالية هي “بالطبع” مظاهر “ارهابية” ليس على سبيل التصنيف المغرض فقط بل لأن أمريكا تريدها من أجل هذا التصنيف بالذات لدعم مصطلح الارهاب وتوظيفه في اجراءاتها العملية والتعبوية. وأهم هذه التوظيفات في الجانب التعبوي هو الربط بين ” الأصلانية” والارهاب بعلاقة منطقية وحتمية، لتسهيل الاستهداف من ناحية والغاء وعي التاريخ والحضارة القائم على الانغماس في الهوية الخاصة والتعددية الحضارية، والذي يشكل العقبة الأساسية امام توحيد الوعي من ناحية أخرى.

لقد كان العنف الناجم عن التطابق مع الاستعمار الأوروبي والامبريالية الأوروبية عنفا مزودا بأدواته التاريخية المرحلية وهي الوعي الأيديولوجي لدى المثقفين، والوعي التحرري لدى الشعوب المستعمرة، وحركة التحرر العالمي بقيادة المعسكر الاشتراكي. لم تكن هناك دوافع احباط وعجز وامتهان قومي وعرقي تستوجب العنف السيكولوجي. ولا يمكن ـ اليوم ـ الاقتصار على تعريف مشروع النظام العالمي الجديد على أنه مشروع إمبريالي مكافئ للتجربة التاريخية المتاخمة له في هذا المجال. إنه مشروع نوعي يكافئ نفسه فقط. فهو من ناحية يمثل التطور الأعلى والأشمل لفكرة الامبراطورية، ومن ناحية ثانية ينفرد بأهم أدوات الفعل على الساحة العالمية. ولكن أخطر ميزة نوعية له هي التحالف الثنائي بين ظاهرتي الشذوذ التاريخي والثقافي في عالمنا: أمريكا والصهيونية. فالأولى تمثل مسوخية حضارية لا شك فيها تجمع بين ثقافة همجية منهجية تتجاوز الميكافيلية إلى وعي العالم كمسرح تلقائي للجريمة، وبين أداتية علمية وتكنولوجية غاية في التطور، والثانية تمثل قمة السياق الذهني الخاص الذي يمزج بين حقيقة الوهم ووهم الحقيقة بتخصص عبقري يمثل قمة التفوق البراغماتي. لذلك فإن أية محاولة لإهمال الملابسات الخاصة بمشروع النظام العالمي الجديد والتي تجعل منه سابقة نوعية في التاريخ البشري، واعتبار هذا المشروع امتدادا مستقيما للسياق الامبريالي الأوروبي هي محاولة مرتبطة بالتسويق الاعلامي لثقافة الوعي الموحد. وهي تتضمن أيضا ـ المحاولة ـ إدانة تلقائية “للأصلانية” العالمثالثية الحاضرة، عن طريق استخدام المغالطة، وطرح نقيض افتراضي في ساحة المواجهة، هو الامبريالية “الغربية” بعد “فكفكة” الاستعمار، لإخفاء حقيقة النقيض الفعلي الطازج الذي يقوم الآن بالمداهمة، ولا يكاد يمت بصلة إلى النقيض المطروح افتراضيا فقط. وعدم “فكفكة” مصطلح “الغرب” والفصل بين المشاريع الامبريالية الأوروبية ومشروع التحالف الأمريكي-الصهيوني الجديد، هو أمر يتراوح بين المغالطة “الرغبوية” والغفلة. هذا الفصل يجب ان يكون تاريخيا، ونوعيا على الأخص، لفهم سلوك “الأصلانية “العالمثالثية المعاصرة من ناحية، ولتبرير السعي نحو المصالحة الثقافية والسياسية مع الثقافات الأوروبية المتلاشية والمستهدفة من قبل مشروع النظام العالمي الجديد بشكل أكثر عمقا وخطورة من استهداف مشاريع” الهوية” المرتبكة في العالم الثالث. هذه المصالحة وعلى أساس هذا الفهم فقط لحقيقة المواجهة المشتركة وضرورتها، يمكن اسئناس العنف “الأصلاني” وتوجيهه نحو المعاصرة والانخراط في مشروع عالمي للدفاع عن الحضارة والانسان في مواجهة مشروع بربرية الاقتصاد وهمجية التكنولوجيا وأممية الاستعباد، والذي يجعل من كل أشكال ومضامين العنف أمرا مشروعا. مصالحة كهذه يمكن أن تشكل النقيض النوعي الملح لنوعية المشروع الأمريكي-الصهيوني، وتمكن من الانتقال من الموقف السيكولوجي إلى الموقف “التخطيطي والاستخطاطي” للعنف. أما الخلط “الرغبوي” في إطار الشغف الشخصي للباحث بتقديم عمل رؤيوي متكامل ـ أو في إطار آخر أقل سموّا ـ بين التجربة الامبريالية الأوروبية، والاقتراح الأمريكي-الصهيوني الجديد، فإنه مساهمة منه في تسهيل “استيعاب العالم الامبريالي الكلي” حتى ولو كانت غير مقصودة.

إن تغيّر أشكال العنف المقاوم في أيامنا، واختيار بعضها اسلوب المداخلة المدنية والمداهمة السريعة الحانقة، يعود إلى طبيعة “العنف الآخر ” الذي لم يعد ـ كما كان في العهد الامبريالي الأوروبي ـ اجتياحا للجغرافيا الاقتصادية يتصف بالمباشرة العدوانية الساذجة والثقافة” البيتية” المتمخضة عن اختلاط وضاعة الأهداف بمشاعر الاستعلاء الناجمة عن فوارق التمدن، وٕإنما أصبح اليوم اجتياحا لجوهرية الآخر، وفرض كيفية ومدى تواجده في وعيه هو ذاته من خلال وعي الآخر له. إنه مطالب ـ ببرود قدري بالتخلي عن أية أفكار أو مدارات وعي لا تخص الحلم الأمريكي الصهيوني الدموي. أما توهماته القديمة عن نفسه وعن العالم فيجب أن تخلي مكانها لمسلمة “العولمة” بالمواصفات التي يفرضها”النظام العالمي الجديد”. ولا يعني هذا سوى أن يتحول العنف المقاوم إلى موت مجاني لانعدام التوازن النسبي مع العنف المداهم الذي يملك كل القوة، أو أن يلجأ إلى خيار “الارهاب”.

يجب أن نكون طيبين أو سَفَلة إلى درجة نستحق معها الموت، لكي نتعامى عن حقيقة اننا أمام نشأة جديدة للتاريخ تقوم اصلا على اعتبار حركة التاريخ “التقليدية” نهاية لسياق العولمة التلقائي وتحويله إلى “فكرة عولمَة” مختصرة في مشروع خاص للقوة يسعى إلى “تركيب” العالم خارج ورشة التطور الحضاري للبشرية. والبحث عن جذور هذا المشروع وامتداداته التطورية في السياق الإجرائي والثقافي للإمبريالية الغربية بما في ذلك امريكا” هو طيبة مميتة أو توظيف جنائي. إن البحث يجب ان يتم على ساحة النشأة الشاذة والتاريخ المنحرف لأمريكا، يجب البحث عن تلك الجذور في المزاج الجماعي الأمريكي الذي يمجد بإخلاص تام بطولات “عصر الآباء” الذين نظفوا امريكا من همجية السكان “الأصلانيين”. يجب استكشاف ذلك في التلكؤ الأمريكي في الحرب العالمية الثانية لإعطاء النازيين الفرصة لإثخان أوروبا حتى النـزع الأخير للاستيلاء على ميراثها الاستعماري. يجب البحث عن ذلك بشكل خاص في أعظم حادثة إرهاب عالمي عند إلقاء القنابل الذرية على نغازاكي وهيروشيما بدون أي مبرر سوى ضرب المثل للآخرين، وتغيير مزاج الحضارة المتحفظ من الجريمة الهادفة. وأخيرا يجب البحث عن تلك الجذور في أُمثولة العراق، حيث يتم تكريس الإبادة الجماعية كأداة مشروعة للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وعن شعب العراق بالذات، الذي يعاني من طغيان صدام حسين فقط.

إن الاسقاط الثقافي المناسب لمشاهد الوعي والسلوك الأمريكي، ليس موجودا في الإبداعات العظيمة التافهة لأي “سندباد” ثقافي أوروبي ـ حتى مع جنسية أمريكية ـ ينافق نفسه سلفا بحكم كونه “حواضريا” ومسيحيا في آن واحد (ولكنه على الأقل يعترف بأهمية المكان والجنس المغايرين ولو لمجرد أهمية حضوره التنويري عليهما) ولكن ذلك الإسقاط موجود في رسولية القوة، وقداسة النهج، وتأويل العالم امريكيا فقط، والتي تشكل سوية السبب الأساسي لوجود ثقافة أمريكية من أي نوع كان. إن كل أمريكي تقريبا ـ حتى وٕإن كان من أصل عربي ـ يصدّق أن أمريكا تتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه العالم. 

ليس لأنها تملك القدرات اللازمة لتحمل مثل هذه المسؤولية، بل لأنها أيضا مؤهلة أخلاقيا وحضاريا لذلك!! هذا الوعي العنيف ليس وليد أميّة حضارية لا تحسن محاكمة القيم فقط، وٕإنما هو نتاج التبعية لثقافة أساسها العنف الإعلامي، وما يترتب على ذلك من صياغة بشرية رديئة. إن “الأصلانية” الأمريكية المستندة إلى تلخيص “الخلاص الإنساني” في “نمط الحياة الأمريكي”، وتشخيص الألوهية في حكمة القوة ورسولية العسكر، تطالب بتبني الغيبية أكثر من الأديان، مع فارق كبير في مساحة وعي الحرية لصالح الأخيرة. فهذه الأصلانية لا تقدم ولا تقترح أو حتى تسمح بمساحات فلسفية أو وجدانية يتحرك فيها الآخر ـ الفرد أو الجماعة ـ في دورة من الاقتراب والابتعاد النسبي حول المركز كما تسمح الأديان والعقائد الأخرى، لأن المطلوب هو وعي الأداء وملاحِقِهِ النظرية بدون محاورة. وفي الحقيقة فإن باب المحاورة مغلق سلفا لأننا أمام مشروع إجرائي يستغرق الانشغال العملي والانجاز الاقتصادي كل اهتماماته. وهو يمتلك وعيه الذاتي امتلاكا تاما، وبالتالي فهو يمتلك سياقه ايضا. هذا السياق يحيّد قضية الثقافة والوعي ويحاصر المعرفة بالمعلوماتية والابتكار العملي، ويقترح نموذجا موحدا لوعي الذات هو النموذج الأمريكي. وقضية تعميم هذا النموذج ليست خرقا محضا من جانب اصحاب المشروع الأمريكي الصهيوني. إنه خرق القوة والامكانيات العظيمة، مضافا إليها إحلال التجربة الأمريكية الخاصة مكان التجربة البشرية واستيحاء نتائجها على الفرد “والمنجمع” الأمريكي، في بناء التوقعات. وٕإذا كانت ظاهرة التجاوز هي إحدى حتميات التأسيس في مشاريع المستقبل، وٕإحدى ديناميات الجدل التطوري أيضا، إلاأنها في ظروف التجاهل الأرعن لقضايا التباين الحضاري والاجتماعي الأساسية، تتحول إلى أزمة سياق وتؤدي في النهاية إلى تعطيله. والنازية والماركسية ـ مع الفارق ـ هما آخر الأمثلة على ذلك.

إن نجاح التجربة الأمريكية داخل أمريكا أمر غير مشكوك فيه من الناحية الاجرائية والتنظيمية. ولكن نجاح هذه التجربة قام على الفرادة والعزلة معا، وبموازاة السياق الحضاري البشري العام. ويستطيع أي مسخ أن يعيش بهدوء على جزيرة معزولة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يغادر ذلك المسخ جزيرته إلى منطقة مأهولة. وليس هناك حاجة إلى التأكيد أن خروج أمريكا من عزلتها قد أدى إلى اضطراب عالمي شامل، حضاري بالدرجة الأولى، واجرائي بالدرجة الثانية. وبغض النظر عن مظاهر الفوضى السياسية والاقتصادية التي تسود عالمنا اليوم فإنه ليس هناك مجتمع “حواضري” أو “غير حواضري” لا يعاني من حالة التمزق الذي يتراوح بين” نمط الحياة الأمريكي” ونمط حياته الخاص. هذا التمزق الذي يتراوح بين المشادات الثقافية والحروب الأهلية بمتابعة أمريكية يقظة تتراوح بين المبادرة والدعم التآمري، هو الطريق المقترح والمدبر، الذي سيؤدي إلى العولمة. إن الرغبة أو الموافقة على الانسلاخ المسبق عن الوطن الاجتماعي السابق هو ما ميّز منذ البداية وحتى اليوم التوافدات البشرية على العالم الجديد. هذه التوافدات سواء كانت ظواهر “صرف” اجتماعي، أو ظواهر اندفاع نحو المغامرة، كان يجمع بينها الانتماء إلى عينة بشرية قاصرة وجدانيا واجتماعيا، وخالية من مشاعر التعلق بخصوصية الظاهرة سواء كانت في الزمان والمكان أو في محتواهما الحضاري والاجتماعي. ومن الطبيعي أن يكون بوسع هذه التوافدات تبني الانتماءات السهلة داخل تراكم بشري يرتجل علاقاته العملية بالتجربة والخطأ ويكون قيمه النظامية على أرضية اقتصادية خالصة، لها غيبياتها ورومانسياتها السوقية المعزولة عن غيبيات ورومانسيات العالم القديم، بسهولة وسرعة فائقة. وبعيدا عن تراث العالم القديم، بعيدا عن الأسطورة والدين والشعر والفن والفلسفة الإنسانية، كَوّنَ التراكم البشري الأمريكي مزاجه الخاص المبني على المباشرة ـ أي العنف التلقائي ـ وليبرالية استهداف الآخر، أي تجاوز معوقات الثقافة والوجدان الحضاري القديم للبشرية في السلوك والأداء العملي على كل المستويات. هذا المزاج الجنائي المعزز بحيوية العلم والتقدم التكنولوجي الباردة هو الصحيح الثقافي في أمريكا وليس الأدبيات والإبداعات الأوروبية الوافدة في مطالع القرن والتي أكملت سياقها الأصلي في مناخ من التلاشي التدريجي ثم انطفأت اليوم تماما. ولا يمكن الاتكاء اليوم ـ إلا جزافا ـ على “فولكنر” أو “شتاينبك” أو حتى على تفاهات همنغواي الروائية لوصف الصحيح الثقافي الأمريكي، والزعم أن هؤلاء يمثلون الصورة “الحواضرية” لأمريكا، والتي من الواجب أن نتجرد من ” أصلانيتنا” لنتشكل داخلها إسهاما في “يوتوبيا” عالم ادوارد سعيد الثقافي العنيف. ومؤسسات الفكر والمثاقفة والاعلام الأمريكية الموجهة إلى الآخر ” –الغوي” الأمريكي في مقابل الغوي اليهودي ـ تستهدف أصلا تخلف هذا الآخر ونزعاته الغريزية الأولية في مثاقفاتها الاعلامية الخالصة. أما النخب الأخروية الحائزة على ملكات الاعجاب الابداعي والثقافي والعلمي فهي متروكة بالاستهداف إلى كوادر التجنيد الخاصة، أو اغراءات عالم “الأكاديميا” الأمريكي المتميز، التي تسفر دائما عن استجلاب المواهب “العالمثالثية” التي تتحول تحت تأثير المثاقفة غير المتكافئة مع مصادر التلقي والتلقين إلى مواهب استشراقية. عقدة النقص تجاه “الأكاديميا الحواضرية”، والانبهار المبرر بمنجزاتها، تتحول بعفوية صادقة إلى عقدة تعالٍ وشعور استشراقي بالتفوق ـ كان ادوارد سعيد قد خصص له اهتماما يحمد عليه ـ تجاه فكر وثقافة المنبع. ولكن الخطر واستحقاق اللوم ليس هنا على النـزوح الثقافي باتجاه النقيض، وٕإنما على الانغماس في الاتباعية إلى درجة السهو عن اهمية التمييز بين الثقافات. وعندما يسهو أي باحث جدي ـ أو يتعمد السهو ـ عن الخصوصيات والوقائع والخلفيات السيكولوجية المؤسسة للثقافة الأمريكية، والتي تباعد جوهريا بينها وبين كل ثقافات العالم القديم وبضمنها الثقافة الأوروبية، فإن نصوصه من القيمة الموضوعية وأهمية المضمون تصبح أفضل فنيا فقط من ادلاءات أعضاء الكنيست العرب في التلفزيون حول القضايا الوطنية والقومية. ولكن هؤلاء يتمتعون بحصانة نقص الأهمية من ناحية وكونهم مجرد “أثرياء نكبة” على غرار”أثرياء حرب” من ناحية أخرى، وهو ما لا يتمتع به باحث ذو سمعة عالمية. 

إن مجموعة الأفكار والمضامين الإعلامية والأدبيات السياسية المكوّنة للمشروع الأمريكي الثقافي، تمثل أعلى مراتب العنف المساندة للمشروع الإمبراطوري الشاذ لأمريكا والصهيونية. وكون أمريكا جملة هي مفارقة جغرافية نجم عنها سلسلة من المفارقات الاجتماعية والسياسية والثقافية يحتم شذوذا في التجربة يعتبر تجاهله من جانب الباحث موتا مؤكدا لمصداقيته. إنه يصبح جزءا من الانكفاء الحضاري نحو تبني العنف كأساس وحيد للنظام والعدالة الاجتماعية والتصدي له في مستوياته غير النظامية فقط. وفي حين يحرم الانكفاء “الأصلاني” نحو العنف كأيديولوجية وفعل، فإنه يرّوّج بمهارة وٕإخلاص ـ ربما ـ لتقبل العنف المؤسس للنظام العالمي الجديد كأيديولوجيا وكفعل.

والتخفي وارء مغالطة ان”الأصلانية العالمثالثية” سلوكيا هي وليدة التطابق مع السلوك والتراث الاستعماري التآمري”الغربي” “بما في ذلك أمريكا” والدعوة إلى التصالح الثقافي مع “الحواضرية” “بما في ذلك أمريكا” هو مجرد لجوء محض إلى الكذب، او قصور مستهجن في الرؤية. “الأصلانية” المتشددة في المنطقة العربية ـ مثلا ـ هي جزئيا وليدة التطابق مع التحالف الأمريكي الصهيوني ضد المستقبل العربي، والأضرار والهزائم المادية والمعنوية التي الحقها هذا التحالف بالكيان العربي وحركته الاجتماعية القومية. هذه الأصلانية بتياراتها المتعددة، سواء تلك التي انطلقت بداءة من الارتجال والعفوية، أو تلك التي وّلّدتها الفعاليات التحريضية اللاحقة بشكل مباشر، هي بالتمهيد والنشأة وبالرعاية ـ في كثير من الأحيان ـ ابنة شرعية للظروف التي أنشأتها أمريكا والصهيونية انشاء على الساحة العربية. ومهما كانت دوافع العنف “الأصلاني”، سواء الاستشهادية منها أو الاجرامية، فإن أمريكا بالهيمنة وحرية التصرف بالواقعة أو الظاهرة هي المستفيد الأكبر من أعمال العنف لمساندة تدابيرها الإعلامية والسياسية والإجرائية في المنطقة والعالم. إن العنف الذي يكتسح كل الساحات العالمية الآن، هو من حيث الإثارة أو التأسيس ـ أحيانا ـ عنف أمريكي خالص، يخص في جزئه الأكبر تحديد الموقع الأمريكي الصهيوني مقابل الموقع الأوروبي في النظام العالمي الجديد. صحيح أن علاقات الشراكة القديمة بين أوروبا وأمريكا ما ازلت تطغى على علاقاتهما المشتركة مع البلدان الواقعة خارج هذه الشراكة، إلا أن إعادة النظر في الموضوع قائمة على أشدها في الجانبين. ومن غير المحتمل في سياق التمحور بين الطرفين أن تظل الشراكة الشكلية الزائفة للثقافة بمعزل عن هذا التمحور، وأن يظل مصطلح “الثقافة الغربي” أو اسمه الجديد “الثقافة الحواضرية” مرتعا لمداوارت الباحثين “الرغبوية” او الاستعراضية. 

وحينما يضطر العنف الثقافي الأمريكي بمختلف دعاواه مثل ” نمط الحياة الأمريكي” و”النظام العالمي الجديد” وبمختلف ادواته مثل الديموقراطية وحقوق الانسان والسلام العالمي ومحاربة الارهاب، وبمختلف ظواهره النموذجية من “السوبر مان” و” رامبو” المدججين بالقوة الخارقة والقيم الإنسانية وحتى المفكربن والباحثين المأخوذين بالنظام العالمي الجديد ـ حينما يضطر هذا العنف الثقافي إلى مواجهة “الأصلانية الحواضرية” الأوروبية سيصبح كتاب “الثقافة والامبريالية” لإدوارد سعيد مجموعة من النصوص الخارقة الجمال، بدون أن يكون لها علاقة بالواقع الثقافي الفعلي. هذا الواقع كان يستدعي بالموضوعية ولا يزال، البحث عن مشروع ثقافي اعتراضي لمشروع تصنيع الثقافة وتسويقها وربطها “بوجدانيات” الاقتصاد والنظام والمشروع الخاص الذي تقوم امريكا بالتأسيس له على نطاق العالم. ومشروع اعتراضي كهذا له شكل افتراضي واحد، يقوم على استغلال التشابه الحضاري في مجال حقائق الوهم ـ إنسانية القيم ـ بين كل حواضريات العالم وأصلانيات “العالم القديم”، لمواجهة مشروع العنف الثقافي الأمريكي القائم على حواضرية التكنولوجيا وأصلانية الصهيونية. أي أنه لا بد من “فكفكة” مشروع ادوارد سعيد لتوحيد الثقافة، وتخليصه من الولاء الأكاديمي المسبق لتصوراته حول وجود شكل واحد “لحواضرية غربية” متجانسة تتضمن نوعيا المشهد “الحواضري” الأمريكي. يجب أيضا تخليصه من سيطرة تداعيات التباعد وقطعية التضاد التي اعتاد ـ تأسيسا ـ أن يثيرها مصطلح الشرق والغرب، دون إفساح المجال لأية تداعيات نحو المشترك الحضاري والتاريخي بالإنسان حتى خارج الإقرار بمركزيته. هذا المشترك ـ حتى مع اهماله المتعمد من جانب مثقفي الإمبريالية الأوروبية- كان يجب أن يلفت نظر ادوارد سعيد اثناء تصنيفه للثقافة، ليدرك أن التجانس الجوهري بين الشرق والغرب متوفر من خلال السياق الموحد لحضارة “العالم القديم” وأن الانفصال الجوهري في الثقافة العالمية يبدأ من خطب وكتب الرؤساء الأمريكيين الأوائل أمثال جيفرسون المصرفي السوداوي، ولينكولن الذي حرر العبيد من مزارع القطن والقصب ليستعبدهم في المناجم ومصانع الشمال. ذلك التجانس من ناحية وهذا الانفصال من ناحية أخرى هو المناخ الذي سيفرض التمايز الثقافي القادم: أمريكا والعالم. ثنائي التضاد والافتراق هذا هو الذي كان يجب أن يثير لدى ادوارد سعيد تداعيات الرؤية والنبوءة الثقافية القادمة، التي تضع أوروبا والشرق وليس أوروبا وأمريكا في امكانية تثاقفية واحدة، وفي طرف واحد لمعادلة الثقافة الأمريكية القادمة، التي تطرح ثقافة الابتكار مقابل ثقافة الإبداع.

الإبتكار:

أبرز مميزات المرحلة التي نعيشها الآن هو الابتكار. فهو يحتل الآن مركز اهتمامات الفعل البشري. ويستمد الابتكار أهميته المتزايدة من تزايد الاهتمام بقضية الوقت على حساب قضية الزمن، أي من انتصار مفهوم المستقبل في الوعي المعاصر على مفهوم المصير. ومع تراجع الصراعات الاجتماعية وتفاقم الصراعات الدولية، أصبح التنافس يتمحور حول قضايا الانجاز الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي. لم يعد للفرد أو الجماعة اهمية تذكر خارج إطار الإنتاج او الاستهلاك أو المهارات أو الأداء الوظيفي في مشروع المستقبل المحدد باحصائيات عينية وزمنية، لم يعد تناول الفرد للآخر الفردي أو الجماعي جزءا من مشروعه الخاص للوعي بل جزءا من وعيه المسبق. لقد ازيلت حميمية التساؤل حول كثير من المواجهات والقضايا المشتركة، وأصبح الوجدان ظاهرة تخص الفشل في وعي العالم الواقعي. لم يعد السياق بحاجة إلى أية مهارات لا يمكن تقييمها اقتصاديا. والمدى المتاح لحركة الوعي في الزمان والمكان أصبح مدى محددا في الموقع والمساحة. أصبح مدى للابتكار وليس للإبداع. مدى لأوهام الحقيقة وحدها وبدون حقائق الوهم.

وٕإذا كان لا بد من حركة للوعي حتى في الإطار الذي يتيحه توقيت المستقبل الخاص بموقع بشري محدد، أقرب إلى الصورة منه إلى التصور فإنه يصبح بالإمكان تعريف الابتكار على أنه نشاط ذهني عملي إجرائي يحتم الاقتصار على التعامل مع أوهام الحقيقة، وتعطيل حقائق الوهم. ويعني ذلك اختصار “الإنسان” إلى كائن مكرر ذي بعد واحد وحرمانه من اوهام الريادة الابداعية التي تقربه من مراودة الألوهية وتسهل عليه مواجهة لغز المصير المرعب، بوسيلة وحيدة هي الإبداع والانشغال بقضايا الحرية. وانتصار حركة الابتكار على حركة الإبداع في عصرنا يُشكل أهم دعائم الوعي الأمريكي للعالم وبالتالي للذات وللآخر. ويكاد الابتكار ان يكون “القيمة” الوحيدة في العقل الأمريكي، أو على الأقل القيمة الأساسية التي تندرج تحت ظلها أية قيمة عملية أخرى. وهو في التجربة العامة أحد العوامل المؤثرة في الابداع ولكنه في التجربة الأمريكية يشكل البديل له، بحكم انعزال هذه التجربة في “المادية الأميّة” للفكر الأمريكي. 

هذا المنحى الأمريكي في تناول حادثة الوجود والمجتمع، ذي التركيبة العقلية المفردة، المعزولة عن جدلية التحضر، داخل جدلية التمدن، لا يمكن أن يكون مناخا لأية “مركزية حواضرية” تصلح لتأسيس ثقافة إنسانية “موحدة”، سوى بالطريقة الاستلحاقية والاسقاطية التي اتبعها ادوارد سعيد. إن تجاهل الخصائص الجوهرية المفردة للنشأة والتجربة الاجتماعية الأمريكية واعتبارها جزءا أو امتدادا سياقيا لكلية تطورية “حواضرية” مشتركة مع أوروبا هو افتراض شديد السهولة مصدره اعتبار الخامات الاستيطانبة الأولى “للعالم الجديد”، ذات المصدر الأوروبي جوهرا حاسما في طبيعة السياق التطوري الاجتماعي اللاحق. على هذا الأساس من اعتياد السهولة والتحرك الأفقي للوعي نستطيع أن نزعم نحن أيضا، أن تلك الخامات الاستيطانية، كنفايات مجتمعية، أو كظواهر “سندباتية” مدفوعة بالقلق وتوتر العلاقة الاجتماعية نحو المغامرة، أو ـ وفي أحسن الفروض ـ كنماذج انتفاعية مدفوعة بالفقر أو الشره إلى ملاحقة الثروة في “الوطن” البديل ـ نستطيع أن نزعم، كما قلت، أن تلك الخامات غير العادية تؤسس لعلاقة افتراق جوهرية عن المصدر أكثر مما تواصل تجربة الانتساب القاسية لماضيها. ولكن هذا يعتبر تبسيطا يكاد يكون أحمق لمورفولوجية حركة اجتماعية تنشأ في ظروف شبه اسطورية من حيث بدئية التاريخ والجغرافيا وحميمية اللقاء بين الوفرة والشره في خلوة عن أية قيم أو قوانين علاقة أخلاقية أو وضعية مع الآخر الأصلاني. لقد كانت معادلة مركبة وقاسية وغير مسبوقة إلا في الأساطير، تشبه وجود جماعة أرضية على كوكب مأهول بكائنات غير أرضية. وٕإذا صدف أن هذه الجماعة فئة جانحة فارّة من أحد السجون، فإن ذلك سيشكل فقط مؤثرا ظرفيا ـ ربما شديد الأهمية ـ على التطور المورفولوجي لنشأة المجتمع الجديد. أما الموروث السطحي للتمدن في سياق هذه النشأة الجديدة، فسوف يكون ـ تحت وطأة التجربة الغارقة في الشذوذ التام عما يسبقها من تجارب ـ أداة للمواجهة مع الآخر وليس أداة لاستدخاله أو تبنيه، أي نفيه حضاريا أو سلميا. لقد استدخل المسخ الأمريكي المتمدن كل امكانات التمدن الأوروبي، ولكنه لم يحاول أن يستدخل الحضارة أو الثقافة الأوروبية لأنه محكوم بسياق تطوري يفهم الحضارة فهما نظاميا خاليا من عوالق الأسطورة أو الرمز أو استبطان العلاقات الوجدانية. أما تلك السرديات الأمريكية الروائية التي تحدث عنها ادوارد سعيد فمن الوضوح بمكان أنها سرديات وافدة، ورواسب للماضي غير الأمريكي في طريقها إلى التلاشي. وادوارد سعيد نفسه “بأصلانيته” الأمريكية وثقافته الأوروبية الخالصة هو مثل جيد على ذلك، كما أن مفهوم كلمة “الحب” المختلف بين انكليزية اللندني وانكليزية النيويوركي هو مثل آخر صغير، ولكنه جوهري، على ذلك أيضا. ومن هنا فإن كل اسقاطات ادوارد سعيد الثقافية الأوروبية على ما يسميه الثقافة الغربية “بما في ذلك أمريكا” هي ابتكار المفكر الأمريكي مضافة إلى ابداع الباحث الأوروبي. وهي تشكل مساهمة أمريكية “أصلانية” في تأسيس الابتكار الأمريكي “الثقافي” الأهم وهو ثقافة الوعي الموحد، المفرغ من أية رموز أو دلالات تتجاوز اعتبار المارينـز ـ السود منهم على وجه الخصوص ـ شرطة دولية لحماية النظام العالمي، والاقتناع أخيرا بأن العالم الأفضل هو العالم الذي تقوم فيه السلعة بانتاج المستهلك. ولم يبق سوى أن نضيف تفريغ الوعي من الرموز واستئصال ادواته في الترميز للوصول إلى الحقيقة المجردة في كون الإنسان وحدة استمتاع طبقية في نظام أمريكي خال من أية أوهام أوروبية أو أساطير شرقية، لتكتمل صورة ” التطابق ” الحقيقية والفعلية القائمة بين أمريكا والعالم شرقا وغربا، بين النظام والأيديولوجيا، بين التمدن والحضارة، بين الابتكار والابداع، وليس بين “الغرب بما فيه أمريكا” والشرق العالمثالثي كما لا يزال ادوارد سعيد يعتقد، متوقفا عند “فكفكة” الاستعمار الأوروبي.

من هنا فإن مشروع ادوارد سعيد الرؤيوي، المنغمس في طقوس التدين الثقافي والابداعي بكل الإخلاص الذي يميز المفكر والباحث المثالي والموضوعي في آن واحد، يتمخض عن مشهد سوريالي، يقوم فيه رجل ما برعي نعجته على صخرة صلدة محاطة بالعشب. وفي الحقيقة فإن هذا المشهد هو نتيجة محتمة للجمع بين الابتكار الأمريكي العظيم لفكرة “الوعي الموحد” وعولمة الثقافة في مشروع انشائي واحد، يتحدث عن فالق أصبح الآن ثانويا رغم استمرار فاعليته الثقافية كأحد الشروخ الفرعية المشتركة بين أوروبا والشرق. وفي حين أن ادوارد سعيد منشغل حتى ثمالة الوعي في العمل على توحيد الثقافة على جانبي هذا الشرخ بأداته الراقية، الجميلة وغير الموفقة في الحوار، بل والتبشير أحيانا، فإن الفالق العالمي الجديد يتكون في مكان آخر، ليس فقط على مساحات جغرافية وسياسية واقتصادية، وٕإنما بالذات على المساحة الإنسانية والحضارية للفرد وللجماعة. بين جانب تتماهى فيه أمريكا مع الصهيونية وجانب آخر ملزم بالتماهي على أي مدى مستطاع، يشمل ما تبقى من العالم. ومع أن هذا الفالق لا يزال شرخا دقيقا على الجانب الأمريكي الأوروبي إلا أنه محكوم بالتوسع بفاعلية تناقض المصالح وانتماء أوروبا إلى العالم القديم المتحضر، وأمريكا إلى العالم الجديد ـ عالم التمدن الهمجي.

إن الابتكار بمفهومه الأمريكي الجانح، كأداة تمدن براغماتية معزولة عن تحري الثقافة أو الرمز في الصيرورة البشرية، قد لا يكون فقط تعبيرا عن الانسجام بين النموذج الأمريكي وعالمه الخاص، وٕإنما تعبيرا أيضا عن غياب أهمية الابداع في مزاج الوعي المعاصر بعد سلسلة الفضائح التي ارفقت الإمبريالية الأوروبية، وأسفرت عن تراجع مستوى التمجيد لمقولة السمو البشري في الطبيعة. لقد تم ـ بحق أو بغير حق ـ إفلاس مقولات إنسانية وجمالية دعمت حضارة العالم القديم بحقائق الوهم التي شكلت مغناة الوعي الإنساني على الطريق نحو مصير مجهول، ولكنه ذو ثراء معنوي ووجداني فاحش. وبغض النظر عن أن إفلاس هذه المقولات ـ إذا اعتبرنا الإنساني فينا تطوار جدليا نوعيا ـ ناجم عن رداءة استعمالها اجتماعيا، كملابسات وجدانية أو أيديولوجية لدعم غائيات القوة والهيمنة، مما أسفر عن اتلافها في الوجدان الفردي، أو أن هذه المقولات لم تكن أصلا سوى ابتكارات طبقية استهدفت شغل الوعي عن التفسير الحسي للتاريخ والحضارة بالتفسير الغيبي، فإنها لم تعد في حسابات الحاجة المرحلية تساوي الجهد المبذول في مواصلة إتلافها أو دعمها. وقد كانت هذه هي فرصة “الوعي الموحد” للإجهاز على ما تبقى منها، لملء الفراغ الوعيوي الحاصل بمقولته حول “الحتمية الطبقية” واستكمال تأسيس نظام التراتب على الامكان العملي وحده للقوة داخل تلك الحتمية. وليس صدفة أن يتزامن تراجع الابداع مع سقوط الأيديولوجيات الشاملة الحديثة، أو مع محاولات استرجاع اللاوعي العقائدي، إذ أنّ كليهما ـ الابداع والأيديولوجيات ـ يكونان معا السياق العام لجدليات الوعي أو تلاعباته في تاريخ “العالم القديم”. ومع انخذال الوعي الجماعي الخاص للطبقة أمام “الوعي الموحد” للحتمية الطبقية، انتفت مقولة الحرية كجدلية وحيدة للوعي، ولم يعد هناك أية امكانية للإبداع إلا خارج المرحلة. أما الأيديولوجيا فقد تركت مكانها لكفاءات الابتكار والقوة وليبرالية التسلط، وهي تجرجر أذيال فشلها الامبراطوري الامبريالي من ناحية و”مطابقة” الامبراطوري الماركسي من ناحية أخرى. لقد مثلت انشاءات وسرديات الثقافة الامبريالية مجموعة من التلاعبات والمزاعم والتصوارت حول نفسها وحول الآخر، تحت تأثير الثمالة ـ او حتى العربدة ـ الناجمة عن الشعور بفوارق القوة والتمدن. ولكن هذا المجون لم يتعد ظاهرة الفسق المألوفة التي ارفقت نشوء الحضارات وصراعها، واستقواء الهوية كهامش تبريري أو استمتاعي لقوة الفعل المادي. لقد استولت الثقافة الامبريالية ـ كما هو لازم ومحتم ـ على الفضاء الذي استولى عليه العسكر، لتكرر ـ ربما بشكل مختلف قليلا ـ عادة التاريخ ” القديم ” المألوفة في انتاج حالات الفجور والطغيان الثقافي المناسب لمرحلة الاستقواء. وعلى الغرار المألوف أيضا، فإن الثقافة الامبريالية لم تسع إلى نفي الثقافات “الأصلانية” لشعوب المستعمرات، بقدر ما سعت إلى تثبيتها لتدنيئها واستباحتها على خلفية منافقة الذات والهوية وتوفير السياحة الابداعية من ناحية، ولحفظ “التخلف” وفوارق التمدن والحضارة كعوامل خضوع من ناحية أخرى. قد يكون هناك ظواهر نفي اضطرارية من خلال حركات التبشير “التجسسية” في الهند أو بعض الدول الأفريقية، باعتبار أن التحويل الثيولوجي هناك يشكل مؤثرا ثقافيا حاسما يطابق النفي، ولكن مثل هذا الأمر لم يكن واردا أبدا في البلاد الإسلامية المستعمرة والعربية منها على وجه الخصوص. فيهوسيحية أوروبا لم تكن لتشكل طارئا ثقافيا مصيريا على يهوسيحية الاسلام. وفيما عدا الهاجس “الصليبي” المزيف، الذي استغل من قبل الطرفين اليهوسيحيين في مقارعات الهوية والدفع الاستعماري، فإنهما ـ بدون ذلك ـ وخاصة في الجانب الاسلامي يشكلان سردية تكاد تكون واحدة. والفالق الثقافي الحاسم لم يكن أبدا موجودا في الموضع الذي افترضه ادوارد سعيد، وٕإنما كان هذا الفالق ـ ولا يزال في حالتنا ـ شرخا ثقافيا وداخليا بين أصلانية العروبة ويهوسيحية الإسلام. هذا الفالق الذي أهمله ادوارد سعيد لأغراضه المتعددة ـ هو ذاته الفالق الحاسم ـ وٕإن يكن خفيا في الوجدان ولا يزال بعيدا عن حرية المفاكرة ـ بين أوروبا ونظيرها اليهوسيحي ـ الاسلام ـ من ناحية، وبين الهويات القومية المختلفة التي يسودها هذا الأخير من الناحية الأخرى. إن الفالق في حالة التطابق مع الغرب هو فالق قومي، في الشرق الأدنى، أو هو يجب أن يكون كذلك. قد لا تكون ملامح هذا الفالق واضحة في الترسيم الفكري والمعاينة بسبب سيطرة التثقيف الهجري على معرفة التاريخ وتاريخ المعرفة، ولكن وجدانيات الانتماء القومي هي العنصر الوحيد الثابت في المواجهة مع الآخر اليهوسيحي. وٕإن كانت محجوزة ـ بالقمع المحلي والخارجي ـ عن إمكانات الفعل. إن التبعية العفوية للمقدس قد ألهت تيار الهوية القومية عن التناقض التام بينه وبين اليهوسيحية الهجرية كحادثة استلاب ثقافي قومي بالدرجة الأولى، وجعلته ينقاد إلى الخلط بين مركبي التناقض واعتبارهما سياقا واحدا في المحاورة والنقد، والبحث عن الأيديولوجية القومية فيه / فيهما. هذه “الأصلانية” المثنوية المعطلة الجدل، بالحماقة الهجرية المعرفية، هي التي اعتمدها الاستشراق وتبناها وعمل على ترسيخها كوضع ثقافي مثالي لسردياتة في الثلب والادانة والسياحة الابداعية الغرائبية، داخل بيئة أصلانية مهجنة وحائرة بين التناقضات الجوهرية المؤسسة واستتباعاتها التاريخية اللاحقة. كان الشرق العربي بالذات بالنسبة لرسل الاستشراق وأفاقيه أرخيولوجيا توارتية، جغرافيا وتاريخيا وثقافيا، متداخلة مع مجموعة من (الدناءات الثقافية العرقية الوافدة من أصول وثنية ذات تراثات بالغة الغرابة والروعة والهمجية). أرخيولوجيا توارتية في الشكل، ولكنها ذات مضمون “عجائبي” معقد وشديد الإثارة حتى في نصوصه المقدسة الوافدة مباشرة من النص التوارتي. لقد كان اختلاف اللغة وحده كافيا لإزاحة النص عن مصدره وتشويه مراميه. ولكن هذا لا يكفي لإحالة الفالق التطابقي إلى مثل هذه المنابذة الطائفية السخيفة، التي لم تكن هي بذاتها أكثر من إحالة هامشية إلى الفالق الفعلي المستتر للتطابق بين “أصلانية” الهوية القومية العربية بامتدادها السحيق السابق على الاسلام، وبين اليهوسيحية بشقيها الأوروبي والاسلامي. ومع ذلك فان الثقافة اليهوسيحية تبقى لدى الطرفين سياقا مختلف الفاعلية والتمظهر في أوروبا عنه في الشرق، فهو في أوروبا انزياح ثيولوجي، بينما هو في الشرق العربي انزياح تاريخي وعرقي (الاسطورة العدنانية التوارتية) للهوية القومية، ولكنه سياق في فضاء تاريخي واحد هو “التاريخ القديم” (مقارنة بالعصر الأمريكي).

هناك إذن عربيا ثلاثة فوالق مؤثرة تتالى اتساعيا، وتكون جدل المواجهة في علاقتنا بما يسمى”الثقافة العالمية”. الفالق الأول ذاتي داخلي بين يهوسيحية الاسلام ونزعة قومية تعاني من مأزق تاريخي للهوية بين المقدس الطارئ، والبدئية الحضارية السحيقة على مستوى التاريخ الحضاري العام للبشرية. والفالق الثاني هو بين نزعة التأصيل والتحرر القومي، السياسي والثقافي والاجتماعي من ناحية، وبين هيمنة الامبريالية الحديثة واليهوسيحية في كلا الجانبين من ناحية أخرى. أما الفالق الثالث فهو الفالق العالمي بين ” الوعي الموحد “الأمريكي، وثقافة “العالم القديم ” الذي ننتمي إليه، كموقع عالمي لحضارة مشتركة. أي بين تجريد التاريخ من مقولات السمو الإنساني وأصلانية الحضارة العالمية.

لقد تصدى ادوارد سعيد لكل مقولات الثقافة العالمية “القديمة” بحماس شديد، لهدف معلن لا ينقصه السمو الرؤيوي، والترافع الحداثي المخلص. ولكنه بدا وهو يرفض كلّيات العالم القديم دون تمييز من خلال رفضه أصلا لمبدأ الكلية، ليقترح بعد ذلك سياقا ثقافيا ذا مركزية واضحة، لا بد أن يؤدي في النهاية إلى كلّية ما لا تختلف عن مرفوضاته السابقة سوى بالعفوية والبراءة من الطابع الأيديولوجي ـ بدا وكأنه يهيء الساحة لكلية “الوعي الموحد” كبديل عن وعي الحرية وما يجره من صراعات، لا تؤدي دائما إلاّ الشكل جديد من أشكال الاستعباد المتكرر. فالثقافة كمخلوق بيئي تاريخي بالكامل لا يمكن ان تحقق كليتها إلا في ظل هيمنة كاملة لمرجع ما، أصلاني بالكامل، أي ذي ثقافة واضحة الهوية. وبالعبث الانشائي وافتراض المسلمات استطاع ادوارد سعيد أن يوفر مثل هذا المرجع الثقافي لمشروعه الرؤيوي الأمريكي. فقد أضفى على “حواضرية الغرب!!؟ “مركزية عالمية “ثقافية” بواسطة تحريف دلالة التبعية العالمية لمراكز الانتاج الغربي، ونقل التمدن التكنولوجي وتحويلها إلى دلالة تبعية ثقافية. وربما يكون أيضا قد اعتقد أن سهولة التناول الغربي السياسي والاقتصادي والعلمي لبقية أجزاء العالم ذات الواقع الاستهلاكي يقود حتما إلى التبعية الثقافية، ناسيا أن دونية هذا التناول المفعم بالسلب والايقاع والتتبيع والسيطرة على المستقبل هو أهم محفزات الهوية “الأصلانية” والوقيعة بين الشعوب وأنظمتها العميلة، التي غررت مسلكياتها بتصوارت ادوارد سعيد حول قضية المركزية الثقافية. إن استقواء أشكال التمدن الغربي هو أحد محفزات التقليد ولا شك، وخاصة في مجالات الابتكار المدني والعسكري التكنولوجي، ولكن الدوافع وراء هذا المحفز نحو المعاصرة والتقدم هو توفير المبرارت والمصداقية العملية للهوية ونفي تهمة العجز والتخلف عنها. وٕإذا كان هذا لم ينجح ـ ولن ينجح أبدا ـ في يهوسيحيات العالم الثالث، فإنه قد نجح تماما في الصين واليابان والهند وأجزاء أخرى من العالم لا تعاني من ضعف الهوية واشكالات الصراع والتناقض والغربة بين الدين والقومية.

ولا يلتفت ادوارد سعيد أيضا إلى قضية تراجع الثقافة في الغرب إلى هوامش بعيدة عن الانشغال العملي الذي أصبح اليوم يملك السيادة شبه الكاملة على النشاط “الحواضري” المدني في الحياة الغربية، وان هوّة الغربة الثقافية بين أوروبا والشرق تزداد توسعا بالابتعاد الأوروبي عن مشاغل الحضارة نحو مشاغل التمدن، وتراجع الشرق نحو “الأصلانية” كمصدر للتركيب المعاصر للهوية، بعد فشل علاقته الثقافية بالغرب. وربما لهذا السبب بالذات اضطر ادوارد سعيد ـ واستطاع أيضا ـ أن يقف على جانبي فالقه المعتمد بين “أصلانية” الثقافة من ناحية وأماميتها الرؤيوية الموحدة من ناحية أخرى، واضعا إحدى رجليه على كل جانب، بينما تجاهل في ذات الوقت وجود أي فالق بين أمريكا وأوروبا ـ الغرب ـ وكأنهما ينتميان إلى ” أصلانية” ثقافية واحدة، ويكوّنّان معا مركزا “حواضريا” واحدا للثقافة. ولقد توصل ادوارد سعيد من خلال الانشاء، إلى هدفه في طرح “ثقافة الوعي الموحد” طرحا شديد الالتواء، ليسفر ذلك في النهاية، عن نصوص بحثية في الإبداع والنقد غاية في الروعة، وعن فكر ليس له أية علاقة بالمشهد العالمي الثقافي الذي تقف أمريكا والصهيونية في جانب منه، والعالم في الجانب الآخر. والمدهش أن مفكرا وباحثا في مستوى ادوارد سعيد، استطاع أن يتقبل بمثل هذه السهولة المزاعم السطحية الرخيصة لإعلام النظام العالمي الجديد، وأن يستدخل الانشاء التخطيطي الميداني لمشروع الاستعباد العالمي المبتكر على أنه فكر. وأن هذا الفكر يدور خارج مقولة الصراع الطبقي كما طرحتها الماركسي.

______

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….