صغتُ مصطلح المثقف المشتبك عبر قراءة ومعايشة الصراع الاجتماعي بل الطبقي حيث أبانت أن هذا المثقف مُقاتل فكرياً وميدانياً فهو لا يقف على الجبل بانتظار من يغلِب، وحتى بمجرد موقفه الفكري النظري هو مقاتل ايضاً. وهذا الوصف ينطبق طبقياً على مثقفي الطبقات المتصارعة المتناقضة بمعنى أن مثقف الطبقة السائدة التابعة معاً في الوطن العربي، الطبقة الحاكمة التي تشن حرباً أهلية ضد مختلف طبقات المجتمع الأخرى وهي الأكثرية هو أيضاً مشتبك، ومثقف الرأسمالية الغربية الإمبريالية هو مثقف مشتبك ولكن كجزء من الثورة المضادة.
لا يكون المثقف ثورياً نقدياً مشتبكاً إذا كان مجرد تابع لسلطةالبلد/الطبقة الحاكمة المالكة المستغِلَّة لأن المشتبك هو ثوري كذلك فهو مُبادر ومُنظِّر ومُجادل ومُدافع عن ما يطرحه، ولذا يكون هذا المثقف مثابة حامل مشعل النور في زواريب معتمة ومن هنا أهميته بعكس مثقف السلطة الحاكمة الرأسمالية سواء في المركز أو المحيط بما هو مضاد للثورة.
كما يختلف هذا المثقف المشتبك عن المثقف المنشبك الذي هو وطني ايضاً ولكنه لا يملك شخصية المثقف المشتبك، فهو لا يجادل ولا يعترض بل يتلقى رؤية السلطة ويقوم بزخرفتها وتدبيجها لغوياً وإضافة محسِّنات عليها ضمن ما طرحه النظام مما يجعل منه بُوقاً للنظام. هو يتلقى ويتكيَّف أو يتصيَّد رغبات السلطة ويتلوى حولها. المثقف المنشبك أقرب إلى موظف ثقافي، لذا ليس مُبدعاً حيث يردد ما يُطلب منه.
المثقف المنشبك ليس حراً إذن ولذا ليس ديمقراطياً فهو يُعادي من ليس على شاكلته وكثيراً ما يتحول إلى مخبر للنظام وهو يسد طريق الكتابة وحتى العيش على المثقف المشتبك.
لكن الفارق الأهم بين المثقف المشتبك والمنشبك أن المثقف المشتبك لا يضرب بسيف السلطان بل يضرب السلطان، هو أصلاً ليس في موقع القوة وبالتالي يُقاوم، بينما المثقف المنشبك يزهو بسيف السلطان ولكن، إذا ما سقط النظام الذي يتذيَل له سرعان ما يرتد إلى أكثر من حالة:
الأولى: إما أن ينطوي على نفسه دون مقاومة مردداً المقولة الشائعة بأنها مرحلة انتهت، وطالما لم تنتصر فلا معنى لأية معارضة أو رفض، انتهى كل شيء، وهذا مآله الطبيعي لأنه كان مثقف بلاط وللبلاط ولائه وليس للوطن فإذا سقط النظام وجد نفسه عارياً. هذا المثقف لا تاريخي بل لحظي ومؤقت. لقد مرَّت في الوطن العربي عدة تغيرات بانَ معها هبوط هذه الفئة من المثقفين.
لا يتوقف وجود المثقف المنشبك على العلاقة بالسلطة السياسية بل هناك كثير من الحزبيين هم حالة مركَّبة من مشتبك خلال العمل السري وعدم انكشافه ولكن حينما يُعتقل ويُضرب الحزب يتبين أنه كان منشبكاً بقيادة الحزب وحينما تُضرب يغادر الحزب وينطوي ففي الزمن الذي عاصرته في السنوات الأخيرة للحكم الأردني أنهى كثيرون عضويتهم في الأحزاب التي ضُربت من المخابرات ولم تعد للعمل السياسي الوطني قط. وتكررت الظاهرة بعد هزيمة 1967 التي حاقت بحركة التحرر العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً. هذه الفئة فاقدة لفهم حركة التاريخ.
والثانية: أو يتذيَّل المثقف المنشبك بلا حياء للسيد الجديد النقيض للنظام السابق ويمدحه كما كان يمدح نقيضه.
ولعل أفظع ما يشاهده المرء هو سقوط كثير من المثقفين والفنانين السوريين العرب الذين كانوا منشبكين بالنظام السابق/البعثي وتزلفهم الفوري لنظام الاحتلال المتعدد لسوريا بقيادة الجولاني الإرهابي الموصوف حيث يساهم هؤلاء في غسيله ليصبح السيد الرئيس أحمد الشرع. ولعله أمر مؤسف سقوط المرء إلى هذا الحضيض بلا خجل. وبالطبع، فالانطواء أفضل. مثل هؤلاء مثقفين فلسطينيين كتبوا أطنان الكلام في مديح غابة البنادق وحينما حصلت اتفاقات أوسلو كمضادة للبنادق تحولوا لمدحها بأطنان أكثر! ووصفوا المثقف المشتبك أو الشخصية النمطية بالمتخشب والانتحاري.
والثالث: أو يغادر الوطن متخارجاً ضد الوطن نفسه فيغدو جزءاً من الطابور السادس الثقافي المتخارج والمتأجنب، هذا إذا كان لدى العدو متسعاً له أي إذا كانت لديه قدرات ومؤهلات يبيعها في خدمة العدو الخارجي.
لعل الفيصل في تحديد أين يتموضع هذا المثقف أو ذاك هو النقد، فالمثقف الثوري المشتبك يمارس النقد بمستوياته الثلاثة: نقد الذات، نقد الحزب ونقد النظام/الزعيم/القائد. وإذا تخلى هذا المثقف عن نقد الحزب و/أو القائد اصبح منشبكاً لا يُعوَّل عليه.
نعاني في الوطن العربي من خذلان كثير من المثقفين المتحولين من مشتبك إلى منشبك فهم فئة خطيرة تغطي على فشل أو دكتاتورية السلطان حتى بعد هزيمته التي له نصيب كبير في حصولها. ليس من العيب نقد حزب أو نظام كان ثوريا أو وطنياً وأخفق أي نقده بعد إخفاقه كي نحافظ على أن رسالة وهدف المثقف الثوري المشتبك هو “التجرُّؤ على النصر/ماو تسي تونغ”، وهذا لا يتأتى بغير التجرُّؤ على المقاومة والنقد بحد ذاته مقاومة ومحاولة لتجليس التاريخ في مساره.
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح المثقف/المثقف الثوري، والنقدي والعضوي والثورة الثقافية بدأ طرحها من ماركس ثم لينين ولاحقاً جرامشي وغيرهم كثيرين. أسوق هذه الملاحظة لأصل إلى أن هذا المثقف لا يمكن أن يكون مذهبيا ولا طائفياً. وعليه، فإن مما عانينا منه في الوطن العربي هو انحطاط مثقفين إلى أحضان المذهب والطائفة ومن ثمَّ الدينسياسي! وربما هذا الانحطاط يساعدنا على التقاط أحد اسباب التخلف في وطننا ومن ثم تفسيره وتغييره.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
