المملكة الخامسة
في نقد الزمن والفكر الهجريين، في الرد على د. حسن حنفي
▪️▪️▪️
المملكة الخامسة
سيدي المحترم محمود درويش
أحمد حسين
نشرت في كنعان، العدد 98 أيلول 1999
أعترف بأنه ليس هناك إجماع تام على أن المتنبّي (أحمد بن الحسين) قد سمّى نفسه باسمي ليلامس النجومية، لكن الذين يعترفون بذلك – ومنهم “نحن” – كثيرون. فقل لي أنت! هل هناك شاعر واحد في أي عصر من العصور سمى نفسه “محمود درويش” ليصبح نجماً؟! ستقول حتماً: ما هذا الابتذال؟ وسأجيبك: وماذا أفعل؟! هل تركت لي خياراً غير خيار الصمت أو الرد المبتذل؟!
لنفرض أنني قذفتك بحجر، فهل تقذفني بفردة حذاء؟! وهل بعد ردّك المستعار (كنعان، العدد 97) تحت اسم لم تحسن اختياره عمداً، مبالغة في استهتارك بي، ظلّ بوسعك اتهامي بالابتذال؟ والله لو رددت عليك رداً مستعاراً لما قبلت بأقل من حسنين أو ثلاثة احتراماً لك!
من أين تأتون بهم؟! ألا يريد ذلك القطيع الذي خلّفه ذلك المرحوم – معلمك- على سفوح مذلتنا أن ينفد؟! اجيدوا استخدامهم على الأقلّ، واشعروهم ببعض الأهمية الذاتية، حتى لا يحوّلوا النفاق إلى ثروة وطنية تتناقلها الأجيال.
الوجوه تتمايز. الأصوات، الكلام، العقول الغرائز تتمايز. هؤلاء كأنهم أشباح متعددة لميت واحد، انعكاسات مرآوية لذات الشخص. لا يمكن أن تميز في مملكتهم الخامسة بين وجه ووجه، أو صوت وصوت، أو منطق ومنطق. كلهم يقولون إن شكسبير كان عجلاً لأن أباه كان جزّاراً.
ماذا تريدني أن أفعل؟! أن أقع في مصيدتك وأدخل في نقاش مباشر مع أناس استنكف عن ركوبهم؟! والله لو كان أحدهم براقاً يوصلني إلى طفولة حيفا ما امتطيت له ظهراً. “فنحن” – كما يعرف من يعرف – غرار فلسطيني أحمق، يرفض أن يفصل بين الالتزام وأخلاقياته، ولد على طفولة الموقف الفلسطيني، وظلّ هناك، لا يريد أن يتجاوز ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكونه، لأن ما يمكن أن يكونه، هو بالذات ما لا يريد أن يكونه بأيّ ثمن، ليبقى ولو “كلب حراسة”، مهملاً وجائعاً ومطارداً، يحرس ما يعتقد أنّه قدره، ومعناه الوجودي، وشرفه الوطني والإنساني. كانت هذه استراتيجيتنا الوطنية وما زالت، لأننا ما زلنا عاجزين عن إدراك أي فارق بين وطننا وشرفنا الإنساني. هكذا مضى منصور كردوش وصالح برانسي إلى موتهما الفلسطيني الصغير النظيف. وسوف يظلُّ هذا الموت الفلسطيني الصغير النظيف، لازمة في السياق الوطني، لأن مقابل كل سفح من سفوح المذلة التي تسرح عليها قطعان المملكة الخامسة، سفح للشرف المأساوي، والاعتزاز الفلسطيني الحزين، يحتلّه ولو فلسطيني واحد يقول عن نفسه “نحن” لأنه لا يجيد الانشغال بـ “أنا” عمّن قضى نحبه وعمّن ينتظر، ويعلم أن السفح لن يخلو بعده من فلسطيني آخر، يمضي مثله إلى موته الصغير وهو يردد:
لم أنكم فقط تعرفون
أنه ما لم يوجد الشرف
بمعنى من المعاني
فإنني شخصياَ
أرفض الدفاع عن قضيتي
هذا الغرار الأحمق، يتميّز بالإخلاص لحماقته، إلى درجة الاستعداد للدفاع عنها. وهذا الإخلاص بالذات هو ما يجعله أحمق. وإلا لكان مثل غيره عاقلاً، يعترف بقيمة وطنية لوطن لا قيمة له، فيصبح من مناضلي أوسلو، أي مثل “ذات الاثنين” لها واحد للصون والعفاف وواحد لمقتضيات المهنة (راجع قصة فتوى جحا بشأن ذات الاثنين لجنابنا). ذلك الحمق وذاك الإخلاص هما اللذان دفعاني إلى اعتراضك “عسكريّاً” – كما يقول الشريط المسجّل – لأنني اعتقد أنك تجاوزت الإبداع إلى التنظير الإشكالي للقضية المشتركة، فإذا كنت ترى هذا من حقك، فلماذا لا يكون من حقي أن أواجهك، ما دمت فلسطينيّاً مثلك؟ إن فارق المستوى بيننا في حيثيات كثيرة – وهو أمر لا يمكن أن أنكره لأنني اخترت بنفسي أن أكون أقلّ شأناً ممن هم أعلى شأناً منك بما لا يقاس، وأرجو ألا تتجاهل أنك تعرف كيف ولماذا، فقد قلتها لي مرة على التليفون – كان أقوى مبررات الرد عليك. لقد قال أحد أغبياء النفاق – أنك قيمة وطنية. إن كل شجرة أو حتى ذرة تراب في أي وطن من الأوطان هي قيمة وطنية. وأنت لست مجرد ذلك. أنت قيمة وطنية خاصة ومتميّزة بالإبداع وبالمساهمة الحضارية والتشخيص الوطني. وهذا ما يجعلنا نخاف من موقفك وعليه، لم يبق هناك مواقف كثيرة يمكن أن يوليها الالتزام الوطني “الأحمق” الكثير من الاهتمام، بعد أن أصبحت فلسطين “أوسلو” ذيلاً لخارطة سياسية، وإشكالية ديمغرافية على أرض إسرائيل التاريخية. لذلك اعتبرنا أن موقفك أخطر المواقف وأكثرها أهمية في هذه المرحلة، لتدارك ما تفعله السياسة والوطن. قلنا: لقد ضيّع الحلم الصهيوني فلسطين، واخترق مناخ الوجدان السياسي للعالم بالوجدانيات الملفّقة لذلك الحلم. ودرسنا “بياليك” وتقدمنا به لامتحانات “البجروت” في الناصرة. وحينما يتكامل التبادل الثقافي بين إسرائيل “والعالم العربي” فسوف يُدرَّس في جامعة القاهرة واليرموك وغزة وغيرها. فلماذا لا يكون لنا حلم وشاعر وطني “أحمق” أكبر من بياليك بكثير؟! لماذا نهمل أهمية الوجدان الاستراتيجية في صناعة الإنسان والفعل، بعد التجرية التي تعرضنا لها؟! ولماذا – حسب رأيك – ترتفع وتائر التطرف والعنصرية والاستيطان على أرض الآباء والأجداد في إسرائيل، بعد كل حادثة انخذال فلسطيني؟! ألا ترى في ذلك استخداماً ذكياً للوجدان في دعم السياسة؟! أم أن الله قد كتب علينا أن يكون السياسي مبدعاً والمبدع سياسياً، لنخرج في النهاية بدون سياسة ولا إبداع؟! إذن فما “كتبناه” مؤخراً في مجلة كنعان “عدد 97، أيار 1999” لم يكن نزوة شيخوخة، تحاول العودة إلى شبق الشهرة الذي بصقت عليه أيام الصّبا، لأنها اختارت شبق الالتزام، وإنما لقلقنا من موقفك وعليه، بصفته موقفاً من مواقف الحسم الوطني على ساحة المواجهة مع المرحلة. أنا أقبل ألّا يصدقني قنفذ وديع يقضم العشب على سفح مذلّته، في انتظار ثعلب يقلبه على ظهره الشوكي، ولكنني أتحداك أنت – بافتراض ترفعك عن الكذب- أن تفعل ذلك!
لقد “خاطبنا” على صفحات كنعان في “رسالة على زجاج النافذة” وبلغة العشق والاعتزاز – أي ليس باللغة العسكرية- تألقك الإبداعي والوطني و”حذرناك” من السياسي والصفر. لم أعينك بالاسم، وإنما عينتك بوصف هويتك في التفرّد، قطعاً للطريق على متطفلي النفاق والتكسّب، وتحرُّجاً من اتهامي من جانبك أو من جانب غيرك بما لا أريد. لم تصلك “الرسالة” على الأغلب، ولكن هذا ليس بذي أهمية، إذ يمكن الرجوع إليها متى شئت، لتعرف أن ما “حذرناك” منه قد حصل.
لقد تكاثرت الأصفار حول قدميك لتكتسب وجودها من نسبيتك دافعة إياك تدريجياً نحو المطلق، أي نحو اللاشيء. وأنت تعرف أن النسبية هي شرط الوجود المادي والمعنوي، وأن الصفر هو تصوُّر العقل النسبي للمطلق أي للعدم. وأهمية التصور الذهني للمطلق هي في حاجة النسبي لتأكيد نسبيته وإدراكها. فالصفر في الرياضيات هو المطلق الذهني الفارغ من الدلالة العددية. وانعدام هذه الدلالة هو ما يعطيه أهميته في الافتراض، لأن لا شيئيته تشير إلى لا شيئية الأعداد أي إلى نسبيتها. ولا أظن أنك يمكن أن تعتقد أن الصفر حتى في الاصطلاح الرياضي يمكن أن يجعل من الواحد عشرة أو مئة أو ألفاً، وإنما هو يشير فقط، بتكرار مظهر اللاقيمة، إلى الفارق النسبي بين قيمتين حقيقيتين. وإذا وضعنا عدداً من الأصفار أمام قيمة عددية بدون مراعاة لقانون العلاقة النسبية بين القيم، ابتعدت هذه القيمة عن وجودها الواقعي، أي عن نسبيتها، واتجهت نحو المطلق لتتلاشى فيه تدريجياً. ولهذه الحالة الرياضية موازياتها الإنسانية. فالصفر المعنوي – رغم أنه مطلق مجازي لأغراض الاستعمال النسبي، إذ أن له دلالة مسبية ما- هو استخدام الوضاعة كالصفر في الإشارة إلى القيمة المعنوية مقابل القيمة العددية. وكلما ازداد تواضع القيمة المعنوية زادت حاجتها إلى الصفر المعنوي لتزيد من تمظهرها النسبي بالتلميع، واقتناء حاشية كبيرة قدر الإمكان من الأصفار المعنوية. فهل أنت بحاجة إلى مثل هذا!
أنا أعرف أن الخيار بين السكوت، وابتذال الحيثية في الرد على نكرة نسبية مثلي هي أمر مزعج. ولكن كان بإمكانك صرف النظر عن الموضوع كله ما دمت لا تريد الرد. ولن تخسر شيئاً، فعدد الذين استهجنوا وقاحتي لمجرد الكتابة عنك، أكثر ممن تقبلوا الأمر كحادثة كتابية عادية، ثم اختلفوا مع موقفي أو تبنّوه كلياً أو جزئيّاً، بكثير. هذا الأمر له دلالة خطيرة. لقد خسرت نسبيتك في التقييم – أي أهميتك الحقيقية – لدى الكثيرين من أبناء شعبنا المخلصين – تمييزاً عن الأصفار المعنوية- وانحازوا بك نحو المطلق، لتحتل في التأثير ما تحتلّه صورة لأحد الشهداء أو الزعماء معلقة على الحائط. وقد بدا ميلك للانغماس في هذه الحالة واضحاً حينما اخترت الرد المستعار لتحافظ على تموضعك بين النسبي والمطلق. لقد تنازلت طائعاً عن شيء من نسبيتك – أهميتك – للصفر المعنوي حينما وظفت وضاعة الرد المستعار في الدفاع عنك، بدلاً من التواضع الذي طالما اعتزّ به أمثالك من ذوي المكانة الحقيقية، في السكوت أو الرد المباشر.
لن استرسل أكثر. أريد فقط أن أقول لك بكل الحدّة الصادقة، أن كونك أحد مبدعي القمّة عربياً وفلسطينيّاً، يشكل بالنسبة لي مصدراً للإكبار والإعجاب والمودة الخالصة من الرياء، ولكنه لن يشكل أبداً حاجزاً وهمياً بيني وبين نسبيتك مهما ارتفعت بالأهلية، أو بكثرة الأصفار المعنوية المحيطة بك. ربما كنت دونك بالاستحقاق الإبداعي، ولكنني لست دونك في أي شيء آخر. ولا شيء يضحكني أكثر من التعالي المجاني. كل فلسطيني يجمعك به الالتزام والقضية المشتركة ومعاناة الموقف المخلص، مهما كان موقعه التراتبي، له الحق – وبدون إذن مسبق – أن يتحاور معك داخل هذه الشراكة ما دمت ملتزماً بها، وخارجها إذا تجاوزت حدودها. إن شخصية وطنية في حجمك، وقدرتك على التأثير، تجعل من المجابهة أمراً قسرياً حينما تنبري لتعديل حدود الالتزام، وتبديل ملامح الهوية، إذا كان هناك من يختلف معها. وقد قلت ورددنا. ولم يكن ردنا أكثر عنفاً من تجاوزاتك، إلا أن حدّة إحساسك بفارق المكانة، جعلك تشعر بالظلم. فكان ردك المستعار غضباً كله. لم تنظر إلى خطورة ما قلت في نابلس، ونظرت إلى حدّة ما قيل لك. واقتصر ردّك المستعار على مراودة الابتذال، دون أن يكون هناك حتى مجرد محاولة للرد.
لا بأس! لقد استنفد أطفال المخيمات حجارة الوادي. فلم يبقَ ما تقذفني به سوى فردة حذاء! ولكن قل لي بالمناسبة! ماذا كان لونها؟
هل تريد أن ينصبّوك بدون أن تشعر – ربما – راعياً لتيار النفاق والتكسّب بالوطنية من جانب أصحاب الثقافة المقنّعة، وأيديولوجيي المجاملة، والكذابين العلنيين؟! لا تقل لي أن هذا أمر شخصي كما فعلت مرة حينما ألمحت لي أن علاقتك بمعلمك” هي شيء من هذا القبيل، وليس لي حق التدخّل فيها. إن ريتا المرأة لم تعد أمراً شخصياً حينما أصبحت قصيدة. وأنت لست صاحب مقهى، ومعلمك ليس مهرب أسلحة أو ضابط طيران تشيكيا. أنت محسوب على القضية المشتركة بانغماسك فيها، وهو محسوب عليها بانغماسه في ذبحها. ولا نوافق بصفتك هذه وصفته تلك أن يجمعكما معاً مهد وطني واحد يرتدّ إيحائياً على الوعي الوطني بتبني سفاهة المرحلة ودونيتها التي قطعت على أيدي تيار التعاقد الذي أسّسه معلمك، وملحقاته الغبيّة أو المنافقة، شوطاً بعيداً نحو العدميّة الوطنية والإنسانية. إن هذا يشبه ما فعله كاتب فلسطيني متميّز أحببته عن بُعد، وأعجبت به – وما زلت – عن بُعد، حينما اضطرته المجاملة – على ما أعتقد- إلى حشد معلمك في مشهد مشترك مع صالح برانسي وغسّان كنفاني. أليس هذا حراماً وطنياً وتاريخياً سيرتدُّ – مهما كانت براءته – جرحاً معنوياً على من يعرفون من كان صالح برانسي ومن كان معلمك، وأذى وعيوباً على من لم يعرفوا؟! إن مخالفة الموثّق التاريخي من أجل امتداح الأشخاص أو ذمّهم، بشكل مباشر، أو غير مباشر لا يمكن اعتباره أمراً شخصياً، إذا كان يمسّ قضية عامة. ونحن لا نستطيع أن نحرّم ذلك على أحد، ولكن لماذا نحن ملزمون بالسكوت؟؟!
صدقني أن مبررات الصمت لديّ أكثر بكثير من مبررات الكلام. ولكنني كما قلت لك غرار فلسطيني أحمق، تسيطر عليه سيكولوجية الغضب والألم والإحباط بعد كل ما حصل ويحصل، وإذا كنت أحسدك فليس لأنك محمود درويش، وأنا أحمد حسين فقط، فهذا أمر لو استسلمت له، لكان عليّ أن أتخطى إليك في رحلة الحسد، ربما مئة شاعر وشاعرة، ومئة كاتب وكاتبة – فقط على ساحتنا- كلهم أكثر مني تألقاً ورواجاً في مزاد الثقافة العلني. ثم من الذي نمّ لك أنني شاعر أو كاتب، حتى أكون مؤهلاً لموقف الحسد. هل حدث وقرأت اسمي في أية إحصائية صحفية ضمن قائمة الشعراء أو الكتاب لدينا؟ وحتى إذا حدث – ونادراً ما يحدث- أنه كان عليهم الضرورة الصحفية أن يذكروا اسمي – فإنهم – وبالأمانة الصحفية أيضاً- يراوحون في تقديمي بين الأستاذ والمربّي. فكيف وقعت إذن في هذه المهمة الجزافية؟ هل لكي تقول فقط في حوالتك أنني أصدر فيما أقوله عن “الشخصيات العامة” من موقف العصابية والشذوذ والانحراف النفسي الناجم عن الفشل في الوصول إلى الشهرة؟ لقد أجهدت نفسك في لا شيء. فأنا أعترف لك مجاناً أنني في قمة التأزُّم النفسي والشعور بالإحباط والفشل والعجز، ليس لأنني شخص أخرق يحاول الوصول إلى قمة غير موجودة، ولكن لأن المشهد العربي والفلسطيني على درجة من القسوة لا يستطيع احتمالها، والخلاص من تبعاتها النفسية والمعنوية إلا كل مشبوه في عقله أو شرفه أو سويته النفسية بالذات. الشيء الذي يحتاج إلى تحليل جاد وفي منتهى الخطورة – يا سيدي – هي تلك العلاقة الحميمة بين الهدوء النفسي وتجاهل الصدمة، وبين الشهرة في تجليات المشهد الفلسطيني. ما يجب أن يلفت النظر الآن، على ضوء حضيضية المرحلة، هو كثرة “الشخصيات العامة” وليس كثرة المجانين. وبما أن ساحتكم هي إنتاج محلّي خالص – كما تعرف تماماً – لتيار التعاقد على ساحتنا، تشكيلاً وتوثيقاً وترميزاً، فإن بوسعي أن أفهم حوالتك الجوابية، على ضوء المصدر الأصلي، واعتبرها مجرد شتيمة، دون أن أنكر ما تتضمنه من حقائق حول تورطي النفسي.
أنت محمود درويش. شخصية عامة بكل المقاييس المنصفة، ولست مجرد شخصية عامة بالمهنة أو بالاستخدام المكثف. أنت واحد من صناع الموقف – شئت أو أبيت – على الساحة الفلسطينية. لذلك أقول لك – وبصفتي عصابياً وأشياء أخرى كما وصفتني – إياك أن تعتقد أنني سأتورع عن التصدي لموقفك بالمدح أو الذم، إذا كان لهذا الموقف علاقة بما يدور داخل أزمتي النفسية، حتى ولو كان تحت تصرفك مصنع كامل من الأحذية.
▪️▪️▪️
في نقد الزمن والفكر الهجريين
مفكرون بأقواس وبدون أقواس
في الرد على د. حسن حنفي
أحمد حسين
علاقتي بمواقع الإنترنت حديثة جدا. لذلك لم يتح لي الاطلاع على نص د. حسن حنفي، غير المعنون، على شاشة موقع التجديد العربي، إلا مؤخرا، رغم أن تاريخ النص يعود إلى 6\10\2002. ولما كان د. حسن حنفي مقيما في ذاكرتي الثقافية منذ زمن بعيد، فإنني عادة لا أتردد في تلقف أي من نصوصه. وهذا ما حدث حينما عثرت على النص المذكور.
كان النص تساؤليا في عمومه. وحينما كان السياق يؤدي إلى طرح بعض الأسئلة التي تبدو مباشرة، كان الرد المنصوص يحيلها دائما إلى التساؤل، وتبقى مسؤولية الإجابة مطروحة على عاتق نصوص التداعي لدى المتلقي. ومع أن التساؤل هو حيلة أسلوبية محببة في الإبداع، ومشروعة في الفكر في حالات الاشتباه المعرفي، إلا أن ذلك لا يعفي المفكر من تجاوز الاشتباه إلى الاجتهاد وتقديم الرد معلقا في التساؤل والمحايثة.
وهو ما لم يفعله الدكتور حسن حنفي، رغم الإيماءات والتلميحات الكثيرة بأن لديه ما يقوله حول تساؤلاته، لو توفرت لديه النية لذلك.
ولكن المهم في الموضوع هو ملابسة النص الخاصة، من حيث أن تساؤلاته التي طرحت قبل أكثر من ثلاثة سنوات، ما تزال تملك راهنتيها الموضوعية الحرفية على آنية الحاضر، وأنها أيضا ما تزال معلقة في التجاهل كما تركها صاحبها الأول، كشاهد على جثمانية الوجود الهجري الثقافي، وانقطاعه التام في الحركة على مجالات التوتر الحقيقية للثقافة والفكر والوعي والالتزام.
وسأحاول من جانبي طرح بعض الردود على ما يبدو لي انه سؤال متجاهل (بفتح العين)، ومساءلة بعض التساؤلات الأكثر أهمية في نظري، عن مدى مصداقية طرحها كمجرد تساؤلات فقط، وهل هي حركة تحريضية للتحري والاكتشاف، أو مجرد نزهات فكرية على واقع الحال.
والآن إلى أسئلة وتساؤلات د. حسن حنفي. وأعتقد سلفا أنه سيدرك أن لهجة الخطاب ليست سجالا مع نصه، وإنما هي انعكاس لسيكيولوجيتي الخاصة تجاه السجال مع الوقائع في المشهد النكبوي العام.
* سؤال: ماذا يفعل المفكر العربي؟
* جواب: سيفعل فقط ما تبيحه له خصائصه النوعية، كعينة بشرية تطورية من نوع ما. هذه الخصائص تتوقف عليها نمطيته السلوكية اللاحقة كعينة اجتماعية فكرية خاصة. وعلى هذا الأساس فإن (المفكر) (العربي) في راهن موقعه من الوعي والالتزام، لن يفعل شيئا له قيمة في الفعل. وسوف يواصل مثاقفة التخلف والهزيمة، ووقائع التنكيل المجاني بحضوره السلبي على جسدية الوجود البشري العام، دون أن يكون له هدف يتجاوز جمال التنصيص وحسن الأداء، واقتراح تحديث التخلف. إنه على الأغلب مهزوز الالتزام، لكونه عينة اجتماعية تملك جهازا متشددا للرقابة الذاتية، مطارد بالتحفظات التي يمليها عليه مشروع حفظ الذات، وتقاليد الوعي والحرية المجازة في مجتمع مذعور يقدس التخلف والسلامة. وقد يكون هذا المفكر عينة فكرية مميزة بل وممتازة، من حيث المؤهل الفردي للذهن، والصلة الواسعة والوثيقة بالسياق المعرفي والوعيوي للمعاصرة، ولكن هذا وحده لا يكفي لتحقيق حضوره المشروط بحرية الوعي والالتزام على هذا السياق. وعليه لكي يحقق ذلك، ويصبح مفكرا بدون قوسين، أن يحقق أولا مشروعا عصاميا ملتزما بحرية الوعي والحركة. أما الحضور المجاني علي سياق الوعي المعاصر، فهو استحالة شرطية بنيوية، من حيث أن بنيته الجدلية هي استهلاك الوعي وإنتاجه، أي تجاوزه إلى الوعي الآخر، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال حرية الحركة على الوعي. تلك العصامية في اختيار المشروع الذاتي للوعي، هي الثمرة المحرمة التي يجب أن يأكلها آدم الهجري ليغادر جنة اللاوعي إلى فضاء التجربة. وعلى مسؤوليته الفردية.
لذلك حينما نفترض وجود مفكر يرفض الأقواس على الساحة الهجرية ـ وهو افتراض صحيح جدا ـ فإن هذا المفكر إذا التزم بحركة أمامية الوعي، على بنية اجتماعية معطلة الحركة، فسوف يؤدي هذا ـ وفقا لقانون العلاقة بين الثابت والمتحرك ـ إلى الانفصال عن هذه البنية. وعلى المفكر بدون أقواس،في هذه الحالة، أن يقف بموازاة هذه البنية، وأن يحايث خللها التطوري وأسبابه من الخارج. وهذا ـ في حالتنا ـ موقف فكري استشهادي، يحتاج إلى سيكيولوجية التزام عالية لا يمكن أن تتوفر في كل الحالات. وتجارب التجاوز الطفيفة في هذا المجال، على الساحة الهجرية، كانت تسفر في معظم الأحيان عن مشهد للتنكيل، يتبعه مشهد للنكوص أو الهجرة، أو التسليم بالأمر الواقع والانغماس في ثقافة اللاوعي. ومع ذلك فلا خيار. والمتاح الوحيد، بالقطع المنطقي والموضوعي، أمام المفكر الحقيقي، هو تبني أمامية الوعي (الموقف الاستشهادي للفكر) أو الكف عن التفكير. ولكن ما يحدث عادة، أن يكون خيار المفكر هو الكف عن التفكير، دون الالتزام الأخلاقي بالكف عن الكتابة في مواضيع تحتاج إلى التفكير، ويصبح بذلك عبئا على الوعي. لذلك فإن ” مواضيع الإنشاء ” الأكاديمية التي تكتب على سبيل اجترار المحفوظ المعرفي فقط، تصلح للتداول الفكري والثقافي في سراديب أو صالونات الثقافة الغائبة عن الوعي والالتزام، وتسهم فقط في حفظ التخلف أو تحديثه.
ولا شك أن مهمة المفكر الحقيقي على الساحة الهجرية، هي مهمة غير منطقية بمفهوم حفظ الذات، وممكنة ومنطقية بالالتزام المقترن بالموقف الوجودي للتضحية فقط، خاصة وأن هناك إجماع محلي ودولي، أمريكي وصهيوني وإسلامي، على وجوب حفظ التخلف، وإعادة إنتاجه دوريا، على ساحة يجب أن تظل مستباحة ومنهوبة إلى الأبد.
وحينما يكون المفكر نتاجا اجتماعيا تطوريا، فإن مهمة الالتزام تصبح أكثر سهولة، لأن السياق الاجتماعي الذي هو جزء منه سيوفر له بعض الحماية، ولكن في حالة انعدام هذا السياق، بل ومعاداة اقتراحاته النظرية استباقا على ساحة الانتماء الاجتماعي، فإن مهمة المفكر تتحول إلى مهمة جحيمية. فعلى الساحة الهجرية لا يوجد وعي مؤسس سياقيا ودستوريا، سوى وعي استراتيجية أيصال الفرد المسلم إلى الجنة، أما أشكال الوعي الأخرى فهي مجرد أطر لتقاليد سلوكية جمعية قائمة على التبني التلقائي. وهذا يعني أن محكمة التفتيش التي سيواجهها المفكر الحقيقي هي محكمة إجماع جماهيري. ومن خلال هذه الواقعة المريعة بالذات، تتحدد مهمة الوعي في المواجهة. فإذا أصر المفكر على موقف الفعل، وقبول التحدي الصعب، فليس أمامه أقل من فضح السياق التاريخي والوعيوي على الساحة الهجرية، والتأسيس على ـ حسابه الخاص ـ لمشروع تجاوز للتاريخ المتبنى ومحموله الوعيوي، إلى التاريخ الآخر المقموع، والعودة إلى سياق حركة الوعي العامة للتطور البشري. ومع أن هذا قد يبدو تجاوزا للممكن، إلا أنه ليس كذلك أبدا. فالتاريخ الهجري الآن قد اكتملت فضيحته. وهو يعيش الآن ـ على ضوء الواقع المذهل في السقوط ـ تحت طائلة التساؤلات على جميع مستويات الوعي. ما هو مطلوب الآن كمهمة عاجلة للوعي والفكر الملتزم، هو محاولة الرد على هذه التساؤلات بصراحة الوعي القصوى، وتجنيد كل طاقات الممكن المعرفي والوجداني والتاريخي، لإفراز المشروع القومي العلماني البديل، وخاصة على خلفية مشهد السقوط النهائي المروع للتجربة الهجرية. وتحت طائلة كل الاحتمالات والنتائج، ما الذي سنخسره في ظل موتنا المؤكد، إذا سلمنا بتحالف قراصنة أعالي البحار (الإجماع الرأسمالي العالمي) مع الإسلام السياسي الليبرالي (حركة الإخوان المسلمين الجديدة + لصوص النفط الخليجيين)؟ وهل من حق المفكر بأقواس أو بدون أقواس، أن يكون عدميا وعبثيا ولا أخلاقيا إلى درجة أن يشاهد (أمته) تسير سوقا إلى مقبرة التاريخ، بينما هو مشغول بمحايثة عدم شرعية الدستور العراقي؟
* سؤال: أين العربي؟
* جواب: هو في المسجد يسب آباءه الأولين، ويمجد آباء اليهود الأولين. يلعن جالوت الفلسطيني الذي قاوم أول حركة استيطان يهودية، وينعى على اليهود تقصيرهم في تقديس تاريخهم العسكري ضد الكنعانيين، حين لم يعتبروا اليسع (يشوع بن نون) بطل مجزرة أريحا، وطالوت وسليمان وداوود من الأنبياء.
وفي العراق حيث تحالفت العمائم البيضاء والسوداء في استدعاء أمريكا لطرد حزب البعث عدو الإسلام، ثم أصبح الشيعي مسلما إيرانيا والسني مسلما مجهول الهوية، ولم يبق أي حضور قومي على الساحة سوى للكرد بناء على دورهم التاريخي القصصي في ” ألف ليلة وليلة “.
وفي صفوف جماهير الحركات الدينية، التي تحالفت مع أمريكا ومع أوروبا ضد القومية العربية العدو المشترك للرأسمالية والإسلام السياسي. وهي مستعدة للتحالف مع الشيطان إذا اعترف أن كل ما تعاني منه الأمة ال (؟) من نكبات سببه عبد الناصر وصدام حسين.
في إيديولوجية الإسلام السياسي الغارقة في الحنين إلى الخلافة الإسلامية، تركية كانت أم شيشانية أم كردية أم أفغانية.
وفي نظرية التوريث الإلهي التوراتية للأرض….. الأرض لله يورثها من يشاء…
وفي تحريم الإستراتيجية…….. ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا……
وأخيرا، وبناء عليه، وعلى سبيل المثال فقط، في مستوطنة ثقافية وطنية للتطبيع وتضليل الوعي، يقيمها الغزو الثقافي الصهيوني على غفلة السذاجة في الساحة الفلسطينية، بواسطة أحد عملاء الأكاديميا الصهيونية المحترفين. (ويكون أنه…) لهذه المستوطنة دستور يقول أنها مفتوحة لكل كاتب (يعتبر نفسه فلسطينيا) بغض النظر عن أي التزام آخر. وبغض النظر (أيضاً) عن احتمال كونه فلسطينيا صهيونيا بالفكر والممارسة العلنيين.
في أحد هذه المواقع ـ سيدي ـ ستجد (العربي) الذي تبحث عنه. ولكن سيكون التعرف عليه صعبا جدا.
* تساؤل: هل غاب مفهوم المقاومة في ثقافتنا الموروثة؟
*إجابة: حسب رأيي أن مفهوم المقاومة ” الموروث ” لم يغب أبدا. ولعل حضوره كان هو المشكلة، وليس غيابه. إن مقاومة الفكر، والوعي التاريخي، والقومية العربية، والتفتيش عن أسئلة التطور والتغيير خارج الفكر الغيبي، لم تتوقف لحظة واحدة. ناهيك عن مقاومة الكفر والإلحاد والعلمانية والقومية والتبرج والملابس غير الشرعية والتداعيات التي تثيرها بعض أنواع الخضروات والفواكه. (أستميحك العذر عن هذا التفصيل). ويمكنك أن تضيف إلى ما سبق، المماحكات المذهبية والطائفية والاجتهادية، ولكنك لن تستطيع ـ كما أعتقد ـ إضافة مفاهيم أخرى خارجة عن السياق، بوسعها أن تشكل موروثا ثقافيا للمقاومة غير ما ذكرت.
مفهوم المقاومة ـ كما أفهمه هو الحركة الأساسية في جدلية الوجود. النقض والنقض المتبادل للذات والآخر في حركة صراع الوجود الشاملة. أي أن مفهوم المقاومة، تبعا لذلك، هو مفهوم اجتماعي مرتبط بالثقافة والتربية ووعي المصلحة داخل استراتيجية خاصة بحركة اجتماعية ما، هدفها حماية التطور والمنجز المادي والمعنوي والحضاري، أو ما يمكن اختصاره في مصطلح (المحافظة على الذات). ومن هنا فإن مفهوم المقاومة هو مفهوم اجتماعي تعبوي بالدرجة الأولى، له رومانسياته ووعيوياته التربوية القومية والإنسانية، بصفته استبناء لاستراتيجية الوجدان القومي والإنساني لدى أفراد ومؤسسات المجتمع. وتجنبا للاسترسال، أسرع بطرح سؤالي المستوجب بالتساؤل المطروح.
أين يقع مفهوم المقاومة في الثقافة الهجرية، وما هي مصادره الإستبنائية؟
مفهوم المقاومة على الساحة الهجرية هو مفهوم جهادي خالص بالطبع. وأقول بالطبع، لأنه ـ منطقيا ـ إذا كان التاريخ المؤسس لهذه الساحة هو الواقعة الهجرية، فليس هناك مرجعية تاريخية أخرى لصناعة المفاهيم على تلك الساحة. وما دامت الواقعة الهجرية هي حركة ذات إيديولوجية دينية بالكامل، فإن التزامها الوحيد
كما شددت عليه ـ كان نشر الدين ومحاربة الكفر. ولم ترفع منذ ذلك الوقت وحتى اليوم شعارا واحدا غير ديني. ومن البديهي في هذه الحالة أن تكون مرجعيات مفهوم المقاومة دينية بالكامل. وأن يتحول العربي مع الوقت ـ على هذا المستوى ـ إلى هجري، أي إلى كائن ديني جهادي.
إن معظم حركات المقاومة للاستعمار في القرن الماضي كانت دينية. ولكنها لم تكن متأثرة وعيويا بأي مفهوم محدد لأهداف المقاومة غير طرد الكفر ومجاهدته. لذلك لم نسمع عن حركة مقاومة دينية للاستعمار التركي مثلا، لأنه استعمار مسلم. معنى ذلك أن حركات المقاومة تلك كانت مجرد تصديات جهادية بطولية قامت بها نخب دينية غيورة على العقيدة وأرض المسلمين. لذلك فإن هذه التصديات الجهادية البطولية كانت تنتهي بمجرد القضاء على تلك النخب. ولا يمكن الاعتقاد أن الدافع الديني لم يكن مختلطا بنزعات وطنية أو اجتماعية لدى تلك الحركات الجهادية، ولكن ذلك لم يكن كافيا لتركيب مفهوم متكامل وامتدادي للمقاومة، لأن حضور المرجع القومي والوطني باستراتيجياته التاريخية، هو الشرط الحاسم في تطور واكتمال مفهوم المقاومة لدى المجتمعات، كما تؤكد كل التجارب البشرية في هذا المجال.
وأخيرا، كيف يمكن أن يكون هناك مفهوم متطور للمقاومة في التزام يلغي فكرة الوطن، ويتبنى مقولات النقيض التاريخي، ويحرم الإستراتيجية؟
* تساؤلات حول أسباب العجز العربي:
هل هو نتيجة لعقدة العجز عند الأنظمة العربية بعد حرب 1948؟………..
هل لدى العرب عقدة الحروب العربية الإسرائيلية….العدوان الثلاثي….هزيمة 1967…؟…..
* إجابة: ولماذا انهزم العرب في 1948 وما بعدها؟ أم أن تلك الهزائم كانت نتائج بدون مقدمات؟ لقد كان ميزان القوى سنة 1948 أكثر ميلا لصالح العرب فلماذا انهزموا؟ وكان اختلال ميزان القوى فيما تلا ذلك من حروب عربية إسرائيلية أقل فداحة بكثير مما هو عليه اليوم، فلماذا انهزموا؟ يبدو أن السبب موجود دائما في دائرة التجاهل لدى المفكرين العرب. فليس هناك من يريد كشف الخلل التطوري في بنية الوعي والتاريخ (الهجري) ورد تلك الهزائم إلى حقيقة غياب الوعي القومي والتاريخي، والاقتصار على الوعي الديني للوجود. إنهم يستأنفون على وقائع الرداءة في الراهن (العربي) دون محاولة الاستفسار عن أسبابها في الوعي التاريخي الجدلي، لأن ذلك يقتضي ملامسة مناطق بالغة الحساسية. يعترفون برداءة النظام العربي وعمالته، وبقصور الوعي الجماهيري عن الالتزام، ثم يواصلون اقتراحات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والوعيوية والإنسانية، من واقع الرداءة والقصور إلى المستقبل رأسا. يتجاهلون جدليات الوعي المؤسسة في التطور البشري، وعلى رأسها التفسير الاجتماعي التطوري للتاريخ، ودور القومية المحتم جدليا كإيديولوجيا التجربة التاريخية المعتمدة، لقيادة حركة التطور الاجتماعي، ويقترحون مشاريع مجانية للمستقبل. وما دام السياق القومي غائبا عن الساحة، وما دام لا يشكل مشروع المستقبل ووعيه التقدمي، فسوف يستمر سياق التلاشي (العربي) كنتيجة منطقية لغياب آليات التصدي التاريخية للنقيض، وليس بسبب تشوهات خلقية وراثية للعنصر أو العرق العربي، كما يبدو أنهم يقترحون، لإخلاء وعيهم من المسؤولية.
وأخيرا، إن فروسية الاستعراض في الميادين العامة، تختلف عن فروسية ميادين السباق. والفرق بينهما هو في أمامية الحركة الملزمة للفارس والفرس، لبلوغ هدف محدد، أو في كونها غير محددة الاتجاه لأنها هدف لذاتها. وهذا هو الفرق أيضا بين الفكر والمفكر الملتزمين بالوعي، والفكر والمفكر الملتزمين باستعراض وعيهما الخاص. هذان يفككان السياق بالحركة، لفكفكة الراهن المتخلف، وبلوغ نقلة الوعي المقبلة، والآخران يفككان السياق لبلوغ شكل الحركة فقط. وشتان ما بين طرح أسئلة مواقع العجز للعثور على مواقع أسئلة التصدي، وبين طرحها لأداء واجب الفكر الأخلاقي في التند يد بالخلل. وفي هذا التباين بالذات، تتحدد مهمة الأقواس في وعي المتلقي.
17\10\2005
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
