ملاحظات غير كاملة على ملاحظات غير كاملة
أزمة الكيانية العربية
د. عادل سماره
أرسل لي الرفيق سعيد محمد نصار بالإنجليزية مقالاً للأستاذ موسى إبراهيم، كما أعتقد عربي من ليبيا، بعنوان “أزمة الكيانية العربية. ثم ارسلها لي بالعربية الرفيق المميز معمر نصار. والمقالة لافتة لكنني وجدت من المفيد لهذا الحوار أن أقدم ملاحظات مكثفة جدا.
▪️▪️▪️
أزمة الكيانية العربية
موسى إبراهيم
لماذا عجزت الدول العربية عن بناء اقتصاد إنتاجي، وكيف تفوقت الصين والهند؟
حفزتني منشورات متتالية للصديق الدكتور هشام الغصيب Hisham Ghassib ، أستاذ الفيزياء بالجامعات الأردنية والمفكر الماركسي المعروف، عن الاقتصاد العربي الريعي/الاستهلاكي، وضرورة الوحدة، لتلخيص بعض الأفكار المهمة هنا، وهي تمثل خارطة واسعة وتقريبية لسؤال الاقتصاد والوحدة، لا أكثر.
ربما أتحمس لصياغتها في شكل مقال بحثي متكامل.
يعني هي مجرد سرد عفوي الأفكار وربط مبدئي لها لمن له اهتمام بشؤون الكيانية والريعية وتحقيق الاقتصاد العربي المنتج.
حين نتأمل في حال الوطن العربي اليوم، لا يمكننا تجاهل حقيقة مريرة: إن الكيانات العربية القائمة، التي تأسست على أنقاض الخريطة الاستعمارية، هي دول صغيرة، مجزأة، هزيلة سكانياً واقتصادياً وعسكرياً، من البحرين إلى العراق فمصر والجزائر. هذه التجزئة البنيوية جعلت من المستحيل تقريباً على أي قطر عربي بمفرده أن يؤسس اقتصاداً إنتاجياً ناهضاً، أو يحقق سيادة اقتصادية تخرجه من التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية.
ولم يكتفِ الاستعمار بتقسيم الوطن العربي إلى دويلات صغيرة عاجزة، بل زرع بين مشرقه ومغربه جسماً غريباً حاجزاً هو الكيان العدو، ليمنع التواصل الجغرافي والسياسي والاقتصادي بين جناحي الأمة.
وفوق ذلك، نصب على هذه الكيانات حكاماً — نواطير — يحرسون حدود التجزئة، ويضمنون تبعية بلدانهم الدائمة للمركز الإمبريالي.
هذان العاملان: الكيان العدو كحاجز مادي بين جناحي الوطن، والنواطير كحراس للتجزئة والتبعية، كانا من أعظم أسباب تعطيل بناء سوق عربية مشتركة، ومنع نشوء اقتصاد عربي إنتاجي موحد قادر على منافسة الأمم.
من دون كسر الكيانية القطرية، وتحطيم الحاجز الصهيوني، وإسقاط النواطير، سيظل العرب مستهلكين لا منتجين، مهمشين لا قادة.
فالذي لا يملك اقتصاداً قوياً منتجاً، ولا يحوز سيادة اقتصادية، لا يمكنه أبداً أن يكون دولةً سيدةً. بل سيظل دائماً تابعاً خاضعاً لأوامر شبكات المال والاقتصاد الدولية.
جذور الأزمة الاقتصادية العربية
1. ضعف السوق الداخلي: بسبب التعداد السكاني المحدود والتشرذم الجغرافي، تفتقر الدول العربية إلى أسواق داخلية قادرة على استيعاب إنتاج ضخم وتنمية صناعية حقيقية.
2. تجزئة الموارد الطبيعية: توزعت الثروات النفطية والمائية والزراعية بطريقة عشوائية بين الدول، مما منع قيام صناعات تكاملية كبرى.
3. ضعف الكتلة التفاوضية عالمياً: الدول الصغيرة لا تملك قدرة تفاوضية أمام القوى الاقتصادية الكبرى، مما يرهن سيادتها لشروط مذلة.
4. هيمنة المال الغربي: حتى الثروات العربية تُدار في الخارج عبر البنوك الغربية، لا تُستثمر في الداخل.
5. اقتصاد ريعي هش: الاعتماد المفرط على النفط، السياحة، أو التحويلات المالية أضعف أسس التنمية الصناعية الحقيقية.
6. انهيار البحث العلمي: غياب الاستثمار في الابتكار والتقنية حرم العرب من اللحاق بالثورة الصناعية الرابعة.
7. تعليم بلا إنتاج: نظم التعليم العربية لا تؤهل كوادر قادرة على قيادة اقتصاد إنتاجي مستقل.
8. ثقافة استهلاكية مدمرة: تقيس المجتمعات العربية الرفاهية بمدى قدرتها على الاستيراد لا الإنتاج.
9. الانقسامات السياسية: الولاءات الطائفية والقبلية أجهضت أي حلم بتأسيس مشروع قومي أو تنموي شامل.
10. احتلال اقتصادي جديد: عبر اتفاقيات تجارية وديون مرهقة، أحكمت القوى الغربية سيطرتها على القرار الاقتصادي العربي.
11. انعدام الإحساس بالمصير المشترك: كل دولة عربية تتصرف وكأنها جزيرة معزولة عن محيطها.
12. ارتباط مصيري بالاقتصاد الغربي: الدول العربية جزء هامشي من النظام الاقتصادي العالمي، لا مركزاً مستقلاً فيه.
13. تدخلات أجنبية ممنهجة: تساهم القوى الكبرى في تعزيز الانقسام وإجهاض محاولات التوحد أو التكامل.
14. انهيار العملة الوطنية: غياب الإنتاجية دفع العملات العربية للارتباط الكلي بالدولار، مع كل ما يحمله ذلك من هشاشة.
15. نزيف الثروات للخارج: بسبب غياب الاستقرار القانوني والسياسي، تُهرب الأموال إلى بنوك الغرب، بدلاً من استثمارها وطنياً.
16. هشاشة البنية التحتية: طرق متهالكة، طاقة ضعيفة، اتصالات معطلة — كلها تكبل أي محاولة لقيام صناعة قوية.
17. تبعية غذائية كارثية: رغم الإمكانات الزراعية الهائلة، يستورد العرب أكثر من نصف غذائهم.
18. حصار علمي وتقني غربي: تحاصر القوى الكبرى محاولات النهضة التكنولوجية العربية عبر الحصار العلمي.
19. عولمة مشوهة: فتحت الأسواق بلا حماية للصناعة المحلية، فدُمرت الاقتصادات الوليدة.
20. انفصال الاقتصاد عن المشروع القومي: لم تعد السياسات الاقتصادية مرتبطة بمشروع تحرري أو قومي، بل تحولت إلى أدوات لخدمة مصالح الطبقات الحاكمة والنظام العالمي.
21. عقلية الاعتماد على الخارج: تكرس بين النخب السياسية والاقتصادية وهمُ أن الحل دائماً يجب أن يأتي عبر وصاية أجنبية.
22. غياب التكامل الصناعي والزراعي: كل دولة تكرر ما تفعله الأخرى، بلا تنسيق أو توزيع للمهام الإنتاجية.
المقارنة مع الصين والهند: درس الوحدة السيادية
لماذا إذن الصين والهند، وهم شعوب مثلنا من الجنوب العالمي وقعوا تحت الاستعمار لعقود من الزمن، تمكنوا من تجاوز فخ التبعية، بينما غرق العرب فيه أكثر فأكثر؟
1. الوحدة الجغرافية والسياسية:
الصين والهند حافظتا على كيانات متماسكة رغم الاستعمار، أما العرب فتشظوا إلى أكثر من عشرين كياناً صغيراً.
2. مشروع وطني شامل:
بعد الثورة الماوية والاستقلال الهندي، قاد البلدان مشاريع نهضة سيادية شاملة، بينما انحرفت النخب العربية نحو مشاريع قطرية ضيقة.
3. احتواء التعددية الداخلية:
تنوعت الأعراق واللغات في الصين والهند، لكن وضعت سياسات دمج وطني، بينما فشل العرب رغم وحدتهم الثقافية التاريخية.
4. استقلال القرار السياسي:
حافظت الصين والهند على استقلال قرارهما السياسي، أما غالبية الحكومات العربية فخضعت للنفوذ الغربي.
5. بناء سوق داخلي ضخم:
استثمرت الصين والهند في توسيع قاعدتهما السوقية الداخلية، بينما ظلت الأسواق العربية مجزأة وضعيفة.
6. سياسات حماية الصناعة الوطنية:
فرضت الصين والهند قيوداً جمركية قوية لحماية صناعاتهما الوليدة، بينما تخلت الدول العربية عنها بسهولة.
7. استثمار كثيف في البحث العلمي:
راهنت الصين والهند على التعليم والتكنولوجيا كمفاتيح للنهضة، فيما همّشها العالم العربي.
8. ثقافة الصبر الاستراتيجي:
تبنت الصين والهند فلسفة البناء الطويل المدى، أما العرب فاستسلموا لمنطق الربح السريع والمكاسب السياسية الآنية.
9. دور الفلاحين والعمال:
بُنيت نهضة الصين والهند على تعبئة الفلاحين والطبقات الشعبية، بينما ظلت المجتمعات العربية مهمشة ومستلبة.
10. مواجهة الخارج بندية:
خاضت الصين والهند صراعات طويلة مع النظام العالمي لتحصين استقلالهما، بينما تواطأت النخب العربية مع النظام الدولي الذي أبقى على التجزئة والضعف.
الخلاصة
الصين والهند، عبر التمسك بالوحدة الوطنية والمشروع الإنتاجي طويل النفس، نجحتا في انتزاع مكانيهما في النظام العالمي الجديد.
أما الوطن العربي، فلا خلاص له من التبعية والهامشية إلا عبر تحطيم الكيانية القطرية، وبناء مشروع وحدوي سيادي، يعيد تعريف السوق العربية ككتلة واحدة، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي مستقل وقادر على الفعل العالمي.
بغير ذلك، ستبقى الخريطة العربية مسرحاً مفتوحاً لاستنزاف الثروات، وسوقاً استهلاكياً لمنتجات الآخرين، وسلسلة من النضالات الكيانية المدنية/الحقوقية الفاشلة دائماً.
الوحدة، وحدة السوق، هي الحل..
مرفق: رسم توضيحي نفذته على عجل لبيان الفروق في العوامل الاستراتيجية للاقتصاد المنتج بين الدول العربية الكيانية، وبين الصين الموحدة والهند الموحدة.
▪️▪️▪️
ملاحظات د. عادل سماره
شكراً أستاذ موسى على فتح هذا الباب. اية مساهمة هي جيدة، والموضوع أوسع من نقاط. حبذا لو انطلق كلاهما من:
1) هذا الوطن الأكثر استهدافا في العالم وبشكل متواصل من الغرب باسره.
2) الدولة القطرية وما أُسميت مؤخرا ب الوطنية هي تصنيع إمبريالي وترتبط وجوداً بحبل سُري مع الكيان الصهيوني أي الارتباط مصيري لذا تحرص الدولة القطرية على انتصار الكيان سواء مباشرة أو لا مباشرة.
3) تمكنت الإمبريالية وقوى الدينسياسي والكمبرادور من تشكيل أنظمة تحل محل الجيوش الغربية وتُدير حربا أهلية ضد المجتمع.
4) لم يركز التحليل قط، رغم ذكره للتصنيع بشكل عابر على أن احتجاز التطور هو مشروع مشترك بين الغرب الرأسمالي الاستعماري والأنظمة العربية الحاكمة بل تم تطبيقه في مصر باقتلاع التطور على يد السادات (احتجاز التطور هو تنظير الراحلين سمير أمين وولرشتين وأريغي وفرانك سواء منذ أسسوا مدرسة التبعية ولاحقا مدرسة النظام العالمي).
5) لم يتم التطرق إلى أن مسألة الديمقراطية حتى بالمستوى البرجوازي الغربي ليس ممكناً دون التصنيع لأن وجود قاعدة إنتاجية تشغيلية تفك اعتماد القوى الشابة في معيشتها على الريع السلطوي وتصبح قادرة على الإضراب على وقف خط الإنتاج بما هو دم رأس المال مما يرغم السلطة على مرونة في الحريات.
6) انقسم منحى السلطة في الوطن العربي إلى أ- منحى التبعية المباشرة والدائمة للملكيات والإمارات وهذا مضاد بل خُلق في تضاد مع إنشاء دولة مركزية عربية واحدة أو موحدة و ب-المنحى القومي التقدمي الجمهوريات التي حاولت الاشتراكية والتنمية والوحدة وجوبهت بجبهة الثورة المضادة مما قوضها بتهبيط مصر واجتثاث العراق وسوريا وليبيا وجنوب اليمن والحرب اليوم على اليمن.
7) فكرياً ومن ثم تطبيقاً نحن في حالة قومية منفصمة بين: أ-القومية الحاكمة وهي مزاعم أنظمة القمع والتبعية والتطبيع والدينسياسي التي تسمي نفسها عربية وتقيم تحالفات عدوانية ضد العروبة بأسماء مثل “الاتحاد العربي، وب-القومية الكامنة قومية الطبقات الشعبية ذات المصلحة في الوحدة والتنمية والاشتراكية.
8) فشل الدقرطة الشعبية في الجمهوريات ناجم عن أ- اعتماد المخابرات والقمع داخل البلد لتثبيت السلطة وهذا له علاقة قوية بأن الشعار قومي والنهج قطري، او محاوري من محور ضد محور، وب-الاحتماء من العدوان الخارجي بوجود السوفييت. لذا حين تفكك السوفييت أصبح ظهر هذه الأنظمة مكشوفاً للعدو الخارجي ولم تنجح المخابرات في لجم الرفض الشعبي للفساد والقمع فانكشف بطن هذه الأنظمة، هذا رغم أنها خطوة متقدمة جدا على الملكيات.
أخيراً: كنت أتوقع من الأستاذ موسى أن يشير إلى أخطر ما حصل ضد دولة الوحدة والعروبة وهو مؤمن بها وهي: إن العدوان الثلاثيني ضد العراق إثر تحرير الكويت، ورغم أنه في توقيت غلط وزاد الغلط حيث لم يندفع في عمق السعودية لمحاصرة منابع النفط طالما قام بالعملية، هذا العدوان شاركت فيه عدة دول عربية ملكيات وجمهوريات أي شاركت جيوش عربية كذيل للغرب في تدمير جيش عربي وهذا كسر ظهر البعد القومي حيث اصبح طبيعيا قيام دولة عربية بالاعتداء على دولة أخرى وكأن جوارهما بحكم الجغرافيا كصدفة لا أكثر. وهذا ما تجلى في حرب الريعيين ضد سوريا وليبيا في الربيع الخريفي العربي ولاحقا المواقف ضد طوفان الأقصى اي ضد فلسطين. وهنا تجب الإشارة إلى أن الزعم بأن الكويت دولة عضو في الأمم المتحدة هو تبرير خادع لأن الكيان هو عضو ولم يستوفي شروط العضوية كما أن من يحدد أهلية العضوية هو الغرب فقط!!!
هامش: لا شك يتذكر الأستاذ موسى أن الشهيد القذافي ساعد إيران ضد العراق؟ وهذا غريب على قومي عربي نقي جدا كما وصفه جمال عبد الناصر. ذلك أن العراق ليس الذي بادر بالحرب بل إيران حيث قصفت طائرة إيرانية مواقع عراقية يوم 18 أيلول قبل الحرب وتم إسقاط الطائرة وأفرج عن الطيار بعد عشر سنوات، كما أن مشروع تصدير الثورة من إيران كاف لإشعال حرب.
أما بخصوص المقارنة مع الهند والصين فهذا أمر لا متسع لها هنا علماً بأن المدرستين مختلفتان وإقرانهما ببعضهما دون كشف تناقضهما هو مظلومية للصين الماوية خاصة وأن الهند مقودة بنظام دينسياسي خطيييير.
كما لا أجد متسعا للطابور الثقافي السادس والمثقف المنشبك العرب الذين ساهموا في تقوية الدولة القطرية ضد دولة الوحدة وخدموا الدينسياسي والتطبيع والأنجزة.
أخيراً، ومن أجل استعادة الشارع العربي حبذا لو نكتب الوطن الكبير/أي الوطن العربي بدل العالم العربي.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
