متابعة مع الأخ خضر محجز، أحمد حسين
أعترف ـ أخي خضر ـ بأنك محاور تكتيكي بارع. وأنك تستطيع بأسلوبك الرائق ولغتك الطيعة المميزة، ونزاهتك وإخلاصك لموقفك الوعيوي، أن تدعم هذا الموقف بنجاح، ولكن بدون وجه حق من الناحية الموضوعية. إذ ليس من الإنصاف أن تستخدم في حوارك منهجين مختلفين أشد الاختلاف. أحدهما منهج الوعي التاريخي، والآخر منهج الوعي الإيماني، وشتان ما بينهما. لقد مزجت بين المنهجين في نصك المحاور واستفدت من كليهما ببراعة تكتيكية تدل على تمكنك من كل منهما. ولكن هذه البراعة لا يمكنها مهما بلغت أن تحمي صاحبها من الوقوع في التناقضات. كان يخيل لي أحيانا أن لنا وعيا متوافقا لدرجة لا تتيح الحوار إلا في هوامشه الشكلية، ثم تداهمني فجأة بإيمانيتك الموعاة التي أحترمها بكل الإخلاص، ولكنني لا أستطع التحاور معها إلا بوعي مشابه سواء اتفقت أو اختلفت معك بشأنها. ولا أراني مؤهلا لذلك. لقد طرحت مسلمات إيمانية وتاريخية كثيرة لا أتفق معها، وسوف أحاور الإيمانية منها بشكل غير مباشر، والتاريخية بشكل مباشر، بالمدى الذي تتيحه مساحة النص المحاور المحدودة.
أخي خضر
لا يوجد في التاريخ تجارب منسوبة، كما تقول. قد يوجد حول التجربة وقائع أو روايات تاريخية مزيفة، ولكن هذه لا يوجد بينها وبين نتائج التجربة المتحققة أية علاقة سياقية أو جدلية، لأنها تتعلق بتقييم الحاصل وليس في صنعه. ولو كانت إشكالياتنا الوجودية والوعيوية مع الحاصل الهجري يمكن أن تحل بالصدق أو التفاؤل وحسن النية التي تضمنها نصك، لكنت شخصيا أسعد الناس.
نحن ـ بغض النظر عمن نحن اليوم ـ فرض علينا ميدانيا اقتراح الموت والتلاشي طوعا أو قسرا. هذا الوضع لا يبدو منه مخرج واضح في الوعي، غير اجتراح معجزة التصدي الجماعي. لذلك فإنني لا أرى فائدة ترجى حاليا مما نكتب خارج التزام الالتحام بميدانية المقاومة. فوضع المداهمة التي نتعرض لها قد وصل حدود ابتذال دمنا وإنسانيتنا ومستقبل وجودنا كشعب، بحيث أصبح من المستحيل في منطق البقاء، أن يتعدى شاغلنا الثقافي الحالي، مهمة الاستنفار والتحريض والمجابهة والتناحر مع أية ثقافة تمالئ هذا الاقتراح. القضية التي نواجهها لا تقع في دائرة المألوف التاريخي للصراعات العابرة. إنها قضية مصير يستغل فيها مشروع الإلغاء العالمي، شحوب هويتنا الوطنية والقومية والاجتماعية، أي حاصلنا الهجري، ليحدد لنا كيفية وجود تتلاءم مع مصالحه الإستراتيجية. ولدي اعتقاد جازم أن موقع الحسم في قضية المصير الآن هو تحديدا على الساحة العراقية. فلكي نبقى يجب أن تنتصر المقاومة هناك وبأي ثمن. وذلك لأنها فعل تحرري مركب، يواجه الذات كما يواجه الآخر. يستهدف أمريكا، ولكنه يواجه أيضا تبعية الوجدان الهجري داخله، وكهنوت الخيانة الهجرية المؤسس اجتماعيا من حوله. فكما تعلم، فإنه بدلا من أن يتلاحم الهجريون من سنة وشيعة، بمنطق الخطر الداهم، في وحدة وطنية واحدة، فإن البارز منذ البداية كان انتقاض الوعي الهجري على المشروع القومي في العراق، ووقوفه في مستوياته الكهنوتية ومباءاتها الجماهيرية التابعة، وعلى طول الخط، في صف أعدائه. وقد شكل هذا ويشكل فعليا الجزء الأشد خطرا في جسدية العدوان. لذلك فإن الفعل المقاوم لا يمكن أن يتجاوز دور هذا الانتقاض، بعد أن أصبح جزءا من عضوية الفعل المعادي. بل إن هذا الفعل المعادي يبني كل استراتيجيته الآن على الخيانية المذهبية الهجرية، وعلى مشروع العمالة الإستراتيجي للجامعة العربية.
في وضع كهذا، يصبح التركيز على فضح السياق العام للرداءات الهجرية بتشكيلاتها المتعددة، والتعرض لكهنوتها التكويني المعادي، أحد أولويات الفعل الثقافي المقاوم، لأن التلكؤ معناه الوحيد، هو اكتمال إجراءات مشروع الإلغاء وضياع المستقبل العربي. هذا التركيز المستدعى يجب أن يكون ميدانيا تحريضيا واستنفاريا، يحاول تجميع أشكال الوعي المترددة، والرافضة، والمُحجمة على الساحة الهجرية، للالتفاف حول المقاومة العراقية حيث سيتحدد مصيرنا كأمة، بين البقاء والإلغاء. يعني أن عامل الزمن ليس في صالحنا بمدى ما هو في صالح النقيض، الذي يحاول ترسيخ التقسيم المذهبي والطائفي والانفصالي في العراق، كنموذج شرق ـ أوسطي قيد التعميم عربيا.
وفي كل سياقات المواجهة المصيرية تاريخيا، كان دور الثقافة المقاومة، هو التصدي للثقافة المعادية على ساحة المواجهة، والتدخل المباشر في الفعل التعبوي، وبمستوى يكافئ حالة الاستهداف، حتى لو كان الثمن هو حرب أهلية يخوفوننا بها. إن الحروب الأهلية هي ظاهرة تاريخية تفرض نفسها عند انعدام خيارات الحسم الأخرى في قضايا المصير. ولا أرى حالة مصيرية تستدعي مثل هذا الحسم كما تستدعيها الحالة الهجرية ـ العربية الآن. لقد بلغت التناقضات بين الوعي القومي والوعي الهجري حدا من الافتراق وعدائية مواقع الالتزام والفعل، بحيث أن ما يجري الآن في العراق هو حرب أهلية بكل المقاييس. فأين توجد الآن الثقافة المعادية قوميا ومصيريا على الساحة العراقية؟ إنها موجودة في كهنوت الثقافة الهجرية ومذهبياتها التي تمزق العراق الآن، وتدعم تعبويا وخيانيا، حالات الوعي المنحرفة والمترددة والمحجمة، وتحاول تحييد وعي الرفض القومي بضغوطات الانتماء المذهبي. لقد أصبح الانتصار على أمريكا في العراق يساوي الانتصار على التيار السيستاني، وتيار الحكيم، والحزب الإسلامي، وهيئة علماء السنة ـ التي يشكل حضورها المجاني حالة من تبرير التمزق فقط ـ وأتباعهم الكثيرين لسوء الحظ.
لذلك فإن الفعل الثقافي المستدعى قوميا الآن في العراق هو التناحر العلني مع أية ثقافة، هجرية كانت أو قومية انفصالية، بهدف تجسيد الرد الثقافي المقاوم في الوعي من ناحية، ومحاولة خلخلة هيمنة الثقافة الهجرية على الوعي الجماهيري، وردع أحلام التجسد المجاني على حسابنا، من ناحية أخرى.
لقد ثبت بيقين التجربة الحسية المتكررة، أن الثقافة الهجرية لا يمكنها تحت طائلة أي خطر يهدد كيانيتها الاجتماعية والإنسانية، أن تتجاوز عداءها المقدس للقومية العربية، أو لأية هوية للوجود الاجتماعي، تتجاوز مسلماتها الغيبية. وبالتجربة أيضا، أصبح واضحا بما لا يدع مجالا حتى للتساؤل، أنها ثقافة مفتوحة على كل أشكال التمزق والخيانة القومية والوطنية والاجتماعية لأسباب تتعلق بماهيتها السيكيولوجية والتأسيسية، ودورها التاريخي المدبر، وثقافتها المغرقة في الغيبية، وليس لأية أسباب تتعلق بانحرافات طارئة، خارجة عن التزامها الوعيوي، بل بخلل غير تطوري (مكتسب من السياق) لعينتها البشرية. أي أننا لا نستطيع أن نستمر في تجاهل السياق والحاصل النكبوي لهذه الثقافة التخريبية، على كل تفاصيل وجودنا القومي والاجتماعي والإنساني، لأنها الآن على وشك استكمال مخططها التوظيفي التاريخي، ودفعنا إلى هاوية التلاشي التي نقف عند حافتها. لم يعد في إمكاننا عند هذه النقطة التمتع بترف التجاهل أكثر مما فعلنا، فقوانين وشروط البقاء لم تعد تتيح لنا ذلك.
إن حركة الوجود بنواميسها العصية على الإدراك التفصيلي، وقوانينها التطورية المترائية للوعي من خلال رصد التجربة، هي حركة مطلقة الالتزام بماهيتها، بحيث أن اجتهادات الوعي بكل أشكاله لا تعنيها في شيء. وأية مخالفة أو خطأ يقوم بها وعينا، ستكون فقط على حسابنا، بحيث أن كمية الوجود النسبية التي يمكن أن نحصل عليها بشريا، متعلقة إطلاقا بمدى التزامنا بوعي تلك الحركة ومدى قربنا أو بعدنا عنه. وفي سياق ملزم وعصي على التحديد النهائي كهذا السياق، لا وجود إلا لمسلمة وحيدة، هي مسلمة السؤال الدائم الملتزم بمقاربة وعي السياق واكتشاف الخلل لتجاوزه. أما المسلمات الأخرى التي تقطع ديمومة السؤال فإن بوسعها فقط، أن تحقق نصا خاصا للوجود، يلغي قلق السؤال، ويوفر الاطمئنان النسبي الباهظ التكلفة، والذي ستحدد تصاعديته مستقبلا، مدى صعوبة المواجهة مع نصوص الواقع، كما يحدث لنا الآن. وعندما يحين الوقت فإن مدى هيمنة حالة الاطمئنان ومصادرها التسليمية، سيحدد أيضا وتيرة القلق ومدى حدة المواجهة بين السؤال والرد على أرضية الجدل مع الوعي التاريخي المقنن، الذي يرى في المسلمات غير المعرفية، أو المسلمات الإعلامية للتاريخ، منطقة لتداركات الوعي التطوري، وفضول المعرفة، واكتشاف معوقات التطور ووعي المصلحة. ويزداد تأزم العلاقة بين المسلمات ـ خاصة الإيمانية منها ـ وبين الوعي المختلف، عندما يحل القمع المتبادل بينهما محل الجدل، لانعدام أو ضيق ساحة المحايثة الجدلية. لذلك فإن الفصل بين المسلمات الإيمانية والوعي الآخر على حركات التطور الاجتماعي، واحتجاز الوعي الديني داخل وجدانياته الفردية، بشرط الالتزام بدستور الحركة الاجتماعية العلماني، يعتبر شرطا أساسيا لتحقيق السلام على ساحة الحركة والفعل الاجتماعي والفردي. أي أن حتمية تسليم القيادة في الشأن التطوري للعلمانية هو أمر لا مناص منه، لأنه يخص العلاقة مع الآخر ومع صراعات الهيمنة المعاصرة بالدرجة الأولى، ولكنه أيضا يحتم صيغة وطنية موحدة. إما اقتراح الجمع بين التاريخي والغيبي في مشروع واحد لأمامية الوعي والحركة، فهو استحالة جدلية تقترح إلغاء دور التناقضات والنفي في تحقيق صيرورة السياق. فالتاريخي والغيبي لكل منهما وعيه المناقض لجوهر الوعي الآخر، ومحاولات الجمع بينهما في مصالحة اجتماعية استراتيجية هي أمر غير ممكن. ما هو ممكن تكتيكيا، هو احتجاز التناقضات مرحليا في التجاهل، خاصة عند حالات الخطر الداهم الذي يهدد المصلحة الجمعية، والعودة إلى طرحها بعد زوال الخطر. فلماذا لم نستطع تحقيق هذه المسالمة التكتيكية لا في فلسطين ولا في العراق ولا في أي بلد عربي مستهدف؟ لماذا كان حاصلنا التطوري الأخير، على هذا المستوى من رداءة الوضع، سواء على صعيد العلاقة بالآخر، أو على صعيد العلاقات المؤسسة داخل بنيتنا الاجتماعية، التي هي الآن بنية قيد الفكفكة، معلقة في احتمالات الهوية المتعددة، ونظام العلاقة الذي سيحدده الآخر؟
من هو المسؤول؟
هذا السؤال ـ أخي خضر ـ هو سؤال الواقع الميداني، ومع ذلك يمكن أن نرد عليه بالتجاوزات والتجاهلات التي تتيحها لنا تلاعبات الوعي، أي بالثقافة وحدها، فنضع له إجابة خالية من الرد. ولكن ذلك سيكون على حسابنا، وسندفع مقابل ذلك آخر ما تبقى لنا. فلنحاول أن نضع ردنا الحقيقي بالسرعة القصوى، لأن متاحنا الزمني في التلكؤ قد انتهى بدليل ما يجري.
إن الفشل التطوري لحركة اجتماعية، هو إمكانها النظري الذي لم يستطع السياق تحقيقه. والسياق هو مركب العلاقة بين الحركة الاجتماعية وغرار وعيوي محدد، داخل هيكلية وجود تتواجد باستمرار من خلال المحايثة بين تفاصيلها. وبما أن الخطأ أو الخلل في التجربة الاجتماعية هو حاصل وعيوي، كالنجاح تماما، فإن منطقة السؤال عن أسباب الفشل هي منطقة الغرار الوعيوي للسياق وليس خاماته المكونة. والقول أن الخلل ـ في حالتنا ـ غير موجود في غرار الوعي المؤسس، أي ليس في إيديولوجية التجربة الهجرية، وإنما في العينة البشرية التي لم تلتزم بوعي تلك التجربة، ـ كما فهمت أنك تقصد ـ هو إحالة مباشرة إلى الوعي الديني المتمثل في مقولة (الضلال والهداية)، والتي تعتبر المقولة الدفاعية المفضلة لهذا الوعي. ولا يمكن في أية محاكمة منطقية إدانة طرف بناء على مسلمات الطرف الآخر إلا قمعا. ولكن الأهم من ذلك كله أن الحاصل المستدعى في العقل لهذه الإدانة العينية يتضمن اتهام العنصر العربي، حامل التكليف، بأنه خامة بشرية فاشلة نوعيا، وعاجزة عن التطور، ويجب تحميلها مسؤولية الخلل كلها. لأنه ـ على سبيل التمثيل ـ إذا كان المنهاج التربوي والتعليمي في مدرسة ما خاليا من أي خلل، فإن حالة الفشل التام لمجموع الطلاب ـ إذا حصلت ـ لا يمكن تفسيرها إلا بأن هؤلاء الطلاب يعانون من خلل تكويني عام. أما إذا كان العرب هم خامة بشرية عادية، فلماذا لم تستطع مدرسة الوعي الهجرية بكل (إعجازها التربوي) أن تحقق النموذج الإنساني المتميز، أو على الأقل أن تحقق نموذجا تاريخيا مقبولا للنجاح؟ إن حالة الفشل والعجز الهجري التي نراها الآن، لا يمكن أن تتلاءم حتى مع أي خلل عادي لمألوف تجارب الفشل التاريخية. إنها حقا مشهد غير عادي. لعله مثيولوجي! وهنا تتحدد منطقة السؤال. وهو سؤال كبير ومتشعب يجب أن يغطي منطقة الدمار الاجتماعي الشامل، لحاصل تجربتنا التاريخية مع غرار الوعي الهجري الذي ظل يهيمن على السياق. ولذلك يبقى السؤال التمهيدي ـ إذا كنا نبحث عن الصحيح الوعيوي ـ هو أين يقع الخلل: هل هو في غرارنا البشري كعرب، أو في غرار الوعي الذي هيمن على سياق التجربة التي خاضتنا وخضناها؟ ويكفي أن يكون الرد منطقيا في العقل، لنبدأ بطرح أسئلتنا حول سياق التجربة الهجرية التاريخي.
الحالة الهجرية؟
الحالة الهجرية تتلخص في نشوء حركة اجتماعية ذات وعي ديني خالص. ومع فرادة هذه التجربة تاريخيا، إلا أن فرادة الحالة الهجرية لا تتوقف عند هذا الحد. فوعيها الديني لم يكن جزءا من سياقها التطوري، وإنما كان انقضاضا إيديولوجيا من خارج السياق التراثي والأصلاني لتلك الحركة الاجتماعية. هذا الانقضاض كان تعبيرا عن مصلحة وعي ووجود اجتماعي وعرقي مختلف متواجد على السياق. وحينما انتصر التحالف الهجري مع إيديولوجية المركز المالي اليهودي في يثرب، على التيار التراثي الأصلاني بقيادة الأرستقراطية التجارية في مكة، تحولت الحركة الاجتماعية العربية إلى حامل وعيوي، لوعي شفوي طارئ ومتحفز في الوجدان وحلم التجسد، استطاع أن يحقق جسديته بالاستيلاء على جسديتها. لقد تم الاستيلاء على سياق الحركة الاجتماعية العربية في القرن السابع الميلادي، كما تم الاستيلاء الشفوي على الكنعانية لغة ودينا وحضارة وتاريخا قبل ذلك بكثير. والدخول في تفاصيل الواقعة في الحالتين، يحتاج إلى عمل بحثي متخصص وواسع لا يتسع له مجالنا. ولكن يكفي الآن الإشارة إلى بعض المعالم البارزة التي تضمنها نصك المحاور.
لم يكن التاريخ الهجري هو الذي أسس للعروبة ـ كما تقترح بدون أي مبرر ـ وإنما كانت العروبة بحضورها وفعلها البشري النهضوي هي التي حققت للحركة الهجرية تاريخها وسياقها المصلحي. لقد كانت المادة البشرية التي نشرت الإسلام عربية (أصلانية) بالكامل. إذ أن هذه المادة البشرية لم تكن تعرف من الإسلام، سوى بعض التلقينات الشعارية والشعائرية التي كانت تستدخلها على مضض، حينما حملت راية الفتح. ولن تجد عالما انثروبولوجيا أو سوسيولوجيا واحدا يمكن أن يزعم أن المادة البشرية المهزومة الوعي، يمكن أن تتخلص من موروثها الاجتماعي والوعيوي، وتستدخل انقضاضا وعيويا طارئا، إلى درجة الالتزام الفكري أو الوجداني، خلال سنوات أقل من قليلة بمفهوم التحول التاريخي. إن هذا الزعم ـ أخي خضر ـ شديد السهولة بحيث لا يمكن طرحه إلا إيمانيا.
لقد كان الخليفة الأول قد فرغ للتو، من مواجهة محاولات الانتقاض الأصلانية على الواقعة الهجرية، في المناطق المتحضرة وشبه القبلية المحيطة بالمركز، حين بدأت الفتوحات. فما بالك بالتجمعات القبلية البعيدة عن المركز؟ لقد كان النقيض الوعيوي العربي للواقعة الهجرية متحققا في الواقع والتصدي لدى مستويات الوعي القريبة من ساحة الصراع، ولكن الذي حسم القضية هو تحققات المصلحة العاجلة في السياق، من خلال رشاوي المركز المالي في يثرب لزعماء القبائل، و من خلال الفائض البشري القبلي ذي الوعي الارتزاقي، الذي اجتذبته أسلاب الحرب وثروات البلاد المفتوحة، والذي كان مستعدا بطبيعته الارتزاقية، أن ينضم إلى جيوش الفتح تحت أي شعار يقود إلى تحقيق مصلحته في الارتزاق.
لقد كان هناك مركز مالي استيطاني، على ساحة التجربة التطورية النهضوية العربية، يملك وعيه الوجداني والاجتماعي المنفصل، ولكنه يملك أيضا مصالحه الخاصة على ذات السياق. وفي ذات الوقت كان هذا المركز يملك أيضا القوة المالية التي يمكن ترجمتها إلى كل أشكال القوة الأخرى. ويحمل إلى جانب ذلك خصوصية ثقافية عالية الالتزام تمزج بين الدين وعرقية الانتماء وحلم التجسد القادم على أرض الميعاد. ولكن كل هذه الملكيات المعنوية لم تكن تملك الجسد الاجتماعي القادر على الالتزام بتبعاتها التنفيذية. وبانتظار الفرصة المناسبة لذلك، استطاعت على مدار التاريخ أن تحقق على وعي السياقات الاجتماعية التي خالطتها مساحة للتعايش، وحوامل وعيوية ممتدة، تدعم استراتيجيتها الوجدانية في التجسد على (أرض الآباء والأجداد) من خلال الاحتفاظ بمقولة الشتات القسري على وعي العلاقة مع الآخر. وكان السياق الهجري أحد هذه السياقات. ولكن هذه المرة كان التحقيق إعجازيا في الوعي، منح تلك الملكيات المعنوية فرصتها الخارقة في التجسد، والتاريخ، والقداسة، وهيأ لها فرصة الاقتحام السهلة لجغرافية الحلم التوراتي، بعد أن هود الجغرافيا والوعي التاريخي والوجداني على جسدية حامل اجتماعي بشري مهجن. وقد ظل هذا الحامل المعنوي منذ ذلك الوقت يتخبط في شبحية الهوية والانتماء بين الإيماني والتاريخي، وفي وعي المصلحة المتعلق بغيبية الهدف. ولكنه من خلال ذلك كله، ظل لوقت طويل يحس بخصوصيته وهيمنته العرقية على سياق الحادثة الهجرية، إلى أن هزم مرة ثانية أمام الحركات الشعوبية، التي أدركت فرصتها على مزايا الوعي الهجري في التنكر لأية هوية عدا الهوية الدينية، فانقضت بدورها على السياق، والتهمته بأنياب النص الديني المحقق والمنحول، لتروج لثقافة دينية جماعية، تؤكد مفهوم الوطن الديني الذي مكنها من شطب الهوية العربية المؤسسة من معادلة السياق. وبناء على هذا المفهوم ألغيت الإمكانية التطورية لمقولة الوطن القومي العربي من وجدان المحاكمة في الوعي، واستطعنا التعامل مع أشكال التسلط القومي الأخرى كالحكم الفارسي والتركي والمملوكي المتعاقبة بدون أي استهجان. بل لقد تغنينا وما نزال، بأمجاد بيبرس وقطز وصلاح الدين وكأنها أمجاد تخص شيئا غير دمنا المسفوك في برية الغربة والاغتراب وطغيان الآخر. ومن المفيد بهذا الشأن أن نذكر الخليفة التركي الشهيد عبد الحميد الذي ما تزال حركات تجديد النكبة والتخلف الهجري تتباكى عليه في أدبياتها السياسية، بنفس الإخلاص الذي تشتم به عبد الناصر، صدفة الشرف العربي الوحيدة على طول التاريخ الهجري. وأعتقد أنه لولا المصالح الغربية الاستعمارية لكنا (ننعم) الآن بحكم خليفة تركي طوراني ونتكلم اللغة التركية بطلاقة، تستوجب تعميم الترجمة التركية للقرآن الكريم.
لقد سيطر على نصك ـ أخي خضر ـ هاجس المصالحة بين الدين والقومية. وهذه شهامة وجدانية دافعهاـ بدون أي شك من جانبي ـ هو دافعنا المشترك في البحث عن موقع للوعي نستطيع من خلاله مواجهة واقعنا الأليم. ولكن كيف يمكن عقد مثل هذه المصالحة الإستراتيجية، في وقت لا تستطيع الثقافة الهجرية الكهنوتية الرسمية قبول حتى مسالمة تكتيكية في العراق تحت طائلة ضياع الوطن؟ كيف تحدث مثل هذه المصالحة أو المسالمة في ظل ما حدث من الإجماع الكهنوتي السني والشيعي على استحلال دعوة أمريكا لاحتلال العراق لتخليصهم من (الطغيان القومي)؟ كيف وهم يشكلون الآن جزءا من العدوان على العراق، ويرون في روابطهم المذهبية مبررا شرعيا للعمالة للغرباء؟ إن اندفاعك الشهم، ليس له مبررات في الإمكان الواقعي، والكرة الآن هي في ملعب المواطن الهجري الشريف، البعيد عن التأثير المباشر لكهنوت الأوغاد المذهبيين والغيبيين، والذي يعايش من خلال رفضه للحاصل المريع، حالة من استفزاز الوعي، يفترض أن تقوده إلى محاربة أمريكا والكهنوت المذهبي اللاقومي على ساحة معركة قومية واحدة، لأنهما يشكلان نابان للأفعى التي تريد أن تلدغه اللدغة المميتة.
وباختصار فإن الحالة الهجرية ـ بسبب ملابساتها التاريخية المؤسسة، وتقديسها للتاريخ المعادي، وتمسكها بطرح نفسها كإيديولوجيا اجتماعية، وغيبيتها المفرطة إلى درجة إلغاء أي وعي غير ديني ـ هي حالة لا يمكن أن تقترح على الوعي القومي سوى التناحر والنفي المتبادل. لذلك فإن الحل الوحيد الممكن هو إجبارها ـ وبأي ثمن ـ على تسليم قيادة الحركة الاجتماعية للوعي القومي. بدون ذلك لا يمكن واقعيا تلافي خطر الاندثار المحدق بنا، لأن وعي المصلحة القومية أو الوطنية المفترض أن يحقق المصلحة الاجتماعية المشتركة، يشكل في ذات الوقت التناقض الأساسي الميداني للمصلحة بين الطرفين ـ الدين والقومية، ويستبعد أية مصالحة أو مسالمة بينهما. ويؤكد ذلك بوضوح، ما حدث ويحدث الآن في العراق، حيث أن المواجهة القائمة الآن هي بين الهجرية المذهبية وتيار الوعي القومي أكثر مما هي بين الشعب العراقي وبين أمريكا وحلفائها. ولا حاجة ـ بناء على وقائع السياق ـ إلى الاجتهاد لتأكيد هذا الواقع المرير.
ما يمكنني قوله على سبيل التمني فقط، أنه لو كانت ورطتنا التاريخية أقل صعوبة مما هي عليه، فلربما كنا سنحصل على خيارات أكثر سهولة للخروج منها. ولكن صدقني أنه لا يوجد سوى خيار واحد بهذا الشأن. أن نخرج من وعينا الحالي إلى وعينا القومي. هذا الوعي لا يمكنه منطقيا أن يسلم بأن الثقافة التي هدمت أصلانيتنا وقمعت تاريخها قمعا لتوفر الفراغ لوعيها الخاص، يمكن أن تكون شريكا محتملا في مشروع استعادة التاريخ المقموع الذي يشكل شرط بناء المشروع القومي. ذلك لأن الممكن الفعلي الوحيد هو الجمع بين النفي والإثبات في وحدة جدلية للصراع، بين التحقق والإلغاء. وليس هناك أي ممكن فعلي آخر.
وعند هذه النقطة بالذات، أبدأ حواري معك حول التاريخ الآخر. أعني تاريخنا المقموع.
أعترف لك أنني دهشت للتلقائية والسهولة التي تناولت بها أصلانيتنا العرقية والحضارية المؤسسة. لقد بدا وكأنك تقترح أو تعتبر مصطلح التسمية وزمنية تداوله مرجعا أصوليا لما قبله. أي ما يمكن اعتباره وجهة نظر تقول بما يمكن تسميته (التطور معكوسا).
لا يهم متى بدأ مصطلح العربي في الظهور، ولا متى حققت اللغة العربية شكلها الموحد في التداول، ولا متى حقق الوعي القومي هويته الاجتماعية الأخيرة، فهذه جميعها بنى تطورية متغيرة لسياق إثني مؤسس، هو بذاته أيضا بنية متغيرة ومتطورة واستدخالية عرقيا وحضاريا وتطوريا. ولعلك تذكر أنك أنت قلت في نصك نفس هذا الكلام تقريبا. ولا حاجة لترديد أن كل ما نراه في مجالنا البشري هو ظواهر تطورية تحققت على سياقات عرقية وحضارية متواشجة، ولكن لكل سياق منها هويته المؤسسة تاريخيا. إن أهمية العرق في الأساس لا تتجاوز دلالته كموقع بشري للتطور الظرفي، تم اعتماده وجدانيا في تطورات السياق كإحدى ديناميات الجدل في حركة التطور التاريخي. وسواء كانت وجدانية الانتماء العرقي هي حاصل لتلاعبات المصلحة الاجتماعية، أي الثقافة الإيديولوجية، أو إحدى حيل الوعي الجدلية، فإن الحاصل هو تصنيف تاريخي ملزم في الواقع، على جغرافيا طبيعية وبشرية واجتماعية عامة نشكل نحن جزءا منها ولا نستطيع الخروج على نظام علاقاتها المرحلي. إن الموقع والعرق والسحنة الحضارية، هي الذات القومية، في تاريخ بشري قومي بالكامل. وحتى الآن فإن محاولات التجاوز الأممية وأشهرها الماركسية والإسلام لم تنجح سوى في تدمير بنيتها الاجتماعية الخاصة. لقد كان ثمن هذه المحاولة السوفييتي انتقاضات قومية عرقية مزقت حتى الكيان الروسي وليس الكيان الإمبراطوري السوفييتي فقط. وحدث مثل هذا بالضبط على ساحة الإمبراطورية الإسلامية، فانفصلت العرقيات المسلمة عنها لتتابع سياقاتها القومية. أما الساحة الهجرية التي ضحت بسياقها القومي مبكرا من أجل الأممية الدينية، فقد تمزقت إلى كيانات مضحكة تحتاج إلى تشخيص بحثي متخصص لتصنيفها، مما يدل على أن اللغة المشتركة وحدها لا تكفي حتى للتشخيص القومي في حالة غياب الوعي القومي وارتباطاته الأصلانية المؤسسة.
اللغة دلالة تشخيصية في تلقائية الهوية. إنها جزء من السحنة الحضارية والاجتماعية ولكنها ليست من مركباتها التأسيسية. هي ما يمكن تسميته بهوية الهوية في مراحل السياق المادي لتطور الهوية، وحينما نفقد وعي الهوية فإن اللغة تفقد وظيفتها القومية وتصبح لغة للوعي الذي يملك السياق وآلية للتعبير عنه. لذلك فإنك تستطيع بسهولة أن تطلق على اللغة العربية الآن، اسم اللغة الهجرية، لأنها لم تعد تمت إلى سياق الوعي العربي الضائع، وإنما إلى كونها أداة التواصل والوعي على ساحة الوعي النقيض. وإذا كانت اللغة هي منطقة التنقيب الآركيولوجي في مسارات التطور الإثني لمجتمع من المجتمعات، فإن اللغة العربية الآن تصلح للتنقيب عن أصلنا الإسماعيلي التوراتي أكثر مما تصلح للتنقيب عن أصولنا العرقية الحقيقية. إن اللغة العربية السائدة الآن هي هيروغليفية النص الديني، الذي اعتمدها لضرورات الظرف الموضوعي فقط. ولعل هذا يفسر مبادرتك المتعجلة لنفي عروبة (آبائنا الأولين) من أكديين وكلدانيين وبابليين وآشوريين ويبوسيين وكنعانيين وآراميين وفينيقيين وعامونيين… وغيرهم.
إذا لم يكن أولئك هم الأصول العرقية العربية الأولى ـ كما تقول أخي خضرـ فأنت مدين لنا ببيان أصولهم البديلة، كما بين المؤرخون أصل السومريين، حينما قالوا إنهم ليسوا ساميين. وإذا لم تكن الجزيرة العربية هي موطنهم الأصلي، فمن أين جاءوا؟ وحينما قلت إنهم لم يكونوا يتكلمون العربية، فأية عربية كنت تقصد؟ هل قصدت لغة القرآن؟ أنا في الحقيقة لا أفهم ما عنيته! كيف لا يتكلمون عربية تخص راهنا تطوريا معينا إذا كانوا ـ حقا ـ قد جاءوا من الجزيرة العربية، مهد هذه اللغة، وإذا كانت لغة القرآن التي نتكلمها اليوم حاصلا تطوريا ممتدا ومتغيرا للغة العربية التي نعرفها؟ وبهذا الخصوص يكفي أن أحيلك على اللغة العبرية التوراتية والحالية، والتي هي ذاتها اللغة الكنعانية، لتجد مدى الاختلاف بينها وبين لغة القرآن التي نتكلمها. وإذا كنت تعرف العبرية ـ ولا أقول تتقن ـ فسوف تتفق معي أنه من الصعب أن تجد فيها لفظة جامدة أو اشتقاقا لا يتلاءم مع مطابق أو مقابل لفظي ودلالي واضح له في لغتنا المتداولة، أو في أحد قواميس اللغة العربية. هذه هي اللغة الكنعانية التي قلت إنها ليست عربية. وأنا على يقين أن ما ينطبق على اللغة الكنعانية ينطبق كليا أو جزئيا على لغات شعوب المنطقة القديمة. ومنطقيا، ومعرفيا أيضا، في الحدود المتاحة، فإن الأمر لا يمكن إلا أن يكون كذلك. فإذا كانت الهجرات السامية ـ كما يسميها المستشرقون ـ هي اندفاعات توسعية لنسيج عرقي موحد يسكن في جغرافيا واحدة ضئيلة الموارد، وإذا كانت المناطق التي سكنتها تلك الاندفاعات هي امتداد طبيعي لتلك الجغرافيا، فكيف يمكن الزعم ـ حتى لدوافع استشراقية معادية ـ أن الصلة المباشرة بين تلك الامتدادات السكنية المتحاذية والمحاذية للمصدر كمجرد ضواح سكنية على جغرافية واحدة، قد انقطعت ولو للحظة واحدة ولأي سبب من الأسباب؟ أليس من السهل المعرفي والاستنتاجي القول إن الإمداد العرقي من المصدر القبلي لم ينقطع على تلك الضواحي الحضرية، مما حقق استمرارية التواشج الاجتماعي الكامل بين الضواحي والمصدر البدوي المتحفز باستمرار لتفريغ انفجاراته السكانية الكبيرة والصغيرة؟
أخي خضر!
لا أعتقد أنه يمكن الاستمرار أكثر من ذلك فيما أعتبره مساحة لتبادل وجهات النظر. فالقضية كبيرة حتى على البحث المتخصص في حدوده الفردية. إنها ليست أقل من الخروج من ورطة تاريخية لا مبرر لها سوى فقدان الوعي ومنطق المعرفة. وستظل محاولاتنا لاسترداد وعينا القومي مجرد مراوحات عبثية في التورط القائم، إذا لم نفصل بين هذا الوعي ومصادر قمعه الهجرية في أية محاولة لتأسيس فكر قومي معاصر. إن تناقضنا مع الوعي الهجري ليس من منطلق الالتزام بالعلمانية فقط، بل من منطلق النص التاريخي الذي يتضمنه هذا الوعي، والذي يقوم على التنكر المعادي لأصلانيتنا وأولية وجودنا على أرضنا التاريخية، وعلى طرح اجتماعيته الأممية حاجزا أمام أية توجهات قومية. هذا التنكر بالذات، هو الذي يحتم علينا كخطوة أولى نحو بناء مشروعنا القومي المعاصر، أن نسعى إلى طرح اجتماعيتنا البديلة أمام الإنسان العربي، كاقتراح للتبني، يمكن على أساسه البدء من مرجعيات الأصالة التاريخية، والنسيج التطوري المتلاحم لكيانيتنا العرقية، في استعادة وجداننا القومي المستلب. إن العودة في الوعي إلى صحيحنا العرقي والتاريخي ليس فيها ما يستوجب التردد أو الاستهجان. فنحن حينما نطرح هذه العودة لا نتعدى حقنا في الاعتزاز بماض حضاري مؤسس لحضارة العموم البشري، نرمي من ورائه إلى إثراء وجداننا القومي والإنساني كدينامية حاسمة لا غنى عنها للفعل.
ما حاولت قوله تلخيصا هو ما يلي:
1ـ أن الإسلام لم يدعم العروبة، بل على العكس من ذلك، فإن العنصر العربي وحركته الاجتماعية الناهضة هي التي قامت بدعمه وتحقيق انتشاره الواسع. وقد كلفها ذلك فقدان هويتها وسياقها القومي.
2 ـ أن الإسلام لم يحمل اللغة العربية إلى ضواحي الجزيرة العربية في الشام والعراق، فقد كانت هذه المناطق عربية بالكامل لغة وثقافة قبل الإسلام، وكانت الهيمنة العرقية فيها للعرب شبه تامة. ما يصح قوله هو أن اللغة العربية هي التي حملت وعي الإسلام ونصوصه إلى كل مواقع انتشاره. وهو ذات الشيء الذي كان سيحصل لو انتصر تيار الأصلانية العربية بقيادة ابي سفيان على الإسلام.
3ـ أن الأيديولوجية الاجتماعية والتاريخية للإسلام هي ايديولوجية دينية أممية معادية للوعي القومي، وقد أدى ذلك إلى قطع السياق التطوري العربي واستبداله بالحالة الهجرية، ومنع قيام فكر قومي أو حتى وطني قرونا طويلة.
4ـ تقول حصيلة الراهن الحالي بشكل خاص، أن التجربة الهجرية قد فشلت في جميع المجالات. وهي لم تفشل في حماية الوطن الاجتماعي ـ بله القومي ـ فقط، بل فشلت أيضا في حماية كهنوتها الخاص الذي تستبيحه السياسة الآن بابتذال يتمحور بين العمالة وتهمة الإرهاب العالمي.
5ـ ثبت أن تحقيق المصالحة بين الحالة الهجرية والقومية العربية هي استحالة جدلية ومنطقية، على ضوء التناقض التأسيسي بين الطرفين، وتضارب المصالح الإيديولوجية، وعلاقات العداء التاريخية.
6ـ أن الفراغ الحاصل عن تبدد أوهام الوجود والفعل الهجرية، لا يمكن ملؤه إلا بالتنحي أمام جسدية الآخر، او البدء من واقع الحالة العراقية في تأسيس مشروع قومي عربي بديل.
7ـ أنه لا يمكن قيام مشروع قومي عربي بدون تأصيل الوعي والوجدان لدى الإنسان العربي، وطرح أوليته الحضارية والعرقية على أرض وطنه، كسياق معرفي تاريخي للتربية القومية والإنسانية.
8 ـ أن مصادر اعتزازنا القومي والحضاري والإنساني متوفرة تاريخيا في انتمائنا العرقي لأسلافنا من العرب البابليين والآشوريين والكنعانيين والآراميين وغيرهم من الشعوب العربية القديمة التي أسست حضارة التاريخ البشري.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
