قراءة في فصل من كتاب: الخليج بيننا: حرب الخليج وما بعدها
The Gulf between us The Gulf War and Beyond مركز واشنطن لمعلومات الدفاع 1991
عنوان الفصل: انتصار في الصحراء: تفوُّق التكنولوجيا ام القوة المفرطة ص.ص 43- 60
لٍ:عميد بحري الأدميرال إيوجين جي كاروول وعميد بحري الأدميرال جيني مش روكوي
هذا الكتاب، وهو أحد كتب عديدة عن عدوان 1991 ضد العراق إثر تحريره الكويت، وهذا الكتاب نفسه إعداد أي ليس لكاتب واحد/ة.
وهنا أود الإشارة إلى أنني كنت، ولم أتغير، مع ضم العراق للكويت كجزء منه وكون الكويت إقطاعية اقتطعها الاستعمار البريطاني من العراق ونصَّب عليها عائلة تُخضع البلد للإمبريالية، ومنطلقي هو أن لا مصيراً بكرامة سوى دولة الوحدة أي الدولة العربية المركزية والتي وحدها تنجز القضية المركزية اي تحرير فلسطين ومختلف الأجزاء المحتلة من الوطن العربي.
أمَّا وقد مضى على هذه الحرب قرابة اربعة عقود، فإن أكبر حقائق ثلاث أُستُنتجت منها هي:
الأولى: اتضاح، بلا مواربة أن مؤسسة الأمم المتحدة هي مؤسسة صاغتها الدول الغربية لتكن الأمم الأعضاء متحدة في خدمة الغرب الاستعماري الإمبريالي حيث أن حجة تبرير العدوان ضد العراق هي الزعم بأن الكويت عضو في الأمم المتحدة بينما الكويت جزء من الشعب العراقي كجزء من الأمة العربية والكويت جزء من الأرض العراقية. كما أن عضوية الأمم المتحدة يتم القرار بشأنها من الغرب الإمبريالي، ولذا تم تمرير عضوية الكيان الصهيوني رغم انه لم يستكمل على الأقل شرط عضويته، بموجب شروط الأمم المتحدة نفسها، منذ عام 1948 وهو عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم. وهذا يؤكد ان دور الإتحاد السوفيتي والصين الشعبية سابقاً، وروسيا والصين اليوم أقل بوضوح من دور الإمبرياليات الغربية الثلاث امريكا وبريطانيا فرنسا وهو دور يتخذ حالة التلطي أكثر من الصدام.
والثانية: إن الموافقة والمشاركة الرسمية والعسكرية العربية في هذه الحرب العدوانية ضد العراق مدفوعة برُعب الدولة القطرية من تحطيم شكلها وجغرافيتها الهشة لصالح الدولة المركزية العربية اي رعب الدولة القطرية من الوحدة العربية مما يؤكد أن هذه الدولة القطرية عدوة للأمة ولذا، فمشاركتها العدوان هي التي أسست لأشد تقويض للعروبة الأمر الذي جعل من “الطبيعي” قيام نظام قطري عربي يتحكم بدولة عربية بالعدوان ضد دولة قطرية عربية أخرى في ذيل المحور الغربي الصهيوني الإمبريالي والذي اتخذ شكلا فاقعا وضيعا في الربيع الخريفي العربي وازداد وضوحاً إثر طوفان الأقصى. (للتفصيل أنظر كتابنا المرفقة صورة غلافه)
في مقال ضمن الكتاب للكاتبة هيفاء خلف الله تزعم أن مواقف كل الدول العربية من دخول العراق إلى الكويت كان يعتمد: ” على العامل المقرر وهو موقف مصر الذي بدونه فان استخدام الغرب للقوة كان يمكن ان يكون خارج التفكير او يقود لحرب شاملة”.
حرب شاملة؟ لا أعتقد ذلك لأن هذه الأنظمة لم تكن لتقاتل لأجل اي شبر عربي. لعل من مفارقات القدر أن الموقف الرسمي المصري علاوة على أنه محفوز برفض الوحدة العربية قد تمت مكافئته بشطب 7 مليار دولار من ديونه مقابل دوره ضد العراق! فاي ثمن رخيص! وهنا تقاطعت مصالح مختلف الأنظمة العربية التي إما شاركت في العدوان بشكل ذليل أو صمتت عن العدوان مع موقف الكيان الصهيوني الذي لعب دورا كبيرا في حصول العدوان سواء عبر اللوبي الصهيوني أو عبر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومعظمهم من خلفيات تروتسكية. وهذا يكشف الحبل السُّري بين الدولة القطرية العربية والكيان الصهيوني.
والثالثة: أن الغرب بأجمعه حلف دائم راسخ متماسك يتحكم بالكوكب ويقاتل كمجموع بلا تردد سواء عسكرياً، سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا وحتى نووياً. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن تطبيق وممارسة مصالحه ودوره أكثر ما تتجلى ضد العروبة.
إرتكز العدوان الأمريكي وعدة أنظمة عربية على قرار الأمم المتحدة رقم 678 بالعدوان ضد العراق لكن الولايات المتحدة فرضت حصاراً على العراق لم يكن ضمن ذلك القرار. بل لا علاقة لتدمير مرافق خطوط الماء والطاقة شمال العراق وتدمير المرافق الصناعية في كل العراق بقرار 678. كما أن قرار العراق الانسحاب من الكويت ووساطة يفغيني بريماكوف لتطبيق الانسحاب قد رفضته أمريكا وشاركها بإصرار الرئيس المصري حينها حسني مبارك وقيامه باستفزاز العراق وتجنيد عدة أنظمة عربية خلفه للمشاركة في العدوان، كل هذه تؤكد أن الهدف هو اعلى تدمير ممكن للعراق، وهو ما اتضح بفرض الحصار الذي أهلك البلد لمدة ثلاث عشرة سنة تالية للعدوان نفسه.
وبخلاف قرار الأمم المتحدة ذهبت أمريكا إلى تدمير الاقتصاد والنظام السياسي العراقي والقوات المسلحة ليصبح العراق عاجز التأثير في شؤون ما يسمى الشرق الوسط وصولاً إلى التأكد من انهيار نظام صدام حسين وكل هذا بهدف اعادة العراق لما قبل العصر الصناعي.
أورد الكاتبان تقدير القوة المعتدية ضد العراق على النحو التالي:
عديد القوات الأمريكية المشاركة في العدوان كان 450 ألف جندي ويصل العدد لعموم الأفراد الأمريكيين المشاركين في العدوان إلى 530 ألفاً.
بلغت القوات الجوية 40 ألف شخص وعدد الطائرات 850 من امريكا ومجموع الطائرات 1680 طائرة
وبلغت القوات البحرية 70 ألف شخص و114 سفينة، و530 طائرة (410 مقاتلات) وعدد جنود البحرية 245 ألف منها 70 ألف من اوروبا ودبابات قتالية عددها 2100
مشاة البحرية: 100 ألف شخص و200 دبابة
قوات غير امريكية: اي الحلفاء حوالي 200 ألف معظمها قوات ارضية.
بلغت ضربات طلعات العدوان الجوية 50 ألف هجمة ألقت 88500 طن من القنابل
بينما قُدِّر عديد الجيش العراقي 955 ألف جندي.
واضح أن هذا الحشد الهائل مقصود منه إرهاب العالم وليس فقط ضمان الإنتصار على العراق والتخلص النفسي، كما يُقال، من عقدة فيتنام.
أظهر المقال أن عدد ضحايا الجيش العراقي خلال عدوان التحالف على الكويت 100 ألف جندي وبقي 250 الفاً يلاقون مصيرهم بقصف طيران الحلفاء خلال الانسحاب من الكويت.
لكن كاتِبَيْ المقال لم يذكرا تفصيلاً عن معدات الجيش العراق وتخلفها مقارنة بتجهيزات الأعداء حيث ذكرت تقارير عديدة في حينه أن معدات الجيش العراقي كانت متخلفة أربعة أجيال عن نظيرتها المعتدية.
وفيما يخص التسهيلات لقوى العدوان ذكر الكاتبان دور الأقمار الصناعية ومختلف وسائل الاتصالات التي وفرتها البنتاغون في خدمة القيادة المركزية الامريكية والسعودية.
وكذلك التسهيلات اللوجستية السعودية والتي كانت اسستها الولايات المتحدة مما جعل استخدامها والاستفادة الأمريكية منها أمرا سهلاً كما لو كانت في امريكا نفسها.
كل هذا يذكرنا بالأدوار التي قامت ولا تزال تقوم بها الدول الغربية ودول عربية في حماية الكيان والقتال نيابة عنه.
ومن اللافت أن جاسبر واينبرجر وزير حرب امريكا 1984كان قد وضع ستة شروط لدخول بلاده حرباً ومنها:
· الدفاع عن نفسها
· والدفاع عن مصالحها ومن اجل حلفائها؟
والطريف أن الولايات المتحدة هي في حالة حرب دائمة بين شديدة وخفيفة لكن على مدار السنوات ذلك لأن لها مصالح استعمارية في مختلف جهات الكوكب ولها أنظمة تابعة، لا حليفة، ايضا في مختلف القارات.
ورغم حصول مظاهرات في العديد من مدن العالم ومنها الغرب الإمبريالي إلا أن الكاتبين يؤكدان بأن الجمهور الأمريكي كان راضٍ عن العدوان.
ليس بالإمكان مقارنة ذلك العدوان بالعدوان الأمريكي الصهيوني الجاري حالياً ضد قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان واليمن ناهيك عن احتلال سوريا مؤخراً، لكن هناك مشتركات بين العدوانين. فمن استنتاجات الكاتبين، بأن العدوان ضد العراق كان مثابة أول حرب تحسمها القوة الجوية!
لكن هذا الحسم ناتج عن تفاوت هائل في القدرة الجوية. فعدوان 1967 حُسم بالقوة الجوية كخدعة لا كمنازلة أي بتقصير قيادة الجيش المصري. بل إن حسم عدوان 1991 ناتج عن الدور الذي لعبته عدة قوى في خدمة العدوان:
· موقف الأمم المتحدة العدواني المتماهي مع التوحش الأمريكي
· سقوط الاتحاد السوفييتي
· مشاركة أنظمة عربية في العدوان
أما الحرب الدائرة الآن ضد هذه البلدان العربية فهي تأكيد على حاسمية القوة الجوية ولكن في مستوى التدمير وقتل المدنيين وليس في الوصول إلى نصر يقضي على البلدان التي تقاوم.
وهذا يفتح على التقدير العسكري الذي يرى أن النصر لا يتجسد إلا بالسيطرة البرية بأقدام الجنود المعتدين.
وأياً كانت النظرية الأصح، فإن فرصة انتصار الأعداء كانت مؤكدة في تلك الحرب اي عام 1991.
لكن المقارنة بين العدوانيْن، ربما ممكنة في أن حزب ذي العمامة السوداء في لبنان لم يأخذ عبرة من دور القوة الجوية وفعالية اسلحة التدمير للملاجئ والمواقع المحصنة العراقية التي نقلت الشركات الغربية التي أقامت تلك التحصينات تفاصيلها إلى الأعداء، وأوضح الأمثلة ملجأ العامرية في بغداد الذي صممته شركة فنلندية قدمت خرائطه للأمريكي.
وهنا يظهر تراخي حزب ذي العمامة في هذا المستوى حيث وقع في شراء البيجر من بلدين عدون أي تايوان والمجر! فهل عدم أخذ العبرة نتيجة تنافر الطرفين العربيين بسذاجة أم عدم الشك في دناءة الغرب في “صداقته” مع بلدان المحيط وخاصة العربية؟
يؤكد الكاتبان بأن العراق أخطأ التقدير بان لدى امريكا قنابل تدمر تحصيناتهم الدفاعية.
حيث تم تدمير الملاجئ ومهاجع الطائرات، فما بالك بدرجات تطوير هذه القوة بعد أربعة عقود مضت على عدوان 1991.
وهذا يفتح على حالتين أو تجربتين عربيتين مختلفتين عن الحالتين العربيتين الأخريين اي العراق ولبنان. فقد اثبتت تجربة حركة حماس في قطاع غزة وتجربة اليمن/صنعاء أن بالإمكان إنشاء ملاجىء ومهاجع قادرة على الصمود أمام القوة الغاشمة والمتطورة للأعداء.
أما الدرس الذي لم يذكره الكاتبان وغالباً لخبث واضح بأن النصر بالطيران لا يستقيم ولا يبقى أمام النصر بالمقاومة. ولعل اللافت أن تجاهل درس المقاومة وما أُصطلح على تسميته منذ قرن على الأقل ب حرب الغُوار، لم يقتصر على الكاتبين وعلى مراكز التخطيط والعدوان وأكاديميا العدوان الإمبريالي وخاصة تجاهل العديد من المثقفين المنشبكين العرب والطابور السادس الثقافي والإعلام هو المق/ا/و/م/ة الحالية في الوطن العربي سواء في غزة والضفة الغربية ولبنان وخاصة اليمن حيث تٌبدي هذه القوى صموداً اسطوريا لو نظرنا للأمر بمعيار حجم القوة والإمكانات. فمنذ أكثر من شهر والوحش الأمريكي يعض جبال اليمن كأنما قنابله الهائلة أسنان فأر، وتهرب مدمراته وحاملات طائراته بعيداً من مناطق الحظر البحري الذي فرضته اليمن. هذا علماً بأن إستراتيجيي العسكر يؤكدون أن سيطرة أمريكا كدولة عظمى منفردة قائمة على السيطرة البحرية بما هي جغرافيا أقرب إلى النصر البري من السيطرة على السماء.
إن تبخيس كثير من المثقفين العرب لل/م/ق/ا/و/م/ة هو تأكيد على أن هؤلاء هم من مدرسة استدخال الهزيمة والانتقال من الاستدلال إلى ترويج الهزيمة.
من يستدخل الهزيمة يرى النصر هزيمة.



_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.