مدخل:
إنتهت جولة الرئيس الأمريكي أولاً على ثلاثي دول الخليج (السعودية وقطر والإمارات) وملحقاتها الثلاث الأخرى حيث تتصدر جميعها المشهد الرسمي العربي، فهي تتناقض بيْنياً وبدل أن تجمعها العروبة تجمعها التبعية المطلقة والتطبيع سواء بالعلن أو التخفي أو التأجيل. ولم تُخفي هذه الأنظمة حقيقة أن الجولة كانت جبائية بامتياز بغض النظر عن إختلاف مقاديرها وتوقيت دفعها إلا أنها كانت في أقل تقديرات حجمها ودورها خيالية بمعنيين:
الأول حجمها: نعم مقدارها
والثاني: كيفية صرفها/حرقها: فهي في حجمها تقارب ما دفعته سطات الخليج ضد بلدان جمهورية عربية لتخريبها وإسقاط انظمتها.
ترامب ليس أهوجاً ويقاتل بسيفين:
وغادر ترامب الخليج بعد أن أخذ أكياس الدولارات وعيَّن/عمَّد الإرهابي الجولاني كعميل على سوريا وتظاهر بالخلاف مع نتنياهو بالاتفاق بين الإثنين:” أن قدمنا ونقدم لكم افضل أسلحتنا كماً ونوعاً فأنهوا غزة”. ولذا كانت مركبات جدعون وكانت كيسنجريات ويتكوف ولكن كذبة كذبة بدل خطوة خطوة.
خلال الزيارة وقبلها وحتى منذ رئاسة ترامب السابقة قيل الكثير عن هذا الرجل بأنه مجرد تاجر، ومتمرد على الدولة العميقة أو المؤسسة الحاكمة، وبأنه متقلب المزاج وبأنه بلا خطة…الخ. وهنا، لا يعنيني التفصيل في شخصية الرجل لأن ما يحكم الإمبريالية الأمريكية ليس مجرد رجل حتى لو كان اسطوري القدرات فهو نتاج طبقة إجتماعية إقتصادية بالطبع بغض النظر عن شرائحها أو فئاتها.
يردنا هذا الأمر إلى مفهوم الطبقة الواحدة بمعنى إحتواء الطبقة الواحدة،مع التطورات الإجتماعية الإقتصادية، على عدة شرائح تتنافس مع بعضها البعض، وهذا ينطبق على الطبقة الرأسمالية كما على الطبقة العاملة كما كتب في ثلاثينات القرن العشرين نيكوس بولنتزاس (1936-1979). وهذا ما يحصل في الطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة بما هي المكوِّن الرئيسي للدولة العميقة وهي عموما فئتان:الأولى تحتوي على الراسمالية مالكة صناعة الهاي تك، والبرمجيات، والذكاء الإصطناعي وهذا يفسرالدور الكبير ل إيلون ماسك، (قيل اليوم 29 ايار 2025 أنه إستقال) في سلطة ترامب، و الثانيه صناعه النفط الاحفوري الصخري وبصناعه الطاقه البديله وبهذا تختلف المصالح الإقتصادية بين الفئتين من الطبقة الواحدة. والأمر حتى أقدم من هذا العصر، فقد كان هنري فورد في أواخر القرن التاسع عشر ينسف منافسية بالديناميت.
“يقول جون بولامي فوستر ، جاء دعم ترامب، في المقام الأول، من مليارديرات خارج بورصة الأسهم، أي أولئك الذين لا يبنون ثرواتهم على شركات مدرجة تخضع للتنظيم الحكومي، بل على رؤوس أموال خاصة private equity، ومنهم أيضاً شركات النفط الكبرى. من المهم التنويه إلى أنّ دعم ترامب من الطبقة الرأسمالية لم يأتِ أساساً من الشركات الست الكبرى في عالم التكنولوجيا—أبل، أمازون، ألفابت، ميتا، مايكروسوفت، إنفيديا—بل من تكتلات «وادي السيليكون» الخاصة، وشركات الأسهم الخاصة، وصناعات النفط. فرغم كونه مليارديراً، يبقى ترامب مجرّد واجهة لتحوّل سياسي-اقتصادي عميق يجري خلف الكواليس، تتحكّم به قوى طبقية فعلية تستخدمه كرمز لحركتها. كتب الصحفي والاقتصادي الاسكتلندي وعضو البرلمان السابق جورج كيريفان أنّ ترامب «شعبويّ، لكنه لا يعدو أن يكون تمثيلاً لحقائق طبقية فعلية… ما نشهده اليوم ليس مجرد تكرار لولاية ترامب الأولى، بل هو تحوّل نوعي نحو فاشية أمريكية واضحة المعالم، حيث تتجسد فيها الهيمنة الطبقية دون قناع، من خلال تحالف طبقي مباشر بين أقل من واحد في المئة من السكان—الطبقة الرأسمالية فائقة الثراء—وبين قاعدة اجتماعية متماسكة تتكوّن أساساً من الطبقة الوسطى الدنيا البيضاء، التي تشكّل القاعدة الجماهيرية لحركة ترامب. ما نشهده هو دولة يمينية تنزع إلى الفاشية، يقودها «رئيس إمبراطوري» تجاوز بالفعل الحدود الدستورية التقليدية”.
أهمية التحديد الطبقي في أنه يلقي الضوء على الواقع الحقيقي للمجتمع والفرد ما يكشف هشاشة وزيف وخداع نَسْب السياسة إلى كون زعيم ما أو حزب ما يعتمد الدينسياسي كأساس لحكمه!! ويكشف أن سيطرة الولايات المتحدة على العالم سواء بالعنف المفرط بحرب الإبادة او إحتضان من يقم بهذه الحرب خاصة وأن هذه الدولة هي تجميع إستيطاني إقتلاعي دموي ولم تتخلى أو تتجاوز هذه السمات ، أو القوة الناعمة العلنية أي ثقافيا وإعلاميا ومخابراتياً أو الناعمة والسرية في تجنيد مخابرات من أمم على امتهم، هذه هي السيطرة الفعلية التي يغلفها الرئيس الأمريكي الحالي بالظهور بمظهر نبي جديد قام بتصنيع دين مركَّب متناقض يدمج ثلاثة ديانات متناقضة متحاربة مع بعضها وحتى الدين الواحد في داخله كما هو بين السنة والشيعة في الدينسياسي الإسلامي على الأقل. وهنا يجدر بالمهتم أن يعود لحروب الطوائف والمذاهب في اوروبا قبل هيمنة نمط الإنتاج الراسمالي حيث تصالح الجميع بعد الرسملة حتى طبقياً بموجب رسملة الدين (كما شرح سمير أمين) وليس تديين الراسمالية.
فالإبراهيمية التي يروج لها ترامب هي التعبير الأوضح عن رسملة الدين، أي إحتلال رأس المال للدين وتسخيره لصالح الرأسمالية وهذا ما حصل في المسيحية الغربية واليهودية وصار المطلوب ضم الإسلام ، الأمم التي تدين بالإسلام، لهذا أو تحت هذا الإحتلال ولكن بشكل دوني وذلك لأن الرسملة المتقدمة /المتطورة في الطرفين الأولين إتخذت طابع الهيمنة والسيطرة والتعالي على الأمم الأخرى والأديان الأخرى، وبالتالي ضم الإسلام للإبراهيمسة هي حالة من التبعية والخضوع الإستعماري للرأسمالية الغربية وهذا بيت القصيد،اي نقل التابع سياسيا واقتصاديا إلى تابع ديني وهذا بعد التبعيتين السياسية والإقتصادية يصبح أمراً سهلا.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أيُّ إبراهيم الذي صنعه ترامب، وكما يبدو فإن لكل دين ولكن اسطورة ولكل خرافة إبراهيم خاص بها مما يجعل تمييز إبراهيم كنبي أمراً مستحيلا. ومن جهة ثانية، طالما أُنزلت ثلاثة أديان، فهذا يعني بقائها منفصلة كما هي، ولو أرادت السماء توحيدها لما جعلتها ثلاثة. وهذا يطرح السؤال على المسلمين الذين يعتبرون الإسلام بديلا للإديان الأخرى، فإذا آمنوا بهذا، كيف يتركون الإسلام لصالح دين من تصنيع امريكي يحتقر الإسلام ويخدم مصالح الكيان الصهيوني بكل ما لديه من تصنيع وحشي للأسلحة وقرارات الموت!
يأخذنا هذا الأمر إلى حقيقة أن الدين يُستخدم ، وخاصة في حقبة راس المال، كمطية للاستعمار والاستغلال. وحتى في الحالات السلطوية أو الحزبية او الفردية التي تغادر الدين كإيمان إلى الدينسياسي هي تستخدم الدين لمصالحها، وفي حالة لم تتمكن بالدينسياسي من تحقيق ذلك تغادر الدين حتى لو مارست الخيانة الوطنية وقادت مذابح وإبادة، وفي هذا لدينا شاهدين:
الأول: كيف يقبل ترامب وهو نبي الديانة الإبراهيمية أن يقوم طرف منها بإبادة الشعب الفلسطيني المسلم اي العضو في هذه الديانة، وكيف يقدم ترامب للكيان الصهيوني كل شيىء وبكل معنى الكلمة كل شيىء من الطائرة القاذفة المقاتلة إلى علبة السجائر! كما كيف يقبل المسلم العربي أن تحتل تركيا أرض مسلم عربي، في سوريا! ناهيك عن ليبيا…الخ؟
والثاني: ماذا تقول مآت ملايين مسلمي الدينسياسي السنة الذين جندوا 360 ألف إرهابي من خارج سوريا إضافة إلى سوريين بزعم “تحرير” سوريا من العلويين والشيعة والعلمانيين والعروبيين باعتبار هؤلاء عقبة أمام جحافل الإرهابيين كي يصلوا حدود فلسطين المحتلة ويحرروها من اليهود الصهاينة، فإذا بسلطة الجولاني ممثل هؤلاء السُّنة يتخلى حتى عن الأرض السورية المحتلة! ويتخصص ضد حزب ذو العمامة الذي هزم الكيان، ويقوم بمجازر في الساحل السوري بل وفي عموم سوريا!
شاهد هذا الرابط القصير وهو مقابلة قام بها الإخواني المريض والمتعصب ضد العروبة أحمد منصور مع الجولاني حينما كان “ثائرا” يغطي راسه متطربشاً كيف يهاجم حكام الخليج بأنهم يدفعون الجزية لأمريكا ثم حين صار رئيساً بلباس عصري ورباط عنق حاسر الراس وهو يجالسهم مع ترامب ويدفع الأرض جزية للكيان!
https://www.facebook.com/share/v/15zWkoVPUa
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
