“كنعان” تتابع نشر كتاب: ” أحمد حسين … الرفض المشتبك”، الحلقة الثامنة عشرة

انتصار التخييل – إعلان الاندثار الفلسطيني

أحمد حسين

حوار مع مقال عزمي بشارة – “فلسطينيًا: في الذاكرة والتاريخ”

المنشور إعادةً في موقع أجراس العودة بتاريخ 12 أيار 2009

 (رابط إلى مقالة د. عزمي بشارة “فلسطينيًا: في الذاكرة والتاريخ”، في

موقع أجراس العودة لأجل الدولة العلمانية الديمقراطية

http://ajras.org/?page=show_details&Id=84&table=studies

(28 أيار 2009)

يثير هذا المقال الإنشائي إشكالات ذهنية أي فلسفية لا حصر لها. والإشكالات من هذا النوع يمكن الرد عليها بخيارات إنشائية مثلها متوفرة ذهنيًا، ومغايرة لزميلاتها كليًا أو جزئيًا ولكنها تتمتع بشرعية مماثلة تعتمد على كونها رد الإنشاء على الإنشاء فقط، وليس لأي سبب آخر.

هناك مستويات للذاكرة تُتاخم تاريخيًا عضوية الوجود البشري. فالوعي الذي تمثل الذاكرة هجائيته هو بدء متزامن مع بدء الحركة العضوية لهذا النشوء الخاص. الأنثروبولوجيا هي تاريخ الذاكرة في الإنسان من مشهديّتها المعاصرة وحتى انطلاقها التطوري الأول. هي الوعي والحضارة والتشابه والاختلاف في سلوك الحركات الاجتماعية. وهي في مظهرها المشخَّص بصريًا وسمعيًا ومعنويًا دلالة على طبيعة دورها الذي هو التاريخ بحد ذاته وبحذافيره أيضًا. لذلك، من يحاصر الآخر؟ التاريخ هو الذي يحاصر الذاكرة أم الذاكرة هي التي تحاصر التاريخ؟ أليس لو كان التاريخ هو الذي يحاصر الذاكرة فإننا يجب أن نتوقع عالمًا أكثر تشابهًا وأقل اختلافًا؟ ولماذا يسير التاريخ من الاختلاف نحو التشابه وليس العكس؟

هل يمكن تفسير ذلك إلا بوجود عامل تراكميّ يؤثر بأوّليته الجدلية في التاريخ ويحدّد وعيه التطوري؟

لولا الذاكرة لم يكن هناك تاريخ كالذي نشهده الآن على الأقل لأن التاريخ ليس شرحًا زمنيًا لذاته كما يقول الكاتب. بل هو ببساطة وفي تمظهره الأعلى هو الرسائل المشفرة التي ترسلها الذاكرة إلى الوعي. رسائل النسيان بالذات! لأن الذاكرة المنسيّة هي الخامة المادية التي تحوّلت إلى وعي باطني في البنية الاجتماعية وجزءًا من السلوك الخاص والمختلف للجماعة. هي فردية الجماعة في سعيها إلى التشابه. والتاريخ اليهودي كله سعي حتّمته الذاكرة المشهدية والمنسية لإدراك التشابه مع التاريخ المشهدي الكنعاني. هذا التاريخ الأدبي للذاكرة فيما بعد هو الذي حوّلت الذاكرة تجربتها مع الفشل من خلاله إلى تفوّق واختلاف وسلوك. إنه السلوك الطبيعي لذاكرة الفشل هو الذي أدى إلى سياق التصورات اللاحقة لتاريخ سلوكيّ متفوّق لأنه لم يستطع أن يتشابه.

 لماذا في رأيك مملكة داوود وقصة قيامها المثيرة؟ ولماذا حكم سليمان على الإنس والجن والطير وسفد بلقيس ملكة سبأ؟ أم أنك تستطيع أن تجد تفسيرًا آخر يبيح لك إثبات حصار التاريخ للذاكرة وليس الذاكرة للتاريخ؟ يستطيع المنتصر أن يكتب التاريخ كما يريد محكومًا بضغط الذاكرة الكئيبة أو الجميلة التي تحاصره، لذلك فإن علم التاريخ كما تعلم هو بحث في مزاج وفِقْه الواقعة الحضاري وليس بحثا في الواقعة ذاتها. ولذلك أيضًا تعتبر الملحمة التاريخية المتصلة بالذاكرة الجماعية أهمّ لدى الباحثين في التاريخ من السرد الكاذب حتمًا للسجلّ العسكري والسياسي.

وليس هناك ذاكرة فردية لأن كل تجربة منفردة تتسرب من الوعي الفردي إلى الوعي الجماعي بتلقائية التفاعل المزجي بين الفرد والجماعة. وهذا هو ما يجعل السيادة الفعلية للوعي الجماعي حيث تتجمع روافد الذاكرة وتتفاعل وتكوّن عقل السلوك والوعي الجماعي الذي بدوره يقوم على تشكيل الوعي الفردي. خامات الذاكرة ليست هي الذاكرة، لأن الذاكرة المنسية (الوجدان) هي التي تحوّل الرؤية المشهدية إلى نصب وتخترع خصوصية الذاكرة في المكان والحدث.

قد يكوِّن التاريخ بموقعه بين الذاكرة المشهدية والذاكرة المنسية ذاكرة متخيَّلة كما يقول الكاتب، أي ذاكرة للجدل الوجداني. فالذاكرة عراقة وجدانية في أحد جوانبها تتصل اتصالاً وثيقًا بالإبداع والتصوف الناجم عن قضية الزمن. فالزمن أهم متعلق وجوديّ في حياة البشر. وهي، أي الذاكرة، بهذا المعنى وحده تستطيع أن تحقق جدلها الحاسم في صناعة التاريخ. إن كل الصراعات الوجودية في التاريخ – من صراعات المصلحة أي التشابه وحتى صراعات النفي، أي صراعات المصير – لا يمكن أن تدور إلاّ في فضاءات الوجدان. وكلّما ازدادت أهميتها ازداد تعلقها برومانسية الذاكرة الجماعية، لأن تعبئة الآلة المحاربة ليست متوقفة على التدريب الجيد والاستعداد التقني فقط، بل إن التعبئة المعنوية والعامل الذاتي، كمفاهيم الالتزام والبطولة والتضحية والشجاعة وهي مُثل تتعلق كلها بالقدوة أي الذاكرة وتستدعي تعبويًا خلق مشهد شعريّ متخيَّل للحرب يقوم على استعادة مشاهد الذاكرة التراثية وأغاني الحبيبات الفولكفورية لأحبائهن. وهذا يدل ليس على تخلف الماضي كما يدّعي الكاتب المغرق في أماميّة الحداثة الليبرالية المعادية لأي تراث، بل يدلّ على اعتبار الكاتب للتخلف مطلقًا زمنيًا يقاس على الواقع المشهدي وليس على الزمن الموضوعي أي المرحلي. لذلك فإن أهم مشاكل العولمة هي

مطالبة الآخرين بالقفز فوق الذاكرة لتحقيق زمنها الأمريكي الخاص. ولذلك فإن الكاتب الذي أبدع في إنشائه المتخيل في أكثر من موقع، ونسب التاريخ أحيانًا إلى الذاكرة التخييلية (السياسية)، وقد صدق، لا يعطي للفلسطينيين فرصة الاستئناف على الذاكرة التخييلية (الإختلاقية) بذاكرة متخيَّلة أصبحت الآن مشهدية تتحدى تفاصيلها المنقوشة على صفحات كتب الحجارة أية ذاكرة متخيَّلة. إن الذاكرة الأمريكية على سبيل المثال ليست متخيَّلة بل هي تخييلية على طول الخط. فالأمريكان لا يقولون مثلاً إن نشأتهم السياسية والاجتماعية هي جريمة ممتدة. ولا يقولون إن كل رؤسائهم وأبطالهم هم مجرمو حرب بالواقعة التاريخية والذاكرة المشهدية. هم يقولون إن التاريخ الأمريكي تاريخ مجيد يصحّ نموذجًا للعولمة. ويقولون إن لينكولن الذي حرر العبيد ليعتقلهم في المناجم والمصانع هو بطل من أبطال الحرية. فلماذا لا يتعالى الكاتب على هذا التاريخ كما يتعالى على الكنعانيين والتاريخ الفلسطيني؟

لماذا لا يتعالى على التاريخ التوراتي واليهوسلامي التخييلي وبدل ذلك يعترف بأن اليهود احتلوا أرض كنعان ذات مرّة وأنشأوا ممالك ذات طابع إمبراطوري فيها، بينما يقول أن الكنعانيين ليسوا أكثر من مجرد إسم؟

كل ذاكرة تخييلية (اختلاقية) يقابلها تاريخ حقيقي ولكنه مغيَّب. ويقول الكاتب إن الذاكرة التخييلية يمكن أن تتحول إلى تاريخ. وكل ما هو مطلوب هو مشروع عملي من ورائها قادر على فرض نفسه.

وهذا صحيح إلى درجة أنه يعتبر إشكالية الوجود التاريخي. هناك حقيقة وهمية على هامش الوهم الحقيقي للقانون الطبيعي هي الإنسان. هذا الإنسان يمثل تطوّريًا تفوّق الوعي على القانون الطبيعي.

وتلاعُباته في دائرة جدله الخاص بين وهم الحقيقة وحقيقة الوهم هي تاريخه، أي التاريخ. لذلك فالتاريخ دائمًا رومانسيّ (متخيَّل وتخييلي) (وميتافيزيقي) وجهة نظر ذاتية (. وكانت هذه هي معضلة الفلاسفة مع التاريخ والتي حلتها الماركسية أخيرًا بقانون التناقض والنفي والتطور (الذاكرة المنسية).

وحددت مفهوم الحق التاريخي على أساس علاقة العمل. من يعمل في الأرض هو من يملكها. ولكن لا يهمنا الآن التعريب النظري للفلسطينيين الذي يشدد عليه الكاتب، فهم من هذه الناحية عرب سابقون مثلهم مثل كل الهجريين. أي عرب بثقافة غير عربية، بل مناهضة عمليًا للعروبة ولأي مشروع اجتماعي تنمويّ تحت أي اسم. والمطلوب هو التعريب العملي لكل الهجريين، وليس إلحاق الفلسطينيين بالمشروع القومي الديني للهجريين الذي يتحدث عنه كأنه مشروع عربي. هل يقصد بذلك صرف النظر عن إشكالية، دمرت من حيث التخييل التاريخي والمضمون التربوي والتطوري، الحركة الاجتماعية لشعوب المنطقة العربية؟ هل استطاع أي مشروع خلافي أن يرتبط بشعوب المنطقة بأي مشروع اجتماعي تنمويّ حتى هذا اليوم؟ هل هناك مضمون حاليّ للخلافة يختلف من حيث مضمون علاقة الاغتراب المتبادلة بين الخليفة الصغير ومواطنيه عن أي مشروع خلافي سابق؟ لماذا إذن يظن أن الإشكال بين الهجرية ودعوة التأصيل هو فقط حول الاسم؟ هناك خلل اجتماعي بنيوي في العيّنة الهجرية تؤكده الوقائع ظل يقف حائلاً بين هذه العيّنة وبين مشروعها الاجتماعي التنموي بسبب انفصالها التامّ عن أي فكر علماني يخصّ التجربة. فكيف يظن الكاتب أن العوامل الزمنية المجردة ستصلح هذا الخلل. هل سنظل نملأ الجرة المثقوبة كلما فرغت، على أمل انسداد الثقب أو تخثر الماء

لنعاود الوصول كل مرّة إلى البيت بدون ماء وبملابس مبتلة؟ لن يقوم أي مشروع قومي في اجتماعية غائبة عن أي وعي أو ثقافة يمكن أن تؤدي إلى ذلك تحت أي عنوان. فالخلل يشمل الشكل والمضمون.

فدعوة التأصيل القومي إذن، بعيدة جدا عن مناورات الكاتب المكشوفة التي يكرّرها دائمًا على أساس التجاهل وليس الجهل. فالدعوة لدى الداعين إلى التأصيل ليست دعوة إلى الكنعانية أو الفينيقية أو البابلية كنصب تذكارية فخمة. بل كحقائق ضرورية تقف خلف ستار التخييل المدمر بثبات مشهدي في كل مظاهر الذاكرة. إنها ليست دعوة للتخييل بل دعوة للمخيلة التي تتفق مع التاريخ العربي المغيَّب الذي تعتبر الصهيونية إحدى إشكالات وجوده الحادّ والمتألق في المعرفة المعلوماتية للمثقف العربي المتوسط رغم هجريته، ورغم أنها معرفة مشجوبة في الثقافة السائدة. ولن يكون التفاوض مع الصهيونية وكل أعداء الشعب الفلسطيني من “عرب” وغير “عرب” أفضل مما يقترحه التأصيليون من تفاوض مع الذاكرة القومية والأصالة لتوفير مرتكزات الثقافة البديلة للثقافة الهجرية النكبوية، إلاّ لدى الليبراليين الجدد الذين لا يهمّهم سوى تصالح الكيانية الاجتماعية الهجرية مع أي مشروع غربيّ وحداثيّ يضمن لهم النجومية الفكرية وحق التدخل والانخراط في المشروع الوهمي بالتنظير الذي يفاوض العولمة القومية لأمريكا والصهيونية، وبشهاداتهم الجامعية وحدها.

هنا يصبح الكاتب بحاجة إلى تأويل. هناك ما ينبغي فهمه بخصوص اطلاعه على التاريخ أو بخصوص موقفه من تاريخ محدد. إنه يثير إشكالاً تاريخيًا مرتجَلاً حول الكنعانية وشعوب المنطقة العربية القديمة ليس له مبرر معرفي في المعلوماتية. إن شعوب المنطقة العربية القديمة كانت حواضر التاريخ العربي والإنساني الأول. هناك اعتراف تاريخي وثقافة أكاديمية معولمة بهذا الشأن. ولكنها بالتجاهل المعرفي الموجَّه (التغييب) من جانب مشروع الذاكرة التخييلية لليهويات الثلاث واليهوسلامية على وجه الخصوص أصبحت هذه الحقيقة تشكل ذاكرة مهجورة أو شعوبًا بائدة مثل طسم وجديس. ولن ندخل في نقاش حول مدى ولاء الكاتب للمعرفة بهذا الشأن، ولكنا نتفق معه بأن التاريخ التخييلي لليهودية أكثر بروزًا في المشهد المعاصر من كل تواريخ الذاكرة الحقيقية في الساحة العالمية. لماذا؟ وهنا نسأل: هل تحدث الكاتب عن التاريخ كذاكرة تخييلية أحيانًا، ليعبّر عن واقع معرفي، أم ليبرّر الخرافة في جانب ويلغي

الذاكرة في جانب آخر، وبمثل هذا الحماس الذي أظهره؟ هل قصد عامدًا أن يساوي بين أوهام الحقيقة (المتخيَّل) (وبين) (حقائق الوهم) التخييلي والإختلاقي (ليظل في دائرة التاريخ الرسمي العالمي لليهودية ويحقق موضوعيته اختلاقيًا؟ في رأيي، عند هذه النقطة يختفي الباحث ويترك مكانه لصاحب المشروع السياسي. وليس هناك أهمية ابتدائية في السياسة لأي موضوع غير التخييل. فإذا كانت نكبة التاريخ الأمريكي التي أصابت البشرية نجحت تخييليًا في طرح ذاكرتها بشكل مختلف تمامًا عن حقيقيته، وبقوة الإمكان أو إمكان القوة وحده، فإن هذا دلالة على الخلل الذي يعاني منه العالم الآن بشكل يهدد

مستقبله، وليس دلالة على وجود ذاكرة تاريخية للحادثة الأمريكية المؤسفة تصلح أن تكون مبررا لاستدخال الجريمة سياسيا، فقط لأن فرص نجاح أي مشروع سياسي غير مضمونة بدون أمريكا. هذا هو الشكل العدمي لحقيقة الوهم الذي يطرحه كهنة الليبرالية الحديثة ويتبناه الباحثون عن مشروع سياسي يمثل قمة الحداثة التخييلية في مجتمعاتهم الأصلانية. لقد جعلت الحداثة التخييلية للعصر الأمريكي وفلاسفتها التخييليين من التراث والتخلف شيئًا واحدًا، لصياغة مقولة بشرية جديدة تناسب العولمة. وحيوية الذاكرة التاريخية تشكل عائقا كبيرا، كما اثبتت التجارب الأخيرة على هذا السبيل. إن أمريكا مداخلة تاريخية همجية ومنزاحة عقليًا وتطوريًا، ولا أحد يقيم وزنًا لإنسانيته يريد ان يكون اختراعًا أمريكيًا مثل الخليجيين. وعلى الباحث أن يظل مقنعًا وموضوعيًا إلى النهاية وإلا دفع صحيحه ثمنًا لخطئه.

كل من يجيد قراءة النصوص يعرف أن الإسلام كان انقلابًا تخييليًا يهوديًا ضد الذاكرة المتخيَّلة والأصالة العربية. كان تهويدا جذريا للوجدان واللاوعي لم تسلم منه انثروبولوجيته العرقية وليس فقط هويته الإجتماعية. لقد تحول العرب من مشروع أمة صاعدة إلى قطيع مهجن من عجول السيناغوغ. أصبحوا أيضًا صياغة اجتماعية غيبية بالكامل، وانقطع ما بينهم وبين منطقهم الوجودي كما انقطع ما بينهم وبين آبائهم الأولين ممثلي الكفر والجهل. دخلوا التاريخ مرة أخرى بأقفيتهم المصفوعة من نافذة توراتية، لأن وجوههم كانت تنظر إلى خيالاتهم الغيبية المريضة التي جعلت منهم أمة مختلفة بالاعتلال. لذلك فلا يمكن الاختلاف مع الكاتب أن الهجريين لن يكونوا مشروعا لأمة لأنهم عينة اجتماعية تالفة لا تصلح للتاريخ. وكان على الباحث، بناء على ما قاله ونوافقه فيه، أن ينفضهم من ذهنه تماما لا أن يمتطي بؤسهم للترويج لليبرالية والعولمة الأمريكية الصهيونية أي للمحافظين الجدد. إذا كان يؤمن كما يقول ويوحي بعقم أي مشروع تنموي عربي (هجري) بناء على واقع الاجتماعية الهجرية واختلافها بذلك

عن أي موقع اجتماعي بشري آخر، بدون ذكر أسباب العلة أو اقتراح تجربة علاج محددة، فمعنى تدخله إذن هو ذات معنى تدخلات قناة الجزيرة التي تقترح الشرق الأوسط الجديد كمشروع إصلاحي عربي، بالمؤدى وليس بالتصريح.

لعله يدرك لو أراد أن ما يجعل الهجري مختلفا ليس معضلة خارج الوعي. إنها معضلة أيديولوجية وافدة اسمها الإسلام واضحة التوصيف بالنص الذاتي نجحت في طرح نفسها بديلا اجتماعيا تنمويا عن المشروع القومي العربي، ليصبح الكائن الهجري قزما اجتماعيا منقطعا عن أية علاقة نزيهة أو مباشرة بواقعه ضائعا بين العرف الإلهي والعرف البشري يناور بينهما وبين حاجاته البيولوجية ارتجالا وفرديا.

وهو يلجأ في تجاوز حالة التناقض الهائل بينهما إلى الحيل الجدلية وليس إلى العقل الجدلي. إنه ورغما عنه يتحايل ولا يفكر أو يبحث. ولا يستطيع الخروج من هذه الدوامة العبثية بفعل مألوف في التاريخ الاجتماعي. في التجربة الفردية فإن المألوف السلوكي في مثل هذه الحالة من الاغتراب والفصامية هو الانتحار عادة. ولكن الهجري لا ينتحر لاستعصاء ذهنيته المبسطة على الجنون. إنه فاقد لأريحية الوجدان لأنه فاقد لوعي الذات، ولوعيه الكوني والوجودي المرتبط بقانون التجربة. يقيم علاقة غير منطقية مع البيولوجيا تتجاوز الموت ذاته. فالسماء هي بديل مثاليّ لوجوده المادّي على الأرض، أي

أنه مثل بطل غيته في “فاوست”. ولعل ذلك لم يكن صدفة روائية بمدى ما كانت انعكاسًا لاطلاع غيتة المعروف على الإسلام.

إذن فالمشكلة في نظرنا هي حالة تخريب اجتماعي ووجداني فصلت بين العينة وذاتها المتخيَّلة في الوعي. حالة لم تؤد كما هو متوقع إلى قلق وجودي ووعيوي فاعل، لأنها مغلقة بالقمع المادي والمعنوي ليس فيها خيارات ذاتية معرفية سوى الكذب والنفاق كسلوك وحيد في مواجهة اجتماعية، بين أفراد يتبادلون الرياء في الاجتماع والاقتصاد ومخاطبات العقل. أما القادة فهم صدف عشائرية عميلة ومتخلفة تسيء إلى سمعة الإنسان مقارنة مع أي حيوان آخر.

نحن لا نختلف مع الكاتب حول رداءة الحال وسورياليتها. ونحن أيضًا مثله لم نكن نريد أن تتحول ورطتنا الهجرية إلى موت قوميّ وتاريخيّ، إذا كان هناك ما يمكن عمله. فهل يمكن الخروج من الورطة الهجرية؟ لم يكن لدينا وثوق أو غلبة للتفاؤل. ولكن اعتقدنا أنه يمكن البدء من ثغرة الإمكان مهما كانت ضئيلة. أو على الأقلّ يمكن الانشغال بذلك مهما بلغت صعوبة الأمر ما دام منطقيًا في النظرية.

فكل ما هو منطقيّ موضوعيًا ونظريًا، وحتميّ في حسابات الحاجة يظل قابلاً للتحقيق. واعتقدنا أنه قد يكون هناك محل للتناحر الفاشيّ المتبادل في المواجهة مع الإسلام السياسي والثقافي، فلم لا؟ هذا وارد في التجربة التاريخية في الحالات التي يكون فيها الخيار هو بين الحياة والموت. واستخدام الفاشية خير من قبولها كمشروع للمستقبل أو مشروع للموت الجماعي. إن الصراعات الوجودية الكبيرة تعبّر عن نفسها أول ما تعبّر بالفرز الأيديولوجي، أي وجهة النظر المتخيَّلة لكل طرف. والمشروع القومي العربي لا يواجه وجهة نظر متخيَّلة حتى يعمل على نفيها بعقل المناهضة الأيديولوجي من جانبه. إنه يواجه مشروع نفي تخييلي عدواني يضعه مباشرة وتلقائيًا أمام حالة دفاع عن الحياة. فالقضية قضية نفي جوهر وجود قوميّ وليس شكل هذا الوجود. هذا النفي الجوهري لأي مفهوم قوميّ هو الجوهر البنيوي لمشروع الآخر. كيف يمكن في هذه الحالة إيجاد حالة تبنٍّ متبادَل كما يهلوس العقل الإجرائي لليبرالية؟ وهل هناك حّل سوى الفصل القسري للدين عن السياسة وفرض المشروع القومي العلماني بآلية فاشية تحررية؟

كيف يمكن بناء مشروع قوميّ للتنمية الاجتماعية بدون ركائز أيديولوجية ووجدانية تحقق ديناميته الحركية؟

التعامل في هذه الحالة سيكون مع بشر عاديين شديدي التعقيد المعنوي وليس مع أناس مابعد الحداثة المبرمجين ليبراليًا. فهؤلاء عادة أناس سطحيتهم أكثر عقدية من ثقافتهم ويسهل جرّهم إلى مواقف البطولة الثقافية بالجشع السياسي. أما أولئك، خاصة إذا كانوا ضحية ممتدة لتاريخ تخييلي، يسلم به الكاتب حينما يعتبر أن التاريخ الهجري هو ذاته مبدأ التاريخ العربي) سطحية ما بعد الحداثة (، فإن نفي التاريخ في حالتهم لو تحقق بجرّة قلم فإنه سيكون عبارة عن إضافة خلل وفراغ جديدين إلى حياتهم المليئة بالخلل والفراغات. مثلا، إن لهم تاريخًا يقول إنهم ابناء إسماعيل وهاجر، فإذا عرفوا بحسابات

العقل أن أي واقعة تسافد بين اثنين مهما بلغت من الهمّة الجنسية لا يمكن إحصائيا أن تحقق انقلابا عرقيا داخل قرية صغيرة. وأن هذا لا أساس له بدون أن يعرفوا المرتكبين الحقيقيين لهذه الفعلة المباركة، فمن سيكون أبوهم غير آدم وحواء شخصيًا؟

سيقول الليبراليون أن هذه مجرد نكتة فاشلة وأن القضية العرقية هي من متعلقات ما قبل التخلف. وسنقول لهم ربما كنتم على حق بمفاهيم ما بعد الحداثة بهذا الشأن، ولكن لا يحق لكم استغلال هذا الواقع التطوري المتقدم، في السياسة، لدعم مشروع العولمة الصهيوني الأمريكي الإمبريالي باستباق التطور في الشعوب التي ما تزال في مراحل الأصلانية. إن استخدام واقعها التطوري المتخلف ضدها، للطعن في براءتها ودمغها بالإرهاب “الدولي!!!”، بهدف التنكيل بها ودفعها إلى القفز فوق واقعها التطوري لتؤدي دورها في نظام العبودية المعولم. أي لتصبح مثل الفلسطينيين )الكنعانيين( بدون تاريخ كما يقول الكاتب، هو جريمة خالصة وليس سياسة مشروعة موضوعيًا.

والمذهل أن مفكرًا فلسطينيًا يمكن أن يقبل بهذه السهولة، حتى ولو كان ليبراليًا، اعتبار ارتداد المحافظين الجدد إلى الأصلانية الثقافية اليهودية جزءًا من الحداثة المعاصرة، في ذات الوقت الذي تعتبر فيه أصلانية الفلسطيني مبررًا لنفيه بالذبح حداثيًا أيضًا. ألا يعتبر هذا الفلسطيني جزءًا من حداثة اختلاقية تؤدّيها إمبرياليات العالم المتصهين ضد أصلانيته العربية والفلسطينية بالذات؟ أليس صحيحًا أن الحداثة الليبرالية والغربية عمومًا ترمينا بنفايات الحداثة التكنولوجية والصناعية والاجتماعية وتقوم بتدمير أي مشروع صناعي أو اجتماعي يسعى للحاق بركب الحداثة في بلادنا باليورانيوم المستنفذ،

كما فعلوا في العراق ولبنان؟ هل الحداثة هي صوفية الجريمة؟

عبر سلسلة من الاقحامات النظرية التي تبدو أحيانا غير ضرورية للسياق يتوصل الكاتب إلى ما يريد أن يتوصل إليه بخصوص حادثة الاغتصاب التي جرت على الطرف الغربي للمنطقة الهجرية. هذه الحادثة كانت، كما نعرف، نوعًا من الكمين استغرق تاريخا كاملا، جُرّ بعده الفلسطينيون من غفلتهم الهجرية إلى سياق محدد التفاصيل من الذبح. هذا السياق لم يتضمن حالة مواجهة واحدة حتى اليوم من جانب الضحية. وتفسير الكاتب لهذه الحادثة بعد التمهيد النظري المضطرب الذي دخل منه، أن ما قاد إليها هو بالتحديد عجز الحواضر العربية التي احتضنت النفي الفلسطيني عن احتواء الفلسطينيين

في الذاكرة المتخيَّلة للتاريخ الواحد الذي تشتمل عليه، وتعلق الفلسطينيين بالمقابل بمحليتهم التي لم يدركوا أنها عديمة الشخصية وطنيا، وأن كيانيتها تقتصر على انتمائها القومي. فالفشل القومي العربي بشقيه الحواضري والمحلى كان وراء ما حصل من اندثار القضية الفلسطينية وسقوط الجغرافيا القومية في يد التحكم الصهيوني. وشخصيًا كمتلقّ، ليس لي أي خلاف مع ما توصل إليه الكاتب. خلافي معه هو حول بعض اقتحاماته النظرية لحدود المعرفة المعلوماتية للتاريخ الفلسطيني، وحول التمايز الحواضري غير المبرَّر بين الحالة الفلسطينية والحالات القطرية الهجرية الأخرى. فكون بعض تلك الحواضر كانت مراكز خلافية هجرية لم يُضِفْ إلى مركزيتها النظامية أية حواضرية قومية بل على العكس من ذلك، عمّق من هجريتها وهجرية النظام. ولعلّ أهلية عكا أو حيفا القومية كانت وما تزال أعلى بكثير من أهلية دمشق الهجرية أو القاهرة، ربما بسبب عدم تعرّضها المباشر لوطأة الأنظمة المركزية للخلافات الشعوبية المملوكية والتركية وغيرها. وفي رأيي أن أكبر عملية تخريب يمكن أن يقوم بها المفكر أو الباحث السياسي هي الخلط المتعمد بين الثقافة الهجرية السائدة والثقافة العربية المفترضة. لقد حاول الكاتب أن يردّ الحضور الإسميّ الفارغ من المضمون للعروبة إلى أخطاء سياسية غير بنيوية، معتبرًا أن التاريخ الهجري )الإسلامي( هو ذاته التاريخ العربي. وهو تجاوز معرفي غير مقبول في علم الاجتماع والسياسة معًا. فلماذا يصر عليه الكاتب بعقلية السياسي وليس بعقلية الباحث كما هو مفترض. أعتقد أن هذا يعود إلى مقاصد مشروعه السياسي وتسويق نفسه في القمة الفكرية لشيء اسمه المشروع القومي.

هذا المشروع من وجهة نظره من المحتم أن يكون انعكاسًا لوجود الجماعة، التي تضع المشروع الاجتماعي بناءً على ذاكرتها المتخيَّلة. وهي في هذه الحالة ذاكرة هجرية عامّة. لذلك فإن تناقض مشروعه مع الثقافة الهجرية سيلغيه تمامًا، بالإضافة إلى أن أصحاب المشروع الهجري يتوقعون منه تبرئة خصوصيته الدينية من الموقف العلماني المتشدد. لأن الهجرية والعلمانية مثل طرفي الشارب لا يلتقيان طوعًا. ولإثبات موقفه يجب أن يعلن أن العروبة بدء إسلاميّ خالص لا يمكن فصل الدين فيها عن القومية أو بالعكس. وقد فعل. إن الكاتب الليبرالي العربي، أيّ كاتب، يعتقد مخلصًا أن أي مشروع

تنمويّ مصرَّح به أمريكيًا ودوليًا يجب أن يكون بالتلقائية مشروعًا عمليًا ناجحًا. لذلك يسعى إلى تهيئة نفسه لدور سياسي واقتصادي معولم. والواقع النظامي الهجري منفتح على مشروع كهذا انفتاحًا تامًا، ليس لأية اعتبارات قومية بل لاعتبارات سياسية وتعاقدية خاصة بالنظام. أي أن الواقع المرئيّ يقول إن المشروع التنموي الهجري سيكون صفقة مع الغرب، ومن أراد أن يتخذ موقعه منه فيجب أن يعقد صفقته الموازية سلفًا مع أصحاب المشروع. وهذا ما يبدو أن الكاتب يحاول فعله.

سيضمّ المشروع كما هو محتّم بندًا رئيسًا حول العلاقة الخاصة مع إسرائيل. وعلى الهجريين إذا أرادوا منحة في المشروع، أن يقوموا بإغراء إسرائيل بالموافقة على امتطائهم. هكذا بالتعبير النزيه والموضوعي! ومعناه التبعية المطلقة لمشروع لا يشاركون في وضعه، مصلحتهم الوحيدة فيه هي استمرار الحضارة الخليجية. ولفعل ذلك عليهم الاعتراف بأصلانية أرض إسرائيل وشعبها اليهودي درءًا لأي التباس. سيعني هذا بالطبع أن أصلانية الفلسطيني هي في عروبته وفي أية جغرافيا عربية. ولن

يبقى هناك مبرِّر لشيء اسمه حق العودة لأنه لن يكون هناك فلسطينيون. والأمر الثاني اعتبار العرب أن أية أصلانية في المنطقة تهدّد أمن إسرائيل واستقرارها الإقليمي وهويتها الأصلانية الإضافية، ولو كلاميًا، إرهابًا يهدد سلام العالم، وعلى العرب أن يثبتوا استعدادهم لمحاربة الإرهاب الإيراني مع بقية العالم. هذا هو ملخص المشروع الليبرالي الغربي الصهيوني بما يخصّ الهجريين، وهو مشروع الكاتب القومي أيضًا مثله في ذلك مثل ملك السعودية، بادئاً بالتبني ومنهيًا بالقناعة العملية. وهو يفسر كل ما يقوله الكاتب ومن ضمن ذلك أسباب تشنجه عند أي حديث عن الكنعانية وشعوب المنطقة القديمة التي تفترض أن تشكل مرجعية تاريخية لا بد منها للتاريخين العربي العام والفلسطيني الوطني. أي مشروع هوية غير الهوية الهجرية سينسف المشروع الليبرالي للغرب وللكاتب من أساسه. لا وطنية ولا قومية ولا هوية في منطقة المشروع إلاّ لإسرائيل.

وأعترف أن هذا السجال أصبح الآن بدون مضمون سياسي. فقد استطاع المشروع الإمبريالي الصهيوني أن يحسم الأمر لصالح الإسلام الهجري المعتدل (عرب الاعتدال)  على حساب المشروع القومي الذي أبيد في مصر والعراق إبادة تامة، وهما بلدا التجربة القومية الواضحة، واستطاع أن يحاصر حركة المقاومة ميدانيًا في العراق بطائفية المالكي والهاشمي – سياسيًا، وبحركة “هجريّي الإخوان المسلمين” العميلة لعدة جهات محلية ودولية – بنيويًا. في اعتقادي أن الحسم قد تحقق لصالح مشروع الإبادة القومي

المشترك بين الغرب والصهيونية والإسلام السياسي. ولا فائدة الآن من أي نقاش سوى توثيق تاريخ المنهزمين والرياضة التنظيرية. على هذا الأساس وحده الآن، وليس داخل أي اقتراح عمليّ أريد أن أدافع عن الحق الكنعاني المظلوم الذي كنت مرة واحدًا ممن دعوا إليه ودافعوا عن موضوعيته كطرح للتأصيل الثقافي الفلسطيني ولاءً للتاريخ الحقيقي وللقضية الوطنية والقومية بدون الفصل بينهما كبنية واحدة.

لم تعد الكنعانية تشكل الذاكرة المتخيَّلة للكنعاني الذي تحوّل إلى هجري. هذا صحيح بمدى أكثر مما هو حتى في علاقة الشعوب العربية الأخرى بأسلافها من البابليين والآراميين والفينيقيين وغيرهم.

وذلك لأن القطع بين التاريخ وأي وجود فلسطيني كان دائمًا مركز العقيدة الدينتاريخية لليهودية التخييلية ممثلة في الإسلام والمسيحية. ولكن ليس من المستحيل النظري أو العملي في التناول العلماني للتاريخ إحياء الحقيقة الكنعانية للشعب الفلسطيني وتأصيل الهوية الفلسطينية كأحد حواضر العروبة المؤسسة في المنطقة العربية. فالكنعانية ليست غفلاً تاريخيًا أو حضاريًا أو أحاديّ السياق كالتاريخ اليهودي أو الأمريكي. لقد أنجز الكنعانيون أهم قفزة معرفية في الحضارة العالمية حينما كتبوا الصوت. وأبدعوا في العمل الزراعي لتصبح كنعان أرض السمن والعسل في شغف الغرباء.

والمعلم الأوغاريتي يجعل من الأرشيف الوثائقي والإبداعي للكنعانيين أطول من تواريخ دول سايكس بيكو ربما بآلاف المرات، ومن التاريخ الأمريكي بملايين المرات. فمن هو بقطعية الانتماء، صاحب هذه الثروة التراثية والذاكرة المشهدية الفاخرة التي أسفرت أخيرًا عن نفسها للناظرين؟ أين هو الموقع الفلسطيني الذي يخلو من أركيولوجيا كنعانية أو يبوسية؟ وأين هو البيت الفلسطيني الذي يخلو من آثار الذاكرة الكنعانية المنسية في وجدان السلوك العملي والإبداع والمأكل والملبس والمشرب؟ فما هو الغريب في محاولة وصل الذاكرة بمنبعها الحقيقي خاصة وأنها السبيل المنطقي والشرعي الوحيد للخروج من ورطة الهجنة والضياع الهجري؟

هناك حاجة لاستعادة هوية الاجتماعية العربية عمومًا على أسسها السليمة والشرعية تاريخيًا. بدون هذا ستظل هذه الاجتماعية حالة تسوّق فرديّ لثلثمائة مليون من البشر يمارسون التزامًا باللاوعي ومعاداة الذات داخل قناعة أيديولوجية بدون حركة وبدون هوية. فأين نضع ثقافتنا القومية إذن إذا لم نضعها في سياقها الحقيقي الوحيد؟ من كان السكان الأصليون في هذه البلاد قبل الفتوحات الهجرية؟

من كان يسكن حيفا ويافا وعكا وقرى الجبل والسهل ويحرث الأرض ويزرعها. هل كان جنود روما أم اليهود يفعلون ذلك؟ لقد أسمت الخلافة في التقسيم الإداري بلاد كنعان وفلسطين بيت المقدس )بيت ه/مِقدَش(. واختفت المواقع الفلسطينية كلّها تحت هذه التسمية حتى وصلت إلى مفاوضات أوسلو، وأصبحت القدس، وهي أقل المواقع شأنًا في التاريخ المدني الكنعاني، محور جغرافيا التفاوض الفلسطيني، ومؤخرًا عاصمة لثقافة عربية غير قائمة. أي أصبحت عاصمة للثقافة الهجرية التي تكرّس حلم الاقتحام التوراتي.

وأجمل ما في نصّ الكاتب تلك المرثية الحزينة التي استبق بها إعلان اندثار الفلسطينوية تاريخيًا.

تبدأ المرثية بتساؤلات النفي التي تعد من أكثر التشكيلات اللغوية رهافة في الإبداع الشعري والنثري أيضًا: ما هو التاريخ الفلسطيني؟ أين هو في الذاكرة؟ من أين بدأ؟ من أين يجب أن يبدأ اليوم؟ وينتهي هذا التمهيد المؤثر بمرثية للقرية والمدينة الفلسطينية، أي الذاكرة الفلسطينية في التجليات المتخيَّلة التي لم تستطع الصمود أمام المدينة الوافدة والقرية التعاونية المفعمتين بعراقة التاريخ (المتخيل)!.

وسواء بحق أو بدون حق، فهذا غير مهمّ كما يقول الكاتب. عندما تشرّد الفلسطيني لم يكن لديه ذاكرة يأخذها معه غير الحنين إلى مكان بدون شخصية محددة (قومية مثلاً). وقد فشل الفلسطيني المشرد في علاقته الجديدة بالمدينة العربية التي لجأ إليها، وانشغل عوضًا عن الاندماج في مشروعها القومي المفعم أيضًا بالذاكرة المتخيَّلة، أي بالتاريخ، مقابل فلسطينه التي هي بدون تاريخ سوى كجزء من بلاد الشام أو الخلافة الإسلامية. ولم يجد الفلسطيني متعلقا عمليًا أي تاريخيًا للذاكرة سوى الحنين إلى تاريخ فولكلوري تخييلي ليس له وجود. وليس المهمّ كون هذا الكلام صحيحا أو غير صحيح فهو مجموعة شذرات فكرية غير مترابطة تشكل غاية لذاتها بدليل غربتها الواضحة وتطفلها على السياق؛ وإنما المهمّ أنه إعلان واضح من جانب الكاتب عن اندثار الجماعة الفلسطينية والجسد الاجتماعي (لحواضر السكن)! من مدن وقرى فلسطينية غرقت نهائيًا في الحواضر العبرية ولم تعد مبرَّرة كذاكرة حتى للفلسطيني ذاته. لذلك على الفلسطينيين، إذا أرادوا بناء هويتهم الطارئة، أن يتفرقوا في عربات الالتزام القومي، ولا يركبوا عربة الحنين إلى فلسطين ليطبخوا أكلاتهم التراثية المفضلة ويرددوا الأغاني الفولكلورية المثقلة بشجن الذاكرة المنسية ويندثروا كفينيقيي طروادة.

هذه القصيدة الملحمية لاندثار الشعب الفلسطيني، لعدم استطاعته تقديم أوراقه الثبوتية للباحث، يجب أن تصبح هي بداية التاريخ الفلسطيني ويصبح الكاتب صاحب الفضل في تأسيسها. لم نسمع الكاتب مرّة واحدة يترافع بمثل هذا الحماس ضد التاريخ اليهودي التخييلي بالكامل، والذي أسفر عنه حلم اقتحام الرعويين لبلاد فاخرة كعروس الآلهة كان اسمها أرض كنعان. فلنفترض إذن أننا أمام تجربة هومريّة جديدة تندثر فيها المدينة ولكنها تعيش من خلال الشاعر، فلماذا يختلف الأمر بالنسبة لكنعان فتموت المدينة ويحيا من خلال الشاعر رعاة شغف الاقتحام على مشارفها البعيدة. كل شيء يُكتب له العيش في مرثية تاقومي الليبرالي عدا كنعان. ليس لأنها ميتة كطروادة ولكن لأنها حية يجب أن تموت لتقوم المدينة الهجرية العظيمة التي يحلم بها الشاعر. المدينة التي يكون عضوًا في بلديتها بوعد من الممولين. اقرأوا هذه الفقرة الحية، لتدركوا ذلك اللقاء بين الكاتب وكل علمانيي الصهيونية الليبراليين الذين يخجلون من الترافع بالحق التوراتي، فيستعيضون عن ذلك بسجل مزيّف للتاريخ المدني:

“كما أن تاريخ فلسطين هو تاريخ كل من مرّ فيها بما في ذلك الكنعانيين واليبوسيين وأنبياء إسرائيل ) محاولة تسلل حذرة ستتوضح أكثر بعد قليل – أحمد( الذين تفترضهم الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية. لكن تاريخ فلسطين الفلسطيني )تاريخ متعدّد الهويات( يبدأ مع بداية تشكل الوعي القومي الفلسطيني، أي وعي وجود المجتمع الفلسطيني المتواصل والمستمر في آن )متى كان ذلك؟

( عند ذلك توضع نقطة البداية ومنها الاستمرارية إلى الحاضر. أمّا تراث فلسطين فهو كل التراث بما فيه تراث الكنعانيين والعبرانيين واليبوسيين )إشارة ذكية في السياق. 

نريد أثرًا مدنيًا أو عسكريًا واحدًا لوجود اليهود على الأرض الكنعانية عدا وجودهم الطقسي المتأخر حول يبوس(. ومصادرة واحتكار أنبياء إسرائيل إسرائيليًا مثل إقصائهم فلسطينيًا، تعبير أيديولوجيّ عن مصلحة حاضرة ) ما داموا إسرائيليين فلماذا يجب اقتسامهم مع الآخرين؟ رسالة ذكية أخرى. فإسرائيليو فلسطين فلسطينيون(. والرد على الميثولوجيا الصهيونية وحفرياتها وعلى إعادة الأسماء العبرية) يقصد الأسماء التوراتية. لم يكن هناك أسماء عبرية في كنعان. 

رسالة (القديمة للأماكن والقرى والمدن بميثولوجيا فلسطينية كنعانية هو مجرد اغتصاب للذاكرة) 

أية ذاكرة ولمصلحة من؟ يبدو أن الكاتب منغمس في لعبة المحاصصة إلى درجة تصديق نفسه (لا يطال قلوب الناس وعقولهم. إنهم فلسطينيون عرب مسلمون ومسيحيون) ماذا كانوا قبل اليهوسيحية؟ هل المقصود أنهم كانوا قدماء الإسرائيليين من بقايا إمبراطورية سليمان؟

رسالة (يتمسكون بأرضهم ليس لأنهم يشكلون أمّة منذ بدأ التاريخ،) ولماذا لا يكونون كذلك قطعا؟ رسالة جديدة (بل لأنهم يعيشون عليها ويتواصلون مع طبيعتها ومناخها) هل هذا دليل على انهم لم يكونوا أمّة. وصلت الأمور حد اقتحام العقل (. قد يبدأ تاريخهم بالفتح الإسلامي أو بمحاولات توحيد بلاد الشام حديثًا) أي بعد مشروع الهلال الخصيب البريطاني (أو بالمواجهة مع الصهيونية الوافدة، لكنهم يشكلون اليوم شعبًا تقع فلسطين في مركز ذاكرته التاريخية) والمقصود بالشعب، الكنعانيون والعبريون واليبوسيون. فهذه هي الذاكرة التاريخية التي اعترف بها الكاتب(إقحامات واقتحامات وتقحّمات….) بعضها صحيح ولكن كلها تؤدي توظيفًا له مهمّة واحدة؛ مهمّة إعلان الاندثار الفلسطيني نيابة عن اللجان الأكاديمية للاستشراق والصهيونية.

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

 إعداد: مسعد عربيد وعادل سماره