في كتابه «المجاعة: إيرلندا والهند والصين والإمبراطورية البريطانية» (Famine: Ireland, India and China, and the British Empire ـــــ نشر مستقلّ)، يُعيد توني ميلن موضعة المجاعة في قلب الفعل السياسي/ العسكري لا البيئي/ الإداري.
سعيد محمد
23 آب 2025

في كتابه «المجاعة: إيرلندا والهند والصين والإمبراطورية البريطانية» (Famine: Ireland, India and China, and the British Empire ـــــ نشر مستقلّ)، يُعيد توني ميلن موضعة المجاعة في قلب الفعل السياسي/ العسكري لا البيئي/ الإداري. ينقل الجوع من كونه كارثةً طبيعية في بيئة جغرافيّة معينة أو خللاً للنظام الاقتصادي فيها إلى ندرة مصطنعة، تنفّذ عبر سلسلة من الجهود الإجرائية المنظمة، كإستراتيجية سلطة، وأداة حُكم تعكس العلاقة المختلّة بين المركز الاستعماري والأطراف التابعة.
وفقاً لقراءة تاريخية، يفكّك الكتاب مفاصل السياسة التي أمكن عبرها للإمبراطورية البريطانية تحقيق أمنها الغذائي وتعظيم ثروتها الهائلة عبر نشر المجاعة، وسط وفرة المحاصيل التي تُصدَّر إلى لندن.
فـ «العوز» ــ وفقاً لميلن ـــ لم يحدث لأن الغذاء لم يكن موجوداً، بل لأن السلطات تستولي على فوائضه أو تعرقل تداوُله. في إيرلندا مثلاً، قضى مليون إنسان جوعاً بين عامَي 1845 و1847 بعدما منعت سلطات الاحتلال البريطاني المزارعين من استهلاك ما يزرعون على إثر انهيار محصول البطاطا الذي يُعد غذاءً أساسياً للسكان المفقرين هناك. استمر في ذات الوقت تصدير اللحوم والزبدة الفاخرة إلى إنكلترا في نموذج مكتمل لاقتصادٍ مصمّم للتجويع يقوم على تكثيف النقص ضد مجموعة مستهدفة لتحقيق غايات سياسية من بينها: الضبط السكاني، وتصفية المقاومة المحلية، وتعزيز أرباح رأس المال في المركز.
سلكت حكومة مجرم الحرب وينستون تشرشل مساراً مشابهاً في البنغال عام 1943، عندما منعت تصدير القمح الأسترالي، المتوافر بكثرة، كسلاح إستراتيجي لكسر إرادة مستعمرة متمردة بحرمانها من المادة الأساسية للطعام. أمر تسبّب في مقتل ما يقرب من أربعة ملايين إنسان قضوا من الجوع والأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
مع أنّ ميلن يقدم أطروحته عبر محاكمة النهج التاريخيّ للإمبراطورية البريطانية في التجويع، فإنّ نصّه يُسعفنا في قراءة أزمنة الحصار المعاصر من اليمن مروراً بالعراق وسوريا إلى غزّة. إذ تُستخدم السيطرة على الموانئ والممرات البحريّة، والمطارات، والحدود ومصادر الثروة بهدف فرض الطاعة السياسية، وإسقاط الأنظمة المناهضة للهيمنة، وتصفية أفق المقاومة للاحتلالات الأجنبية. والدرس الأوضح من الكتاب أنّ الآليات تغيّرت لكن البُنى لم تتبدّل: الضرائب والجمارك في القرن التاسع عشر حلّت محلها عقوبات مالية ومعابر مغلقة في القرن الحادي والعشرين. والمحرّك واحد: إخضاع السكان عبر جعل اللقمة امتيازاً للخاضعين، وليس حقاً للمواطنين.
يتوقّف ميلن طويلاً عند دور الشاهد على المجاعة: الصحافي، أو المُثقف، أو حتى المؤرخ الذي يدوّن الحكاية بعد عقود. يشير إلى هشاشة الخط الفاصل بين «التوثيق» و«الاستهلاك البصري»؛ فالصور الصادمة قد تُستعمَل لإيقاظ الضمائر الغافية، لكنها تظل عاجزة عن نقل شعور الجوع والعجز الفردي في مواجهة القرارات السياسية. وقد تتحوّل أيضاً إلى محض سلعة عاطفية تُعيد إنتاج لا مبالاة المتلقّي بعد إشباع فضوله الآنيّ.
ومن هنا تتبدّى حيوية امتلاك لغة مقاومة جذريّة ومصطلحات تعبيرية تُعيد مركزة الفعل السياسي خلف المشهد البيولوجي، فلا تختزل الجوع في صور الأطفال الهامدين، بل تربطه بقرارات الحكومات، وتواطؤ «المجتمع الدولي»، وانصياع القادة العسكريين للقائمين على القرار السياسي بتنفيذ قرار الإبادة بالتجويع.
يجادل ميلن بأنّ المجاعة التي تعدّ «جريمة مع سبق الإصرار السياسي»، تتطلّب مساءلةً تتجاوز مسألة الإغاثة الإنسانية. إذ لا يكفي إرسال شاحنات الدقيق وإلقاء صناديق الطعام من الطائرات من دون كسر البنية السياسية/ العسكريّة التي تجعل الدقيق نفسه رهينةً. وما لم يتحوّل النقاش من «إغاثة الجائعين» إلى تحريض على «تفكيك بنيوية العنف»، يصبح الإعلام جزءاً من آلية التبرير، ويظلّ الجائع موضوع استدعاء للشفقة من دون صوته كفاعلٍ سياسي.
يقول ميلن إنّ لندن دافعت في البداية عن إجراءاتها التي أدت إلى موت الملايين في البنغال، ثم حاولت تبريرها. بعدها، حاولت التقليل من تأثيرها وأعداد الضحايا. وفي النهاية ألقت باللوم على المقاومين. إنّ استعادة التاريخ الذي يكشف مسؤولية السلطات – سواء كانت إمبراطورية بريطانية، أو نخبة أميركيّة، أو مستعمرة عبريّة —هو دائماً الشرط الأول لردّ الاعتبار للضحايا، ولإحباط الدورة الأحدث من الموت المؤدلج عبر إدانة الفاعل من دون لجلجة.
:::::
موقع “الثقافة المضادة” وصحيفة “الأخبار”
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.