(1)
احتجاجات شعبية متصاعدة في المغرب: خلفيات، ودلالات؟
موسى العزب
في الأسبوع الثاني للإحتجاجات الدامية في المغرب، مجموعة ”جيل زد 212″ والتي تضم حوالي 150 ألف مشترك على شبكتها، وتصف نفسها بأنها من: “الشباب الحر” غير المنحاز سياسيا، تعلن عن إستمرارها بالإحتجاج، مع بلورة أفكار سياسية جديدة.
وهكذا تواجه المملكة المغربية موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشبابية منذ 27 أيلول، قُتل خلالها ثلاثة أشخاص على يد رجال الدرك، وجرح وإعتقل المئات.
وتأتي المظاهرات التي نظمتها مجموعة “الجيل زد 212” منذ بداية الأسبوع الماضي في أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في منتصف أيلول في عدة مدن، عقب وفاة ثماني نساء حوامل خلال فترة أيام قليلة، بعد خضوعهن لعمليات قيصرية في مستشفى أغادير الحكومي.
وقد كشفت هذه الوفيات المأساوية عن “انهيار تام للنظام الصحي العام”.
وبعد أعلان مقتل ثلاثة أشخاص على يد قوات الدرك، أعلنت مجموعة الشباب المغربية التي تم تشكيلها مؤخرا عن مظاهرات “سلمية” جديدة في المملكة يومي الخميس والجمعة 2 و3 تشرين الأول، للمطالبة بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والبدء بخطوات عملية لمكافحة الفساد..
ومع تصاعد الإحتجاجات، والمشاركة الشعبية الواسع، دعت الحركة التي شكلت مؤخرا، إلى استقالة الحكومة ليلة الخميس إلى الجمعة. وقالت في بيان موجه إلى القصر: “نطالب بحل الحكومة الحالية لفشلها في حماية الحقوق الدستورية للمغاربة وتلبية مطالبهم الاجتماعية”، كما دعت إلى “عملية قضائية عادلة” لمقاضاة المسؤولين عن الفساد.
قد يُذكرنا إسم المجموعة, وأسلوب إنطلاقتها بحركات شبابية أخرى نشطت في الأسابيع الأخيرة، في نيبال وإندونيسيا ومدغشقر خاصة فيما يتعلق بإستعمال الفضاء الإلكتروني، والتحريض على الشبكة الإفتراضية، إلا أن الحالة المغربية بدت وكأنها تمتلك عناصرها الخاصة؛ هؤلاء الشباب، الذين يجتمعون بانتظام على تطبيق ديسكورد، متأثرون بما يحدث حول العالم، إلا أن الحراك الشبابي المغربي يحمل شعارات وأهداف واضحة ومحددة تهم جميع المواطنين، ومن صلب عملية التغيير الإجتماعي الديمقراطي.. “كالصحة والتعليم ومكافحة الفساد”.
توضح المجموعة رفضها “للعنف” وتقود هذه الحركة انطلاقًا من “حبّها للوطن ومصالحه الحيوية”، إلا أنها تعبر عن استياء مجتمعي وشعبي شديد تجاه الخدمات العامة الأساسية، وتدني سياسات الحوكمة وإنعدام الشفافية في استخدام المال العام، ومن الفقر والبطالة المتفشية في صفوف الشباب. ويختصر أحد الناطقين بإسم المجموعة الوضع العام بكلمة: “الحقرة” وهي مصطلح يعبر عن حجم الإحتقار وعدم الإهتمام الحكومي بحاجات الطبقات الشعبية المفقرة العادلة.
تشكو الحراكات من السياسات الإجتماعية والإقتصادية الليبرالية الفاسدة للحكومة، التي تبدد مقومات الشعب المغربي في أمور ثانوية، وتُستحضر في هذا المجال الاستعدادات القائمة لكأس الأمم الأفريقية نهاية العام، وجزء من مباريات كأس العالم 2030. حيث لوحظ من بين شعارات المتظاهرين: “الملاعب جاهزة، لكن أين المستشفىات؟”.
ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة تجديد ستة ملاعب حوالي 900 مليون يورو، بينما تبلغ تكلفة بناء الملعب الكبير للدار البيضاء 470 مليون يورو، وفقا للصحافة المغربية. وقد اعتبر البعض هذه الاستثمارات الضخمة ظلما، في وقت يعاني فيه ما يقرب من 36% من الأشخاص دون سن 24 عاما من البطالة، وفقا للمندوبية السامية المغربية للتخطيط.
من جانبه اتهم المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية يوم الأربعاء المتظاهرين باستخدام “الأسلحة البيضاء وقنابل المولوتوف والحجارة”، و”إقتحام مكاتب حكومية، وفروعًا مصرفية ومحلات تجارية.. ونهبوها وعبثوا بمحتوياتها”، مشيرا إلى إصابة مئات الأشخاص “بدرجات متفاوتة” من بين عناصر الأمن والمتظاهرين.
كما صرح رئيس الوزراء عزيز أخنوش، في خطابه الأول منذ انطلاق الحركة: “سجلنا للأسف وفاة ثلاثة أشخاص” بعد “الأحداث المؤسفة التي شهدناها خلال اليومين الماضيين”. ولمح بأن هؤلاء الأشخاص قد قُتلوا على يد رجال الدرك “دفاعًا عن النفس” أثناء محاولتهم “اقتحام” لواء درك جنوب البلاد.. هذه التصريحات لم تحقق غاياتها، رغم تأكيد رئيس الحكومة؛ عزيز أخنوش، -وهو رجل أعمال تبلغ ثروته 2 مليار دولار، شارك لأول مرة في حكومة حزب العدالة والتنمية، التي ترأسها سعد الدين العثماني- أنه تابع “التطورات المؤسفة التي شهدها اليومان الماضيان”. وأكد أن حكومته “تفاعلت مع مطالب الشباب وأعلنت استعدادها للحوار معهم..!!”ومن جانبه أقر وزير الصحة أمام البرلمان مساء الأربعاء عن البدء بإجراء العديد من الإصلاحات الصحية في المغرب، لكن كل هذه الوعود لا تزال غير كافية، ولا ترتقي إلى المطالبات السياسية والتشريعية للحراك.
وإستمرت مجموعة “جيل زد 212” بالدعوة إلى استقالة الحكومة كأولوية. وفي بيان موجه إلى القصر طالبت: “بحل الحكومة الحالية لفشلها في حماية الحقوق الدستورية للمغاربة والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية”، داعيةًأيضا إلى فتح “مسار قضائي عادل” لمحاكمة المسؤولين عن الفساد، كما نددت المجموعة بالحكومة التي فشلت في “حماية الحقوق الدستورية للمغاربة، ولم تستجب لمطالبهم الاجتماعية”.
ورغم أن الحكومة قد أجازت مسيرات “سلمية” لأول مرة في تاريخها، فقد جمعت التظاهرات مئات الشبان في طنجة وتطوان. ورغم نداءات المنظمين، فقد اندلعت أعمال عنف، لا سيما في سلا، المدينة التوأم للرباط، حيث أشعل أشخاص ملثمون النار في مركبات حكومية وفروع بنكية، ومنشآت إدارية، وفقا لوزارة الداخلية..
الشباب يتظاهر في الشارع ويؤكد على المطالب الشعبية، والحكومة تناور، والهوة تتسع بين المتظاهرين والنخبة السياسية.
:::::
صفحة موسى العزب
erodntSpsog1ug3u99uh3h54126g5ca0202993732igu6im4l42m6c8c4fli ·
(2)
هل يمكن تغيير الوضع في المغرب بتغيير الحكومة أو رئيسها؟
رفيق زروال
5 اكتوبر 2025
هذا السؤال قفز مجددًا إلى السطح في ظل موجة الاحتجاجات الشعبية التي تعمّ المغرب، والتي خلّفت قتلى ومئات المعتقلين، وتصاعدت معها الدعوات إلى تغيير رئيس الحكومة أو الحكومة كاملة. هذه الدعوات، سواء صدرت عن أبواق النظام من أفراد وأحزاب ومؤسسات تدور في فلكه، أو عن أطراف تتوهم إمكانية الإصلاح من الداخل، أو عن فئات تجهل طبيعة النظام المغربي، تُعيد إنتاج نفس الوهم: تحميل الحكومة المسؤولية وتقديم تغيير الواجهة كحل للأزمة.
هذا السؤال يحيلنا إلى سؤال جوهري آخر: هل فعلاً الحكومة و رئيسها هم من يُديرون الحكم بالمغرب؟ أم أن هناك سلطة فوقهم تُوجّه وتُقرر وتُراقب؟
1. يجب أن نُسمي الأشياء بأسمائها
لن نخوض في تاريخ الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال الشكلي، ولا في تحليل البنية الاجتماعية والسياسية للنظام، بل سنعتمد مدخلًا مباشرًا: دستور 2011، الذي يُقدّمه المدافعون عن النظام و”معارضته” كإنجاز ديمقراطي أسّس لـ”عهد جديد لدولة الحق والقانون”، بينما هو في الحقيقة دستور ممنوح كسابقيه، صيغ في القصر لامتصاص غضب حركة 20 فبراير، دون أي مشاركة شعبية أو مساءلة للسلطة الحقيقية في البلاد.
1.1 الملك هو مركز القرار… بالدستور
من يقرأ دستور 2011 الممنوح بتمعّن يدرك أن الملك يحتفظ بصلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية تجعل منه الفاعل الأول والأخير في الدولة:
الفصل 42: رئيس الدولة، ضامن دوامها واستمرارها.
الفصل 49: يترأس المجلس الوزاري، حيث تُتخذ القرارات الاستراتيجية.
الفصل 53: القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.
الفصل 55: يعتمد السفراء ويصادق على المعاهدات.
الفصل 56: يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
كل هذه الصلاحيات تُثبت أن الملك يُدير السياسة، الأمن، القضاء، والدبلوماسية، بينما رئيس الحكومة لا يملك سوى صلاحيات تنفيذية محدودة، مشروطة بموافقة القصر.
1.2 رئيس الحكومة: واجهة بلا سلطة
الفصل 47: الملك يُعيّن رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، ويحتفظ بحق تعيين الوزراء وإعفائهم.
الفصل 51: يمكنه إعفاء أي عضو من الحكومة دون الحاجة إلى اقتراح من رئيسها.
رئيس الحكومة لا يملك سلطة حقيقية على فريقه، ولا يستطيع اتخاذ قرارات جوهرية دون المرور عبر القصر. إنه مجرد موظف سامٍ يُنفذ التعليمات الملكية، لا أكثر.
وهذا إذا سلمنا أصلًا بوجود انتخابات حقيقية وأحزاب مستقلة. فالكل يعلم أن النظام خلق أحزابه، بما فيها “معارضته”، وروض كل من حاول الخروج عن خطوطه المرسومة، إما بالقمع والحصار، أو بالتدجين والدمج في لعبته السياسية. وفي كل الأحوال، لتُنشئ حزبًا في المغرب، يجب أن تُسلّم بـ”المقدسات”، وعلى رأسها الملك والملكية.
2. الملك واحتكار الاقتصاد المغربي
الملك لا يحتكر فقط القرار السياسي، بل يُسيطر أيضًا على مفاصل الاقتصاد الوطني، عبر شركاته واستثماراته وثروته الشخصية:
2.1 حجم الثروة
وفقًا لتقرير Daily Express البريطاني (2024)، تُقدّر ثروة الملك بـ2.1 مليار دولار، ما يجعله أغنى ملك في إفريقيا، متفوقًا على الملك البريطاني تشارلز الثالث.
2.2 الذراع الاقتصادية: مجموعة المدى (Al Mada) و SIGER
مجموعة المدى (SNI سابقًا) هي صندوق استثماري ضخم يُسيطر على قطاعات استراتيجية:
البنوك (BMCE)
الاتصالات (اتصالات المغرب)
التأمين (Saham سابقًا)
الصناعات الغذائية (Centrale Danone، Lesieur Cristal)
العقار، الطاقة، التوزيع التجاري
شركة SIGER هي الذراع المالية الخاصة بالعائلة الملكية، وتُدير ممتلكاتها واستثماراتها المباشرة.
2.3 الاستثمارات الخارجية
توسع في إفريقيا جنوب الصحراء عبر البنوك والاتصالات، وممتلكات أخرى متنوعة خارج المغرب تُقدّر بملايين الدولارات.
2.4 ميزانية القصر
تُدرج ضمن “النفقات السيادية” في قانون المالية، وتُقدّر بـ2.5 مليار درهم سنويًا (حوالي 250 مليون دولار). تشمل رواتب الموظفين الملكيين، صيانة القصور، الرحلات، ونفقات البروتوكول. والأهم أنها لا تخضع لأي رقابة، ولا يُسمح حتى بمناقشتها شكليًا داخل البرلمان.
2.5 تحكم في الثروات الطبيعية
الفوسفاط: المغرب يملك أكبر احتياطي عالمي، ويُديره المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) تحت إشراف مباشر من القصر. في حين لا يزال الفلاحون الفقراء يستعملون أدوات بدائية (روث البهائم) كسماد، بسبب غلاء الأسمدة المصنعة في المغرب والمعدة أساسًا للتصدير. حال الفلاحة وتكاليف المنتجات الفلاحية في السوق المغربية يُظهر ذلك بوضوح.
الذهب والمعادن: تُستغل عبر شركات شبه عمومية مرتبطة بمصالح نافذة كمجموعة “مناجم”. جلها مباع مسبقًا قبل استخراجه، وتُكنز الأموال العائدة منه في بنوك سويسرا وغيرها، فيما تبقى المناطق التي تُستخرج منها هذه الثروات مهمّشة ومحرومة.
الثروات السمكية: تُمنح امتيازات لشركات أجنبية في إطار اتفاقيات دولية، أبرزها مع الاتحاد الأوروبي، دون أي شفافية، مما جعل المواطن المغربي غير قادر على مواكبة أثمانها الخيالية في السوق المحلية.
2.6 ربط الاقتصاد المغربي بالخارج
العلاقات الاقتصادية تُدار غالبًا عبر القصر، لا الحكومة:
فرنسا: الشريك التجاري الأول، واستثمارات ضخمة في البنوك والعقار والتعليم.
الولايات المتحدة: اتفاقية التبادل الحر، واستثمارات في الطاقة والصناعة.
“إسرائيل”: بعد التطبيع مع الكيان الصهيوني عقد اتفاقيات تعاون في التكنولوجيا، الأمن السيبراني، والفلاحة.
الملك يُحدد التوجهات الاقتصادية في خطاباته، ويُشرف على المشاريع الكبرى، مما يجعل الاقتصاد المغربي رهينة لإرادة القصر، لا لسياسات حكومية منتخبة.
كما يمتلك أو يستخدم ما لا يقل عن 12 قصرًا ملكيًا رسميًا داخل المغرب، تُموّل من الميزانية العامة، إضافة إلى ممتلكات فاخرة خارج البلاد تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات.
3. الحركات الاحتجاجية والتغيير
الأكيد أن الدفع بمثل هذا الموقف، أي الانتقال من مطلب تغيير أشخاص، سواء كانوا وزراء أو موظفين “سامين”، إلى ضرورة التغيير الجذري للنظام ككل، سيصطدم بترسانة من الأبواق، سواء من داخل النظام نفسه عبر أدواته البوليسية والأيديولوجية، أو عبر أحزابه، بما فيها “معارضة صاحب الجلالة” و القوى الظلامية المتأسلمة. كما سيصطدم بتراكمات من الجهل، التي عمل النظام على ترسيخها، كالمعزوفة: “الملك ضامن استقرار البلاد”، أي بمعنى آخر، ضامن استمرار الاستبداد والفساد.
لذلك، فإن مهمة العمل و خوض الصراع السياسي والأيديولوجي ضد هذه الطروحات، موكولة لكل المناضلات والمناضلين المخلصين والشرفاء، من أجل الارتقاء بالمواقف السياسية للحركة الجماهيرية، والانتقال من مطلب تغيير هذه الحكومة أو تلك، أو إقالة هذا الموظف أو ذاك، إلى تفعيل الشعار التاريخي الذي رُفع في المظاهرات والانتفاضات الشعبية التي عاشها المغرب ومجموعة من الدول: “الشعب يريد إسقاط النظام”، أي القضاء على نظام الاستبداد والعمالة.
نحن واعون بأن هناك فرقًا شاسعًا بين رفع الشعار وتفعيله، بما يتطلبه هذا التغيير من خلق أدوات تنظيمية وسياسية قادرة على تأطير الحركات الاحتجاجية، والارتقاء بها إلى زخم ثوري، ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي واضح، يمكن من مواجهة هذا النظام وفيالقه القمعية والأيديولوجية، وأحزابه ونقاباته…
لكن المؤكد أن تحديد العدو الحقيقي، والمسبب لكل هذه الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب المغربي، سيكون حجر الزاوية في بناء هذا الوعي الشعبي الجماهيري، لتوجيه البندقية نحو الهدف الحقيقي.
عاشت نضالات الشعب المغربي
المجد والخلود للشهداء
والحرية لكل المعتقلين السياسيين
:::::
صفحة Rafik Zeroual
dSoertsopn0g4i1099g098699m8gha13fg5316it91hh4lif124l15c6m502 ·
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
