زيارة الشرع إلى موسكو: بين الواقعية الروسية وإعادة تعريف الصداقة السورية

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

22 أكتوبر 2025

مقدمة

تتناول هذه الدراسة قراءة في أبعاد زيارة أحمد الشرع إلى موسكو، استنادا إلى التحليلات المنشورة في الصحف الروسية بعيد الزيارة، مع التركيز على الخلفيات الدبلوماسية، والمنطق الإستراتيجي لموسكو تجاه دمشق، وكذلك المواقف الرسمية وغير الرسمية التي انعكست في الإعلام الروسي. تهدف الدراسة إلى تقديم قراءة متوازنة، محايدة، تعكس وجهات النظر الروسية المختلفة حول هذه الزيارة، وتفسير الرسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية التي حملتها.

1. السياق السياسي للزيارة

زيارة أحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية المؤقتة أو “رئيس المرحلة الانتقالية”، إلى موسكو في منتصف أكتوبر 2025، تأتي في سياق تحولات داخلية وإقليمية هامة في سوريا. فبعد سقوط النظام السابق بقيادة بشار الأسد وفق التقييمات الغربية، انطلقت عملية إعادة ترتيب السلطة السورية، مع ظهور شخصيات انتقالية جديدة تتولى مهام الحكم والإدارة السياسية.

كما كتب الباحث الروسي أريشيف في موقع The Expert، فإن موسكو تنظر إلى دمشق الجديدة بعين الواقعية، مستندة إلى مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، والتي تشمل إستمرار عمل قواعدها العسكرية في كل من طرطوس وحميميم، وفتح آفاق تعاون عسكري ولوجستي في المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا. هذه المصالح، بحسب أريشيف، تتجاوز الإعتبارات الإيديولوجية أو الرمزية، وتركز على الحفاظ على وجود روسي مؤثر في الشرق الأوسط بعد التغيرات الأخيرة في النظام السوري.

من منظور دبلوماسي رسمي، تعكس زيارة الشرع إلتزام موسكو بالإستمرارية في العلاقات مع سوريا. فحسب تقرير موقع الكرملين الرسمي، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن العلاقات بين موسكو ودمشق تاريخية وتقوم على الصداقة والإحترام المتبادل، مع التأكيد على أن روسيا لم تتصرف أبداً تجاه سوريا وفق مصالح سياسية ظرفية أو ضغوط خارجية، وإنما وفق مصالح الشعب السوري عبر العقود الماضية.

في المقابل، أكّد أحمد الشرع خلال لقائه الرئيس الروسي أن دمشق الجديدة ترغب في “إعادة تشغيل” العلاقات مع روسيا، وتعريفها بطبيعة التحولات الداخلية، مع الحفاظ على استقرار البلاد والمنطقة. كما أشار إلى أهمية الاستفادة من الخبرة الروسية في قطاع الطاقة، بما يعكس سعي الحكومة الانتقالية السورية إلى دعم بنيتها التحتية الاقتصادية بعد سنوات النزاع.

2. الموقف الروسي الرسمي: الواقعية والاستمرارية

يمكن فهم زيارة الشرع من خلال الخطاب الرسمي الروسي، الذي ركز على عنصرين رئيسيين: استمرار الوجود العسكري الروسي في سوريا، ودعم الإستقرار الداخلي لسوريا الجديدة. فقد أكد نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك ووزير الدفاع أندريه بيلوسوف خلال الاجتماع أن روسيا ملتزمة بالمساهمة في إعادة إعمار البنية التحتية السورية، خاصة في القطاعات الحيوية مثل النقل والطاقة، وأن الشركات الروسية مستعدة للمشاركة في هذه المشاريع.

كما كتب مراسل تساريغراد العسكري بلوخين، فإن الورقة الرابحة لموسكو في هذه المفاوضات ترتكز على أربعة عناصر رئيسية: استمرارية القواعد العسكرية الروسية، الامتيازات الاقتصادية المرتبطة بالموارد النفطية والغازية، ضبط النفوذ الإقليمي لدول أخرى (تركيا، الولايات المتحدة)، وإعادة تثبيت روسيا كقوة فاعلة ومقررّة للسياسات في دمشق الجديدة.

هذه النظرة تتماشى مع قراءة الخبراء في المعاهد الإستراتيجية الروسية، الذين يرون أن زيارة الشرع تؤكد قدرة موسكو على التكيف مع التغيرات السياسية في سوريا، دون فقدان مصالحها. فالأسلوب الذي اعتمده الكرملين يعكس مزيجًا من الواقعية السياسية والبراغماتية، بحيث تبقى روسيا شريكًا لا غنى عنه، سواء على الصعيد العسكري أو الإقتصادي أو الدبلوماسي.

3. المواقف غير الرسمية والنقد الداخلي

على النقيض من الخطاب الرسمي، يقدّم الإعلام الروسي غير الرسمي تحليلات أكثر حدة وانتقادا، كما في قناة “مونتيان” التي تناولت اللقاء بين بوتين والشرع بأسلوب عاطفي نقدي، مشيرة إلى أن السياسة هي “عمل قذر”، وأن التفاعل مع شخصيات انتقالية مثل الشرع يستدعي مراعاة الحقائق القاسية للنزاع السوري، بما فيها وجود جماعات مسلحة وإرهابية سابقًا.

رغم نبرة النقد، فإن هذا الإعلام يعترف بالضرورات الواقعية: لا يمكن لموسكو تجاهل الشخصيات الجديدة أو الامتناع عن التواصل معهم، لأن مصالحها الإستراتيجية في سوريا والعالم العربي تتطلب ذلك. كما أشار المراسل إلى أن التعامل مع الشرع، رغم تقييمه للأحداث السابقة، يأتي ضمن منطق “المصلحة قبل الأخلاق”، وهو ما ينعكس أيضًا في المواقف الرسمية الروسية تجاه كل شركائها الإقليميين والدوليين.

هذه الأصوات غير الرسمية تمنح الباحثين فرصة لفهم التوازن الدقيق بين البراغماتية الروسية، والوعي الداخلي بخطورة الارتباط مع أنظمة أو شخصيات لها تاريخ من النزاعات الداخلية والإقليمية.

4. التركيبة السورية الجديدة وأبعادها الداخلية

تظهر التقارير الصحفية الروسية، كما ورد في صحيفتي كومرسانت والحياة الدولية، أن الشرع لم يكن الشخص الوحيد في وفده، بل جاء برفقة فريق وزاري وإداري متنوع، يمثل مختلف القطاعات الحيوية للحكومة السورية الجديدة. يلفت الانتباه وجود د. ماهر الشرع (خريج الجامعات الروسية)، شقيق الرئيس، والذي يمتلك خبرة روسية طويلة في المجال الطبي، وقد شغل سابقًا مناصب إدارية في دمشق والرياض، قبل أن يعود إلى سوريا.

هذا التكوين يعكس إستراتيجية الشرع في بناء شبكة دعم داخلية وخارجية، مع مراعاة تأثير روسيا في إعادة ترتيب المشهد السياسي السوري. كما يوضح التقييم الروسي أن التواصل المباشر مع الشخصيات المؤثرة في دمشق الجديدة ضروري لضمان استقرار العلاقة الروسية–السورية، وضمان التزامات دمشق السابقة والحالية تجاه روسيا، بما في ذلك قواعد طرطوس وحميميم.

5. الأبعاد الاقتصادية والعسكرية للزيارة

الزيارة حملت إشارات واضحة فيما يخص التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين. حسب تصريحات نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، فإن الشركات الروسية أبدت استعدادها لدعم تطوير البنية التحتية السورية، بما في ذلك النقل والطاقة، وهي مجالات إستراتيجية تضمن لموسكو حضورًا طويل الأمد في سوريا.

على المستوى العسكري، فإن روسيا تواصل الحفاظ على قواعدها في طرطوس وحميميم، وقد توسعت وظائف بعض هذه القواعد، وفق تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف، لتشمل أدوارًا أوسع من مجرد المواقع العسكرية التقليدية، بحيث تصبح نقاط دعم لوجستي وسياسي في البحر المتوسط وأفريقيا.

كما كتب أريشيف في موقع The Expert، فإن القواعد العسكرية الروسية تُعد ضمانًا مباشرًا لاستقرار النظام السوري الجديد، ولحماية مصالح موسكو الإقليمية، خصوصًا في مواجهة محاولات القوى الإقليمية الأخرى التأثير على مستقبل سوريا، مثل تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة.

6. الموقف الإقليمي والتوازن الدولي

تتضح الأهمية الإستراتيجية لزيارة الشرع في سياق التوازن الإقليمي. روسيا، كما يذكر خبراء معهد الشرق الأوسط مثل بالماسوف وكوربانوف، تعمل على تعزيز موقفها في مواجهة الضغوط الغربية والإقليمية. فالزيارة أظهرت قدرة موسكو على التعامل مع السلطة السورية الجديدة دون فقدان نفوذها، كما أنها تؤكد استعداد روسيا للعب دور الوسيط أو الضامن في العلاقات السورية–الإقليمية.

تجدر الإشارة إلى التحديات التي يفرضها نفوذ تركيا في شمال سوريا، والتحالفات الإقليمية الأخرى التي يمكن أن تؤثر على مستقبل العلاقة الروسية–السورية. كما كتب أريشيف، فإن وجود جماعات محلية مرتبطة بدول معادية لموسكو، أو جماعات مسلحة محلية تنتقد أي تقارب مع روسيا، قد يعقّد تنفيذ أي اتفاقات طويلة الأمد بين موسكو ودمشق.

7. قراءة شاملة للزيارة: رسائل واستنتاجات

زيارة أحمد الشرع إلى موسكو تحمل مجموعة من الرسائل السياسية والدبلوماسية:

1. استمرارية النفوذ الروسي: الزيارة تؤكد أن روسيا لا تنوي التراجع عن وجودها العسكري في سوريا، وأن مصالحها الإستراتيجية محفوظة.

2. الواقعية الروسية: التعامل مع الحكومة الانتقالية السورية الجديدة يأتي وفق منطق المصالح والبراغماتية، بعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية أو الرمزية، وهو ما تعكسه تصريحات المسؤولين الروس والإعلام الرسمي وغير الرسمي.

3. إعادة تعريف الصداقة السورية: اللقاء يمثل فرصة لتعريف موسكو بالتحولات الداخلية في سوريا، ولإعادة تشكيل العلاقة الثنائية بما يتوافق مع مصالح كلا الطرفين، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد والطاقة والأمن العسكري.

4. الدور الاقتصادي والتنموي: استثمار روسيا في البنية التحتية والطاقة يعزز من حضورها في سوريا ويكفل نفوذًا طويل الأمد، بما يتجاوز مجرد العلاقات السياسية التقليدية.

كما يشير التحليل الصحفي الروسي، فإن هذه الزيارة تمثل اختبارا لقدرة روسيا على التكيف مع التغيرات في المنطقة، وضمان التزامات دمشق الجديدة تجاهها، خاصة مع وجود ضغوط أمريكية وأوروبية مستمرة.

8. الخلاصة والاستنتاجات

من خلال مراجعة المصادر الروسية الرسمية وغير الرسمية، يمكن استخلاص عدد من النقاط الجوهرية حول زيارة أحمد الشرع إلى موسكو:

أولًا، موسكو تتبع سياسة واقعية ومستقرة، تركز على حماية مصالحها الإستراتيجية في سوريا، بما في ذلك القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية. زيارة الشرع لم تغيّر هذه المعادلة، بل قدمت فرصة لتأكيد هذه الاستمرارية وتعزيز التفاهم بين الطرفين.

ثانيًا، روسيا لا تتخذ موقفًا أيديولوجيًا صارمًا تجاه الحكومة السورية الجديدة، بل تنتهج البراغماتية والمرونة، معتبرة أن أي علاقة فعّالة يجب أن تكون مبنية على مصالح متبادلة وإحترام الالتزامات السابقة.

ثالثًا، العلاقة الروسية–السورية الجديدة قد تواجه تحديات من الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك تركيا وإسرائيل، وأيضًا من الجماعات المحلية التي لها علاقات بدول معادية لموسكو. ولكن حتى في هذا السياق، تشير التحليلات إلى أن موسكو تستطيع فرض ثقلها الإستراتيجي من خلال وجودها العسكري والاقتصادي، وهو ما يعزز موقعها في إعادة تعريف الاستقرار الإقليمي.

رابعا وأخيرًا، في سياق التحولات الإقليمية الأوسع، يمكن القول إن روسيا تستفيد من هذه الزيارة لإعادة تثبيت نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع صعود إيران كقوة إقليمية مؤثرة، وتوتر العلاقات التركية–الإسرائيلية مع سوريا الجديدة، ومحاولات الولايات المتحدة والغرب التأثير على مسار إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي في دمشق. التوازن الذي تسعى موسكو لتحقيقه يضمن لها القدرة على ضبط التحولات الإقليمية، وحماية مصالحها العسكرية والاقتصادية، مع الاستمرار في لعب دور فاعل كوسيط إستراتيجي بين الفاعلين المحليين والإقليميين.

بهذه الطريقة، تعكس زيارة أحمد الشرع إلى موسكو مزيجًا من البراغماتية الروسية، وإستراتيجية الاستمرارية، وإعادة تعريف الصداقة السورية بما يتوافق مع المصالح الروسية الطويلة الأمد، في ظل بيئة إقليمية متغيرة وديناميات دولية معقدة.

***

المراجع

1) «من أجل القواعد سيطالب بأربع أمور على الأقل»: المراسل العسكري بلوخين يحدّد الورقة الرابحة الرئيسة لروسيا في المفاوضات مع سوريا

موقع تلفزيون تساريغراد ، 15 أكتوبر 2025

2) لقاء بين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع في موسكو

مجلة الحياة الدولية، 15 أكتوبر 2025

3) السياسة… عمل قذر في نهاية المطاف!

قناة تاتيانا مونتيان في تيليغرام ، 15 أكتوبر 2025

4) هناك قاعدة بسيطة جدًا، وإن كانت غير أخلاقية إلى حد ما: لا يوجد حلفاء أو شركاء دائمون، بل مصالح الدولة الدائمة هي فقط.

أندري ميدفيديف ، 15 أكتوبر 2025

5) لأول مرة، يصل إلى موسكو رئيس سورية للفترة الانتقالية أحمد الشرع

يوري بارانتشيك، 15 أكتوبر 2025

6) «وجوه المرحلة الانتقالية الأخرى»

 أندريه كوليسنيكوف —«كوميرسانت»، 15 أكتوبر / تشرين الأول 2025

7) السلطات السورية الجديدة تهتم بالصداقة القديمة مع موسكو

أندريه ريزت يكوف ، 15 أكتوبر 2025

8) أندريه أريشيف يقدّم رؤية تحليلية–جيوسياسية متعمقة، تحذر من حدود هذه البراغماتية بسبب هشاشة “النظام الجديد” في دمشق وتغلغل التأثير التركي.

موقع The Expert، 16 أكتوبر 2025

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….