(1)
القصيدة قبل الأخيرة
نشرت في “كنعان” النشرة الإلكترونية، العدد 2536 في 9 نيسان 2011
لمن يقرع القلب أجراسهُ
في خلاء المكان الأخير ِ
وما بعد غير مساء الحكاية
يطفو على عتمة الانتباه ِ
وصلنا أخيرا حدود السفرْ.
فلسنا هنا أو هناك َ
فكيف نسمي الأماكن َ؟
لو كنت أعرف هذا الفِناء َ المُدلّى،
علي أي شيء يُطِل، سألتُ،
ولكنني لا أرى هوة ًأو سماء ً
ولا شجرا أو حجرْ.
أري وجهها راجعا نحو عيني َّ
ظلا ً لشيء سيسقط في َّ
رخيا كما يسقط الماء في الماءِ
عند نزول المطرْ.
أقول لحزني عليها
تعال من الباب ِ
إني أخاف السقوط َ عليّ ولو كان عطراً،
ووجهي يحب عناق الوجوه ِِ
التي علمتني الصعودَ إلى كرمل العمر،
حيث تمد غصون الشجر ْ،
أصابعها في دمائي
لتطرق في القلب أبوابه الموصداتِ،
وتلقي الظلال عليّ
صبايا من الصخر حينا ً
وحيناً من الهمس ِ:
تذكرُ؟
أذكر يا أخت روحي وأنسى!
ولكنني ميتُ الوصل ِ
صلد كصوت الثكالى
وناء كناي الرعاة ِ
أخاف من النوم كي لا اراك ِ
ويسترجع الحلمُ
دهرا من الحب والحزن ِ
في لحظة نائمة ْ.
تعبت من الحب ِوالحزن ِ
مني ومنك ِ
تعبت أعانق هذا الغياب لأنسى
فأسقط عن شجر الحور
في هوة الذاكرة ْ.
فماذا تريدين مني؟
كأنك لم تهجريني صغيراً ً
على باب حيفا
تمزق وجهي شظايا الوجوه ِ
التي مزقتها الشظايا
وأمشي كمن تمتطيه الطريق
على لحظة الخوف منهم ْ
ألم شظايا الأزقة ِ
قبل اعتقال المدينة في الليل
ثم أعود إلى نوح أمي
وصوت أبي
يخبر الله عما جرى.
كبرت على صخرة السبيِ ِ
والشوك ينبت في َّ
ليكتب حزني عليك ِ
فلم ترجعي مرة واحدة ْ!
تلمّست جدران هذا المكان القديم ِ
لعلي أشاهد نقشا يبوح ُ
بما يجعل العشق ثأرا من الموت ِ
نحيا… ونعشق ُ
نعشق،،، نحيا
ولكن لماذا نحب الصخورَ
وعشب السفوح ِ
ونبني الهياكل في روحنا للنساء ِ
هل الحزن غير امرأة ْ؟
تعالي لأحزن ضعفين ِ،
حين أراك مزنّرة بالسواعد ِ،
أذكر مشنقة اللوز والسنديان
على تلة الأفوكادو وأنسى.
وأمس سمعت الرواة يقولون َ:
(أحجية ٌزمن الناس مثل التميمة ِ
من عاش ماذا سيذكرُ
والميت ماذا سينسى؟
فهل تعرف الأرض أصحابها
وتحب الغصون ُالشجرْ
وهل يعرف الحقل معنى المطر؟)
وقلت لهم: كاذبونَ
لماذا نقضتمْ إذن دورها
حجرا ً حجرا ً
وارتكبتم ملامحها،
هل رأيتم هنا أحدا غيرنا
يشبه الطين والعشب فيها؟
إذا مر كادت تحط الطيورُ
على قمح وجنته
وتضل الطريق إلى وجهه ِ
النحلة العابرة ْ.
وكنا إذا ما شربنا من النبع
لم ندر هل نشرب الماء
أم نشرب الذاكرة.
وكنا نقابلها في الفصول
كأنا نقابل أجسادنا
هي منها ومنا
ونحن سواحلها في مدى الروح ِ
نصلب بين يديها
ونحمل أوزار من صلبونا
فلا تزرعوا في هواء الحكايات ِ
هذي البلاد لنا كلها.
كلوا خبزها واشربوا ماءها
نحن لسنا نرى أحدا غيرها.
كلوا خبزنا واشربوا ماءنا
نحن لسنا نرى أحدا غيرنا.
سنبقى عليها ونسألُِ:
أين المساء الذي كان َ؟
هذا المساء المعبّد بالصمت ِ
يخرج من فوهة الوقت ِ
مثل الجنازة ِ،
من علم الناس هذي الوجوه البعيدة َ
مثل غيوم الخريف ِ
لقد خبأ العشب قاماتهِ في الذبول ِ
وأغمض ألوانه الزهر ُ
مثل اختباء الشموع الأخيرة ِ
في باحة العرس ِعند السحر؟
هم القادمون من البحرِ
قال لي الملح في نظرة ٍ
تنقر الصمت مثل الدجاجة:
(مهلا!
سيستبدلون ملامحهم
في فصول المكان الجديدة ِ
مثل الفراشات ِ
فالأرض لا تعرف الذاكرة
إذا جلسوا في مقاهي الشتاء ِالجديد
لكي يلعبوا النرد َ
في نزهة الشمس صبحا ً
على الأرصفة،
سينسون كيف أتوا
يرتدون المعاطفَ في الصيف ِ
عند النزول من الطائرةْ.)
كاذبون َ!
فإن التضاريس رحم الزمان ِ
فلا وجه للدار في زمن الراحلينَ َ
ولا زمن القادمين من الأزمنة ْ.
لماذا ترنحني النسماتُ
ويهتز ظلي على العشب ِ
هل أنا جسد فارغ كالحقيبةِ؟
كل الذي ترك الناس بعد انتهاء الحكاية
كل الذي ترك الشاربون من السم في الكأس ِ
كل الذي ترك العاشقون من الهجر ِ
كل الوداع وكل الدموع ِ
وكل المناديل فيّ َ
وكل الوعود التي أخلفوها
فماذا تريدين مني؟
أعدت الأمانة للصيف والبحر
أتلو عليهم دمي كل يوم ٍ
كما تتراءى الغزالة للصيد ِ
لكنهم رفضوني قتيلا ً
يريدون قتلي بدون دمي مثل حيفا
فماذا تريدين مني؟
من اخترع السنديانَ
وعلق هذي الزهورَ
على قبر هذا القتيل ْ؟
معلقة ً في فصول التفاتي
إذا ما ارتدى وجهك الحبّ ُ
ألقى مواسمه في يديّ فصحت ُ:
أديروا كؤوس الحكاية ِِ
خمرا على العاشقين َ
إلى مطلع الصبح ِ
إني أراها!
لقد عرفتني بليمونها فيّ
من قال إن البساتينَ
لا تعرف الذاكرة ْ؟
أديروا الكؤوس إلى مطلع الصبح ِ
ننسى ونذكرُ،
للميتين صداهم ْ
فمن أين يأتي السراب ُ
ويصدح في الصمت ِ
هذا الغموض الجميلُ
على حافة الانصراف ِ ِ
ليفتح في عتمة الروح نافذة مقمرة ْ؟
أعيدي إلى اللونِ ثوب الحداد ِ
لأعرف وجهك ِ
تحت ركام الوجوه ِ
وأعرف صوتك تحت ركام اللغاتْ.
َأعيدي إليّ يدِي
كي ألمّك عن صدر هذا الشتات ِْ،
عناقا بكلتا يديَّ،
أتكفي يميني لتحضن كل السنابل ِ
في بيدر الذكريات ْ.
ألم يبق منك ِ سواك ِ
ولم يبق مني سواها؟
كأنا قتيلين في مأتم واحدٍ
أو غريبين في رحلة واحدة ْ!
ولكنني عابر في التفاصيلِ ِ
مثل الرواة ِ
وكل الحكاية ُ أنت ِ
ولا وجه لي غير هذا الترابِ
غدا ً يفتحون نوافذه لدخول الصلاة ِ
وتغلق ألوانها السوسنة ْ
علينا
وتهمس هيا اذهبوا!
(2)
مرثيات
دَعْكَ مِنَ الموْت!
في رثاء محمود درويش
أحمد حسين
تستعيد فلسطين أبناءها فرادى. بالأمس استعادت راشد حسين واليوم تستعيد محمود درويش. لا بأس! نحن عائدون أفرادًا وجماعات؛ شعراء وفلاحين وكادحين؛ نساء ورجالا وأطفالاً؛ أمواتاً وأحياء؛ منتصرات ومنتصرين وشهيدات وشهداء.
على مهلكم! لدينا وقت الشعوب الذي لا ينتهي. كم ألف جيل لنا عاش ومات، منذ أول كنعاني إلى محمود درويش، حتى صنعنا بأجسادنا هوية التراب الفلسطيني؟ فكم ألف ألف جيل إذن تحتاجون لتجعلوا هذا التراب ينبت شجرة أو عشبة أو أقحوانة واحدة غير فلسطينية؟ عبثاً! سيظل الوطن بانتظارنا.
فلسطين ملحمة الملاحم. وحياة محمود درويش فصل رائع ومتميز من فصول هذه الملحمة. لكل فلسطينيّ فصله الخاص مع فلسطين، ولكن ليس كل فلسطينيّ هو محمود درويش. غابة المنفى مليئة بالشجر الشامخ، ولكن محمود كان أكثرها شموخا. وغياب محمود اليوم هو غروب جديد، يضاف إلى حالة الغروب التي تلفّ وجدانناً الفلسطيني والعربي الحزين، ولكنه أيضاً جز ء من الذاكرة المعطرة، يدخل حزننا من باب الكبرياء، فلسطينيًا فذا، متقلدًا أوسمة الإبداع الوطني والعالمي، وأوسمة الصمود والشهادة. ووسام العودة قبل كل شيء.
رحلَ محمود! ولكن كيف يغيب؟ دعك من الموتِ
لا شيءَ غيرَ عبورِ الجنازةِ عبرَ انتباهِ المسافاتِ
في صبحِ غيبتكَ المشمسة!
لم تعشْ لحظةً في الذّبولِ
لأنّك ما كنتَ نرجسةً كنتَ من ضحكة الماءِ للنّرجسَة.
محمود! في فلسطين نشأ حلم الجنة الأبدي. وأنت الآن في جنة أمك فلسطين حيّا إلى أن يموت راويتك الأخير! لذلك نودّع فيك وجه الشاعر الوسيم، ولا نودّع صوت الشًاعر لأنه باقٍ معنا.
(3)
لا كنتُ إن كان الكلام الأخير
في رثاء أحمد حسين
عادل سماره
نشرت في كنعان 15 تشرين أول 2017
وكان أن عاند جلجامش الردى لأيام ثلاثة ليقول آخر الكلام لإنكيدو، أمَّا لكَ أبا شادي فلن نقلهُ.
وأنت لم ترحل بل ارتحلت، وأنت النبي وأنت العَليُّ وأنت النديُّ، وأنت البعيد القريبُ إليَّ، وقد جاوزوا باب عقلي وعمري الشقيُّ.
أتمثّلُ شوقي لحافظ في قولته:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي…يا منصف الموتى من الأحياءِ
في يومك هذا أقف، وليس المُقام ولا الكلام الأخير، أتسمعني؟ ما أسعدك وأروعك به ، إنه يوم أول كيمونة عروبية شيوعية في عدن (14 اكتوبر). آه ما اجمل عنف التاريخ حين حرب الغوار، وما أقسى زمان العمالة والكفر يا عدن الذبيحة، ولكن اشتدي واصمدي فأنت على حواف عهد قرمطي.
أُبيدت عدن، ولم تٌمحِي، وبقيتَ أنت بسيف الوعي والقول تقاتل لو تراخى الناس عنك. فلست الرحيل بل الارتحال تمترست في منزلة وسطى بين الحياة والموت تشاهدنا ونشاهدك وتسمعنا ولا نسمعك.
سيبقى سيف وعيك مسلولا بلا غمدِ، لعينيكِ حيفا يكون الرفض بالعِندِ.
وأنت تسمعني أقول اليوم أين أنت، وقد دخلوا خدر حيفا، ليحضرني ابا فراس بقولته:
“وفي الليلة الظلماء يُفتقدً البدرُ”.
عروبي أنت في عولمة الحروب على العرب، زمن الطوابير التي باعت، في زمن البيع والتطبيع، فليس أحَدَّ من سيف قولك وسيف وعيك.
أبا شادي، ألم يَبْلغك بان النصر صار دمشقياً؟
ترى هل طاردوك إلى هناك حيث حصنك الأبديْ؟
لم تطالب بشيء ولم تأخذ شيئا وأنت الذي قدم كل شيءْ. سلام عليك وانت الشهيد الممتد عقودا ثمانٍ. لعلَه بل إنه الأشد من الشهيد المشتد في زمن مكثف، في لحظة هي الأقصر ما في الزمان.
ثمانون عاماً ولم تهتزَّ ولم ترتدَّ. ثمانون عاماً وهم يطمسون ما أتيت به، ليُظهروا أدب البكاء، أدب النحيب، أدب النقود، أدب التخارج والتغربن، أدبَ رفع اليدين مقروناً بعُري الكلام وعري الجسم ونفي الجسد.
أتذكر يوم قلت لك الصورة التي قلت لي، ما أشقى عقلك!
إذ قلت لك: تُرعبني لحظة ما قبل النوم. قبل الغفوِ يفك العميل المطبِّعُ صفحة وجهه، ينظرها، يبصق في وجه وجهه، على صفحة وجهه ويقول: “كم كنت اليوم دنيئاً”.
متى غادرتَ حيفا؟ بل لم تغادر، أراك تغازل عينيها تُقبِّل شفتها التي واصل الله بعد اليوم السابع إبداعها ولم ينتهي بعدُ منها، هي ثغر فلسطين على البحار العميمة والعميقة.
تضاحكها وتهزأ وإياها بغُثاء بيروت الذي يشوه أرض المقاومة، باسم المقاومة، يستجلب التطبيع استجلابا أشد فحشا من الاستيطان.
أصغِ إلي، هي تعتاش على نسغ شِعرك، رفضك، الذي لم يباريه مداد البحر ولا مطر السماء. فلا تقلق. تُعلق في جيدها الكرملي المديد وصاياك التي لا تُعدُّ بأن الأرض لكنعان، تقرأ كل صباح ترانيم قولك عن الهجريين والمتعاقدين، وتقول لبيك، أنا هنا بانتظارك بعد الارتحال. فمن غيرك ظلَّ حيفاويا، وعروبيا حتى ارتحل؟
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
