في عام 1929، وقبيل أن يهيمن على العالم غبار أزمة اقتصادية طاحنة، كان هناك فريق فرنسي من الباحثين ينقب في تل رأس شمرا، على مقربة من مدينة اللاذقية السورية التي تطل على البحر كحارسة أزلية للذاكرة. وما بين ذلك العام وعام 1988، خرجت من تحت التراب، حرفيا، 3557 رقيما فخاريا حملت للبشرية نبأً عظيما: أبجدية أوغاريت. إنها ليست مجرد كتابة، بل هي الكتابة التي ولدت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، لتكون شيفرة الحضارة الأولى.
وعندما جلس العالم الفرنسي شارل فيرولود أمام هذه الرُقم، ليبدأ عملية فك الشيفرة، لم يكن يعلم أنه سيكتشف أكثر من أبجدية. لقد اكتشف روحا، روح المكان والإنسان، روح سوريا. وانطلقت من فمه، كخلاصة رجل علم مدقّق، تلك العبارة التي صارت عنوانا للوفاء: “لكل إنسان وطنان: وطنه الأم، وسوريا.”
لم تكن هذه العبارة مجرد انفعال عابر، بل كانت قناعة راسخة لدى من اطلع على سجل هذه البقعة من الأرض. فها هي ذي سوريا، تمنح العالم أبجديته الأولى، وتؤسس مدرسته الأولى، وتمارس الحياة الديمقراطية وتجرب الإصلاح الاجتماعي في أقدم برلمان عرفه التاريخ. لقد كانت، وما زالت، الأم المُعطاء التي توزع خيرات حضارتها على الأمم بلا حساب. فمن رحمها خرجت المسيحية حاملة ينابيع المحبة والرحمة، ومن أرجائها انطلقت رسالة الإسلام السمحة لتهدم الأصنام الحجرية والروحية. وفي تربتها، وُلدت الشرائع التمدنية والفلسفات الاجتماعية، لتكون منارات تهتدي بها الإنسانية في دروب الفضيلة والعدالة.
إن التاريخ هنا لا يُقرأ في أوغاريت وحدها، بل في إيبلا وماري وفي عشرات المواقع التي ما زال التراب فيها يختزن نبض أجدادنا الأوائل. إنهم من علموا البشرية المساواة، ووضعوا الشرائع، وابتكروا الزراعة والمحراث، وجرّوا المياه، ومارسوا الطب، وبرعوا في الصناعة والفنون، واخترعوا الأبجدية التي نقلوها لليونان، فحملها اليونانون لأوروبا، لتصير ميراثاً للعالم أجمع. وهم من أسسوا لعلم الفلك، ونظموا التجارة برا وبحرا، وابتكروا العملة والمقاييس.
ولم يكن البحر المتوسط سوى بحيرة صغيرة لهؤلاء البحّارة الكنعانيين الفينيقيين الذين انطلقوا من سواحل سوريا، من صيدا وصور وأرواد، لاكتشاف المجهول وبناء محطات الحضارة والتجارة. والأركيولوجيا اليوم تقول لنا، بصمتٍ علميٍّ صارم، إن أقدامهم سبقت كولومبوس إلى الأمريكيتين بقرون، وتركوا شواهدهم على صخرة دايتون في الولايات المتحدة، وكأنهم يخاطبوننا عبر الزمن: “ها نحن ذا قد بلغنا المنتهى، لنؤكد أن الحضارة كانت دائما رحلة، وانطلقت من هنا.”
لذلك، يحق لكل سوري، أينما حلّ، وفي أي زمان كان، أن يرفع رأسه اعتزازا بهذا الانتماء الأول. الانتماء إلى أرض كانت، وستبقى، “منبت الحضارة ومهد الرسالات”. يحق له أن يفتخر برجالها العظام الذين أنجبتهم عبر العصور، من القادة والخلفاء، إلى العلماء والمفكرين، والأدباء والمبدعين، الذين تركوا بصمات لا تمحى على جدار الزمن.
فهل بعد هذا نستغرب عبارة فيرولود؟ إنها ليست إطراء، بل هي “اعتراف”. اعتراف العالم بأن لنا جميعا دَيْنا تاريخيا تجاه هذه الأرض المباركة، سوريا.
:::::
صفحة: سوريات – Souriat
oepSnrtsdo1e5 l09204c 63g0D67bma9c1eu0mu2t5uae1r:c 2chli176a
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
