واشنطن، 28/1/2026
استطلعت مجلة “بوليتكو” آراء 17 خبيرًا من أبرز خبراء السياسة الخارجية والدبلوماسيين والأكاديميين حول العالم، في محاولة للإجابة عن سؤال بات ملحًّا: ماذا تبقى من النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
هذا المقال هو خلاصة تحليلية لما ورد في تحقيق مطوّل من 18 صفحة، نشرته “بوليتكو” الثلاثاء، أعيد تفكيكه واستخلاص نتائجه الأساسية، في ضوء التحولات العاصفة التي يشهدها العالم مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من زلازل سياسية هزّت أسس التحالفات الغربية والنظام الدولي القائم على القواعد.
لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان النظام الدولي يتآكل، بل حول حقيقة أن هذا النظام قد دخل مرحلة الاحتضار. فعودة ترامب لم تكن مجرد تغيير في الأسلوب أو الخطاب، بل كشفت عن تحول بنيوي في موقع الولايات المتحدة نفسها: من راعٍ للنظام العالمي إلى قوة تتعامل معه بوصفه عبئًا، بل وأداة قابلة للهدم وإعادة التشكيل وفق منطق القوة والمصلحة المباشرة.
من ضامن للنظام إلى مصدر للتهديد
لحظة التهديد الأميركي بالسيطرة على غرينلاند – رغم التراجع اللاحق – شكّلت صدمة رمزية عميقة. فالمسألة لم تكن في التنفيذ، بل في المبدأ: للمرة الأولى، يلوّح رئيس أميركي علنًا باستخدام القوة أو الابتزاز ضد أراضي حليف أطلسي. عند هذه النقطة، بدأ كثير من العواصم الغربية يدرك أن المظلّة الأميركية لم تعد ضمانة مطلقة، وأن فكرة “الحليف الآمن” أصبحت موضع شك.
في منتدى دافوس، عبّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن هذا التحول بوضوح غير مسبوق، حين تحدث عن “تمزق” في النظام القائم على القواعد، ودعا ما يُعرف بـ”القوى الوسطى” إلى التكاتف لبناء نظام عالمي جديد. لم يكن هذا خطابًا إنشائيًا، بل إعلان إدراك بأن واشنطن لم تعد المرجعية النهائية للنظام الدولي.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ذهب أبعد من ذلك، مطالبًا أوروبا بالتخلي عن وهم الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، وبناء قدراتها العسكرية والأمنية المستقلة. فالحرب في أوكرانيا، كما يرى كثير من الخبراء، لم تكشف فقط وحشية روسيا، بل هشاشة التزامات الغرب حين تصبح كلفتها مرتفعة سياسيًا أو اقتصاديًا.
أزمة “القوى الوسطى”: بين العجز والبحث عن بدائل
يجمع الخبراء الذين استطلعتهم بوليتكو على أن القوى الوسطى – ككندا، وأوروبا، واليابان، وأستراليا، والهند، وتركيا – تجد نفسها اليوم في موقع بالغ التعقيد. فهي ليست قوى عظمى قادرة على فرض نظام بديل، ولا دولًا هامشية تستطيع الاحتماء بالحياد. إنها عالقة في الفراغ بين الهيمنة الأميركية الصدئة، والصعود الصيني غير المطمئن.
أوروبا، على وجه الخصوص، تبدو الأكثر ارتباكًا. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بنت أمنها على افتراض ثبات الالتزام الأميركي. واليوم، تجد نفسها مطالبة ببناء “استقلال استراتيجي” في مجالات الدفاع والطاقة والصناعة، بعد عقود من التفكيك المتعمد لقدراتها العسكرية. غير أن الخبراء يحذرون من وهم الحلول السريعة: فبناء قوة ردع حقيقية يحتاج إلى سنوات طويلة، واستثمارات ضخمة، وإجماع سياسي مفقود.
أما كندا، فمشكلتها أعمق. فالجغرافيا والاقتصاد يربطانها بالولايات المتحدة ربطًا يكاد يكون قدريًا. ولهذا، يحذّر بعض المحللين من أن أي محاولة كندية لمواجهة واشنطن مباشرة قد تذكّر أوتاوا بمعنى “مبدأ مونرو” بصيغته الحديثة. الحديث عن تحالفات وسطية لا يلغي حقيقة اختلال موازين القوة.
تفكك وهم التعددية
أحد أكثر الاستنتاجات تشاؤمًا في استطلاع بوليتكو هو التشكيك في قدرة “القوى الوسطى” على العمل ككتلة متماسكة. فهذه الدول تختلف في أولوياتها الجيوسياسية، وتهديداتها، وحساباتها الاقتصادية. تجربة تكتلات سابقة – من “بريكس” إلى مبادرات متعددة الأطراف – أظهرت أن الشعارات لا تكفي لبناء جبهة فاعلة.
ومع ذلك، لا يعني هذا غياب الخيارات. الاتجاه الغالب اليوم هو ما يسميه الخبراء “التحوّط الاستراتيجي”: تنويع الشراكات، تقليص الاعتماد على قوة واحدة، وبناء قدرات ذاتية في الاقتصاد والتكنولوجيا والدفاع. إنها سياسة “إدارة المخاطر” لا “صناعة النظام”.
الهند تُقدَّم كنموذج لهذا النهج. فنيودلهي تحافظ على تعاون وثيق مع واشنطن، دون أن تقطع علاقاتها الوطيدة مع موسكو، وفي الوقت ذاته تسعى إلى ضبط علاقتها مع بكين. هذا التوازن البراغماتي لا يعكس ثقة بالنظام الدولي، بل إدراكًا عميقًا لسيولته وخطورته.
آسيا والمحيط الهادئ: القلق الصامت
في شرق آسيا، تبدو اليابان وأستراليا في موقع حرج. فهما تعتمدان أمنيًا على الولايات المتحدة في مواجهة الصين، لكنهما باتتا تشكّكان في موثوقية هذا الاعتماد. اليابان، على سبيل المثال، اختارت عدم تحدي واشنطن علنًا، لكنها سارعت إلى رفع إنفاقها الدفاعي، وتعزيز أمنها الاقتصادي، والاستثمار في سلاسل توريد بديلة، تحسّبًا لأي اهتزاز في التحالف.
أستراليا، بدورها، تدرك أن درس غرينلاند لا يخص أوروبا وحدها. فإذا كان الحليف الأطلسي ليس في مأمن من الضغط الأميركي، فما الذي يضمن أمن حليف بعيد جغرافيًا في المحيط الهادئ؟
نهاية النظام… وبداية المجهول
الخلاصة التي تكاد أن يجمع عليها آراء الخبراء هي أن العالم دخل مرحلة “ما بين نظامين”. النظام القديم يتفكك، دون أن يلوح في الأفق بديل مستقر. الولايات المتحدة لم تعد راغبة في لعب دور الضامن، والصين غير قادرة – أو غير راغبة – في تقديم نموذج جامع، فيما تعود منطق القوة والإكراه ليحكم العلاقات الدولية.
في هذا الفراغ، تجد القوى الوسطى نفسها أمام خيارين: إما الاستثمار البطيء والمؤلم في الصمود والمرونة وبناء شبكات تعاون مرنة، أو الانجراف في عالم تحكمه الصفقات والابتزاز، حيث تصبح السيادة امتيازًا لا حقًا.
ما يكشفه هذا الاستطلاع ليس فقط تراجع الدور الأميركي، بل انهيار الوهم الذي رافق النظام الليبرالي لعقود. فالنظام لم يسقط لأنه عادل، بل لأنه كان مسنودًا بالقوة الأميركية. حين تراجعت هذه القوة أو تغيّر مزاجها السياسي، انكشفت هشاشة القواعد والمؤسسات. نحن أمام عالم لا تحكمه القوانين، بل قدرة الدول على حماية نفسها من تقلبات الكبار.
الخطير في المرحلة الراهنة ليس صعود الصين (كما يروج البعض) أو نزعة ترمب (كما يهول آخرون)، بل اعتياد العالم على منطق الإكراه. حين تصبح التهديدات العلنية، والعقوبات، وابتزاز الحلفاء أدوات طبيعية في السياسة الدولية، تفقد السيادة معناها القانوني. القوى الوسطى مطالبة اليوم ليس فقط بحماية مصالحها، بل بالدفاع عن فكرة النظام ذاته، ولو بحدّه الأدنى، قبل أن يتحول العالم إلى ساحة صراع مفتوح بلا ضوابط.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
