19 كانون الثاني/يناير 2026
مقدمة الدراسة
لا يمكن فهم تراجع دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بوصفه قرارًا تكتيكيًا ظرفيًا، أو نتيجة ضغط دبلوماسي عابر.
ما تكشفه المقالات والتحليلات الروسية والغربية والعربية التي جُمعت في هذه الدراسة هو أن واشنطن وصلت إلى نقطة إنسداد إستراتيجي:
القوة العسكرية متوفرة، لكن شروط إستخدامها لتحقيق نصر سياسي واضح غير متوفرة.
تراجع ترامب لا يعني تخليًا عن خيار المواجهة، بل يعكس فشل نموذج “الضربة الحاسمة منخفضة الكلفة” الذي سعت إليه الإدارة الأمريكية، ومحاولة تجنب الدخول في مسار تصعيدي مفتوح لا تملك السيطرة على مآلاته.
من هنا، يصبح السؤال المركزي ليس لماذا لم تضرب أمريكا؟
بل: لماذا أصبحت الضربة عبئًا إستراتيجيًا بدل أن تكون أداة حل؟
1. غياب الضمان بإسقاط النظام الإيراني
السبب الأثقل وزنًا.
ترامب إشترط صراحةً ضمانًا بأن أي ضربة عسكرية ستؤدي إلى سقوط النظام أو شلّه نهائيًا.
البنتاغون والإستخبارات فشلا في تقديم هذا الضمان، ما حوّل الضربة من “أداة حسم” إلى “مقامرة مفتوحة”.
2. خطر الإنزلاق إلى حرب إقليمية بلا سقف
أي ضربة لا تُسقط النظام تعني ردًا إيرانيًا واسعًا: على القواعد الأمريكية، على إسرائيل، وعلى الملاحة والطاقة، وهو سيناريو لا تملك واشنطن آلية إحتوائه بسرعة.
3. قابلية القواعد الأمريكية في الخليج للإستهداف المباشر
الإنتشار العسكري الأمريكي في الخليج يمنح القوة، لكنه في الوقت نفسه يمثل نقاط ضعف مكشوفة أمام الصواريخ الإيرانية، ما يجعل كلفة الرد غير متكافئة.
4. فشل سيناريو الإنهيار الداخلي الإيراني
الرهان على تفكك داخلي متزامن مع الضربة لم ينجح:
فالإحتجاجات لم تتحول إلى ثورة شاملة، ولم يحدث انقسام حاسم داخل بنية الدولة، بل ظهر إصطفاف شعبي جزئي ضد الفوضى والتدخل الخارجي
5. إنكشاف وتفكيك الشبكات الداخلية المراهن عليها
تفكيك خلايا وتحركات داخلية أفشل سيناريو “الإنقلاب المتزامن”، وهو عنصر حاسم في أي تدخل خارجي غير بري.
6. التدخل الصيني غير المباشر (سيبراني وإستخباراتي)
تعطيل منظومات الرصد والتتبع، وفشل الاعتماد على ستارلينك داخل إيران، خلق عمى إستخباراتي مؤقت، ما جعل أي ضربة عالية المخاطر.
7. عدم جاهزية إسرائيل لتحمل حرب مفتوحة
إسرائيل نفسها تدرك أن الحرب مع إيران ليست جولة قصيرة، بل إستنزاف وجودي على الجبهة الداخلية، وهو ما جعلها متحفظة على التصعيد.
8. إستنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية
القدرة الدفاعية موجودة، لكنها ليست بلا حدود، ومعركة صاروخية طويلة تعني كلفة عسكرية ومالية كبيرة.
9. رفض إقليمي لتوفير الغطاء الجوي والسياسي
غياب الموافقات الجوية والدعم العلني حرم الضربة من الشرعية الإقليمية، ورفع كلفتها السياسية.
10. الخشية من حرب طاقة عالمية
إغلاق أو تهديد مضيق هرمز يضرب: أسعار النفط، والإقتصاد العالمي، والداخل الأمريكي، وهو ما يتناقض مع أهداف ترامب الإقتصادية.
11. غياب تحالف دولي داعم
لا ناتو موحد، لا أوروبا متحمسة، ولا شارع أمريكي مستعد لحرب جديدة في الشرق الأوسط.
12. إدراك أن الضربة قد تهز الهيبة الأمريكية بدل تعزيزها
ضربة بلا نتائج سياسية واضحة تعني إضعاف الردع الأمريكي، وهو ما يتناقض مع صورة القوة التي يسعى ترامب لتكريسها.
13. تحوّل المواجهة إلى صراع مع الصين وروسيا
إسقاط إيران لا يُقرأ إقليميًا فقط، بل كضربة مباشرة لمحور دولي منافس، ما يرفع مستوى الصراع إلى غير ما ترغب به واشنطن حاليًا.
14. تفضيل أدوات الضغط غير العسكرية
العقوبات، الرسوم الجمركية، الحرب الإقتصادية والسيبرانية تُعد أقل كلفة وأطول نفسًا من الضربة العسكرية المباشرة.
الخاتمة
ما جرى ليس تراجعًا أخلاقيًا، ولا إنتصارًا للدبلوماسية، ولا خوفًا من الحرب بحد ذاتها.
إنه إعتراف عملي بفشل معادلة القوة التقليدية في فرض حل سريع على دولة كإيران.
ترامب لم يتراجع لأنه لا يستطيع الضرب، بل لأنه لا يستطيع تحمّل عالم ما بعد الضربة.
نحن أمام مرحلة شلل إستراتيجي:
•القوة موجودة
•القرار موجود
•لكن النتيجة غير مضمونة
وفي مثل هذه اللحظات، لا تبدأ الحروب دائمًا…
لكنها تصبح أكثر خطورة، لأن الخطأ الواحد فيها لا يتيح فرصة لتصحيحه.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
