30 كانون الثاني/يناير 2026
مقدمة
لم تعد إيران مجرّد عقدة توتر إقليمية في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى نقطة إرتكاز في صراع دولي أوسع يدور حول شكل النظام العالمي القادم، وموقع الصين فيه، وحدود الهيمنة الأمريكية. فالتطورات المرتبطة بالضغط على طهران، والحديث المتصاعد عن ضربات أمريكية محتملة، ومحاولات عزلها إقتصاديًا، لا يمكن فهمها فقط من زاوية الملف النووي أو السلوك الإقليمي الإيراني، بل ضمن سياق أعمق يتمثل في المواجهة الجيوسياسية بين واشنطن وبكين (بوددوبني، 2026؛ مافاشيف، 2026).
المقالات الثلاثة* التي نشرت في الصحافة الروسية -موضوع البحث-تلتقي عند فكرة مركزية:
إيران ليست الهدف النهائي، بل ساحة مفصلية في صراع كسر التوازنات الأوراسية، وضرب المصالح الصينية الصاعدة.
أولًا: إيران بين الضغط الخارجي والتآكل الداخلي
تشير القراءة الروسية للوضع الإيراني إلى أن طهران تمرّ بأصعب ظروفها السياسية–الإقتصادية منذ الثورة الإسلامية عام 1979 (بوددوبني، 2026). وتتداخل عدة عوامل:
•ضغط عقوبات مزمن أدى إلى تآكل إقتصادي طويل الأمد
•إضطرابات إجتماعية متكررة
•فجوة متنامية بين الدولة والمجتمع، الذي تغيّر جذريًا منذ جيل الثورة
•تعبئة دائمة في ظل غياب وحدة داخلية صلبة
في هذا السياق، تبدو قدرة إيران على إمتصاص الصدمات أقل بكثير من قدرة الولايات المتحدة على تعويض أخطائها، التي “تُموَّل بطباعة الدولار وإستقرار المسار الخارجي” (بوددوبني، 2026).
إيران تحاول الرد بأساليب حرب هجينة معاكسة:
•التشويش على أدوات الإتصال الغربية مثل Starlink
•توسيع التجارة غير الرسمية
•تعميق التكامل مع الصين
•تخفيف الإعتماد على الدولار في التسويات التجارية (بوددوبني، 2026)
لكن هذا الرد يوصف بأنه “إجراءات نصفية” لا ترقى إلى كسر الطوق الإستراتيجي.
ثانيًا: البعد العسكري – الردع المحدود وحدود القوة
من الناحية العسكرية، تملك إيران وسائل ردع تقليدية غير هينة:
•صواريخ باليستية متوسطة المدى
•القدرة على ضرب قواعد أمريكية إقليمية
•إمكانية إلحاق أذى كبير بإسرائيل (بوددوبني، 2026)
في المقابل، يشير التحليل إلى تفوق أمريكي ساحق في القدرة على الضربات الدقيقة:
•مجموعة حاملة طائرات بقيادة USS Abraham Lincoln
•مدمرات Arleigh Burke
•غواصات Virginia
•صواريخ Tomahawk Block V
•شبكة قواعد جوية تحيط بإيران
•طائرات F-35 وF-22 وB-2 (بوددوبني، 2026)
ومع ذلك، يُستبعد أن يؤدي هذا التفوق وحده إلى إسقاط النظام، لكنه — إذا تزامن مع إضطراب داخلي، ضغط إقتصادي، وإضعاف الحلفاء الإقليميين لإيران — قد يراكم آثارًا إستراتيجية خطيرة (بوددوبني، 2026).
ثالثًا: إيران كجبهة في الحرب على الصين
هنا يتحول التحليل من الإطار الإقليمي إلى الدولي.
يرى مافاشيف أن المصلحة الصينية الكبرى في إيران تتمثل في مشروع “الحزام والطريق”، حيث تحتل إيران موقعًا محوريًا يربط آسيا بأوروبا (مافاشيف، 2026). وبالتالي فإن أي زعزعة لطهران لا تُفهم فقط كضغط على دولة شرق أوسطية، بل كضربة مباشرة للبنية التحتية الجيوسياسية للصعود الصيني.
وعندما تهدد واشنطن بفرض رسوم على من يتعامل مع إيران، فإن المستهدف الضمني هو الصين بوصفها الشريك الإقتصادي الأهم لطهران (مافاشيف، 2026).
تتجلى مركزية إيران للصين في عدة مستويات:
1. الطاقة:
المصافي الصينية المستقلة تزيد إعتمادها على النفط الإيراني المخفّض السعر، خاصة بعد تراجع الإمدادات الفنزويلية (مافاشيف، 2026).
2. الممرات التجارية:
إيران عنصر حيوي في “الحزام والطريق”، وإخراجها من المعادلة يربك طرق الربط الأوراسية.
3. الدور السياسي:
وساطة بكين في تطبيع العلاقات الإيرانية–السعودية (2023) عكست مستوى ثقة إقليمي بالصين كلاعب إستقرار بديل عن الغرب (مافاشيف، 2026).
رابعًا: كسر “العالم الشيعي” أم إعادة تشكيل أوراسيا؟
يطرح بوددوبني فكرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى “كسر العالم الشيعي” (بوددوبني، 2026). لكن في ضوء التحليل الأوسع، يبدو أن هذا الكسر — إن حدث — لن يكون هدفًا مذهبيًا بقدر ما هو إعادة هندسة للفضاء الجيوسياسي الممتد من الخليج إلى آسيا الوسطى.
تحييد إيران يعني:
•إضعاف الصين إستراتيجيًا
•ضرب مشروع الحزام والطريق
•تقويض ممر “شمال–جنوب” الذي يهم روسيا
•إعادة تثبيت الهيمنة الغربية على طرق التجارة والطاقة (مافاشيف، 2026)
أي أن إيران هنا تتحول من فاعل إقليمي مشاغب إلى عقدة مركزية في صراع النظام العالمي.
خامسًا: المعضلة الإيرانية
وفق الطرح المجمع، ما الذي كان يمكن أن ينقذ إيران؟
•السلاح النووي كضمان ردع نهائي (لكن الغرب يعمل على منع إمتلاكه)
•حلفاء موثوقون (غير أن السياسة الإيرانية متعددة الإتجاهات أضعفت الثقة)
•مرونة داخلية تتلاءم مع مجتمع تغيّر جذريًا منذ 1979 (بوددوبني، 2026)
غياب هذه العناصر الثلاثة يجعل إيران في وضع هش: قادرة على الإيذاء، لكن غير قادرة على فرض توازن إستراتيجي كامل.
خاتمة
الصراع حول إيران لا يتعلق فقط بالملف النووي، ولا حتى بالنفوذ الإقليمي، بل يتموضع داخل صدام بنيوي بين نظام دولي تقوده الولايات المتحدة ونظام أوراسي صاعد تتصدره الصين.
إيران في هذا السياق ليست الهدف النهائي، بل نقطة إرتكاز: إسقاطها أو تحييدها يعني إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ في أوراسيا، وتوجيه ضربة غير مباشرة للصعود الصيني.
وبذلك تتحول أزمة إيران من ملف شرق أوسطي إلى فصل من فصول الصراع على شكل العالم القادم.
*****
المرجع
1) «ضربُ الصين عبر إيران ومنعُ آية الله من إمتلاك العصا النووية: حول تصدّع العالم الشيعي» الجزء الأول
27 يناير 2026
يفغيني بوددوبني – مراسل حربي، نائب المدير العام لمؤسسة البث الحكومية الروسية (VGTRK)، وصاحب قناة @epoddubny
2) الجزء الثاني
3) يوري مافاشيف
مستشرق، مدير مركز دراسات تركيا الجديدة
25 يناير 2026
«كيف تحفر الولايات المتحدة تحت أقدام الصين عبر إيران»
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
