في تخريبه للثقافة العربية وضعت السلطة العائلية التابعة والقروسطية القطرية تحت تصرف عزمي بشاره ميزانية خيالية لتأسيس مركز أبحاث هائل الإمكانيات. مركز الأبحاث الذي يديره عزمي بشارة في قطر هو المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (Arab Center for Research and Policy Studies)، ومقره الدوحة. تأسس المركز عام 2010، أي بعد سنوات من قيام الكيان بإعارة عضو الكنيست بشارة لقطر ليكن من مهمه إدارة مركز بحوث أكاديمي “مستقل”، ويشغل بشارة منصب المدير العام عزمي للمركز وفضائية العربي وعديد المواقع الإعلامية كجرائد (القدس العربي) وإلكترونيات وإنفاق على مراكز أبحاث في الأرض المحتلة 1948 سواء نسوية أو حزبية كعرب 48 واحتلال دوائر في الجامعات بالتمويل طبعاً وتدوير معارض كتب في مختلف الأقطار العربية…الخ.
لقد ذكرت في أكثر من موضع رسالة الراحل د. خير الدين حسيب مؤسس مركز دراسات الوحدة العربية حيث كشف لي كيف كاد يثق بعزمي بشارة ويسلمه المركز وكيف حاول كثيرون تسويق بشارة إلى د. حسيب، ليكتشف أن عزمي (مقشش/وهذه تُقال للطيور في تحضير أعشاشها) في مكان آخر، أي في قطر، وطلب مني عدم نشر الرسالة.
وبتوظيف هذه الإمبراطورية المالية في تناسل هذه المؤسسات جرت عملية نخاسة ثقافية عبر أدواته المتعددة بالتواصل مع أكبر عدد ممكن من الأقلام والشهادات في الوطن العربي للكتابة أو المشاركة في حفلات/ مؤتمرات مَركزه.
أما تعامله مع هؤلاء فهو مثابة شَرَك يبدأ بجلبهم إلى مؤسساته “باعتبارهم متميزين” ويدفع لهم ما يُغري، لا سيما في ظروف اقتصادية صعبة لبعضهم، أما البعض الآخر فليس لحاجة وإنما للاستزادة طالما هي سوق لشراء العقل ومن ثم الموقف مقابل المال مما جرَّد الثقافة، بل العقل من قيمته الإنسانية المفطورة إلى مجرد قيمة تبادلية تنتقل من تبادل منتجات المثقفين إلى تسليعهم الذاتي؟
لكنه بعد أن يخصي ذهنيتهم وخاصة السياسية يبدأ بالتقليل من مستوى هذا أو ذاك إلى أن يوقف النشر لهم أو دعوتهم إلى المؤتمرات. ففي مؤتمر مركزه الأخير قُدمت 450 ورقة أُجيز منها 250 ورقة دون الإعلان عن سبب رفض الأوراق المرفوضة. وبالطبع ليس هذا العدد بالقليل من حيث النفقات وليس هذا هو الشغل الوحيد من مركز “أبحاث” طبقاً للمعروف عن مراكز أبحاث وخاصة إذا زعمت إدارتها أنها مستقلة حيث يتركز شغلها على طلبات التمويل التي تشح يوما بعد آخر. المهم، أن من يتم إيقاف كتاباتهم أو المقابلات التي يجرونها وتقاريرهم الصحفية أو بودكاست، يُلقى بهم على قارعة البطالة، ولكن بعد كسرهم نفسيا وموقفاً.
وهذا نمط اشبه بما يقوم به الاحتلال حيث يعرض، على كل فلسطيني سواء معتقل أو من يتقدم بطلب تسهيلات اقتصادية سواء استثمارية، تسويق التعاقد من الباطن وتجارية تصدير واستيراد “أي مستوردي المنتجات الأجنبية أي الكمبرادور” أو طلب تصريح عمل يدوي ولو في قطاع العمل الأسود حيث يُعرض على كل فلسطيني العمل كمخبر بغض النظر عن المواقف والنتائج. وبالطبع، فالكيان لديه بنية مخبرين، بمعنى قد لا يحتاج للمزيد، لكن فلسفته هي في كسر كل فلسطيني نفسياً ووطنياً.
لذا، يجد الكثير ممن ستقطبهم مركز بشارة ثم طردهم سواء كتابة أو في برامج معينة، يجدون أنفسهم على قارعة الطريق معيشيا وعلى قارعة الوطنية كمكسوين وخاصة في الأرض المحتلة حيث البطالة الكاملة أو الجزئية من جهة وعدم وجود فرص عمل خارج الوطن الذي يصبح يوما بعد يوم افتراضيا.
أتى دور مراكز بشارة كما يبدو بعد أن قرأ تجربة الأنجزة الغربية التي استفحلت في المناطق المحتلة وأنتجت جيشا من المثقفين كأدوات لتغلغلها في المجتمع من جهة وجاهزين راغبين للعمل لدى بشارة باي ثمن ليعمل بنفس النهج سواء استمر أو تراجع المال الغربي المسموم.
هنا يدخل العامل الأسري والاستعراضي أو ما أسماه الاقتصادي نيركسه، عامل التقليد. فحين تعتاد أسرة على مستوى دخل وإنفاق يصعب عليها العودة للوراء تقشفاً إذا ما قل أو توقف الدخل مما يدفع رب الأسرة، هو أو هي لتقديم تنازلات لمصدر الدخل والتشغيل، ولا يتجاوز هكذا ضغط من ليس مبنيا أخلاقيا أو وطنياً. وبالتدريج يدوس البعض على القِيَم تدريجيا من صغيرها حتى أكبرها.
كانت البداية الأولى للأنجزة الغربية عام 1975 من خلال الملتقى الثقافي العربي في القدس بإدارة الراحل/المهندس ابراهيم الدقاق والذي ترك الملتقى إثر تنافس داخلي وعمل بعدها مستشارا للاتحاد الأوروبي. وكانت أولى المنظمات الغربية هي Novib الهولندية الصهيونية وتلت ذلك موجة ما تسمى المنظمات الطوعية الممولة من الغرب والتي تستهدف المثقفين اليساريين في المنظمات الجماهيرية التي بالتدريج انتقلت من منظمات قاعدية افرزت قياديين شعبيين إلى مؤسسات بيروقراطية يقودها إداريين محكومين ب بروبوزال/طلب التموُّل.
لكن الدفق السيولي التمويلي إلى الأرض المحتلة 1967 كان إثر اشتعال الانتفاضة 1987 واحتدام الصدام الشعبي مع الاحتلال، وهو أمر غريب فكيف يُمول الغرب انتفاضة شعبية ضد الكيان! أمر لافت أن هذا الاحتدام الشعبي جرى احتوائه بتدفق مالي لم يكن مطلوبا ولا متوقعاً! وهو أمر لم تلتفت له سوى قِلَّة تُتهم دائما بالرفض والتطرف في عملية شيطنة كي لا يُسمع صوتها.
وكان قد تواكب مع دخول التمويل الغربي سواء للمنظمات الطوعية أو منظمات الأنجزة توجهات استسلاميه ل م.ت.ف حيث أخذت تتسابق فصائلها على كسب مواقع اجتماعية (نقابات، نوادي، اتحادات) وكل ذلك باتجاه الاستدوال وليس التحرير، فتم إغداق الأموال لشراء النشطاء السياسيين وطبعا المثقفين بما لهم من تأثير جماهيري وطبعا بالسلب والإيجاب.
تبلور هذا الدفق المالي المتعدد المصادر في تشكيل شريحة تعتمد على العائدات غير المنظورة والتي لم يكن مصدرها تحويلات استثمارات أو أجور عمالة محلية في الخارج أو مغتربين في الأمريكيتين، بل كسيولة مالية بلا جهد سوى الترويج للفصائل أو لمنظمات الأنجزة وإيصالها إلى الفئات المستهدفة. وبمرور السنوات أصبح دور هذه الشريحة الطفيلية هو تخريب القوى السياسية وخاصة اليسارية. وبالطبع شاركت الأنجزة الكثير من المؤسسات الأجنبية كالملحقيات الثقافية لهذه الدولة الغربية أو تلك، والكثير من مؤسسات الأمم المتحدة أيضاً.
ربما يلاحظ المواطنون في الأرض المحتلة تداعي وضع منظمات الأنجزة الغربية أو تضاؤل نشاطها وتقلُّص ورودها في الإعلام والتحليلات، بينما يصعد جمهور مركز ومؤسسات عزمي بشارة وكأننا في عملية توريث أو نقل أو تشارك أو توزيع مهام من الأنجزة الغربية إلى الأنجزة الخليجية وخاصة القطرية، وهذه أدوار يسهل تغطيتها باعتبارها “مساعدات” عربية.
تُدار أنشطة بشارة عِبر مركز الأبحاث الذي يديره عزمي بشارة في قطر منذ 2010 كمركز بحوث أكاديمي مستقل!
إذن مركز أكاديمي مستقل! وأين؟ في قطر كمستعمرة أمريكية من جهة ومركز قوى الدينسياسي التي أنفقت فقط على إسقاط سوريا 137 مليار دولار وكان عزمي بشارة العراب السياسي الثقافي لجبهة النصرة ثم تحرير الشام! بعد سنوات من تغطية نفسه بالزعم أنه ناصري وعروبي. وفي الحقيقة يُسجَّل له أنه تحت هذه المزاعم ترشح للكنيست وزار الشام وبيروت عديد المرات ك “المفكر العربي”! أي أخذ تمرير شخصه ودوره من قادة المحور! وهذا التمرير سهَّل على كثيرين خارج الأرض المحتلة العمل تحت إمرة عزمي بشارة ليس أكاديميا فقط محاولات لتشكيل بدائل لِ م.ت.ف! وظل هؤلاء القادة يزعمون بأنهم ضد التطبيع ومع التحرير!
واللافت، أن مختلف المثقفين والأكاديميين والنشطاء سياسياً الذين يستخدمهم هذا المركز، أو محاولات خلق بديل سياسي يعرفون هذه الحقائق السوداء بما هي مُعلنة في مختلف مؤسسات الإعلام المكتوبة والإلكترونية وحتى المحكية شعبياً ومع ذلك يتزايد تدفق هؤلاء على خدمة هذا المركز ودوره.
وكما أشرنا، لم يقتصر تمويل بشارة على منظمات أنجزة محلية ووراثة أجنبية جفَّت مواردها فقد انتقل لاحتلال دوائر في الجامعات المحلية حيث تمويل ودفع رسوم طلبة “كلية دراسات المجتمع الإسرائيلي” للماجستير في جامعة بير زيت. وهنا تجدر الملاحظة لمفردة “المجتمع” بما لمعنى مجتمع أي بلد جار وشرعي على أرضه، أي الأمر الذي ينفي وجود الاحتلال واغتصاب الوطن، (وهذا سنعالجه لاحقاً) وبالطبع لا ندري اين تغلغل تمويل قطر في مختلف الجامعات والمعاهد، بل وصولاً إلى شراء فنانين وفنانات!
ولعل ابتلاع مؤسسة الدراسات الفلسطينية (التي تصدر عنها مجلة الدراسات الفلسطينية) نموذجاً على احتلال نفطي للثقافة العربية في فلسطين. ويبرز هذا التعاون بوضوح في التنظيم المشترك لـ “المنتدى السنوي لفلسطين” في الدوحة، حيث يشارك باحثون من المؤسستين ويفتتح د. عزمي بشارة جلساته. بخطاب تطبيعي خطير وواضح من الدرجة الأولى.
ليس السؤال عن الحجم العددي لمثقفي مؤسسات بشارة وخاصة شرائه المتناسب طردياً مع تدهور وضع فصائل المقاومة مالياً وكفاحياً مما أدى إلى تهافت كثير من كوادرها للانخراط في نفس شريحة العائدات غير المنظورة والتي، كما أشرنا، التقطها دور بشارة. بل في الدور الذي تلعبه هذه المجموعات المبثوثة في شرايين المجتمع خاصة لما لكلمة “مثقف” “دكتور” “أكاديمي” من وقع في نفس المواطن البسيط.
بقي أن نشير إلى تقاطع الدور بين قطر التي تحتوي وتمول مركز وأنشطة عزمي بشارة وهدفها وراثة م.ت.ف وسلطة الحكم الذاتي مع التجمعات والمؤتمرات بالآلاف ايضاً في تركيا والتي تزعم ايضاً إصلاح م.ت.ف والسلطة بينما لا تعرض لا قطر ولا تركيا وأدواتهما سوى حلول هذا على الكرسي محل ذاك. والمفارقة أن فرق قطر وفرق تركيا هي في الغالب من كوادر الدينسياسي ومن الفصائل الذين تم استقطابهم سواء من اليسار وحتى من فتح، بينما يتطلَّب الصراع مواصلة النضال للتحرير والعودة عبر إعادة النهوض العروبي الذي لا مستقبل بدونه.
:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
