مقالات مترجمة l فيتنام: حربٌ أرادت واشنطن أن تُخضع بها التاريخ… فانتهت وهي تُدان فيه، ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

12 شباط/فبراير 2026

لم تكن حرب فيتنام مجرد مواجهة عسكرية تقليدية ضمن سياق الحرب الباردة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الحروب إثارةً للجدل أخلاقيًا وسياسيًا في القرن العشرين. فهي الحرب التي كشفت حدود القوة الأمريكية، وفضحت الفجوة بين الخطاب المعلن عن “الدفاع عن الحرية” والممارسة الفعلية القائمة على التدمير الشامل.

وفي هذا السياق، يقدم الكاتب الروسي نيكولاي بروتوبوبوف في مقاله المنشور على وكالة ريا نوفوستي بتاريخ 7 شباط/فبراير 2026 بعنوان: «لن يغفروا لهم ذلك أبداً: ماذا فعل الأمريكيون في فيتنام».

قراءةً مكثفةً للحرب بوصفها نموذجًا صارخًا للحرب الحديثة القائمة على الإبادة من الجو والتدمير البيئي والنفسي طويل المدى.

أولاً: الحرب التي بدأت بذريعة… وتحولت إلى مشروع تدمير

يشير بروتوبوبوف إلى أن التدخل الأمريكي المباشر إنطلق رسميًا بعد حادثة خليج تونكين عام 1964، حين تعرضت المدمرة الأمريكية “مادوكس” لهجوم من زوارق طوربيد فيتنامية. لكن الكاتب يؤكد أن الحادثة لم تكن سوى “ذريعة جاهزة” ضمن سياق إستراتيجي أوسع.

ففي ذلك الوقت، كانت واشنطن ترى في صعود نفوذ فيتنام الشمالية تهديدًا مباشرًا لنظرية “الدومينو”، التي إفترضت أن سقوط دولة واحدة في جنوب شرق آسيا في المعسكر الشيوعي سيؤدي إلى إنهيار بقية الدول تباعًا.

ويقتبس المقال ما يوضح جوهر القرار الأمريكي: “لم يكن الهدف الرد على حادثة محدودة، بل منع إنتشار الشيوعية في آسيا بأي ثمن.”

هكذا إنتقل التدخل من دعم غير مباشر إلى حرب جوية مفتوحة من طرف واحد، بدأت فعليًا مع عملية “السهم المشتعل” (Flaming Dart) في فبراير 1965، لتدخل المنطقة بعدها في واحدة من أعنف حملات القصف في التاريخ الحديث.

ثانياً: فلسفة القصف الشامل — عندما يصبح المدني هدفاً

يخصص المقال حيزًا واسعًا لتحليل حملة “الرعد المتدحرج” (Rolling Thunder) التي إستمرت ثلاث سنوات (1965–1968)، والتي تعد أكبر حملة قصف أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد الكاتب أن هذه الحملة لم تكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل إتسمت بمنطق تدميري شامل إستهدف بنية المجتمع الفيتنامي نفسها.

ومن أبرز ما يورده المقال: “القصف لم يقتصر على الأهداف العسكرية، بل شمل المدن والقرى والبنية التحتية وحتى الحقول الزراعية بهدف خلق المجاعة.”

لقد كانت الفكرة الأساسية هي “كسر إرادة الشعب” عبر العقاب الجماعي، وهو مفهوم إرتبط بالمدرسة العسكرية الأمريكية في الحرب الجوية الشاملة منذ الحرب العالمية الثانية.

ويستشهد المقال بتصريح صادم للجنرال الأمريكي كيرتس ليماي: “سنقصفهم حتى يعودوا إلى العصر الحجري.”

وهذه العبارة تختصر جوهر العقيدة العسكرية الأمريكية آنذاك: إستخدام التفوق التكنولوجي لتحقيق إنهيار نفسي وإجتماعي كامل لدى العدو.

ثالثاً: النابالم… رمز العنف الحديث

من أكثر جوانب الحرب إثارة للصدمة هو الإستخدام الواسع للنابالم، وهو سلاح حارق يُعد من أكثر أدوات الحرب قسوة.

ويذكر المقال أن الولايات المتحدة ألقت نحو:

•7 ملايين طن من القنابل

•500 ألف طن من النابالم

وكانت طبيعة القصف “سجادية” carpet bombing، أي غير دقيقة، ما أدى إلى تدمير مناطق كاملة دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين.

ويؤكد الكاتب: “كانت قرى بأكملها تُحرق مع سكانها لأن المعلومات الإستخبارية حول وجود مقاتلين فيها لم تكن تُدقق غالبًا.”

لقد تحولت صور الأطفال المحترقين بالنابالم إلى رمز عالمي لجرائم الحرب، وساهمت في تأجيج الإحتجاجات داخل الولايات المتحدة نفسها.

رابعاً: الحرب الكيميائية — الجريمة التي لم تنتهِ

إذا كان النابالم رمزًا للقسوة الفورية، فإن إستخدام المواد الكيميائية مثل “العامل البرتقالي” (Agent Orange) يمثل جريمة طويلة الأمد.

فهذا المبيد الذي إستخدم لإزالة الغابات كان يحتوي على مادة الديوكسين السامة للغاية.

ويقول المقال: “آثار العامل البرتقالي لا تزال محسوسة حتى اليوم، حيث يولد أطفال بتشوهات خلقية نتيجة التلوث.”

وقد أدى رش ملايين الهكتارات من الغابات إلى:

•تدمير النظام البيئي بالكامل

•إنتشار السرطان والأمراض الوراثية

•كارثة صحية ممتدة عبر الأجيال

وهنا تتحول الحرب من حدث عسكري إلى كارثة بيئية وإنسانية دائمة.

خامساً: الدعم السوفياتي — الحرب تتحول إلى صراع عالمي بالوكالة

يشير بروتوبوبوف إلى أن تدخل الإتحاد السوفياتي والصين قلب ميزان القوى، خصوصًا عبر تزويد فيتنام بأنظمة الدفاع الجوي والمقاتلات.

فقد زود السوفيات فيتنام بـ:

•مقاتلات MiG-17 وMiG-21

•منظومات صواريخ SA-75

•آلاف المدافع المضادة للطائرات

ويورد المقال أن الدفاعات الفيتنامية، بدعم سوفياتي، أسقطت نحو: “3500 طائرة ومروحية أمريكية.”

هذا التطور أجبر واشنطن على تعديل تكتيكاتها، ما يعكس تحول الحرب إلى مواجهة تكنولوجية غير مباشرة بين القوتين العظميين.

سادساً: الهزيمة السياسية — عندما تربح المعركة وتخسر الحرب

رغم التفوق العسكري الأمريكي الساحق، إنتهت الحرب بهزيمة سياسية وإستراتيجية لواشنطن.

ويرى الكاتب أن السبب الرئيسي هو أن: “القصف الشامل لم يحقق التهدئة، بل زاد المقاومة الفيتنامية وأجج المشاعر الوطنية.”

كما لعبت عدة عوامل دورًا حاسمًا:

•الخسائر البشرية الكبيرة

•الإحتجاجات الشعبية داخل أمريكا

•فقدان الشرعية الأخلاقية دوليًا

وهكذا تحولت الحرب إلى مثال كلاسيكي على حدود القوة العسكرية في مواجهة حرب شعبية طويلة.

سابعاً: الدلالة التاريخية — فيتنام كجرح دائم في الذاكرة العالمية

تكمن أهمية حرب فيتنام في أنها شكلت نقطة تحول في فهم الحرب الحديثة.

فقد كشفت:

1. أن التفوق التكنولوجي لا يضمن النصر

2. أن الحرب الجوية الشاملة قد ترتد سياسيًا وأخلاقيًا

3. أن القوة العظمى قد تُهزم بإرادة شعبية

ولهذا يختم بروتوبوبوف مقاله بجملة تلخص الإرث التاريخي للحرب: “إنها حرب لن يغفرها التاريخ للولايات المتحدة.”

خاتمة

إن حرب فيتنام ليست مجرد فصل من تاريخ الحرب الباردة، بل هي تجربة كاشفة لطبيعة القوة في العصر الحديث. فهي الحرب التي أثبتت أن القصف الشامل قد يدمر الأرض لكنه لا يكسر الإرادة، وأن التفوق العسكري قد يتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي.

لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تسعى لإحتواء الشيوعية، لكنها خرجت منها وقد فقدت جزءًا كبيرًا من صورتها العالمية، بينما بقيت فيتنام شاهداً حيًا على أن الشعوب، مهما كانت ضعيفة ماديًا، قادرة على هزيمة أعظم القوى عندما تتحول الحرب بالنسبة لها إلى قضية وجود.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….