مَنْ يرى وقائع الصِّراع الدَّائر، اليوم، في أنحاء مختلفة من العالم، بوصفها حروباً متفرِّقة، لكلِّ واحدةٍ منها أسبابها المختلفة، وحدودها الخاصَّة، وأهدافها الضيِّقة، فإنَّه لا يرى سوى السَّطح. أمَّا في العمق، فثمَّة حربٌ واحدة، كبرى، متَّصلة، تدور رحاها على النِّظام الدَّوليّ نفسه؛ إنَّها حربٌ على شكل العالم، وعلى مصائر شعوبه وبلدانه.
والحرب الأميركيَّة «الإسرائيليَّة» الدَّائرة الآن على إيران، ليست سوى واحدةٍ من أبرز تجلِّيات هذه الحرب الشَّاملة. إلى جانبها، تدور الحرب بين الغرب وروسيا في أوكرانيا؛ وطوال سنتين ماضيتين، دارت الحرب الغربيَّة «الإسرائيليَّة» على غزَّة؛ وقد تشعَّبت إلى لبنان، واليمن، والعراق، وإيران. وفي شرق آسيا، تتوتَّر المياه في بحر الصِّين، بما ينذر باحتمالات خطرة؛ أمَّا في غرب العالم، فقد شهدنا، منذ مدَّة قريبة، عدواناً غاشماً قامت به الولايات المتَّحدة على فنزويلا؛ كما نشهد محاولات متواصلة لخنق أيّ صوت مستقل في أميركا اللاتينيَّة وإفريقيا.
بطبيعة الحال، لكلِّ حربٍ مِنْ هذه الحروب أهدافها المحليَّة والخاصَّة؛ ولكلِّ طرفٍ مِنْ أطرافها حساباته الضَّيِّقة ومصالحه المباشرة؛ لكن، الواقع يرينا أنَّه ما إنْ تندلع شرارة واحدةٍ مِنْ هذه المواجهات، هنا أو هناك، حتَّى تندرج – موضوعيّاً – في سياق الحرب الكبرى: الحرب الجارية على شكل النِّظام الدَّوليّ وهويَّته ومصائر شعوب العالم.
وهذا مؤشِّرٌ قويّ على عُمق التَّحوُّلات التَّاريخيَّة الجارية الآن. والتَّحوُّلات، هذه، كُلُّها، تصبُّ في مجرى واحد: الصِّراع على ما إذا كان العالم سيظلُّ يُحكَم بإرادةِ قطبٍ دوليٍّ واحد متجبِّر، أم سيتحوَّل إلى نظامٍ تعدُّديّ يعكس تنوُّعَ القوى والتَّوازنات الجديدة، ويعيد فَتْحَ أبواب التَّاريخ أمام الشُّعوب المقهورة والمستَغَلَّة.
في هذا الصِّراع، تستميتُ الولاياتُ المتَّحدةُ للحفاظ على النِّظام الدَّوليّ القديم أُحاديّ القطب؛ لتظلّ فيه هي الآمرُ النَّاهي، الَّذي لا يُسأل عمَّا يفعل. ويستميتُ الغرب، معها، للحفاظ على موقعه المهيمن، الَّذي مكَّنه، لقرون، مِنْ إدارة شؤون العالم، وفق مصالحه الخاصَّة، وعلى حساب مصالح الشُّعوب الأخرى جميعها. وفي الخندق المقابل، تبرزُ القوى الدَّوليَّةُ الكبرى، الَّتي سمَّاها سمير أمين الدُّولَ الصَّاعدة، وتبرزُ معها تطلُّعاتُ الشُّعوبِ نحو قيامِ نظامٍ دوليٍّ متعدِّد الأقطاب؛ نظام يفتح أمامها أبواب الخلاص مِنْ طوق التَّبعيَّة، ويضعها على طريق التَّحرُّر الوطنيّ والدِّيمقراطيَّة.
لقد حَكَمَت الولاياتُ المتَّحدةُ العالمَ، طوال العقود الماضية، بأسلوبٍ أوتوقراطيٍّ طاغٍ، لا يقلُّ استبداداً عن أيِّ نموذجٍ ديكتاتوريّ تدَّعي محاربته. وكان الغربُ الأطلسيُّ شريكاً لها في ذلك. والمفارقة، الَّتي تثير السُّخريةَ المرَّةَ، هي أنَّ هذه الهيمنة كانت تُسوَّق دائماً تحت لافتة «الدِّيمقراطيَّة»؛ «الديمقراطيَّة» الَّتي تحوَّلت إلى ذريعةٍ جاهزة للتَّدخُّل في شؤون الدُّول الأخرى، وتقويض سيادتها، ونَهْبِ ثرواتها، وتغيير الأنظمة الَّتي تتمسَّك باستقلالها، وإعادة تشكيل العالم وفق مقاس المصالح الأميركيَّة والغربيَّة.
كاتبُ هذه السُّطور أوضح، في كتاباته، منذ سنوات، أنَّ الغربَ – وعلى رأسه الولايات المتَّحدة – يخسر هيمنتَه باطِّراد؛ وأنَّ مركز العالم ينتقل بالتَّدريج، لكن بثبات، من الغرب إلى الشَّرق، بعد أن استقرَّ في الغرب لنحو خمسة قرون.
هذا سياق، يمكن رؤيته من النَّظر إلى مسار التَّاريخ خلال العقود الثَّلاثة الأخيرة. والخسارة الموجعة لأميركا في أفغانستان، وفشلها في حروبها بالوكالة، وعجزها عن حماية مشاريعها الإمبرياليَّة في أوكرانيا، وعجزها الأكبر عن حماية «إسرائيل» بكلِّ أساطيلها وقواعدها في المنطقة – كلُّها دلائلُ على هذا التَّقهقر المتتالي.
وليس مستغرباً، والحال هذه، أنْ يخوض الغربُ معاركَه ضدَّ باقي العالم بقدرٍ متزايدٍ من الوحشيَّة؛ فالقوى الآفلة، في التَّاريخ، لا تنسحب بهدوء، بل تقاتل بعنفٍ مضاعف.
هنا، تبرز إيران بوصفها واحدةً من العقبات الأساسيَّة في طريق مشروع الغرب للحفاظ على هيمنته. فهي دولةٌ اختارت أنْ تكون مستقلَّةً في قرارها، لا تتبع، ولا ترضخ، ولا تبيع سيادتها مقابل وعودٍ وهميَّة، تمضي بجديَّة في طريق التَّقدُّم العلميّ والتكنولوجيّ، وتبني قدراتها العلميَّة والعسكريَّة خارج الإملاءات الغربيَّة. وهذا، في منطق الهيمنة، خطيئةٌ لا تُغتفر. لذلك، أصبحت إزاحتها هدفاً لا غنى عنه، إذا ما أُريد للمشروع أن يكتمل.
ويتطابق هذا الهدف مع الأهداف الإقليميَّة لـ «إسرائيل»، الَّتي لم تعد تُخفيها: التَّوسُّع، السَّيطرة على المنطقة، تصفية القضيَّة الفلسطينيَّة، وإعادة رسم الخرائط.
هذه الأهداف، الَّتي تندرَّج في إطار المشروع الإمبرياليّ الغربيّ العامّ، تصطدم – بالدَّرجة الأولى – بإيران، وبقوى المقاومة، الَّتي تقف، موضوعيّاً، حجر عثرةٍ أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق الرُّؤية «الإسرائيليَّة»، وترفض أن تكون المنطقة مجرَّد باحة خلفيَّة للكيان الغاصب الدَّخيل.
وفي هذا الإطار، فإنَّ صمودَ إيران، في مواجهة الضّغوط والاعتداءات، لا يقتصر أثره على حدودها؛ بل يتجاوزها إلى المساهمة في تسريع تآكل الهيمنة الغربيَّة، وتعزيز مسار التَّعدُّديَّة القطبيَّة. وعلى المستوى الإقليميّ، يُسهم الصُّمود الإيرانيّ في كبح جماح التَّوسُّعيَّة «الإسرائيليَّة»، وإعادة الكيان العدوانيّ الغاصب إلى حجمه الطَّبيعيّ، وإنهاء الأسطورة القائلة بأنَّه قوَّة لا تُقهر، وتعميق أزمته الوجوديَّة، وإدخاله في سياق التَّآكل التَّاريخيّ.
في أتون هذا الصِّراع، انكشف الكثير. وظهرت الأنظمة العربيَّة، الَّتي رهنت نفسها للتَّبعيَّة، بصفتها أدوات صريحة لخدمة المصالح الأميركيَّة و«الإسرائيليَّة»، متوهِّمةً أنَّ القواعدَ الأميركيَّة المنتشرة في بلدانها ستحميها، فإذا بهذه القواعد أعجز مِنْ أنْ تحمي نفسها. وقد تحوّلت مِنْ رادعٍ مُفتَرض إلى رهائن سانحة للقوَّة الإيرانيَّة.
وبالنَّظر إلى مجمل هذا المشهد: صمود إيران، ومتانة قوى المقاومة في المنطقة وبطولاتها الأسطوريَّة، وتنامي اعتراض قوى دوليَّة عديدة على العدوانيَّة الأميركيَّة «الإسرائيليَّة»، بل وظهور تصدُّعاتٍ داخل المعسكر الغربيّ نفسه، حيث يتصاعد التَّباين بين الولايات المتَّحدة وبين بعض حلفائها الَّذين يستنكفون عن التَّورّط في مستنقع الحرب على إيران، وانقسام الدَّاخل الأميركيّ، وبدء تفكُّك الإدارة الأميركيَّة نفسها – فإنَّ الرِّهان على قدرة واشنطن و«إسرائيل» على حَسْمِ هذه المواجهة يبدو رهاناً واهماً.
إنَّ هذه الحرب ستنتهي، يقيناً، بظهور مشهد إقليميّ ودوليّ جديد؛ مشهد لن يسرّ الأميركيين، ولا «الإسرائيليين»، ولا أتباعهم من العرب الَّذين ارتضوا لأنفسهم دور الأدوات. مشهد يثبت أنَّ مَنْ راهن على أحاديَّة الهيمنة الأميركيَّة خسر رهانه؛ فالعالم لم يعد يحتمل وصاية أحد.
هذه الحرب، مهما طالت، ومهما كانت ويلاتها، هي بداية النَّهاية لنظام أوتوقراطي طغى وتَجبَّر، وحان وقت رحيله. أعني النَّظام الدَّوليّ الحاليّ الَّذي تهيمن عليه الولايات المتَّحدة وحلفاؤها الأطلسيّون.
«الشَّمس ستُشرق مِنْ جديد» (ها أنا أعود إلى الاستعارة مِنْ هيمنجواي)، والعالم سيتنفَّس الصُّعداء بعد قرونٍ من الخضوع لإرادة الغرب المتغطرس.
:::::
* صفحة الكاتب على فيس بوك
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
