تحليل إخباريl تعميم نموذج غزة: نحو إعادة تشكيل قواعد الحرب في الشرق الأوسط، سعيد عريقات

سعيد عريقات

واشنطن

5/4/2026

شهد الشرق الأوسط تحولات عميقة في أنماط الحروب وأساليب إدارتها، حيث تتبلور ملامح عقيدة عسكرية جديدة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، تقوم على نقل نموذج الحرب في غزة إلى ساحات أخرى مثل إيران ولبنان. هذا التحول لا يقتصر على الأدوات العسكرية، بل يمتد إلى إعادة تعريف حدود المقبول أخلاقياً وقانونياً في النزاعات المسلحة، بما يهدد بتقويض منظومة القانون الدولي الإنساني التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية.

لقد مثّلت الحرب على غزة لحظة مفصلية، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية، بل لأنها كشفت عن توجه متعمد لتطبيع أنماط قتال تقوم على الاستهداف واسع النطاق للمناطق المدنية، وتدمير البنى التحتية الحيوية، واستخدام القوة المفرطة دون اعتبار كافٍ لمبدأي التناسب والتمييز. ومع انتقال هذا النموذج إلى إيران ولبنان، يبدو أن ما كان يُنظر إليه سابقاً كاستثناء صادم، بات يُقدَّم بوصفه قاعدة قابلة للتكرار.

في إيران، تشير المعطيات إلى حملة قصف كثيفة وغير مسبوقة، استهدفت أحياء سكنية ومنشآت خدمية، بما في ذلك مرافق صحية وتعليمية وبنى تحتية للطاقة والمياه. هذا النمط يعكس اعتماداً متزايداً على القوة النارية الثقيلة، واستخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، ما يثير تساؤلات جدية حول دقة هذه الضربات وحدود المساءلة. كما أن استهداف منشآت حيوية، بما فيها مرافق نووية، ينطوي على مخاطر كارثية تتجاوز حدود النزاع المباشر.

أما في لبنان، فتتكرر ملامح المشهد ذاته، من خلال عمليات تهجير واسعة النطاق للسكان، وتدمير ممنهج للمنازل والبنية التحتية، إلى جانب استهداف العاملين في القطاع الصحي والإعلامي. هذه الممارسات، التي كانت تُعد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، باتت تُمارس في سياق خطاب سياسي وعسكري يبررها باعتبارات أمنية، ويستند أحياناً إلى مقارنات تاريخية مثيرة للجدل، مثل قصف المدن خلال الحرب العالمية الثانية.

هذا التحول يعكس، في جوهره، إعادة صياغة لمفهوم الحرب نفسها، حيث يتم تقليص الفجوة بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتوسيع نطاق “الأهداف المشروعة” ليشمل عناصر أساسية في حياة المجتمعات. كما أن الخطاب المصاحب لهذه العمليات يشير إلى تراجع ملحوظ في الالتزام العلني بالقواعد الأخلاقية، واستبداله بلغة أكثر حدّة، تشرعن العنف وتُضفي عليه طابعاً وجودياً.

غير أن أخطر ما في هذا المسار هو تداعياته بعيدة المدى. فإضعاف قواعد القانون الدولي لا ينعكس فقط على ضحايا الحروب الحالية، بل يفتح الباب أمام أطراف أخرى لتبني النهج ذاته، ما يؤدي إلى دوامة من التصعيد المتبادل، حيث تصبح الانتهاكات مبرراً لانتهاكات مضادة. وفي هذا السياق، تبدو الضربات الانتقامية التي تستهدف بنى مدنية مؤشراً على انزلاق متسارع نحو هذا السيناريو.

إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتتزايد النزعات الأحادية، ما يضعف آليات الضبط والمساءلة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح خطر “تعميم نموذج غزة” ليس مجرد احتمال، بل مساراً قائماً يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في الحروب المعاصرة.

يبرز في هذا السياق تآكل واضح لمفهوم الردع التقليدي، حيث لم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط لاحتواء الخصوم، بل لإعادة تشكيل البيئات السكانية والسياسية عبر التدمير واسع النطاق. هذا التحول يعكس قناعة لدى بعض صناع القرار بأن الحسم السريع يتطلب كلفة بشرية مرتفعة، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي سعت البشرية لترسيخها منذ منتصف القرن العشرين. استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تطبيع العنف المفرط كأداة سياسية، بما يهدد الاستقرار الدولي على المدى الطويل.

اللافت أيضاً هو الدور المتنامي للتكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي، في إدارة العمليات العسكرية. ورغم ما يُروَّج له من دقة وكفاءة، فإن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يساهم في توسيع نطاق الأخطاء، أو تقليل الحساسية تجاه الخسائر البشرية، نتيجة الابتعاد عن التقدير البشري المباشر. هذا يطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة، تتعلق بالمسؤولية والمساءلة، ويستدعي نقاشاً دولياً جاداً حول ضوابط استخدام هذه التقنيات في النزاعات المسلحة.

ولا يهدد تعميم هذا النموذج من الحروب فقط الدول المستهدفة، بل ينعكس على الأمن العالمي ككل، بما في ذلك الدول التي تقوده. إذ أن تقويض القواعد الدولية يخلق بيئة أكثر فوضوية، حيث تصبح جميع الأطراف عرضة لانتهاكات مماثلة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، وتعزيز آليات المساءلة، لم تعد مسألة أخلاقية فحسب، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على قدر من الاستقرار في نظام دولي يزداد هشاشة يوماً بعد آخر.

_________

ملاحظة منكنعان“: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….