إعادة إنتاج الهيمنة تحت غطاء النقد: قراءة في أطروحات جلبير الأشقر، رفيق زروال

14 ابريل 2026

تقديم

لم تكن قراءة مقالة جلبير الأشقر في “القدس العربي”، المعنونة بـ “التوسّع الصهيوني في لبنان بذريعة حزب الله”(*)، مجرد متابعة تحليلية عابرة، بل كانت مواجهة مباشرة مع خطاب يقدّم نفسه في شكل تحليل نقدي، بينما يعيد في جوهره إنتاج قراءة تُفرغ الصراع من جذوره البنيوية و الطبقية. وقد جاء نشر جريدة “المناضلة”، الناطقة باسم أحد التيارات التروتسكية في المغرب، للمقال على صفحتها في فيسبوك دون أي تعليق أو تحفظ، ليؤكد انسجامهم الكامل مع محتواه ومواقفه، التي لا تعدو كونها مقاربة تبريرية تُساوي بين الضحية والجلاد، وبين مشروع التحرر ومشروع الهيمنة.

وفي لحظة يتصاعد فيها الصراع في لبنان بين دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني ودعاة المقاومة، يواصل الأشقر، وفاءً لتقليد تروتسكي راسخ، الاصطفاف إلى جانب “الدولة اللبنانية” التي لا يشكك في شرعيتها، رغم قيادتها لمسار التطبيع وتجريم المقاومة.

وبعد الاطلاع على مقالات أخرى للأشقر حول الحرب في الشرق الأوسط ومواضيع سياسية مختلفة، يتضح أن الأمر لا يتعلق بزلة تحليلية معزولة، بل بخطّ فكري متكامل يقوم على تغييب الإمبريالية، وتهميش الصراع الطبقي، وتضخيم التناقضات الثانوية على حساب التناقض الرئيسي. وهذا ما يجعل نقد هذه الأطروحات ضرورة فكرية وسياسية.

أولاً: تغييب الإمبريالية – جوهر الانحراف النظري

يقدّم لينين تعريفًا قاطعًا حين يقول إن “الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية”، وهو تعريف يحدد الإمبريالية كبنية عالمية تحكم حركة رأس المال والهيمنة، لا كخيار سياسي أو قرار ظرفي. غير أن مقاربة الأشقر تتجاهل هذا الأساس البنيوي، إذ يعيد تقديم الكيان الصهيوني كفاعل سياسي “إقليمي” له حساباته الخاصة، وكأن احتلاله وتوسّعه منفصلان عن المنظومة الإمبريالية العالمية. وبهذا التغييب، يتحوّل الصراع من صراع تحرري ضد منظومة عالمية إلى نزاع سياسي بين أطراف محلية، وهو ما يشكّل تفريغًا للماركسية من مضمونها الثوري.

ثانياً: شخصنة الصراع – من البنية إلى الأفراد

يميل الأشقر إلى تفسير السياسات الإمبريالية عبر قرارات أفراد مثل ترامب، وكأن الإمبريالية مجرد مزاج شخصي لا بنية اقتصادية-طبقية. لكن ماركس يذكّر بأن “الناس يصنعون تاريخهم، لكن ليس في ظروف يختارونها بأنفسهم”، ما يعني أن الفاعلين السياسيين يتحركون داخل بنى محددة لا يمكن تجاوزها. إن اختزال الإمبريالية في قرارات أفراد يطمس دور الاحتكارات، ويلغي المصالح الطبقية، ويحوّل النظام العالمي إلى مسرح نوايا شخصية، وهو ما يقرّب التحليل من المقاربة الليبرالية ويبعده عن المنهج الماركسي.

ثالثاً: حركات التحرر – قلب الصراع الذي يتجاهله الأشقر

يؤكد لينين أن “حروب الشعوب المضطهدة ضد الدول الإمبريالية حروب عادلة وتقدمية”، وأن “الثورة ضد الإمبريالية جزء لا يتجزأ من الثورة البروليتارية العالمية”. وضمن هذا الإطار، فإن أي مقاومة ضد الكيان الصهيوني وضد الإمبريالية، مهما كانت تناقضاتها، تندرج موضوعيًا ضمن حركات التحرر. غير أن الأشقر يعيد صياغة المقاومة باعتبارها “وظيفة موضوعية” تخدم هذا الطرف أو ذاك، مساويًا بين ضرورة تاريخية تتمثل في مقاومة الاحتلال، ونتائج ظرفية تتعلق بتوازنات سياسية. وهكذا يتحول الصراع التحرري إلى “ملف سياسي” قابل للتقييم التقني، بدل كونه صراعًا تاريخيًا ضد الهيمنة او الاحتلال.

رابعاً: التناقض الرئيسي – المعادلة التي يقلبها الأشقر رأسًا على عقب

يقول مهدي عامل إن “تحديد التناقض الرئيسي هو الشرط الأول لأي تحليل ماركسي”، وفي السياق اللبناني والإقليمي، فإن التناقض الرئيسي واضح: الإمبريالية والكيان الصهيوني مقابل مشروع التحرر الوطني. لكن الأشقر يقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، إذ يضخّم التناقضات الثانوية المرتبطة بحزب الله والدولة اللبنانية وإيران، ويُضعف التناقض الرئيسي، ويحوّل المقاومة إلى مجرد “عامل إقليمي” بدل كونها تعبيرًا عن صراع تحرري. وهذا “الانقلاب” النظري يؤدي عمليًا إلى مساواة ضمنية بين الضحية والجلاد.

خامساً: غياب التحليل الطبقي – من الماركسية إلى الجيوسياسة

لا يظهر في مقاربة الأشقر أي تحليل للبنية الطبقية في لبنان أو المنطقة. فلا حديث عن البرجوازية الكومبرادورية و الأنظمة الرجعية، و لا عن الطبقات الشعبية، ولا عن موقع المقاومة داخل البنية الاجتماعية، ولا عن دور الرأسمال العالمي في تشكيل الصراع. وغياب هذا البعد يحوّل التحليل إلى جيوسياسة سطحية لا تختلف عن مقاربات مراكز الأبحاث الغربية و لا عن تحليلات مفكري الامبريالية-الصهيوينة كعزمي بشارة و امثاله. إن تغييب الصراع الطبقي هو تجريد للماركسية من ماديتها، وتحويلها إلى أدوات لغوية بلا مضمون نقدي جدلي.

سادساً: الخلفية التروتسكية – حدود منهج يرفض “الانحياز

ينتمي الأشقر إلى تقليد تروتسكي يقوم على “نقد” مزدوج للإمبريالية وللقوى المناهضة لها، وعلى رفض دعم حركات التحرر “غير النقية” أيديولوجيًا. غير أن هذا الموقف يؤدي عمليًا إلى ضبابية في تحديد العدو الرئيسي، وإلى مساواة بين الكيان الصهيوني/الإمبريالية والمقاومة، وإلى تردد في دعم أي حركة تحرر وطني. نتيجة منطقية لمنهج ذاتي لا علمي يغلب الطابع المزاجي الانفعالي على ما هو موضوعي تاريخي.

ولا يمكن فصل هذا الموقف عن تقليد تاريخي راسخ داخل العديد من التيارات التروتسكية، التي اتخذت مواقف مشابهة تجاه حركات التحرر الوطني منذ الثورة الصينية والكوبية، مرورًا بحرب التحرير الجزائرية والثورة الفيتنامية، وصولًا إلى الثورة الفلسطينية وحركات التحرر في إفريقيا. وقد وقفت هذه التيارات مرارًا ضد دعم نضالات الشعوب ضد الاستعمار والهيمنة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى الذراع “الأيديولوجي” للإمبريالية و حلفائها للهجوم عليها.

فعلى امتداد القرن العشرين، قدّمت التيارات التروتسكية نموذجًا صارخًا للجمود العقائدي والانفصال عن الديناميات الحقيقية لحركات التحرر الوطني. فقد تعاملت هذه التيارات مع الثورات المناهضة للاستعمار بمنطق دوغمائي متعالٍ، يختزل الواقع في قوالب نظرية جامدة، ويُقصي كل نضال لا ينسجم حرفيًا مع تصورها الخاص لـ”الثورة البروليتارية”.

ففي الصين، لم تتردد التروتسكية في مهاجمة الثورة التي قادها الحزب الشيوعي، ووصفتها بأنها “فلاحية” و”غير بروليتارية”، وكأن ملايين الفلاحين الذين حملوا السلاح ضد الاحتلال الياباني وضد الإقطاع المحلي لا يملكون شرعية النضال. بل إن هذه التيارات رفضت دعم الجبهة المتحدة ضد اليابان، فقط لأنها تضم قوى “برجوازية”، متجاهلة أن الشعب الصيني كان يواجه غزوًا مباشرًا ودمارًا شاملاً.

وتكرر المشهد في كوبا، حيث تعاملت التيارات التروتسكية مع الثورة الكوبية بعين الريبة والعداء، واعتبرتها مجرد “ثورة برجوازية ديمقراطية”. لم يشفع لكاسترو ورفاقه أنهم واجهوا أقوى الإمبرياليات في العالم، ولا أن الثورة الكوبية أصبحت رمزًا عالميًا للتحرر. فالمعيار الوحيد لدى هذه التيارات كان هو مدى تطابق القيادة مع نموذج “البروليتاريا النقية” كما تتخيله أدبياتها.

وفي الجزائر، بلغ الانفصال عن الواقع ذروته. فبينما كان الشعب الجزائري يخوض واحدة من أعنف معارك التحرر في القرن العشرين، اختارت التيارات التروتسكية الوقوف على الهامش، رافضة دعم جبهة التحرير الوطني بحجة أنها “قومية برجوازية”. بل وذهبت إلى حد انتقاد الكفاح المسلح نفسه، وكأن التحرر من استعمار استيطاني دموي يمكن أن يتحقق ببيانات سياسية أو نقاشات نظرية.

أما في فيتنام، فقد واصلت هذه التيارات النهج ذاته، فاتهمت حزب العمال الفيتنامي بالبيروقراطية، ورفضت الانضمام إلى الجبهة الوطنية الواسعة التي قادت النضال ضد الاحتلالين الفرنسي ثم الأمريكي. لقد كان الشعب الفيتنامي يخوض حربًا وجودية، بينما كانت التروتسكية منشغلة بتصنيف القوى وتحديد من يحق له قيادة الثورة ومن لا يحق.

وفي فلسطين، لم يختلف الموقف كثيرًا. فمنذ ستينيات القرن الماضي، اعتبرت بعض التيارات التروتسكية فصائل المقاومة مجرد حركات “قومية برجوازية”، ورفضت الكفاح المسلح لأنه لا ينطلق من قيادة بروليتارية. وتظهر كتابات أرنست ماندل وتوني كليف هذا المنطق بوضوح: رفضٌ لأي نضال تحرري لا يندرج في إطار ثورة اشتراكية شاملة، وخلط فج بين مهام التحرر الوطني من الاحتلال الصهيوني المباشر وبين مهام التحرر الاجتماعي الطبقي.

إن القاسم المشترك في كل هذه المواقف هو العجز عن فهم أن الشعوب لا تنتظر اكتمال “الشروط المثالية” كي تقاوم الاحتلال. فالتروتسكية، في نسختها التي تجسدت في الأممية الرابعة ومشتقاتها، قدّمت قراءة نظرية متصلّبة جعلتها في كثير من الأحيان تقف خارج التاريخ و في موقع المتفرج ، بل و في موقع الهجوم على معضم حركات التحرر الوطني.

خاتمة: بين تفسير العالم و تغييره

يكشف نقد أطروحات الأشقر عن مفارقة واضحة تتمثل في استخدام بعض المفردات الماركسية دون الالتزام بمنهجها الثوري. فالتحليل الماركسي-اللينيني يقتضي تحديد التناقض الرئيسي بوضوح، وفهم الإمبريالية كبنية عالمية، ودعم حركات التحرر ضمن هذا الإطار، وإدماج الصراع الطبقي في كل تحليل. وبدون ذلك، يصبح التحليل “موضوعيًا” في الشكل فقط، بينما هو في الجوهر تفريغ للصراع من محتواه التحرري.

وبهذا المعنى، فإن الأشقر، في مقالاته، لم ينجح في فعل الاثنين: لا تفسير العالم تفسيرًا ماديًا جدليًا، ولا في المساعدة على تغييره!

 (*): مقالة جلبير الاشقر في اول تعليق

:::::

المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك

 Rafik Zeroual’s Post

Rafik Zeroual

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….