المسألة/التجربة الحزبية والعسكر والانتهاء للمساكنة
هناك مسألة هامة طالما اسرت لها، وأكرر هنا بأن هذا الوطن العربي قيد الإستهداف الغربي في موجته الجديدة منذ ثلاثة قرون في محاولة فرنجة راس المال إنجاز ما فشلت فيه فرنجة الإقطاع.
فيما يخص العسكر، بالتأكيد لم نكن نعرف ماذا يريدون ولماذا قاموا بالانقلاب وهل هذا هو الطريق الصحيح…الخ، لكننا لم نكن نرى غير هذا الطريق. هذا ما كنا نشعر به في خمسينات وستينات القرن العشرين أمام إلحاح الواقع بوجوب التغيير في الوطن العربي. وذلك لأن :
- القوى السياسية كانت من الضعف بمكان بحيث لا تستطيع قيادة ثورة شعبية فإسقاط الأنظمة،
- وكانت هذه القوى متصارعة ذاتيا أكثر مما هي متصادمة مع الأنظمة مع أنها في معظمها كانت سرية وهدفها إسقاط تلك الأنظمة؟
- ولأننا كنا نعرف أن الأنظمة يجب أن تسقط لأنها لا تستحق البقاء على الأقلبناء على معرفتنا الأولية في السياسية لكنها كانت ترتكزعلى حاملين أعتقد أنهما لم يولا:
- الأول سقوط فلسطين كجزء من الوطن العربي
- والثاني أن هذه الأنظمة بدون الوحدة لن تحرر فلسطين.
تعود نشأة الأحزاب في الوطن العربي إلى فترة التحرر من الاستعمار العثماني أي بشكل سري وتواصلت طبيعة عملها في فترة ما يسمى الإستقلال ولكن عمليا تحت الاستعمار الغربي الذي ورث الوطن العربي من تركيا على طريقة “التسليم بالمفتاح” أي الجاهزية للاستعمار. كانت هذه الأنظمة:
- تنصيب استعماري
- توريث عائلي من الاستعمار
- أنظمة ملكية تبنى لبرالية مشوهة لا تركب على نظام ملكي مطلق وحالة اقتصادية متدنية مستوى التصنيع
- أحزاب لبرالية ،الوفد في مصر مثلاً،لكنه يميني وغير عروبي وقابل بالملكية المطلقة وحنى مع وجود احتلال عسكريبريطاني لقناة السويس!
- انقلابات عسكرية وطنية لكنها متفردة بالسلطة ورفضت حرية الأحزاب و/أو اقامت حزبها الأوحد.
- أضطرت الأحزاب حتى السرية أن تعمل ضمن القطر بسبب قطع الحدود بين البلدان العربية فأخذت تسميات قطرية وكان هذا خطيراً حتى دون أن تدرك.
ليس هذا البحث في تركيب ودور وأداء الأحزاب في الوطن العربي، بل الهدف محاولة فهم لماذا انتهى معظم إن لم نقل مختلف الأحزاب في الوطن العربي إلى المساكنة بدل الثورة والمقاومة.
إذا كان هذا التقديم المكثف للتجربتين الحزبية والعسكرية في السياسة، فإن صدمة العدوان الصهيوني ضد قطاع غزة والضفة الغربية وترافق ذلك مع صمت الشعب العربي شبه التام لا بد أن تقودنا للبحث في موقع ودور الأحزاب السياسية تجاه ما يحدث.
ذلك لأن الحزب العلني والذي تقدم لتسجيل وحصل على ترخيص عمله قد تمت عملية تركيعه لأجهزة المخابرات، ولو لم يكن التسجيل في دوائرها، فهي تتابع كل شاردة وواردة في كل قطر عربي وهي التي تحصل على كامل خبرات القمع والعسف الإمبريالي كي تطبق ذلك في بلدانها بمعنى أن اي ترخيص هو مخابراي في التحليل الأخير.
وحين يتقدم أي حزب للتسجيل والترخيص فهو عملياً يقول للنظام بأنه يعمل بموجب قوانين وأحكام النظام وليس الدستور، هذا غذا كان هاك دستوراً ينص على الحزبية الحرة، وبأنه راضٍ بالنظام القائم ولا يعارضه إلا في حدود ما يسمح به النظام. وبالتالي فهذا شكل من الهيمنة من اسفل، اي ان الأحزاب نفسها تذهب إلى النظام معلنة قبولها بهيمنة النظام وبذا تريحه من قيامه هو نفسه بإسقاط الهيمنة على ما تسمى مؤسسات المجتمع المدني. وكل هذا يعني مسألة مركزية بأن هذه الأحزاب لا تعمل على إسقاط النظام وبأنها ليست ذات هدف تغييري وليست من آليات ذلك.
لقد أتت هذه التطورات على حساب العمل السري الذي يناقض النظام باسره ويدعو لأسقاطه من أجل الحرية والوحدة والتحرير وبعضها من أجل وطن عربي إشتراكي.
وهذا يعيد التأكيد على وجوب العمل الحزبي السري في الوطن العربي لأن حاله اليوم أدنى مما كان حتى عشية اقتلاع الاستعمار العثماني لأن القوى السياسية ومعظم الثقافية هي روافع لتثبيت أنظمة قطرية تلعب دور إمبريالية على وطنها. ولعل ما يثبت هذا أن ما حصلفي الوطن العربي ونحن في الشهر السابع للعدوان على غزة أن هذه القوى حصرت نفسها تحت سقف التجمع والهتاف في بعض الميادين، كما خلتاهتافات من اي شعار ضد النظام بل بالمطالبة بوقف التطبيع من أنظمة هي التي قامت بذلك! ولو كانت في مستوى او رغبة عدم التبيعلما فعلته أو لاستغلت المبحة لإعلان موقف من التطبيع وقطع العلاقات مع الكيان…الخ. وهذا ما جعل التجمع في الميادين مثابة تفريغشحتة غضب أو ألم أو عطف.
وهذا يؤكد أن الدولة القطرية قد تمكنت في الوطن العربي وبأن القوى السياسية والثقافية قد تصالحت معها وتقيدت بقوانينها فباتت ملجومة ذاتياً، ولذا، لك أن تشعر بالمفاجأة حين يقول مسؤول حزب ما: “كنت عند مدير المخابرات وتحدثنا في كثير من الأمور”!
تكمن أهمية العمل السري في اضطرار السلطات ولو إلى للجم جزئي للقمع لاستمالة قطاعات شعبية من جهة ومضاعفة الجهد لمطاردة القوى الثورية وهذا يساهم في خلخلة اجهزة السلطة نفسها تمهيداً للانتصار عليها.
في الجانب الآخر، فالعمل السري مقنع ومحترم من الجماهير لأنه لا يساوم ولأنه هو التعبير الشعبي الحقيقي عن وجوب إسقاط نظام كمبرادوري لا وطني وطبقي متخارج في الوقت نفسه. فالعمل السري هو التعبير النضالي عن ما يريده الشعب وعن الجاهزية لدفع ثمن هذاالدور. لذا، يصل الأمر بالجماهير إلى نسج صورة هائلة لبطولة هذه المنظمات السرية ونظرة الجمهور للمناضل المعتقل والفتك الرسمي، وهذا ما يزيد قلق السلطات
ونعتد انه في الأزمات الوطنية الحادة تحديداً يصبح من واجبات العمل السري الهجوم بدل الكمون وحاولة تفكيك مفاصل امن السلطات بغشغالها في جماية مؤسسات الأمن والقمع والمؤسسات الأجنبية الغربية والصهيونية والعمل على اقتلاعها وهذا يزيد تعاطف الجماهير مع هذه القوى.
إن إرباك أجهزة القمع في حماية نفسها ومؤسسات معادية للشعب يقود عمايت إلى تعبها وفضحها، وكلما تصاعد هذه الهجوم الثوري كلما تصاعدت شعبية هذه القوى وبالتالي توفر فرص افضل للإضراب الشامل والعصيان المدني وصولاً للإنتصار على النظام.
يمكن لمن لديه فكرة عن العمل السري وطباعة وتوزيع المنشور السري في تلك الأيام وتلقُّف الجمهور له وإخفائه… ان يلاحظ مدى تعلق الجماهير بالعمل السري وجاهزيتها لتطبيق ما يناديهم به وإليه. ولعل عدم اكتراث الجماهير بنداءات القوى العلنية حتى تحت الاحتلال هو دليل على عدم ثقتها بالعلنية، وينسحب الأمر على العمل السري تحت أنظمة القمع العربية والتي هي بحد ذاتها نمطا من الاحتلال المحلي!
يفتح هذا على اهمية الإعلام الشعبي (أنظر لاحقا)
مصاعب الأحزاب السرية وإشكالات العلنية
أوضحت التجارب أنه بسبب القمع وملاحقة ارشيفات الأحزاب وصعوبة الاختفاء وإخفاء كثير من المواد والمذكرات والتجارب لم يكن بوسع تلك الأحزاب والمنظمات ادخار أرشيف يشتمل تجاربها للأجيال اللاحقة، وهذا خسارة وطنية وإنسانية بالطبع.
ومن المفارقات أن بعض الباحثين تمكنوا من الوضول إلى أرضيف المخابرات والتقاط بعض المعلومات عن فترات العمل السري. لقد أرسل لي صديق بعض المعلومات عن فترات اعتقالي في سجون النظام الأردني.
إن عدم توريث التجربة مكتوبة بشكل مناسب هو خسارة كبرى للتاريخ والنضال، ورغم أهمية النقل الشفوي للتجارب إلى أنها لا يمكن تعميمها بالاستاع المطلوب كما يحتمل تغيرها سلبا أو إيبجابا بالتناقل على الألسن ودخول العواطف في الرواية.
وكما أشرت، فإن شروط العمل السري جعلت من الصعوبة بمكان توفر الأدبيات الفكرية النظرية المناسبة مما انعكس في مستوى الوعي والتجذر الفكري والنظري ولا شك أن هذا ساهم في عدم مرونة الأحزاب تجاه بعضها البعض. وينعكس هذا طبعاً على تحليل المرحلة سياسيا وطبقيا اجتماعيا واقتصاديا.
لذا غابت مفاهيم التنمية والاقتصاد السياسي لدى كثير من الأحزاب القومية والشيوعية العربية، ولذا حين وصلت بعض هذه الأحزاب إلى السلطة لم تهدم البنية الاقتصادية التابعة والطبقية، بل حلت محلها ولم تقدم رؤية نظرية مناسبة للمرحلة أي واصلت نفس النهج الشكلي اقتصاديا وأبقت الروابط الإقتصادية بالنظام الراسمالي العالمي.
لعل ما لفت نظري لهذه المسألة مشاهدة حلقات أعدها المدعو أحمد منصور لقناة الجزيرة المضادة للثورة وهي مقابلات مع العديد من القياديين في الدول الجمهورية العربية مصرن سوريا ، العراق…الخ. والرجل يحمل فكر الإخوان المسلمين في طبعته الأشد عداء القومية العربية وللعروبة عموما وللجمهوريات…الخ ، وللأسف كان معظمهم مثابة تلميذ أمامه بمنحه الكلام الذي يريد! تباً للشعور بالهزيمة ما اصعبه. وكثيراً ما لاحظت فقرعم الفكري النظري، وهذا خطير لأنه يكشف أحد جوانب فشل هؤلاء في السلطة. فالسلطة الثورية كي تحصل وتبقى تتطلب قيادات ذات بعدين:
- الكفاءة النضالية
- والكفاءة الفكرية النظرية
وهذه قلما تتوفر على اشخاص نادرين مثل ماوتسيتونغ، تشي جيفارا، لينين، بن بركة…الخ.
ورغم احترامي ومحبتي للزملاء في سجن المحطة في عمان 1965 حيث كانت ضربة اعتقالات لحزبَيْ البعث والقوميين العرب حيث لم تكن هناك مكتبات ولم يقم المعتقلين، وهم قيادات الحزبين، بمحاضرات في السجن، كنت حينها ألصغر سناً، وهذا ما بقي في ذهني حيث ركزت اثناء الاعتقال لدى الكيان الصهيوني يوم 15 ديسمير 1967 على النقاشات الشهفوية وقمت بأول إضراب للحصول على الكتب (سأورد التفاصيل في مذكراتي).
كانت الأحزاب الدينية، في ألأردن مثلاً، مسموح لها بالعمل وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وبالطبع كان هدف النظام كسب دعم قيادات هذه الأحزاب وشق الصف الوطني ضد بعضه البعض، أنظر لاحقاً، واستخدام الدين ضد القوى الشيوعية والقومية، وخاصة أن معظم الملوك العرب يزعمون أنتسابهم إلى الرسول الكريم.
بالمقابل، فإن إشكاليات الحزاب العلنية أنها طالما تتقدم بطلب ترخيص العمل من نظام لا وطني ولا شعبي وتابع ويقود الوطن إلى تبعية وتخلف أعمق فإنهم بذلك يغسلون وجه النظام. فالحزب، على الأقل في تلك الفترات أي قبل توسع بل فيضان المعلومة والتعليم والثقافة، كان تقريباً وحده الذي لديه فرصة التثقيف وبالتالي يحظى باحترام الجمهور، وفي حالة الترخيص يكون ترخيص الحزب كما لو أنه خطوة طيبة من السلطات!
وعليه، كانت الحزبية بمقدار ما هي حق شعبي وضورورة اجتماع/سياسية هي ايضاً مصلحة للنظام طالما هي علنية.
ولكن كما أشرنا في غير موضع، فإن طبيعة النظام وطبيعة التشكيلة الاجتماعية الإقتصادية تلعب دوراً في تحديد سلبية أو غيجابية الحزب العلني، ونقصد تحديداً لبرالية النظام التي تقوم على مصلحة راس المال في بقاء سير خط الإنتاج سلساً وصورً إلى التراكم الأقصى.
ومن هنا، ونظراً لطبيعة الأنظمة في الوطن العربي تم ترخيص العمل للأحزاب العلنية بهدف خصي دورها النضالي ومن ثم خصي الوعي الجمعي.
من هنا، فإن لجوء مؤسسي أحزاباً لترخيصها من قبل هكذا سلطات هو تواطؤ وتطمين قطري على حساب مواجهة قومية.
كما اشرنا بأن المساكنة ليست الهيمنة وليست السيطرة وإنما مزج بينهما مما يخدم أنظمة التبعية ويُجهض أو يُبهِّت كثيراً من المصطلحات التي جرى توليدها في تشكيلات مختلفة ومن ثم إستيرادها وتلبيسها لواقع مختلف فكانت نتيجة ذلك أنها لم تركب حسب تعبير مٌصلِّحي السيارات “الميكانيكيين” أن “أوفرهول” لا يركب على موتورات سيارات الفولكسواجن.
ولعل أكثر المصطلحات استخداماً من قبل الحزبية المرخصة هو “المجتمع المدني” والذي لا اسا له في الوطن العربي لأن العلاقة بالسلطة علاقة تبعية وعليه، فمؤسسات المجتمع المدني خاضعة لقرارات السلطات التي هي المجتمع السياسي الذي ليس لبرالياً كما في اصل توليده الغربي.
لذا يقود استيراد هذه المصطلحات إلى إشكاليات إضافية تتمظهر في إقتباس أو إستيراد المصطلحات، وتسطيح المفاهيم، ومن ثم الاتكاء على هذا المصطلحات اللامعة لتبرير مغادرة العمل السري لأنه مكلف أعصاباً وحياة، وهذا يقود إلى وقوف هذه القوى ضد من يخالفها وينقد ذهابها للعلنية.
من مؤشرات بُهوت الأحزاب العلنية في الوطن العربي أن كثيرا من منظمات الأنجزة قد حلت محلها بل بعض هذه الأحزاب تأنجزت، لذا صار بوسع المرء ملاحظة أن منظمة انجزة أو حتى مفكر فرد له سمعة، سواء بالسلب أو الإيجاب ، أكثر من حزب! وهذ ابرز مثقفي اللبرالية الغربية المتخارجين إلى الشعور بتفوقه على قيادات أحزاب قومية أو ماركسية! وترويجه بأن ما هو قائم هو الأمثل وخاصة لأنه محظي بواقع يتسم ب:
- غياب البرلمان
- غياب الصحافة الحرة
- غياب التنظير التحليلي للواقع
- غياب ادبيات حزبية فكرية عميقة
- إنزلاق مفكرين جيدين للحديث الملتوي على شاشات الخليج لنيل لأعطيات
إن من نتائج غياب الأحزاب الثورية النقدية، غير العلنية بالطبع، توفر فرصة ظهور الطابور السادس الثقافي وشراء المثقفين الذين يمارسون الخيانة الفكرية وحتى الوطنية تحت طربوش إنتاج تنظيري يسمح بتداخل هوامش الأحزاب السياسية نظرياً فتجد ماركسي ينادي بديمقراطية غربية وإسلامي ينادي بالديمقراطية، وقومي يقترب من الماركسية …الخ وكأننا أما قرار تصالحات النقائض طوعاً.
:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
