مثقفو “العَرانية” استثمار وضيع للعدوان
ستكن كارثة إن لم نستثمر الحدث
د. عادل سماره
بقدر ما تفرز الحرب العدوانية ضد إيران طاقات إيرانية صدامية تفرز بالمقابل بثورا ثقافية عربية أسميها “العَرانية/عرب إنبهار وهوى إيراني”كارهة للذات متكئة على صمود إيران لا مستثمرة لهذا الصمود كما لا تدفع باتجاه توظيف الحدث لنهوض عربي، ذلك لأنها فئة تتموضع منذ أمد في حضيض إستدخال الهزيمة بما هي إحدى تجلياتها.
هذه الفئة، حتى لو محضت ولائها لإيران، أي لو لم تكن مبهورة وحسب، هي جوهرياً ضد العرب كعرب، هي فئة عاجزة جبانة لا تاريخ نضالي لها، سيقانها من قش فلا تنهض لأي مستوى نضالي، ولذا تُروِّج ضد الأمة كي تبرر وضاعة أدائها، وبهذا فهي تخدم أولاً واخيراً الأنظمة العربية كصهيمريكية لأنها بوضاعة أدائها إنما تُغطي على توظيف الأنظمة لهذا العدوان لإعادة تموضعها في الحضن الصهيمريكي، أي بوضوح هي أداة للأنظمة أكثر مما هي أداة لإيران. بل إن عدم إستثمار أو توظيف الحدث/العدوان لنهوض عروبي هو إكتمال للكارثة بغض النظر عن ما سيؤول إليه وضع إيران.
ذلك لأن المهزوم، مستدخل الهزيمة لا يقوى على التماسك النفسي والذهني وحتى الجسدي كي يستثمر الحدث لأنه نفسية منقسمة مفككة بين منبهر، خائف، راكع، أناني، منشبك وربما اكثر.هؤلاء لا ينتمون حتى لذاتهم، فكيف ينتمون للوطن والأمة، لذا يستطيبون التخارج وهم بهذا ينافسون الطابور السادس الثقافي المتخارج غربياً وطابور الدينسياسي المتخارج عثمانياً.
والحقيقة، ليس هؤلاء اول من يُحبط العرب من داخلهم، بل هم أقل شأنا من “إبداع” هذا المرض، لأن إحباط العرب وتحقيرهم كأمة هو مشروع ثلاثي الثورة المضادة ، أي الغرب وخاصة أمريكا والصهيونية العربية والصهيونية الأم، مشروع قائم منذ ثلاثة قرون أسميته “إستهداف الأمة العربية” وجوهره أن العرب لم يُنتجوا أي زعيم او مفكر عروبي حقا بل مرتبط أو منشبك بالغرب ، خائن أو ماسوني …الخ. وهذه وصفة سهلة الصرف وبالتالي يتسع جمهور مستهلكيها.
وقد يكون أستاذ ترويج الكفر بالعروبة هو الراحل محمد حسنين هيكل ، المحسوب لدى البعض عروبيا ناصريا! فهو من كتب بأن العرب ” لا يحاربون بل يطلبون من غيرهم الحرب نيابة عنهم”. هذا رغم أن الجزائر هزمت دولة إمبريالية عظمى، وجنوب اليمن هزم دولة إمبريالية عظمى، والفلسطينيون يقاتلون منذ قرن، أنظر كتابنا: “دفاعاً عن دولة الوحدة:إفلاس الدولة القطرية2003″. ولاحقا ، بعد ما كتب هيكل نفسه فقد عاصر انتصارات حزب ذو العمامة، ولم يشاهد صمود غزة وصمود حزب ذو العمامة اليوم وموف اليمن الشمالي/صنعاء، دفاعا عن فلسطين..
وهنا أود من القارئ التنبه إلى مآل هذه الانتصارات:
1- فالسلطة في الجزائر اليوم تتلطى مخافة أن تغضب منها أمريكا، ولذا تُقسم غلاظ الأيمان بأنها مع دويلة فلسطينية وفقط! أي لا تجرؤ على مجرد الرفض اللغوي لا اكثر.
2- وجنوب اليمن أصبح مرتعاً لانفصاليين تابعين للسعودية والإمارات وفرنسا وأمريكا وحتى للكيان!
3- والفلسطينيون يقاتلون بعضهم بعضاً ويتسابق العديد من فصائلهم على الإعتراف بالكيان.
4- ولبنان تقوده سلطة مهمتها تسليم الوطن لأمريكا وجنوبه للكيان.
ما يستنتجه المرء هو أن الشعوب والأمم تمر بلحظات صعود ولحظات إنحطاط مما يعني أن صبغ امة بوصف مطلق أمر لا عقلاني ولا علمي وطبعا لا تاريخي.
لكن مواقف كل هؤلاء، وبغض النظر إن كان ولائهم لإيران محض تطوع نفسي أو مرتبطين متخارجين بدرجة أو أخرى، أو كردة فعل ضد العدوان على إيران، يجب أن لا تقودنا إلى تغيير موقفنا الواضح من الحرب وحتى من الصراع، أي أن العروبي يقف مع إيران بلا مواربة، ويرى أن العدوان ضد إيران هو لتركيعها كما الأنظمة العربية، أي أن التجزئة والقُطرية والتبعية العربية هي مغريات للعدوان ضد إيران كي لا تبقى في المنطقة اية دولة أو أمة مستقلة القرار. ولذا، علينا إستثمار هذه الحرب العدوانية لنهوض عربي وليس للتخارج سوءا إيرانيا أو عثمانيا، أو صهيمريكيا. وهذه مهمة صعبة لا شك، وعليه، فالمشكلة اساساً في التابع فما من لومٍ على متبوع باحتضان متطوع يخدمه.
مثال على “العَرانية”
موجب هذا المقال هو المقال التالي المنشور في “الأخبار/اللبنانية”، 9 نيسان 2026 بعنوان: خطابٌ مشتبك ضدّ خطاب الاستشراق: محمد مرندي في مواجهة سرديات الهيمنة، بول مخلوف.*
إن مجمل المقال في مديح السيد محمد مرندي مستخدما مصطلحنا “المشتبك” في وصف مرندي (أنظر بهذا الصدد كتابنا “المثقف المشتبك والعمليات الفردية 2017″ومصطلح المثقف المشتبك في كتابنا “في نحت المصطلح وتحرير المعنى” والذي سينشره موقع ومتجر لولو LULU قريبا)، لكن مديحه لمرندي شابه الكثير من الخلل.
لذا، ليس حديثنا هنا لتقييم السيد محمد مرندي،بل نقداً لطريقة تعاطي كاتب المقال مع هذا الرجل ونقداً لتوظيف مضمون مقال كاتب المقال ضد العروبة. ولذا، نتناول فقط بعض القضايا اللافتة والمرتبطة بهدف هذا الرد النقدي.
يرتكز مديح الكاتب للسيد مرندي على نقد مرندي للغرب إرتكازاً على تراث الراحل إدوارد سعيد في الإستشراق. ولا ندري بالطبع إن كان مرندي ذكر هذا أم هو استنتاج الكاتب المذكور. وبغض النظر عن هذا، فإن الكاتب فشل في فهم الفارق بين مرندي وسعيد وهو فارق أمام عينَيْ الكاتب. يمكن لمن يرغب العودة إلى بحثنا ( إدوارد سعيد بين ديالكتيك النص والطبقة، يغطيه النقد وتحرجه السياسة ويحاصره الاقتصاد السياسي
بداية، صحيح أن سعيداً ابدع في تنظيره النقدي للإستشراق ، وليته حصر إهتمامه في هذا المجال وطبعا في الأدب المقارن. إقتطف الكاتب عن مرندي:
(كتب على حسابه على «إكس»، يثبّت مرندي تغريدة له تعود إلى عام 2019، مرفقة بصورةٍ يظهر فيها شاباً متطوعاً مع الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية ) «التقطت لي هذه الصورة بفخر عندما كان عمري 16 سنة. كنت متطوعاً إلى جانب الحرس الثوري، أحارب الغزو العراقي المدعوم أميركياً على إيران.في ذلك الوقت، على الأرجح، كان الأوروبيون والأميركيون «المتحضّرون» يزوّدون صدام حسين بالتكنولوجيا لصناعة أسلحة كيمائية».
هنا كان على الكاتب أن يتذكر بأن افتخار مرندي بالتطوع في القتال مدفوعا بانتماء قومي، يفتقر له الراحل إدوارد سعيد الذي كتب ضد القومية العربية، وضد الكفاح المسلح حتى الفلسطيني. وإذا كان كاتب المقال على غير إطلاع على ما كتبه إدوارد سعيد ضد القومية وضد الكفاح المسلح، فهو لا شك يعرف عن الحرب العراقية الإيرانية وهي الحرب التي أرغمت بها إيران العراق على خوضها ب:
1- دعوات وخطابات وفيديوهات الإمام الخميني لتصدير الثورة، وطبعاً الثورة لا تُصدَّر. كما أنه ، أي الخميني، لم يُخفي أنه لا يصدر الثورة إلى تركيا الصهيونية والناتوية وحتى طائفيا السُنية ولا ضد أذربيجان الصهيونية والمتغربنة، بل إلى العرب الشيعة في العراق محرضا إياهم الثورة ضد الرئيس صدام حسين الذي، كما قال الخميني، يحاول إستعادة مجد الأمويين! هذا رغم أن السيد الخميني عاش في عراق صدام سنوات عدة. أما التحريض ضد الأمويين فجوهره طائفي ورجعي وضد العرب ويعيدنا إلى صراع يجب الترفُّع عنه اليوم.
2- قامت إيران فور إنتصار الثورة وتصفية اليسار باشتباكات حدودية ضد العراق وقدم العراق عشرات الشكاوى للأمم المتحدة
3- قبل إضطرار العراق للحرب بأسبوع قامت طائرة حربية إيرانية بقصف العراق وتم إسقاطها واسر الطيار والإفراج عنه بعد عشر سنوات.
4- إضافة لكل هذا: لماذا لم يقل السيد الخميني بأن إيران جاهزة للتفاوض بشأن الأهواز التي هي أرض عربية عراقية من حق العراق إستعادتها؟ صحيح أن صدام هادن الشاه، تماما كما إضطر الخميني لمهادنة صدام في نهاية الحرب. وبالطبع، لو كان العراق جزءاً من دولة عربية كبرى لما هادن الشاه.
5- هل زوَّد الغرب صدام بتكنولوجيا الأسلحة الكيماوية كما يزعم ميرندي ويؤكد كاتب المقال، ربما، ولكن ربما تمكن العراقيون من تصنيعها أيضا. ولكن الأهم، هل هناك إثبات بأن العراق ضرب إيران بالكيماوي؟ وهل العكس؟، بل وهل توفر للعراق أي كيماوي اساساً، حتى البرادعي الذي تآمر ضد العراق حينما كان موظفاً أداة لوكالة الطاقة الدولية يؤكد اليوم أن العراق لم يمتلك الكيماوي. قد يضيىء على هذه المسألة ما حصل في القرية الكردية حلبجة حيث يمكن للباحث العثور على تصريحات وفيديوهات للسلطات الأمريكية بعضها يزعم ان العراق هو الذي ضرب حلبجة وبعضها يقول لا بل إن الغاز الذي أُستخدم غير موجود سوى في إيران. فاين الصدق إذن؟ ولعل الحقيقة، أنه في حقبة إستدخال الهزيمة، لا يبكي على صدام أحد!.. وعليه، فإن مزاعم مرندي هي مزاعم قومية متعصبة من جهة ومن جهة ثانية، فكاتب المقال لم يجرؤ على ذكر أن الإمام الخميني إستعان بأسلحة من الكيان في حربه ضد العراق وهذا لا يُذكر في حقبة إستدخال الطائفية والهزيمة ايضاً!. صحيح أنه لا أنبياء في الحرب، ولكن منطق الكتابة والتأريخ توجب الصدق من جهة ومن جهة ثانية، فإن عدم التصدي للتحريف والكذب والمزاعم يحولها لدى البسطاء ولاحقاً لدى الجمهور إلى حقيقة.
يقول كاتب المقال: “فمرندي قادم من تقاطعٍ بين الأدبيات الثورية والإرث النظري لما بعد الاستعمار”
لا ندري بالطبع ما هي الأدبيات الثورية التي يقصدها كاتب المقال فهي مسألة نقاش، ولكن نعم هناك تنظيرات لما بعد الإستعمار، ولكن لا توجد حقا مرحلة ما بعد الإستعمار، بل الإستعمار متقلب الأوجه ولم يفقد أو يغير أو يتغير جوهره.
ويضيف الكاتب في مديح مرندي: “كلما وُجهت إليه تهمة تطال النظام الإيراني بوصفه نظاماً قمعياً يكبل حرية النساء، يسارع إلى الرد بحجةٍ تنقل النقاش إلى أرض الأعداء، إذ يحيل خصمه إلى مساءلةٍ معكوسة تخصّ الكيفية التي تسلّع بها الرأسمالية جسد المرأة وتستغلّه ضمن منظومات الاستهلاك”
طبيعي ان يرد مرندي هكذا على الغرب، لكن هذا لا يخفي حقيقة وضع المرأة في إيران. بل لماذا لا يقول بأن حجب أو تحجيب المرأة تُحرِّش الرغبة الجنسية طالما هي مرغمة على التحجب أي لم يكن ذلك إختياراً منها. إن فرض الحجاب موقف ذكوري رجعي،بل هو موقف قدم ذخيرة ممتعة للبراليين عموما ضد إيران. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هنا يحضرني تحليل فرانز فانون لهذه المسألة أي الحجاب. وعليه، فإن فرض الحجاب هو إغراء للبحث عما وراء أو تحت الحجاب، وفي الحالتين الغربية والشرقية هناك أرضية تحريك وإغواء جنسي سواء بالعُري المبتذل أو بالتغطية الموجبة للتحري وحب الإستطلاع، وفي كلتي الحاالتين تبقى المرأة مسرح المواقف.
هامش1:في الترويج لنفسها تستضيف فضائيات التبعية إيرانيين مثل حسن أحمديان إلى جانب مثقفين ببغاوات للأنظمة يُهينون عقولهم مقابل ما يتلقونه من تمويل فينبهر البسطاء بأحمديان الذي يربأ بنفسه ايضاً عن الظهور على هذه الفضائيات، وربما هذا ما تطلبه منه السلطات الإيرانية، إنما ما يهمنا أن بؤس المنبهرين يورطهم في الكفر بالعروبة!
هامش2: يجدر الانتباه إلى وجود مثقفين إيرانيين دورهم عرقي شوفيني وبوضوح تحقير العرب مثل أمير موسوي، وفي الحقيقة أن ملامحه مناسبة لدوره سواء من حيث أداء الصوت أو صفرة الوجه أو جلدة الوجه الرقيقة الجافة التي توحي باللؤم الشخصي.

* من محرر “كنعان”: نشرنا هذا المقال على موقع “كنعان”، على الرابط التالي:
:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.