المخابرات
قيل الكثير بأن الجيش في الوطن العربي هو الحزب الوحيد المرخص وهو حزب السطة. وهذا صحيح إلى حد كبير وخاصة في لحظة الصراع المفتوح ضد الشعب. لكن الحزب الأخطر والمرخص لكنه أقل علانية وظهوراً للجماهير هو جهاز المخابرات. وجهاز المخابرات كما السلك الدبلوماسي هما أقرب الأجهزة للسلطة هما التعبير المباشر عن سياساتها.
المخابرات هي القوة الأمنية القمعية التي لعبت الدور الأساس في تثبيت الدولة الأمنية في مختلف اقطار الوطن العربي وهي الجهاز المتخصص في كشف الأحزاب السرية وتحطيمها بمعنى أنها العدو الأخطر على الحريات وخاصة على ذوي التوجهات الوطنية واليسارية والوحدوية. وهي جهاز معبىء غيديولوجيا، ولاحقاً ثقافياً وتسليحيا بالطبع، وهي جهاز يسهر على النظام كامل الوقت ولديه حرية القمع كيف يرى وهو الي يُري اللسطة كيف يجب أن تتصرف. ولذا يتمتع هذا الجهاز بامتيازات وأُعطيات هائلة وبالطبع صلاحيات لاختراق خصوصيات الأحزاب والطبقات والأفراد، فكل شيء مباح لهذا الجهاز طالما يحمي السلطة،وبالطبع، فهو ألد أعداء العمل السري.
خطورة المخابرات الأشد في كونها تخون الوطن حين يقرر النظام ذلك لأن وطنها هو السلطة ومصالحها مع السلطة.
شاهد الفيديو المرفق وهو يتضمن حديث لضابط مخابرات مصري قال: “أبلغنا “إسرائيل” بأن حدثاً كبيراً سيحصل ضدها”! يقصد طوفان الأقصى يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023!
الفيديو حديث للصحفي سامي كليب
لفتني أن الصحفي كليب ذكر الخبر وكأنه عن مسألة لا تخص العرب إطلاقاً ، لم يقل كلمة تعقيب! أليست هذه حيادية مخيفة!
ومن لا يعرف من الجيل الجديد الذي يخضع للتعمية بل للعمى، أن القضية عروبية فلن يشعر بحيف وبالتالي يعمِّق هذا الرجل ما ينادي به أعداء العروبة بأن لا علاقة للعرب بفلسطين! وهذه آفة في الحقيقة كشفتها بالمطلق موقعة 7 تشرين .
الإعلامي والمثقف والمساكنة
نحن وهُمْ
ننتقل إلى الإعلام ودوره في المساكنة وهو احد أضلاعها الأربعة . فالإعلام بالمعنى المألوف علني بخلاف الإعلام السِرِّي المضاد للسلطات في اي مكان. وبما أنه علني فهو إما بيد الدولة أو بيد القطاع الخاص ولكنه تحت إشراف السلطة طالما هو بترخيص منها، بمعنى أن الأساس فيه علنيته. لست بصدد التنظير للإعلام ودوره وفلسفته…الخ وتخادم الإعلام والنظام السياسي في مجمل الوطن العربي.
وهنا تجدر الإشارة إلى التماهي والتقاطع بين إعلامي ومثقف بل المفترض أن يكون الإعلامي مثقفاً وليس مجرد جهاز تسجيل وبث، ولكن ليس شرطاً أن يكون المثقف إعلامياً. لنتاول نماذجا من الإعلام العربي في المساكنة وخداع الجمهور.
قناة الجزيرة والمثقف المنشبك
يكشف الرابط التالي
كيف يتواطىء الإعلام والمثقف معاً في خدمة السلطة التي هي بدورها متساكنة مع الأجنبي. وهو حديث مع د. عزمي بشارة ،وهو مثقف معروف بدوره في تخريب الثقافة العربية. والحديث بين بشاره ومذيع الجزيرة قبل ظهورهما على الشاشة حيث يبين كيف يتواطىء الإعلامي والمثقف ضد الشعب.
حتى بداية العدوان ضد سوريا كان بشاره المثقف المحبب لكل من القيادة السورية وقيادة حزب الله ولم يكون لا هؤلاء ولا كثيرين غيرهم بقادرين على الاستماع لي نقد وتحليل لشخصية الرجل ودوره مهما كان النقد موضوعياً. لكنه في هذا الحديث القصير كسف دوره ولطم هؤلاء جميعاً.ومعروف بع ذلك كيف تمت إقامة إمبراطورية أعلامية وأكاديمية لعزمي بشارة في خدمة الثورة المضادة مع تغليف كل ذلك ب “الموضوعية، والدعوة للديمقراطية ونشر ابحاث…الخ”. يعود تاريخ الحديث إلى الأيام الأولى في بداية حرب الاستشراق اإرهابي ضد سوريا.
المثقف حين يُقاوم المقاومة!
ليس عزمي بشارة الوحيد في هذا المجال، فقد إستخدمت هذا العنوان للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين سنة في مقال رداً على حديث د. رشيد الخالدي في ندوة رتبها مركز “مواطن/مؤسسة أنجزة” في رام الله الذي كان مضمونه ضد المقاومة وكان عزمي بشارة من مؤسسية
كما “غرَّد مؤخراً د. هشام غصيب في نقده لموقعة 7 تشرين/اكتوبر 2023 :”عندما تشن حرباً على خصم، عليك أن تحسب النتائج المتوقعة لمائة عام إن أمكن، وإلا لا تشن حربك”.
بدايةً، يجدر التمييز: فالمقاومة هاجمت عدولً وليس مجرد خصم. نعم، إجراء حسابات موسعة وتخطيط بأعصاب بارة وطويل المدى صحيح من حيث حربك بما أنك دولة. ولكن حينما يُغتصب وطنك لا تعود لك دولة وبذا يكون ردَّك مفتوحاً في الزمان والمكان. لذا قال ناظم حكمت: “وحينما تنزلق الأرض من تحت قدميك فإنك تصبح ذئبا”
لم تخطط كميونة باريس للثورة لمئة عام لكن فكرتها كانت تخطيطا او إلهاماً لقرون قادمة أي بعكس ما يقول د. هشام، وقد ذُبح قادتها في الدير المُقام على التلة البيضاء في باريس وهُزمت الكميونة، لكنها اسست للثورات الإشتراكية حتى اليوم وغداً.
لهشام تفلُّتات من هذا الطراز منذ زمن. ولكنه يتجاهل أن حرب الغُوار تحكمها قاعدة واحدة وضعها وديع حداد “وراء العدو في كل مكان”. فهي لا تملك رفاه التخطيط الدولاني لعشرات الأعوام. حرب الغوار ليست منعزلة عن المجتمع لذا لها دائماً شِقَّين:
الغواريون
والمحيط الأوسع
حينما بدأت حرب الغوار في فيتنام ساندها فوراً الظهير الصيني والسوفييتي رغم خلافاتهما. والجزائر وجنوب اليمن ساندهما عبد الناصر رغم أن مصر لم تكن دولة عظمى.
في حالة حماس والفصائل كان 7 تشرين بداية لكن المحيط بدأ حربه ضدها فوراً يوم 8 تشرين لأن المحيط هو جزء من ثلاثي الثورة المضادة أي”كل الغرب والكيان والصهونية العربية والإسلامية” التي شاركت في العدوان على غزة كرجل واحد! لذا، لم ترفد أل 57 دولة غزة ولو دبلوماسياً بل أكدت استدخال الهزيمة وقرار نقل التطبيع إلى “اندماج الكيان في الوطن العربي إندماجاً مهيمنا”وهو ما كتبت عنه منذ ثلاثين عاماً وها هو يُعلن وخاصة في مؤتمر 11 تشرين ثاني في الرياض حيث تم تتويج النظام السعودي على العرب والمسلمين. وهذا أكَّد المساكنة الخطيرة بين: الأنظمة والقوى السياسية والثقافية والإعلام والشعوب. اي حراك كل بلد في حدود سماح الأنظمة التابعة بل التي تقوم بدور الإمبريالية على وطنها خدمة للإمبريالية. ربما لا يمكن لأي عروبي أن يذكر هذا التواطؤ طالما هو في هذا القطر أو ذاك.
وحدها اليمن خرجت على إجماع قريش لاغتيال محمد ولكن علياً خرج عن إجماعهم فهل كان ذلك جنوناً! ووحده ذو العمامة فعل ما يمكن أمام إجماع لم يبق بين ظهر الرجل وخناجرهم سوى مسافة ثوانٍ.
د. هشام أكد في ما كتبه مقولة لينين في القسيس بيركلي:”وهكذا يعود القسُّ قِسّاً”. وللأسف أجدني مضطراً لوضعه في موقف أدورنو من الثورة الطلابية 1968، وهو الذي حاضر للثورة وحينما حصلت إتصل بالشرطة وسحبوا تلميذه كوهين بنديت من أمامه، ونظر إليه الطالب ولم يتكلم اياً منهما. وربما لذا توفي أدورنو بعد عامين! ندعو ل د. هشام بطول العمر إن كانت لدعوات البشر دور في القدر. كما أتذكر سقوط الراحل د. جلال صادق العظم من الماركسية إلى الطائفية السُّنية! مسالتان شدَّتا د. هشام:
الأولى: عدم مغادرة الوضع الطبقي
والثانية: وهي تخدم الأولى وهي ثقافوية الرجل وليس ميدانيته تأكيداً بأن الصراع الوطني والطبقي والقومي مادته الطبقات الشعبية التي غالباً مولِّدة الغواريين/ات.
حينما كان البلاشفة يشعلون الثورة 1917 كان مكسيم غوركي وعديد المثقفين الروس يشربون الفودكا في المقهى ويهزؤون بالعمال والفلاحين الفقراء والجنود المسرحين الذين يقودهم البلاشفة والحزب الإشتراكي للفلاحين.
وبعيداً عن حديث د. هشام، لا بد من ملاحظتين:
الأولى: من يدري إن كانت حماس حقاً لم تستشر أحداً! وهذا متروك للزمن وأخشى أنها استشارت وبعد ذلك خُذلت ولكن في فمها ماء وقد يتحول الماء إلى حجر صُوَّان.
والثانية: لقد كتبتُ منذسنوات أنه في المناخ الحالي الأفضل أن يكون النضال:
عملية مسلحة محدودة بين شهر او أكثر لإبقاء القضية حية وعدم إهلاك أهل الأرض المحتلة والإصرار على التحرير والعودة وتحقيق ذلك بالتعبئة لتغيير الواقع العربي تمهيداً للتحرير عروبياً.
أما وقد كانت موقعة 7 تشرين فالموقف معها. وهكذا كان موقف ماركس من كميونة باريس، حين حصلت وقف معها. (ناقشت بعض هذه الأمور في كتابي “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة” المطبوع في عمان بجهد الرفيق د. عصام السعدي وتبرع مجانا من الرفيق خالدحتّر مشكورين.
ملاحظة1: تُرى هل خطط اليهود لمئة عام في موقفهم من هتلر وهل فكّر أو توقّعَ اليهود طبيعة رد النازية الوحشي الذي كان بالمحرقة؟ ألا يلاحظ د. هشام أن الكيان يفتخر بمقاومة اليهود للنازية ولا يبكي ولا يندم.
ملاحظة 2: نحن في الأرض المحتلة أمام المذبحة لا ننام ولا نأكل ولا نداعب طفلاً دون أن تكون أمامنا صورة المذبحة في غزة.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
