واشنطن تبحث عن مخرج… وتل أبيب تواجه العاصفة: كيف تكشف حرب إيران حدود القوة الأمريكية؟ ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

3 نيسان/أبريل 2026

لم يعد السؤال المطروح في واشنطن هو كيف تُربح الحرب، بل كيف يمكن الخروج منها بأقل الخسائر. هذه هي الفكرة المركزية التي يبني عليها الكاتب الروسي ألكسندر كوزنيتسوف مقاله في صحيفة زافترا الالكترونية بتاريخ 24 آذار  الماضي بعنوان لافت: « أمريكا تبحث عن مخرج من الحرب… وإسرائيل ستبقى مثخنة بالجراح والضربات»، حيث يرسم صورة لولايات متحدة دخلت صراعاً مع إيران دون بوصلة واضحة، لتجد نفسها بعد أسابيع قليلة أمام مأزق إستراتيجي متعدد الأبعاد.

منذ السطور الأولى، يضع الكاتب تشخيصاً حاداً للموقف الأمريكي، قائلاً: «يتضح أن ترامب لا يملك فهماً لأهداف الحرب ولا خطة بديلة».

بهذه العبارة، لا ينتقد فقط إدارة الحرب، بل يطعن في منطقها من الأساس. فالحرب، كما يراها، لم تعد وسيلة لتحقيق هدف سياسي، بل عبئاً يتضخم يوماً بعد يوم.

إنقسام في الداخل… حين تتحول الحرب إلى أزمة شرعية

لم تتأخر تداعيات هذا الإرتباك في الظهور داخل الولايات المتحدة نفسها. فإستقالة مسؤول أمني بارز إحتجاجاً على الحرب لم تكن مجرد حدث عابر، بل تحوّلت إلى شرارة كشفت عمق الإنقسام داخل معسكر الرئيس ترامب.

وسرعان ما التقطت شخصيات إعلامية نافذة مثل تاكر كارلسون وكانديس أوين هذا الخيط، لتبدأ حملة خطابية تشكك في جدوى الحرب وتربطها بمصالح خارجية لا تخدم المواطن الأمريكي.

يختصر كوزنيتسوف هذا المشهد بقوله: «هذا يشير إلى إنقسام داخل معسكر ترامب».

لكن ما يجري، في الحقيقة، أعمق من مجرد خلاف سياسي. إنه صراع على هوية الولايات المتحدة نفسها: هل تبقى قوة تدخلية تقود العالم، أم تنكفئ إلى الداخل تحت شعار “أمريكا أولاً”؟

الطاقة كسلاح… حين تهدد الحرب الإقتصاد الرقمي

إذا كان الإنقسام السياسي هو الوجه الداخلي للأزمة، فإن الإقتصاد يمثل وجهها العالمي الأكثر خطورة. فإغلاق مضيق هرمز، أو حتى التهديد به، أعاد إلى الواجهة شبح أزمة طاقة عالمية.

غير أن اللافت في تحليل الكاتب هو ربطه بين هذه الأزمة ومشروع أمريكي يبدو بعيداً ظاهرياً عن الحرب: الإقتصاد الرقمي. إذ يشير إلى أن: «مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة».

وهنا تكمن المفارقة: الحرب التي يُفترض أن تعزز الهيمنة الأمريكية، قد تقوّض أحد أهم أعمدتها المستقبلية، أي السيطرة على البنية التحتية الرقمية العالمية.

“اليوان النفطي”… التهديد الصامت لهيمنة الدولار

لكن التحدي الأخطر، في نظر كوزنيتسوف، لا يأتي من الصواريخ ولا من المضائق البحرية، بل من النظام المالي العالمي نفسه. فقرار إيران ربط مرور ناقلات النفط بالدفع باليوان الصيني يمثل، بحسب وصفه: «تآكلاً تدريجياً للنظام الدولاري».

منذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل “البترودولار” حجر الزاوية في الهيمنة الأمريكية. غير أن أي تحول—ولو محدود—نحو تسعير الطاقة بعملات أخرى، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام الإقتصادي العالمي.

إنها معركة صامتة، لا تُخاض بالسلاح، بل بالعملات… وقد تكون نتائجها أعمق من أي مواجهة عسكرية.

عزلة تتسع… حين تتخلى التحالفات عن واشنطن

في موازاة ذلك، يلفت الكاتب إلى تطور لا يقل خطورة: تراجع شبكة التحالفات الأمريكية. فالدول الأوروبية، إلى جانب قوى إقليمية كتركيا، لم تنخرط في الحرب كما كان متوقعاً.

ويصف هذه الحالة بعبارة مكثفة: «أمريكا باتت في عزلة إستراتيجية».

هذه العزلة لا تعني فقط غياب الدعم العسكري، بل تشير إلى تصدع في بنية النظام الدولي الذي قامت عليه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.

العودة إلى التفاوض… إعتراف ضمني بالمأزق

في ظل هذه الضغوط المتراكمة، لم يكن مستغرباً أن يعلن ترامب وقفاً مؤقتاً للضربات، متحدثاً عن: «مفاوضات ناجحة جداً… ووقف الضربات لخمسة أيام».

بالنسبة لكوزنيتسوف، لا يعكس هذا الإعلان قوة دبلوماسية، بل محاولة للبحث عن مخرج. فالفجوة بين مطالب واشنطن—من وقف البرنامج النووي إلى تقليص الصواريخ—وشروط طهران—من وقف الهجمات إلى التعويضات—تجعل أي إتفاق محتمل هشاً ومعقداً.

إسرائيل في قلب العاصفة… الحليف الذي قد يُترك

غير أن أخطر ما يطرحه المقال هو ما يتعلق بمصير إسرائيل. فإذا قررت واشنطن الإنسحاب أو التهدئة دون تنسيق كامل، فإنها—وفق الكاتب—قد تترك حليفتها في مواجهة مباشرة مع إيران.

ويحذر بوضوح: «إذا إنسحبت أمريكا… فإنتقام إيران سيتجه نحو إسرائيل».

وفي هذا السياق، يحمّل نتنياهو مسؤولية كبيرة في دفع الأمور نحو التصعيد، معتبراً أنه أحد أبرز المحرضين على المواجهة.

لكن الأهم هو الفكرة التي تتجاوز الأشخاص: إسرائيل، كما يراها الكاتب، ليست مجرد حكومة، بل منظومة قرار عسكرية–أيديولوجية، ما يجعل سلوكها أكثر إندفاعًا وأقل قابلية للتهدئة.

ميزان الردع يتغير… من التفوق إلى التوازن

على الأرض، يشير المقال إلى تحول تدريجي في مسار المواجهة. فبعد بداية بدت فيها الكفة راجحة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت إيران—بحسب الرواية المطروحة—في إستعادة قدرتها على الرد.  «الوضع بدأ ينقلب في الإتجاه المعاكس».

سواء اتفقنا مع دقة هذه التقديرات أم لا، فإن الرسالة الأساسية واضحة: الحرب لم تعد أحادية الإتجاه، بل دخلت مرحلة توازن هش.

خاتمة: عالم يتغير تحت ضغط الحرب

ينهي كوزنيتسوف مقاله بجملة تختصر رؤيته: «عام من المفاوضات أفضل من يوم حرب».

لكن خلف هذه الدعوة إلى السلام، تكمن قراءة أوسع: الحرب على إيران ليست مجرد صراع إقليمي، بل لحظة كاشفة لتحولات أعمق في النظام الدولي.

فالولايات المتحدة، كما يصورها المقال، لم تعد القوة التي تفرض إرادتها دون كلفة؛

والدولار لم يعد محصناً كما كان؛

والتحالفات لم تعد مضمونة؛

أما الشرق الأوسط، فيدخل مرحلة جديدة يعاد فيها رسم توازنات القوة.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز المفارقة الأكثر إثارة:

قد تتمكن واشنطن من الخروج من الحرب… لكن ليس مؤكداً أن حلفاءها سيتمكنون من ذلك.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….