- انتشار البروتستانتية كعامل حاسم في التأسيس للصهيونية المسيحية
توطئة
في السياق
نتناول في هذه الحلقة ظاهرة الانتشار السريع للبروتستانتية في مجتمعات الغرب الأوروبي – الأميركي، ثم ننتقل في الحلقات القادمة إلى أهم مراكز السيطرة البروتستانتية الثلاثة في فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة، بالطبع دون التقليل من أهمية ودور البلدان والمجتمعات الأخرى التي تدور في فلك السياسات الإمبريالية الغربية.
غير أن هذا النقاش لا يستوي دون تجليس الحركة البروتستانتية في سياق التطورات العميقة التي ألمت بالقارة الأوروبية آنذاك، فبدون هذا السياق لا يتسنى الفهم الموضوعي للعلاقة بين البروتستانتية والصهيونية المسيحية، وكيف أسهمت الأولى في 1) التمهيد للمقدمات الدينية والتاريخية والسياسية للصهيونية غير – اليهودية، قبل يزوغ الصهيونية الحديثة (الهرتسلية) بعدة قرون؛ 2) كما أنها تفسر لماذا حظيت، ولا تزال، الفكرة الصهيونية في استيطان فلسطين بدعم الإمبريالية الغربية. وليس المقصود هنا الدعم السياسي الرسمي وحسب، بل والشعبي أيضًا بما فيه دعم المؤسسات والمنظمات الدينية والثقافية والاجتماعية.
ربّ قائلٍ، ولماذا يعنينا هذا كله؟
والجواب ببساطة، أن المشروع النهضوي العربي الساعي إلى تحرير فلسطين والأراضي العربية والمحتلة، والقضاء على الهيمنة الإمبريالية على الوطن العربي وشعوبه وثرواته، يتطلب الفهم الدقيق لمعسكر أعداءه ومكونات الثورة المضادة لمشروعنا.
أمّا أهم محددات هذه السياق التاريخي والسياسي، فيمكننا إيجازها في النقاط التالية:
1. وُلدت البروتستانتية من رحم الكنيسة الكاثوليكية حيث جاء أبرز روّادها مثل مارتن لوثر وجون كالفن، من بين صفوف الإكليروس الكاثوليكي ذاته، معلنين تمردهم على المؤسسة الفاتيكانية لما آلت إليه من أزمةٍ وانحطاط. وكان من أهم أسباب هذا التمرد 1) العقم الفكري واللاهوتي الذي ساد بين رجال الدين وخاصة في قمة الهرم المهيمن على المؤسسة الكنسية، و2) تفشي الفساد الروحي والانحلال الأخلاقي ومظاهر الترف والإسراف في التبذير.[1]
2. نضوج الأفكار الدينية المعارضة للكنيسية الكاثوليكية واشتداد المطالب بالإصلاح ببعدية: إصلاح العقيدة الدينية، وبما لا يقل أهمية، اصلاح المؤسسة الدينية.
3. كان من أبرز نتائج هذا الانبعاث الديني أنه دفع فلسطين لتكون في واجهة الجدل وتحتل موقعًا مركزيًا في العقيدة والتراث المسيحيين واليهوديين، حيث ستحصل معركة هَرْ مَجدون الحاسمة ستكون في مكانٍ ما في فلسطين حين يعود المسيح ليحكم لمدة “ألف عام” فيما سُمي عقيدة “العصر الألفي السعيد”. (انظر لاحقًا)
4. بالإضافة إلى ذلك، أعادت حركة الإصلاح البروتستانتي التوراة ودراستها وتفسير نبوءاتها إلى مركز الجدل داخل الكنائس المسيحية، وهو ما وجّه الاهتمام نحو اليهود كونهم وفق الادعاءات التوراتية، “شعب الله المختار” وضرورة عودتهم إلى “أرض إسرائيل”.
ما يهمنا في هذا الصدد، أي العودة إلى مركزية التوراة، هو أن تنامي التيارات البروتستانتية، جعل من دعوة اليهود للعودة إلى “ارض إسرائيل- أرض الميعاد” وفق الرواية التوراتية، جزءً عضويًا وجوهريًا من عقيدتها الإيمانية المسيحية كونها (أي العودة) “تحقيقًا للنبوءات التوراتية وتنفيذًا للإرادة الإلهية”.
5. ينقلنا هذا إلى الاستنتاج بأن ظاهرة الانتشار السريع للبروتستانتية تؤكد تقبل المجتمعات المسيحية الأوروبية لهذه الأفكار وتجذرها في العقيدة الإيمانية البروتستانتية. وما نقصده هنا بالعقيدة الإيمانية، أنها المنظومة التي تحدد عمليًا ما يؤمن به الناس العاديون (المؤمنون من أتباع البروتستانتية)، وما يشكّل قناعاتهم ويرسم الشعائر والطقوس الدينية التي يمارسونها في حياتهم اليومية. ومن المعروف أن المذهب البروتستانتي هو السائد في معظم دول أوروبا الغربية (بريطانيا والمانيا وهولندا والسويد والنرويج والدانمرك وغيرها)، ما يعني أن موقف هذه المجتمعات ومؤسساتها (الاجتماعية والثقافية والسياسية) من دعم الصهيونية وكيانها في فلسطين المحتلة، يقع في صلب عقيدتها الدينية واللاهوتية. هنا ينبغي علينا أن نلحظ أنّ النضال من أجل الحق العربي في فلسطين ولبنان وكافة أرجاء الوطن العربي، يصطدم بهذا الجدار من القناعات المتأصلة والمتجذرة عبر قرون عديدة.
▪️▪️▪️
يجدر بنا هنا أن نتوقف عند مسألة هامة، وهي أنه بدون هذا السياق، لا يتسنى تفسير وفهم كيف ولماذا احتضنت البروتستانتية العقيدة الصهيونية التي تحث اليهود على المطالبة “بالعودة” إلى “أرض الميعاد”. كما يتعذر فهم كيف أضحت هذه المطالب جزءً عضويًا في عقيدة المسيحي البروتستانتي وممارساته الدينية.
يقول بعضهم، أن فهم الظاهرة البروتستانتية وانتشارها السريع في المجتمعات الأوروبية، جاء نتيجة تحولات دينية واجتماعية. هذا صحيح. ولكن هذا الفهم يظل قاصرًا، إذا بقي معزولاً عن السياق التاريخي والاقتصادي والجيوسياسي لهذه التحولات. بعبارة أخرى، لا يتسنى الفهم الموضوعي لتبني البروتستانتية للفكرة الصهيونية والادعاءات التوراتية خارج صعود القوى الإمبريالية ومصالحها في التوسع والهيمنة التجارية والاقتصادية في فلسطين والمشرق العربي والعالم بأسره. وبدون هذا السياق نكون قد وقعنا في فخ التفسير اللاتاريخي للبروتستانتية كتحول ديني إصلاحي، غافلين عن أبعاده الاجتماعية والسياسية، وغاياته الاستعمارية والاستيطانية في دعم المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، تحت غطاء الدين واللاهوت.
▪️▪️▪️
الروّاد الأوائل للإصلاح الديني الذين مهدوا للحركة البروتستانتية
بالإضافة الى الألماني لوثر والفرنسي كالفن، خاض معارك الإصلاح الديني من قبلهما عددٌ كبير من رجال الدين والمفكرين المجدِّدين المسيحيين في مختلف البلدان الأوروبية. وقد عمل هؤلاء على إرساء دعائم دينية جديدة. لمعالجة الأزمات التي كانت تواجهها الكنيسة الكاثوليكية، وكان لهم بالغ التأثير في الأوساط الأكاديمية وطلاب الجامعات، كما في المؤسسة الكنسية ذاتها.
نعرض، فيما يلي، لأبرز مَن أسهموا في التأسيس الإصلاح الديني ومعارضة الفاتيكان قبل انطلاقة البروتستانتية على أيدي لوثر وكالفن:
جون ويكلف (1328 – 1384) John Wycliffe: فيلسوف وكاهن ومصلح ديني إنكليزي وأستاذ في علم اللاهوت في جامعة أوكسفورد. ترك أثرًا كبيرًا على الطروحات البروتستانتية المبكرة خلال القرن الرابع عشر، ويعتبره كثيرون سلفًا للبروتستانتية.
يان هوس (1369 ربما 1372– 1415) Jan Hus: كاهن من بوهيميا (الآن جزء من جمهورية التشيك). شغل منصب أستاذ وعميد كلية اللاهوت في جامعة براغ. كان من أوائل الذين تجاوبوا مع دعوة الإنكليزي ويكلف. ألقت الكنيسة الرسمية القبض عليه وحاكمته وأحرقته حيّاً عام 1415.
إيراسموس (1466 – 1536): Desiderius Erasmus Roterodamus راهب وفيلسوف وأحد مفكري الإصلاح الديني في هولندا، ومن رواد الحركة الإنسانية في أوروبا. وبالإضافة إلى مواقفه من الإصلاح الديني، نشر العديد من الكتب التي تتناول المسائل التربوية وآداب الطفولة وتعليم اللغة.
أورليخ زوينكلي (1484 – 1531) Ulrich Zwingli: أحد زعماء الإصلاح الديني في سويسرا.
تأثر بكتابات إيراسموس. بدأ منذ عام 1519، عندما أصبح قساً في مدينة زوريخ السويسرية، بالدعوة لإصلاح الكنيسة. ومن أهم مواقفه أنه هاجم طقوس الصوم وكشف عن فساد الكهنوت الكنسي، ونادى بزواج القساوسة، وانتقد استعمال الصور في أماكن العبادة.
عقيدة “العصر الألفي السعيد”
Millennial Kingdom
تتمتع هذه العقيدة، (يسميها بعضهم الألفية البروتستانتية) بموقع مركزي في الحركة الإصلاحية البروتستانتية، إذ يؤمن به قطاع واسع من البروتستانت، خاصة الإنجيليين منهم.
تقوم هذه العقيدة على تفسير “سفر الرؤيا” في العهد القديم من الكتاب المقدس المسيحي تفسيرًا حرفيًا مفاده أن المسيح سيعود إلى الأرض ليحكم فيها لفترة تدوم ألف عام ويحارب الشيطان ويمنعه من إغواء الأمم. وخلال هذا العصر سيعم السلام والعدل والازدهار.
قد تختلف الآراء حول طبيعة هذا العصر، بمعنى هل هو عصر أرضي أم روحي، غير أن ما يهمنا في هذا الصدد أنه ارتبط تاريخياً بتفسيرات حركة الإصلاح الديني والصهيونية المسيحية للادعاءات التوراتية، واستخدامها كرمز لنهاية الزمان حيث يتم القضاء على الشر وبزوغ زمن الخلود. ومربط الفرس في هذه العقيدة أن أصحابها يؤمنون بأن هذه الفترة تأتي بعد عودة المسيح الثانية، وأن عودة اليهود إلى “وطنهم الذي منحه الله لهم” تشكّل علامة لمجيء المسيح هذا. وعلى الرغم من الغموض والاختلافات التي تشوب هذه الأفكار من حيث توقيت هذه العودة، إلاّ أن المهم أنها أسهمت في تعزيز فكرة عودة اليهود إلى فلسطين.
حرب الثلاثين عامًا
على الرغم من حملات القمع الفظيعة التي شنتها الكنيسة الكاثوليكية على دعاة الإصلاح الديني، تسربت عقيدة “العصر الألفي السعيد” إلى العديد من البلدان الأوروبية، ولاقت رواجًا كبيرًا لا سيما خلال حرب الثلاثين عاماً ((1618 – 1648، التي كانت واحدة من أكثر الصراعات دمويةً في التاريخ الأوروبي.
ومع أن هذه الحروب اتخذت مظهر الصراع الديني، ولكنها سرعان ما تحولت لاحقاً إلى حروب سياسية واسعة النطاق شاركت فيها معظم القوى والحكومات الأوروبية: 1) الطرف الكاثوليكي بقيادة آل هابسبورغ (النمسا وإسبانيا) وبدعم من البابوية في الفاتيكان، و2) الطرف البروتستانتي والذي شاركت فيه السويد والدنمارك وهولندا، مع تدخل فرنسا (الكاثوليكية) إلى جانب البروتستانت بدافع منافستها مع آل هابسبورغ والحد من قوة الأخيرة.
ما يهمنا هنا، أن فظاعة هذه الحروب تشير إلى شدة تدين المجتمعات الأوروبية في تلك الآونة، وعمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي تسبب بها الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت.
نعود، بعد هذا الاستطراد، إلى انتشار حركة الإصلاح البروتستانتي في خضم هذه التطورات وتنامي تأثيراتها في الدول الأوروبية. ومن هذه الدول نذكر على سبيل المثال:
1. ألمانيا: انتشرت البروتستانتية في ألمانيا وأصبحت مدينة هامبورغ مركز الحركة الدينية التي ترتكز تعاليمها على “عودة الشعب اليهودي” إلى “أرض الميعاد – فلسطين”.
2. إسكندنافيا: تسربت الأفكار البروتستانتية إلى البلدان الاسكندنافية، ومعها الصهيونية المسيحية اللتان طالبتا بعودة اليهود إلى فلسطين. ففي الدانمرك، مثلاً، تجددت الدعوة لشن حروب الفرنجة مرة ثانية، حملة صليبية جديدة “لتحرير فلسطين والقدس” من الكفار (يقصدون هنا العرب المسلمين) وتوطين اليهود في فلسطين، كونهم الورثة الشرعيين ل “أرض الميعاد”. وفي السويد اشتدت حركة التبشير بالبروتستانتية والتي تضمنت حث اليهود على مطالبة الآخرين بالاعتراف بأنهم شعب الله المختار، وأن يتهيؤوا للعودة إلى الأرض المقدسة.
3. هولندا: من مَنْشَأُها في ألمانيا امتدت العقيدة البروتستانتية سريعًا إلى هولندا وبلجيكا، ثمّ جاءت هزيمة القوات الكاثوليكية في هولندا وقيام الجمهورية على أساس المبادئ البروتستانتية الكالفينية، لتشكّل انطلاقة الحركة الصهيونية المسيحية في أوروبا. * وقد ساعد هذا على ظهور جمعيات وكنائس وأحزاب سياسية تدعو اليهود للعودة إلى فلسطين وإقامة “وطنهم القومي” فيها، ودعمهم من أجل بلوغ هذه الغاية. ولعلنا نجد في هذا تفسير الدعم الذي تقدمه هولندا للصهيونية وكيانها المحتل في فلسطين. فالحكومة الهولندية، كانت على مدى السنوات، ولا تزال، ومعها العديد من الأحزاب اليمينية (مثل حزب النداء الديمقراطي المسيحي، وحزب العمل الهولندي، والحزب الليبرالي المعروف بتشدده) تدعم السياسات الصهيونية.
هامش
شكّل قيام الجمهورية الهولندية حدثًا هامًا في تاريخ هولندا والحركات الاستعمارية الأوروبية.
أ) فمن ناحيةــ تمكن أتباع البروتستانتية من تثبيت أقدامهم بعد هزيمة إسبانيا الذي تميّز حكمها بالقمع والاضطهاد الديني والذي دام من عام 1556 حتى عام 1648. وقد تمّ الاعتراف بالجمهورية الهولندية بموجب صلح وستفاليا Peace of Westphalia.
ب) ومن ناحية ثانية، شكّلت هذه الجمهورية عصرًا ذهبيًا عاشت في هولندا ازدهارًا تجاريّا وبحريًا وثقافيًا، تحولت من خلاله هولندا إلى قوة استعمارية عظمى. ففي عام 1602، تأسست شركة الهند الشرقية الهولندية، ما جعل أمستردام مركزاً تجاريًا ومالياً عالمياً، وازدهرت فيها الآداب والفنون والعلوم. ولكن هولندا سقطت في يد فرنسا عام 1795. وبالإضافة شهدت هولندا خلال هذه الحقبة، انتشارًا كبيرًا وسريعًا للمذهب البروتستانتي، وكانت الألفية البروتستانتية (عقيدة العصر الألفي السعيد) ركيزة أساسية للأيديولوجية الهولندية الكالفينية التي بلغت ذروتها خلال القرن السابع عشر، ما أسهم في تعزيز الصهيونية المسيحية وانتشار الطوائف المتهودة.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
[1] مثال ذلك، قرار البابا يوليوز الثاني في بناء كنيسة القديس بطرس في مدينة روما، التي وُضع حجر الأساس لبنائها عام 1506، والتي استنزفت أموالاً باهضه، وهو ما دفع البابا إلى بيع صكوك الغفران حيث يقوم المسيحيون بدفع مبالغ مالية إلى الكنيسية كي يحظوا بالمغفرة الإلهية من ذنوبهم.
